JustPaste.it

الجهمية المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- مشـركــون

المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- مشـركــون



مدونة كشف الشبهات
https://kushifalshabahaat.blogspot.com

  


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه أما بعد:

فهذا مقال في بيان بعض وجوه كون المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- مشركين بالأدلة والآثار

وفيه بيان أنهم اظهر واشد شركاً من عباد الاوثان ومن اليهود والنصارى

ثم يليه أقوال ائمة السلف المتقدمين في التفريق بين النوع والعين وفي عذر اعيانهم بالجهل وعدم تكفيرهم الا بعد إقامة الحجة.

ويليه اجماع السلف المتقدمين الذي نقله الإمام اللالكائي والإمام السجزي على العذر بالجهل في الشرك الأكبر وأن الحجة في التوحيد [ بالسمع ] فقط.

وأن معرفة التوحيد بالعقل أوالفطرة ممكنة لكنها ليست حجة بالإجماع خلافاً للمعتزلة والخوارج.

ويليه رد بدعة التسوية في باب الأسماء والأحكام بين الكفار الأصليين وبين الواقع في ناقض من أهل الشهادتين

ويليه جزء بالأدلة والاثار في بيان أن الخوارج القائلين ببدعة تكفير العاذر لو التزموا اصولهم لكفروا الصحابة رضي الله عنهم 

أوجه كون المعطلة للصفات مشركين:

الوجه الأول
: أن المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- يعبدون غير الله فإن الإله المشوه القبيح الذي يعبدونه ليس هو الله تعالى بل يشبه لا شيء وهذا شرك في توحيد المعرفة والاثبات وهو اظهر واعظم من الشرك في توحيد القصد والطلب.

وقد صرح بذلك كثير من كبار أئمة السلف

قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: [ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، يَقُولُ: "مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَهُوَ يَعْبُدُ صَنَمًا" ] (الإبانة الكبرى 6/36)

قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: [ بَابُ إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالرُّؤْيَةِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ: سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَمَنْ كَانَ مَعْبُودُهُ غَيْرَ سَمِيعٍ بَصِيرٍ، فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ، يَعْبُدُ غَيْرَ الْخَالِقِ الْبَارِئِ، الَّذِي هُوَ سِمِيعٌ بَصِيرٌ ] ص 106

قال عبد الله بن أحمد رحمه الله في السنة: "[ (باب) مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَكَلَّمُ فَهُوَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ.. حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْعَطَّارِ، سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ مَعْرُوفٍ، يَقُولُ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَكَلَّمُ فَهُوَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ» ] السنة لعبد الله بن أحمد ص 172

قال الإمام الدارمي: [ فَمَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِإِيمَانِهِ وَعِبَادَتِهِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَبَانَ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ ] الرد على الجهمية للدارمي ص 69

قال الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية والزنادقة: [ فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا: هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا: نعم فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرونه ] الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص 100

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح هذه العبارة: [ فهنا جعل الكلام مع المسلمين الذين يعبدون الله تعالى والعبادة متضمنة لقصد المعبود وإرادته والقصد والإرادة مستلزم لمعرفته والعلم به فلما قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق ثم قالوا هو مجهول لا يعرف بصفة فحينئذ تبين للمسلمين الذين يعبدون الله أنهم لا يثبتون شيئاً يعبدونه وإنما هم منافقون في ذلك لأن ما لا يعرف بصفة يمتنع أن يقصد فيعبد فعرف المسلمون بطلان قولهم أنهم يعبدون الله ويثبتونه] بيان التلبيس 6/496

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في بيان أن شرك المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- مدرك بالعقل والفطرة وبأنه اظهر واعظم من شرك الأوثان :

(القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، صلى الله عليه وسلم. فهذا أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال من له الخلق والأمر، وقدح في نفس الربوبية وخصائص الرب، فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك، وأعظم إثما عند الله.

فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله، كما أن من أقر لملك بالملك، ولم يجحد ملكه ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن جعل معه شريكا في بعض الأمور، يقربه إليه، خير ممن جحد صفات الملك وما يكون به ملكا، وهذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول.

فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها، من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد، يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟ فداء التعطيل هذا الداء العضال الذي لا دواء له) الجواب الكافي ص 144 ط دار المعرفة

وقال رحمه الله : (فشرك عباد الأصنام والأوثان والكواكب والشمس والقمر خير من توحيد هؤلاء بكثير -يعني المعطلة للصفات- فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية والإلهية وسائر صفاته وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شركا ولا تجد معطلا نافيا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل من كل وجه فإن مضمون توحيد الجهمية إنكار حياة الرب وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانا من فوقهم يوم القيامة وإنكار وجهه الأعلى ويديه ومجيئه وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه وسائر ما أخبر به الرسول عنه ومعلوم أن هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرسول فيما أخبر به عن الله وجحده فاستعار له أصحابه اسم التوحيد وقالوا نحن الموحدون كما استعار المنكرون للقدر اسم العدل بجحده ودفعه وقالوا نحن أهل التوحيد والعدل فهذا توحيدهم وهذا عدلهم والعدل والتوحيد الذي جاء به الرسول خلاف هذا وهذا قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} [آل عمران 19، 18]) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية 3/1112 ط دار العاصمة


الوجه الثاني
: أنهم يقدمون العقل على النقل وهذا شرك في الرسالة

قال الإمام ابن القيم: "الوجه الثالث والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء الذين لم يكتفوا بكتابه حتى سلكوا بزعمهم طريقة العقل وعارضوه به وقدموه عليه من جنس الذين لم يكتفوا به سبحانه إلها حتى جعلوا له أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله بل أولئك لم يقدموا أندادهم على الله فهؤلاء جعلوا لله ندا يطيعونه ويعظمونه ويعبدونه كما يعظمون الله ويعبدونه وهؤلاء جعلوا لكتابه ندا يتحاكمون إليه ويقبلون حكمه ويقدمونه على حكم كتابه بل الأمران متلازمان فمن لم يكتف بكتابه لم يكتف به فمتى جعل لكتابه ندا فقد جعل له ندا لا يكون غير ذلك البتة. فلا ترى من عارض الوحي برأيه وجعله ندا له إلا مشركا بالله قد اتخذ من دون الله أندادا ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين لا ينفك أحدهما عن صاحبه فإن المعطل قد جعل آراء الرجال وعقولهم ندا لكتاب الله والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندا له" الصواعق المرسلة 4/1353

الوجه الثالث: ما ذكره محمد بن أسلم الطوسي واستحسنه الإمام أحمد بن حنبل


قال أبو يعقوب المروذي: [ "نَظَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ الَّذِي وَضَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ، فَتَعَجَّبَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ رَأَتْ عَيْنَاكَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا يُغَلَّظُ رَأْيُ مُحَمَّدٍ مِنْ أُسْتَاذَيْهِ وَرِجَالُهُ مِثْلُهُ، فَتَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: لَا قَدْ رَأَيْتُهُمْ وَعَرَفْتُهُمْ فَلَمْ أَرَ فِيهِمْ عَلَى صِفَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ" ]

قال محمد بن أسلم في كتابه هذا: [ "زَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَقَدْ أَشْرَكُوا فِي ذَلِكَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ أَنَّ لَهُ كَلَامًا فَقَالَ: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ كَلَامًا وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ فِي تَكْلِيمِهِ إِيَّاهُ: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكُ} [طه: 12] فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكُ} [طه: 11] خَلْقٌ وَلَيْسَ بِكَلَامِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ خَلْقًا قَالَ لِمُوسَى: إِنِّي أَنَا رَبُّكُ، فَقَدْ جَعَلَ هَذَا الزَّاعِمُ رَبًّا لِمُوسَى دُونَ اللَّهِ. وَقَوْلُ اللَّهِ أَيْضًا لِمُوسَى فِي تَكْلِيمِهِ: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعَبْدُنِي} [طه: 13] فَقَدٍ جَعَلَ هَذَا الزَّاعِمُ إِلَهًا لِمُوسَى غَيْرَ اللَّهِ. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى لِمُوسَى فِي تَكْلِيمِهِ إِيَّاهُ: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] فَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ أَنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ قَوْلُهُ تَكَلَّمَ بِهِ وَاللَّهُ قَالَهُ زَعَمَ أَنَّهُ خَلْقٌ فَقَدْ عَظُمَ شِرْكُهُ وَافْتِرَاؤُهُ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ خَلْقًا قَالَ لِمُوسَى: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] فَقَدْ جَعَلَ هَذَا الزَّاعِمُ لِلْعَالَمِينَ رَبًّا غَيْرَ اللَّهِ فَأَيُّ شِرْكٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، فَتَبْقَى الْجَهْمِيَّةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بَيْنَ كُفْرَيْنِ اثْنَيْنِ أَنَّ زَعْمًا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى فَقَدْ رَدُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَكَفَرُوا بِهِ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] خَلْقٌ فَقَدْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَفِي هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَيَانٌ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهَا بَيَانُ شِرْكِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ خَلْقٌ، وَقَوْلُ اللَّهِ خَلْقٌ وَمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ خَلْقٌ" ] حلية الأولياء 9/244

وقال يزيد بن هارون : [ "والذي لا إله إلا هو ما هم إلا زنادقة أوقال مشركون" ] خلق أفعال العباد 39


الوجه الرابع: قد صرح كثير من الأئمة أن المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- أسوأ حالا ومقالا من المشركين واليهود والنصارى وقد سردت كثيرا من أقوالهم في هذا المقال: https://justpaste.it/12fph

ومنها قول الإمام عبد الله بْن الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: [ إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ ] السنة لعبدالله بن أحمد ص 174

قال الإمام الطبراني: [ "من قال: إنه مخلوق، فهو شر من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان" ] كما في الحجة على تارك المحجة 2/484

قال الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام: [ "من قال هذا (أي أن الله لا يتكلم) فليس شيء من الكفر إلا وهو دونه ومن قال هذا فقد قال على الله ما لم يفعله اليهود والنصارى ومذهبه التعطيل للخالق" ] الرد على الجهمية للبخاري 54

قال ابن خزيمة: [ الْمُعَطِّلَةُ الْجَهْمِيَّةُ: الَّذِينَ هُمْ شَرٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ ] التوحيد لأبن خزيمة 1/202


الوجه السادس: أن القرآن قد قامت الدلائل القطعية والبراهين اليقينية على أنه من عند الله ومن قوله ومن زعم أنه مخلوق فقد زعم أن الخلق قد جاء بما يختص به الله وهذا شرك

قال الإمام أبو جعفر بن نحاس (338 هـ): [ "قال أَبِو إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ السُّرِّيِّ كُلُّ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، قَالَ وَهَذَا مِنَ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْبَرَاهِينِ بِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِشْرٌ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَإِذَا كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مَا لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا اللَّهُ قَدْ جَاءَ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَجَعَلَ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ شَرِيكًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ لَطِيفِ الْعِلْمِ وَحُسْنِهِ" ]

الوجه السابع: أن المعطلة لصفات الخالق عز وجل من المؤمنين بالطاغوت

فقد سمى الإمام ابن القيم أصلهم في تقديم العقل على النقل طاغوتا فقال: (الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان) 1/173



فقد تبين لنا مما سبق الأمور التالية:

1. أن الجهمية يعبدون غير الله ويشركون به
2. أنهم يشركون في الرسالة
3. أنهم أظهر وأغلظ كفرا من اليهود والنصارى وكثير من المشركين

 

  • فمع ذلك كله فإن ائمة السلف المتقدمين يعذرونهم بالجهل ولا يكفرونهم الا بعد إقامة الحجة :

    - عذر الإمام أحمد بن حنبل للخليفة المعتصم -المعطل للصفات الواقع في الشرك الأكبر- لتأويله وجهله والبيعة والطاعة له والنهي عن الخروج عليه

     

    قال الامام احمد عن الخليفة المعتصم:

    (وكان لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد إني عليك شفيق، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها. قال: فيتكلم هذا وهذا) الإبانة لابن بطة 6/253 ط دار الراية

     

    وقال: (ثم جعل يقول لي: ما أعرفك! ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه من ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله) المحنة لعبدالغني المقدسي (ص: 55)  ط دار الكتب العلمية / الاولى

     

    وقال: (وقد جعلت أبا إسحاق "المعتصم" في حل ورأيت الله عز وجل يقول: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قضية مسطح، ثم قال أبو عبد الله: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك ولكن تعفو وتصفح عنه، فيغفر الله لك كما وعدك.) المحنة لعبدالغني المقدسي (ص: 92)  ط دار الكتب العلمية / الاولى

     

    - عذر الإمام أحمد بن حنبل للخليفة الواثق -المعطل للصفات الواقع في الشرك الأكبر- لتأويله وجهله والبيعة والطاعة له والنهي عن الخروج عليه

     

    قال الخلال في "السنة" (1/133-134): (90 - وأخبرني علي بن عيسى قال سمعت حنبل يقول: في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبدالله أبو بكر بن عبيد وإبراهيم بن علي المطبخي وفضل بن عاصم فجاؤوا إلى أبي عبدالله فاستأذنت لهم فقالوا يا أبا عبدالله هذا الأمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهاره لخلق القرآن وغير ذلك فقال لهم أبو عبدالله فما تريدون قالوا أن نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه فناظرهم أبو عبدالله ساعة وقال لهم عليكم بالنكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم انظروا في عاقبة أمركم واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ودار في ذلك كلام كثير لم أحفظه ومضوا ودخلت أنا وأبي على أبي عبدالله بعدما مضوا فقال أبي لأبي عبدالله نسأل الله السلامة لنا ولأمة محمد وما أحب لأحد أن يفعل هذا وقال أبي يا أبا عبدالله هذا عندك صواب قال لا هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر ثم ذكر أبو عبدالله قال قال النبي إن ضربك فاصبر وإن وإن فاصبر فأمر بالصبر قال عبدالله بن مسعود وذكر كلاما لم أحفظه)

     

    - عذر الامام عبدالعزيز الكناني للخليفة المأمون -المعطل للصفات الواقع في الشرك الأكبر- لجهله والبيعة والطاعة له والنهي عن الخروج عليه

     

    قال الامام الكناني :

     

    (اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهره بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعائه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون وعامة الناس وما قد دفع الناس إليه من المحنة، والأخذ في الدخول في هذا الكفر والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته، وإحجامهم عن الرد عليه بما يكسرون به قوله، ويدحضون به حجته ويبطلون به مذهبه، واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجمعات والجماعات، وهريهم من بلد إلى بلد، خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه، رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه.) الحيدة والاعتذار ص 21 ط مكتبة العلوم والحكم.

     

    وقال ايضا رحمه الله: (اجتمعت مع أمير المؤمنين بعد هذا المجلس فجرت بيني وبينه مناظرات كثيرة، فقال لي بعدما جرى بيننا: ويحك يا عبد العزيز، قل: القرآن مخلوق، فوالله لأوطأن الرجال عقبك، ولا نوهن باسمك، فإن لم تقل، فانظر ما ينزل بك مني، فقلت: يا أمير المؤمنين إن القلوب لا ترد بالرغبة ولا بالرهبة، ترغبني فتقول: قل حتى أفعل بك، وإن لم تفعل، انظر ماذا ينزل بك مني، فيميل إليك لساني ولا ينطق لك قلبي، فأكون قد نافقتك يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك، فبماذا ترد القلوب؟ قال: قلت: بالبصائر يا أمير المؤمنين، بصرني من أين القرآن مخلوق؟. فقال لي: صدقت) الابانة لابن بطة 6/248 ط دار الراية

     

    - الاجماع على اشتراط اقامة الحجة على الجهمية نقله الامام ابن ابي عاصم الشيباني (ت 287 هـ)

     

    (ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة... -الى أن قال- والقرآن كلام الله تبارك وتعالى تكلم الله به ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق، ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه) كتاب السنة له 2/645 ط المكتب الاسلامي


    - قال الامام البخاري (ت 256 هـ) عن اعيان المعطلة لصفات الخالق -عز وجل-: (وكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق فإنه يعلم، ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به، كان معاندا، قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] ، ولقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، فأما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كل لنفسه، فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام، والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم) خلق افعال العباد ص 62 ط دار المعارف


    - قال الامام الدارمي في بيان أن اعيان المعطلة للصفات لا يكفّرون الا بعد اقامة الحجة عليهم من الكتاب والسنة :

    (واحتججنا عليه -يعني احد رؤس المعطلة للصفات في مناظرته معه- بما تقوم به الحجة من الكتاب والسنة) النقض على المريسي (ص 226-227) ط المكتبة الاسلامية

    - وقال في بيان ان التكفير لا يثبت في حق المعطلة لصفات الخالق عز وجل وهم اظهر واشد شركا من عباد الاوثان الا بالنص الشرعي من الكتاب والسنة وليس بالفطرة او العقل كما عند المعتزلة والخوارج :

    (ما نكفرهم إلا بكتاب مسطور، وأثر مأثور) الرد على الجهمية (ص 179) ط المكتبة الاسلامية

    مع التذكير أن الجهم بن صفوان مقتول عام 128 هـ وهؤلاء الائمة مولودون بعده باكثر من 50 عام على الاقل.

    ولم يكونوا يعينون التكفير على اعيان المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- وهم اظهر واشد شركا من عباد الاوثان الا بعد ثبوت قيام الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع.

    ونقل الإمام اللالكائي والإمام السجزي اجماع اهل السنة والجماعة على العذر بالجهل في الشرك الأكبر.

    وأن الحجة في التوحيد [ بالسمع ] فقط.

    وأن معرفة التوحيد بالعقل أو الفطرة ممكنة لكنها ليست حجة بالإجماع خلافاً للمعتزلة والخوارج.

    ولمن ينطق بالشهادتين اسمين إما [ مسلم مؤمن ] حكماً

    او [ مرتد كافر ] خالد مخلد في النار وليس هناك مرتد يمتحن يوم القيامة.

    قال شيخ الاسلام في بيان أن ثبوت اسم الردة والكفر على من ينطق بالشهادتين كثبوت الوعيد في الاخرة بحقه:

    (لا يلزم إذا كان القول كفراً، أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع، كما بسطناه في موضعه) اهـ منهاج السنة 5/240

    وقال عن بعض المسلمين الواقعين بالشرك الأكبر جهلاً :

    (يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه) مجموع الفتاوى 35 / 164 - 166

    قال تعالى : {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. (البقرة 217)

    فمن دخل الإسلام الحكمي بنطقه بالشهادتين فلا يخرج عنه ويسمى مرتدا الا بعد اقامة الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع.


    قال الإمام اللالكائي:

    (سياق ما يدل من كتاب الله عز وجل وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل قال الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بلفظ خاص والمراد به العام : {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19]. وقال تبارك وتعالى: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين} [الأنعام: 106]. وقال تبارك وتعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25]. فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد. وقال تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} [سبأ: 50]. وقد استدل إبراهيم بأفعاله المحكمة المتقنة على وحدانيته بطلوع الشمس وغروبها، وظهور القمر وغيبته، وظهور الكواكب وأفولها، ثم قال: {لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} [الأنعام: 77]، فعلم أن الهداية وقعت بالسمع. وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع. قال الله تبارك وتعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}. وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. وقال تبارك وتعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165]. وقال تبارك وتعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين، ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون. ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} [القصص: 45]. {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} [طه: 133]. فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله عز وجل. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة). اهـ

    شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/ 216-220 ط دار طيبة


    قال الإمام السجزي -رحمه الله-:

    (إقامة البرهان على أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب.

    قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد}. فأمر جل جلاله نبيه عليه السلام أن يدعو إلى إثبات الوحدانية بالوحي وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} فبين أن من تقدم من الرسل كانوا يحتجون على الكفار في الوحدانية بالوحي ولم يؤمروا إلا بذلك. وقال جل جلاله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}. وقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى}.

    ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المحاجة بالعقل أحدا ولا أمر بذلك أمته.

    وقال عمر وسهل بن حنيف: (اتهموا الرأي على الدين)

    ولا مخالف لهما في الصحابة، وقد كانا يجتهدان في الفروع، فعلم أنهما أرادا بذلك المنع من الرجوع إلى العقل في المعتقدات.

    ولا خلاف بين الفقهاء في أن الكفار والملحدين لا يجب أن يناظروا بالعقليات، وأن المسلمين قد أمروا بالأخذ بما آتاهم الرسول، والانتهاء عما نهاهم عنه، وحذروا من أن تصيبهم الفتنة أو العذاب الأليم في مخالفتهم أمره، قال الله سبحانه: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} وقد كره عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جلالته الصلح يوم الحديبية، واستعظم رد المسلمين على الكفار، وكان ذلك من طريق العقل حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {تراني قد رضيت يا عمر وتأبى} فانتبه عند ذلك عمر وسكت علما منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مفترض الطاعة، ولأنه لا ينطق عن الهوى، وأن الوحي لا يقابل بالعقل.

    ولا خلاف بين المسلمين في أن كتاب الله لا يجوز رده بالعقل. بل العقل دل على وجوب قبوله والائتمام به، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ثبت عنه لا يجوز رده وأن الواجب رد كل ما خالفهما أو أحدهما.

    واتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فلما علمنا بوجود العقل قبل الإرسال، وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا أن الحجة هي ما ورد به السمع لا غير.

    وقد اتفقنا أيضا على أن رجلا لو قال: العقل ليس بحجة في نفسه وإنما يعرف به الحجة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجة علينا بنفسه، كان كافرا مباح الدم.

    فتحققنا أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير.

    ووجدنا أيضا القائلين بالعقل المجرد وأنه أول الحجج مختلفين فيه، كل واحد يزعم أن الحق معه وأن مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه، ونجدهم أيضا يقولون اليوم قولا يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجة في نفسه.

    ووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه.

    وقد وجب علينا الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجة فيه لا في مجرد العقل.

    وإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله وبين أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل لأن العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك.

    وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى.

    على أن الأشعري يزعم أن العقل لا يقتضي حسنا ولا قبيحا. وهذا لعمري مخالفة العقل عيانا، وسيأتي بيان ذلك في غير هذا الفصل بمشيئة الله عز وجل.

    وإذا ثبت ما قلناه زال شغبهم في أن العقل يقتضي ما يقولونه، لأنا لم نؤثر باتباع عقل يخالف السمع، وسنذكر كذبهم في اقتضاء العقل ما صاروا إليه بعد هذا إن شاء الله عز وجل.) اهـ. رسالة السجزي (ص 131-143)

    || بدعة التسوية في باب الأسماء والأحكام بين الكفار الأصليين ومن ينطق بالشهادتين ||

     

    بسم الله الرحمن الرحيم
    فهذا مقال رداً على بدعة شرعها افراخ الخوارج والمعتزلة الجدّد وهي التسوية في باب الأسماء والأحكام بين الكفار الأصليين وبين من ينطق بالشهادتين،

    وادخل في المقصود بإذن الله:

    قال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) صحيح البخاري

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته) صحيح البخاري

    الشهادتين والصلاة وباقي الاركان (توحـيد وايمان)

    والتوحيد والإيمان يجتمع مع الشرك والكفر اذا وجد مانع من الموانع الشرعية كالإكراه والجهل والتأويل والخطأ

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن القبوريين في زمانه:

    (بل كل من كان من المتنسكة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والأغنياء؛ والكتاب؛ والحساب؛ والأطباء؛ وأهل الديوان والعامة: خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله؛ ولا يحرم ما حرمه الله ورسوله؛ أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله باطنا وظاهرا: مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه؛ أو ينصره أو يهديه؛ أو يغيثه؛ أو يعينه؛ أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له؛ أو كان يفضله على النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلا مطلقا؛ أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى؛ أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك؛ ومنافقون إن لم يظهروه.

    وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة العلم والإيمان وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه كما في الحديث المعروف: {يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة إلا الشيخ الكبير؛ والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار}. وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولا يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية؛ فإن "الإيمان" من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله؛ ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام؛ أو لنشوئه في بادية بعيدة أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل الذي قال: إذا أنا مت فاسحقوني وذروني في اليم؛ لعلي أضل عن الله ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب في أماكنها والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا. والله أعلم.) مجموع الفتاوى 35 / 164 - 166

    وقال دفاعا عن القبوري أبوحامد الغزالي الذي مات ولم يتبرأ من كتبه الشركية واعتباره من علماء المسلمين.
    تقريرا لإجماع السلف المقدمين والمتأخرين على العذر بالجهل والتأويل في الشرك الأكبر وللتفريق بين النوع والعين:

    (وهذا القائل إنما ذكر لدفع التكفير عن مثل الغزالي وأمثاله من علماء المسلمين، ومن المعلوم أن المنع من تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في هذا الباب؛ بل دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من أحق الأغراض الشرعية؛ حتى لو فرض أن دفع التكفير عن القائل يعتقد أنه ليس بكافر حماية له، ونصرا لأخيه المسلم: لكان هذا غرضا شرعيا حسنا، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد.) مجموع الفتاوى 35/103

    وقال في بيان أن ثبوت اسم الردة والكفر على من (ينطق بالشهادتين) كثبوت الوعيد في الاخرة بحقه:

    (لا يلزم إذا كان القول كفراً، أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع، كما بسطناه في موضعه). اهـ منهاج السنة 5/240

    قال تعالى : {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة 217).

    قال تعالى : {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء 115).

    فليس هناك مرتد يمتحن يوم القيامة بنص الآية وكلام أهل العلم.

    ثانياً: ليس هناك مرتد يأمّن ويجار وله عهد كما يأمّن و يجار ويعطى العهد الكافر الاصلي. والزعم أن المرتد يأمن ويجار وله عهد تكذيب لنص القرآن والسنة والإجماع.

    قال عليه الصلاة والسلام : (من بدل دينه فقتلوه)
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية فتارة يدرك بيقين وتارة يدرك بظن غالب وتارة يتردد فيه ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل) بغية المرتاد ص 345 ط مكتبة العلوم والحكم

    وهذا يقمع المفترين والدجالين.

    🔸 فمن نطق بالشهادتين له اسمين :

    اما [ مسلم مؤمن ] حكماً

    او [ مرتد كافر مشرك ] خالد مخلد في النار.

    قال شيخ الاسلام : (فغالب الناس إسلامهم حكمي ... إنما يعملون الأعمال عادة ومتابعة كما هو الواقع في كثير من الناس) مجموع الفتاوى ج 26/ ص 32

    فمن دخل في الاسلام الحكمي بنطقه بالشهادتين فلا يخرج عنه ويسمى مرتدا الا بعد اقامة الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع.

    فباب الأسماء والأحكام من الشرائع التي تثبت بالكتاب والسنة والاجماع.

    ولمن ينطق بالشهادتين أسماء وأحكام تختلف عن أسماء وأحكام الكافر الاصلي.

    ▪️ ومن ذلك ان الله فرق بين الكفار الاصليين فمنهم من يجوز لنا اكل ذبائحهم والزواج منهم كأهل الكتاب اما غيرهم من المجوس وعباد الاوثان فلا يجوز لنا فعل ذلك معهم.

    ▪️ ومن ذلك أن الكفار الاصليين يجوز ان يقرون على دينهم مقابل الجزية اما الواقعون في ردة فلا يجوز ذلك.

    ▪️ وهذا يهدم بدعة وفرية المفترين على الله الذين يلعبون بدينه.


    🔸 فتنزيل الأسماء والأحكام التي في الكفار الاصليين الذين لا ينطقون بكلمة التوحيد ولا يشهدون للرسول بالرسالة على من ينطق بالشهادتين دجل وتحريف وكذب على الله وتشريع لما لم يأذن.

     

     

    || جزء في بيان أن الخوارج والمعتزلة الجدد القائلين ببدعة تكفير العاذر لو التزموا اصولهم لكفروا الصحابة رضي الله عنهم ||

     

     

    الدليل الأول :

     

    قوله تعالى "قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ"

    قال الطبري: "وذكر أن هذه الآية نزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) سورة الزمر: 53 

     

    ذكر الخبر بذلك:

     

    -حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، حدثني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر: أنه قال: لما نزلت: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآية، قام رجل فقال: والشرك، يا نبيَّ الله؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما". 

     

    حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: "إن الله لا يغفر أن يشرك له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، قال: أخبرني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله. فكره ذلك النبي، فقال: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" اهـ

     

    قال ابن المنذر: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عِمْرَانَ الْبُرْجُمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:

    {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية، "قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَلاهَا عَلَى النَّاسِ "، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: وَالشِّرْكُ بِاللهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالشِّرْكُ بِاللهِ، فَسَكَتَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} قَالَ: فَأُثْبِتَتْ هَذِهِ فِي الزُّمَرِ، وأُثْبِتَتْ هَذِهِ فِي النِّسَاءِ يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".

     

    وفي تفسير ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويغفر ما دون ذلك لمن يَشَاءُ أَخْبَرَنِي مُجَبَّرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: وَالشِّرْكُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.

     

    عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الآيَةُ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَقَالَ رَجُلٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: أَلا وَمَنْ أَشْرَكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ" اهـ

     

    قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبِيلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَوْبَانَ -مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} إِلَى آخَرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

     

    وفي الدر المنثور: وَأخرج عبد بن حميد عَن أبي مجلز لَاحق بن حميد السدُوسِي قَالَ: لما أنزل الله على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا}إِلَى آخر الْآيَة قَامَ نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخَطب النَّاس وتلا عَلَيْهِم فَقَامَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله والشرك بِاللَّه فَسكت فَأَعَادَ ذَلِك مَا شَاءَ الله فَأنْزل الله (إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء) (النِّسَاء 48). اهـ

     

    الدليل الثاني :

     

    حديث لقيط بن عامر

     

    روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وغيره في حديث اللقيط بن عامر المشهور الطويل: "فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى مِنْ خَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ قَالَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ قَالَ فَلَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِي وَوَجْهِي وَلَحْمِي مِمَّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا الْأُخْرَى أَجْهَلُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَهْلُكَ قَالَ وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللَّهِ مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ فَقُلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إِلَّا إِيَّاهُ وَكَانُوا يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ يَعْنِي نَبِيًّا فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنْ الْمُهْتَدِينَ" صححه الحاكم وابن خزيمة

     

     

     

    الدليل الثالث :

     

    قوله تعالى "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"

     قال الطبري: "القول في تأويل قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

     

    قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان الله ليقضي عليكم، في استغفاركم لموتاكم المشركين، بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا الانتهاء عنه. فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهيّ، فأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائنٍ مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمَرْ به ولم ينه عنه "إن الله بكل شيء عليم"، يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما خالط أنفسكم عند نهي الله إياكم من الاستغفار لموتاكم المشركين، من الجزع على ما سلف منكم من الاستغفار لهم قبل تقدمه إليكم بالنهي عنه، وبغير ذلك من سرائر أموركم وأمور عباده وظواهرها، فبيَّن لكم حلمه في ذلك عليكم، ليضع عنكم ثِقَل الوَجْد بذلك.

     

    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

     

     ذكر من قال ذلك:

     

    حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون"، قال: بيانُ الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعتُه ومعصيته، فافعلوا أو ذَرُوا.

     

    - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون"، قال: بيانُ الله للمؤمنين: أن لا يستغفروا للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعتُه ومعصيته عامة، فافعلوا أو ذَرُوا.

     

    قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

     

    - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: "وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون"، قال: 

     

    يبين الله للمؤمنين في أن لا يستغفروا للمشركين في بيانه في طاعته وفي معصيته، فافعلوا أو ذروا.اهـ

     

    قال البغوي: " قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ [الْآيَةَ] ، مَعْنَاهُ: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر وباستغفاركم للمشركين، حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، يُرِيدُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ، فإذا بيّن وَلَمْ تَأْخُذُوا بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تستحقّون الضلال.
    وقال مُجَاهِدٌ: بَيَانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي تَرْكِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً وَبَيَانُهُ لَهُمْ فِي مَعْصِيَتِهِ وَطَاعَتِهِ عَامَّةً، فافعلوا وذروا " اهــ

     

    قال السمعاني: "وَفِي الْآيَة قَول آخر؛ وَهُوَ: أَن الْآيَة فِي الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين؛ فَإِن جمَاعَة من الصَّحَابَة كَانُوا اسْتَغْفرُوا لِآبَائِهِمْ وَلم يعلمُوا أَن ذَلِك لَا يجوز، فَلَمَّا أنزل النَّهْي عَنهُ خَافُوا على أنفسهم خوفًا شَدِيدا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة" اهـ

     

    فإذا كان أصحاب النبي لم يأثموا باستغفارهم للمشركين قبل بلوغ الحجة الشرعية المانعة من ذلك مع أن معرفة عدم الغفران للمشرك الأصلي أعظم وضوحا من مسألة تكفير المشرك المنتسب للملة فمن كان جاهلا لم يبلغه حجة شرعية كافية في أحكام تكفير المعين المنتسب للقبلة لا يأثم من باب الأولى فضلا عن تكفيره بذلك

     

     

    الدليل الرابع : 

     

    حديث عائشة

     

     

    قال الإمام مسلم في صحيحه: حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ « لاَ يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ»

     

     

    الدليل الخامس :

     

    قال الله تعالى: "فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا"

     

    قال الطبري رحمه الله في تفسير الآية بعد أن ذكر قول من قال إن الآية في منافقي أهل المدينة: "قَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ، وَكَانُوا يُعِينُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ

     

    حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّةَ قَدْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ حَاجَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنْ لَقِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَأْسٌ. وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ قَالَتْ فِئَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: ارْكَبُوا إِلَى الْخُبَثَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدُوَّكُمْ. وَقَالَتْ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ كَمَا قَالُوا، أَتَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ؟ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا وَيَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ تُسْتَحَلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِذَلِكَ. فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ، وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْءٍ؛ فَنَزَلَتْ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [النساء: 88] الْآيَةُ "

     

    ثم نقل أقوالا أخرى ثم قال: "وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ كَانُوا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَهْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ: التَّأْوِيلُ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ، وَالْآخَرُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [النساء: 89] 

     

    أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دَارِهِ وَمَدَينَتِهِ مِنْ سَائِرِ أَرْضِ الْكُفْرِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ مُقِيمًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضُ هِجْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ كَانَ وَطَنُهُ وَمَقَامُهُ"

    فاختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوم من أهل مكة أظهروا الإسلام ثم عاونوا المشركين على المسلمين فكفرتهم طائفة وتوقفت عن تكفيرهم أخرى ولم تكن بتوقفها كافرة ولا مرتدة ولله الحمد

     

     

    الدليل السادس : 

    عذر ائمة السلف للمعطلة لصفات الخالق عز وجل وهم اشد وأظهر شركا من عبّاد الاوثان ومن اليهود والنصارى وعدم تكفيرهم واخراجهم من الاسلام الا بعد اقامة الحجة.وهذا مقال بالآثار في بيان أن المعطلة للصفات اظهر واعظم شركاً من اليهود والنصارى وعباد الأوثان ↓↓
    https://justpaste.it/12fph

    وهذا مقال بالآثار في بيان بعض اوجه كون المعطلة للصفات مشركين ↓↓
    https://justpaste.it/Jahmia


    بعض نصوص الأئمة في عذر المعطلة:


    - عذر الإمام أحمد بن حنبل للخليفة المعتصم لتأويله وجهله والبيعة والطاعة له والنهي عن الخروج عليه

     

    قال الامام احمد عن الخليفة المعتصم:

    (وكان لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد إني عليك شفيق، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها. قال: فيتكلم هذا وهذا) الإبانة لابن بطة 6/253 ط دار الراية

     

    وقال: (ثم جعل يقول لي: ما أعرفك! ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه من ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله) المحنة لعبدالغني المقدسي (ص: 55)  ط دار الكتب العلمية / الاولى

     

    وقال: (وقد جعلت أبا إسحاق "المعتصم" في حل ورأيت الله عز وجل يقول: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قضية مسطح، ثم قال أبو عبد الله: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك ولكن تعفو وتصفح عنه، فيغفر الله لك كما وعدك.) المحنة لعبدالغني المقدسي (ص: 92)  ط دار الكتب العلمية / الاولى

     

    - عذر الإمام أحمد بن حنبل للخليفة الواثق لتأويله وجهله والبيعة والطاعة له والنهي عن الخروج عليه

     

    قال الخلال في "السنة" (1/133-134): (90 - وأخبرني علي بن عيسى قال سمعت حنبل يقول: في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبدالله أبو بكر بن عبيد وإبراهيم بن علي المطبخي وفضل بن عاصم فجاؤوا إلى أبي عبدالله فاستأذنت لهم فقالوا يا أبا عبدالله هذا الأمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهاره لخلق القرآن وغير ذلك فقال لهم أبو عبدالله فما تريدون قالوا أن نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه فناظرهم أبو عبدالله ساعة وقال لهم عليكم بالنكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم انظروا في عاقبة أمركم واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ودار في ذلك كلام كثير لم أحفظه ومضوا ودخلت أنا وأبي على أبي عبدالله بعدما مضوا فقال أبي لأبي عبدالله نسأل الله السلامة لنا ولأمة محمد وما أحب لأحد أن يفعل هذا وقال أبي يا أبا عبدالله هذا عندك صواب قال لا هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر ثم ذكر أبو عبدالله قال قال النبي إن ضربك فاصبر وإن وإن فاصبر فأمر بالصبر قال عبدالله بن مسعود وذكر كلاما لم أحفظه)

     

    - عذر الامام عبدالعزيز الكناني للخليفة المأمون لجهله والبيعة والطاعة له والنهي عن الخروج عليه

     

    قال الامام الكناني :

     

    (اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهره بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعائه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون وعامة الناس وما قد دفع الناس إليه من المحنة، والأخذ في الدخول في هذا الكفر والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته، وإحجامهم عن الرد عليه بما يكسرون به قوله، ويدحضون به حجته ويبطلون به مذهبه، واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجمعات والجماعات، وهريهم من بلد إلى بلد، خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه، رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه.) الحيدة والاعتذار ص 21 ط مكتبة العلوم والحكم.

     

    وقال ايضا رحمه الله: (اجتمعت مع أمير المؤمنين بعد هذا المجلس فجرت بيني وبينه مناظرات كثيرة، فقال لي بعدما جرى بيننا: ويحك يا عبد العزيز، قل: القرآن مخلوق، فوالله لأوطأن الرجال عقبك، ولا نوهن باسمك، فإن لم تقل، فانظر ما ينزل بك مني، فقلت: يا أمير المؤمنين إن القلوب لا ترد بالرغبة ولا بالرهبة، ترغبني فتقول: قل حتى أفعل بك، وإن لم تفعل، انظر ماذا ينزل بك مني، فيميل إليك لساني ولا ينطق لك قلبي، فأكون قد نافقتك يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك، فبماذا ترد القلوب؟ قال: قلت: بالبصائر يا أمير المؤمنين، بصرني من أين القرآن مخلوق؟. فقال لي: صدقت) الابانة لابن بطة 6/248 ط دار الراية

     

    - الاجماع على اشتراط اقامة الحجة على الجهمية نقله الامام ابن ابي عاصم الشيباني (ت 287 هـ)

     

    قال رحمه الله: (ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة... -الى أن قال- والقرآن كلام الله تبارك وتعالى تكلم الله به ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق، ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه) كتاب السنة له 2/645 ط المكتب الاسلامي

    - قال الامام البخاري (ت 256 هـ) عن اعيان المعطلة لصفات الخالق -عز وجل-: (وكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق فإنه يعلم، ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به، كان معاندا، قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] ، ولقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، فأما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كل لنفسه، فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام، والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم) خلق افعال العباد ص 62 ط دار المعارف- قال الامام الدارمي في بيان أن اعيان المعطلة للصفات لا يكفّرون الا بعد اقامة الحجة عليهم من الكتاب والسنة:(واحتججنا عليه -يعني احد رؤس المعطلة للصفات في مناظرته معه- بما تقوم به الحجة من الكتاب والسنة) النقض على المريسي (ص 226-227) ط المكتبة الاسلامية


    مع التذكير أن الجهم بن صفوان مقتول عام 128 هـ وهؤلاء الائمة مولودون بعده باكثر من 50 عام على الاقل. ولم يكونوا يعينون التكفير على اعيان المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- وهم اظهر واشد شركا من عباد الاوثان الا بعد ثبوت قيام الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع. وفي تقرير ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.) الرد على البكري 253 وقال: (لا يلزم إذا كان القول كفراً، أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع، كما بسطناه في موضعه). اهـ منهاج السنة 5/240

    وقال: (وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيرا مطلقا؛ وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها) مجموع الفتاوى 2/352

    هذا والله اعلم
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين