باب ما جاء في أن كفر الجهمية المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- أعظم وأظهر شركاً من عبّاد الأوثان واليهود والنصارى
ثم يليه أقوال ائمة السلف المتقدمين في عذرهم بالجهل وعدم تكفيرهم الا بعد إقامة الحجة.
ويليه اجماع السلف المتقدمين على العذر بالجهل في الشرك الأكبر وأن الحجة في التوحيد لا تكون الا [ بالسمع ] فقط.
وأن معرفة التوحيد بالعقل ممكنة لكنها ليست حجة بالإجماع خلافاً للمعتزلة والخوارج.
قال عبدالله بْنَ الْمُبَارَكِ وَمُوسَى بْنَ أَعْيَنَ، يَقُولَانِ: [ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ أَكْفَرُ مِنْ هُرْمُزَ ] شرح أصول الإعتقاد للالكائي 2/282
قال عبد الله بْن الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: [ إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ ] السنة لعبدالله بن أحمد ص 174
قال ابن بطة [ وَصَدَقَ عَبْدُ اللَّهِ فَإِنَّ الَّذِي تُجَادِلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الضُّلَّالُ، وَتَتَفَوَّهُ بِهِ مِنْ قَبِيحِ الْمَقَالِ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَتَحَوَّبُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ عَنِ التَّفَوِّهِ بِهِ ] 6/132
قال عَبْد اللَّهِ بْن إِدْرِيس، [ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَقَدْ أَمَاتَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
ثُمَّ قَالَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ هُمْ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ ] الإبانة 6/43
قال الإمام البخاري: [ نَظَرْتُ فِي كَلاَمِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَضَلَّ فِي كُفْرِهِمْ مِنْهُمْ ] خلق أفعال العباد ص 30
قال ابن خزيمة: [ الْمُعَطِّلَةُ الْجَهْمِيَّةُ: الَّذِينَ هُمْ شَرٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ] التوحيد لأبن خزيمة 1/202
وقال: [ مَنْ أَنْكَرَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ خَالِقَهُمْ يَوْمَ الْمَعَادِ، فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ هُمْ أَسْوَأُ حَالًا فِي الدُّنْيَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسِ ] 2/585
قال الإمام الطبراني: [ من قال: إنه مخلوق، فهو شر من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان ] الحجة على تارك المحجة 2/484
قال سعيد بن عامر : [ الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى، وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء ] خلق افعال العباد 30
قال عبد الله بن أحمد في السنة 50 - حدثني عباس العنبري ، حدثنا شاذ بن يحيى ، سمعت يزيد بن هارون ، وقيل ، له : من الجهمية ؟ فقال : [ من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي ]
قال البخاري في خلق أفعال العباد (2/ 37) : "63- وَحَذَّرَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْجَهْمِيَّةِ فَقَالَ : [ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى عَلَى خِلاَفِ مَا يَقِرُّ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمُحَمَّدٌ الشَّيْبَانِيُّ جَهْمِيٌّ ]
وقال عبد الله بن أحمد في السنة 61 - حدثني زياد بن أيوب دلويه ، سمعت يحيى بن إسماعيل الواسطي ، قال : سمعت عباد بن العوام ، يقول : [ كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء ]
وقال عبد الله بن أحمد في السنة 115 - حدثني عبد الله بن شبويه ، حدثنا محمد بن عثمان ، قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي : وسأله ، سهل بن أبي خدويه عن القرآن ، فقال : [ يا أبا يحيى ما لك ولهذه المسائل هذه مسائل أصحاب جهم ، إنه ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء، أرى والله ألا يناكحوا ولا يوارثوا]
وقال الدارمي: [ وصدق ابن المبارك إن من كلامهم ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى فلذلك رأى أهل المدينة أن يقتلوا ولا يستتابوا ] الرد على الجهمية ص 211
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ: [ مَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِأَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ ] الإبانة 6/322
وقال: [ مَا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَدًا أَكْفَرَ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَالَ احْذَرُوا مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّ كَلَامَهُمُ الزَّنْدَقَةُ، وَأَنَا كَلَّمْتُ أُسْتَاذَهُمْ فَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّ فِي السَّمَاءِ إِلَهًا ] خلق أفعال العباد ص 30
قال الإمام أبوعُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ : [ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَقَالَ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ تَقُلْهُ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ] 6/50
وقال: [ وَمَنْ قَالَ : هَذَا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْكُفْرِ إِلاَّ وَهُوَ دُونَهُ ، وَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ قَالَ عَلَى اللهِ مَا لَمْ تَقُلْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَذهَبُهُ التَّعْطِيلُ لِلْخَالِقِ ] خلق أفعال العباد ص 33
وقال: [ مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ شَرٌّ مِمَّنْ قَالَ : {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} جَلَّ اللَّهُ وَتَعَالَى؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ يُثْبِتُونَ شَيْئًا، وَهَؤُلَاءِ لَا يُثْبِتُونَ الْمَعْنَى ] شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 2/291
وقال الإمام الدارمي: [ لَقَدْ سَبَبْتُمُ اللهَ بِأَقْبَحِ مَا سبَّه اليَهُودُ: {قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: يَدُ اللهِ مَخْلُوقَةٌ لمَّا ادَّعيتم أَنَّهَا نِعْمَتُهُ وَرِزْقُهُ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ وَالأَرْزَاقَ مَخْلُوقَةٌ كُلُّهَا.
ثُمَّ زِدْتُمْ عَلَى اليَهُودِ، فَادَّعَيْتُمْ أَن وَجْهَ اللهِ مَخْلُوقٌ؛ إِذ ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ وَجْهُ القِبْلَةِ وَوُجُوهُ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَكَوَجْهِ الثَّوْبِ وَالحَائِطِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ، فَادَّعَيْتُمْ أَنَّ عِلْمَهُ وَكَلَامَهُ وَأَسْمَاءَهُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، كَمَا هِيَ لكم، فَمَا بَقِي إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: هُوَ بِكَمَالِهِ مَخْلُوقٌ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّكُمْ سَبَبْتُمُ الله بِأَقْبَحِ مَا سبَّته اليَهُودُ. ] النقض ص 280
قال التيمي الأصبهاني والزنجاني الشافعي: [وَالْجَهْمِيَّةُ لَا تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَهَا بِوُجُودِ ذَاتِهِ فَهُمْ أَعْجَزُ فَهْمًا مِنْ فِرْعَوْنَ بَلْ وَأَضَلُّ] اجماع الجيوش لأبن القيم ص 272
قال عبد الغني المقدسي الإمام: [ واعلم ـ رحمك الله ـ أن الإسلام وأهله أتو من طوائف ثلاث فطائفة ردت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار.وأخرى قالوا بصحتها وقبولها، ثم تأولوها ، فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأولى ] عقيدة الحافظ عبدالغني المقدسي ص 112
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما ] مجموع الفتاوى 2/477
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ وقال غير واحد من الأئمة: إنهم أكفر من اليهود والنصارى ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ ومن العجب أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينسبون المثبتين للصفات إلى قول النصارى، كما قد ذكر ذلك عنهم أحمد وغيره من العلماء.
وبهذا السبب وضعوا على ابن كلاب حكاية راجت على بعض المنتسبين إلى السنة، فذكروها في مثالبه.
وهو أنه كان له أخت نصرانية، وأنها هجرته لما أسلم، وأنه قال لها: أنا أظهرت الإسلام لأفسد على المسلمين دينهم، فرضيت عنه لأجل ذلك.
وهذه الحكاية إنما افتراها بعض الجهمية من المعتزلة ونحوهم، لأن ابن كلاب خالف هؤلاء في إثبات الصفات، وهم ينسبون مثبتة الصفات إلى مشابهة النصارى، وهو أشبه بالنصارى.
لأنه يلزمهم أن يقولوا: إنه في كل مكان، وهذا أعظم من قول النصارى، أو أن يقولوا ما هو شر من هذا، وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه.
ولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره، يردون عليهم بمثل هذا، ويقولون: إذا كان المسلمون كفروا من يقول: إنه حل في المسيح وحده، فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفراً من النصارى بكثير.
وهم لا يمكنهم أن يردوا على من قال بالحلول، إن لم يقولوا بقول أهل الإثبات، القائلين بمباينته للعالم فيلزمهم أحد الأمرين: إما الحلول، وإما التعطيل، والتعطيل شر من الحلول ] درء تعارض العقل والنقل 6/155
فنص على أن قول معطلي العلو من الجهمية أعظم كفرا من قول النصارى فتأمل!
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في بيان أن شرك الجهمية المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- مدرك بالعقل والفطرة وبأنه اظهر واعظم من شرك الأوثان:
[ فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله، كما أن من أقر لملك بالملك، ولم يجحد ملكه ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن جعل معه شريكا في بعض الأمور، يقربه إليه، خير ممن جحد صفات الملك وما يكون به ملكا، وهذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول. ] اهـ الجواب الكافي ص 144
وقال : [ فشرك عباد الأصنام والأوثان والكواكب والشمس والقمر خير من توحيد هؤلاء بكثير فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية والإلهية وسائر صفاته وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شركا ولا تجد معطلا نافيا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل من كل وجه فإن مضمون توحيد الجهمية إنكار حياة الرب وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانا من فوقهم يوم القيامة وإنكار وجهه الأعلى ويديه ومجيئه وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه وسائر ما أخبر به الرسول عنه ومعلوم أن هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرسول فيما أخبر به عن الله وجحده فاستعار له أصحابه اسم التوحيد وقالوا نحن الموحدون كما استعار المنكرون للقدر اسم العدل بجحده ودفعه وقالوا نحن أهل التوحيد والعدل فهذا توحيدهم وهذا عدلهم والعدل والتوحيد الذي جاء به الرسول خلاف هذا وهذا قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} (آل عمران 19، 18) ] الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية 3/1112 ط دار العاصمة
وقال : [ إن هذا القول الذي قاله أصحاب القانون لم يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم لا طوائف المسلمين ولا اليهود ولا النصارى ولا أحد من أهل الملل ولا طوائف الأطباء ولا النحاة ولا أهل اللغة ولا أهل المعاني والبيان ولا غيرهم قبل هؤلاء وذلك لظهور العلم بفساده فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق فإن بني آدم يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضا مخاطبة ومكاتبة وقد أنطق الله سبحانه بعض الجمادات وبعض أنواع الحيوانات بمثل نطق بني آدم فلم يسترب سامع ذلك النطق في حصول العلم واليقين به بل كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية ] الصواعق المرسلة 2/777
وقال: [ قال السلف الذين بلغتهم مقالة هؤلاء أنهم شر قولا من اليهود والنصارى، وقالوا إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكى كلام هؤلاء. وقالوا إنهم مليشون معطلون نافون للمعبود عز وجل. [ مليشون ] أي يصفونه بصفة لا شيء ] مختصر الصواعق ص 345
وقال عن قانون الأشاعرة: [ فتأمل هذا البنيان الذي بنوه والأصل الذي أصلوه هل في قواعد الإلحاد أعظم هدما منه لقواعد الدين وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين وبطلان هذا الأصل معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل وعند جميع أهل الملل ] الصواعق المرسلة 3/1178
قال مفتي علماء نجد في وقته العلامة عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: [ قال العلماء الأعلام، أن المرتدين ممن ادَّعى أنه من أمة محمد، وانتسب إليه من كافر، وجاحد للصفات، أو مُسْتَحِلٍّ للمحرمات، ومُسْقِطٍ للشرائع، كالإسماعيلية، والنصيرية، والجهمية، وأشباههم ممن يَدَّعى أنهم من هذه الأمة، أعظم كفرًا من اليهود والنصارى ] .
فقد تبين لنا مما سبق الأمور التالية:
1. أن الجهمية يعبدون غير الله ويشركون به
2. أنهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى وكثير من المشركين
فمع ذلك كله فإن ائمة السلف المتقدمين يعذرونهم بالجهل ولا يكفرونهم الا بعد إقامة الحجة :
- عذر الامام أحمد للمأمون لجهله قبل اقامة الحجة عليه.
قال الامام احمد عن المأمون:
(وكان لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد إني عليك شفيق، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها. قال: فيتكلم هذا وهذا) الابانة لأبن بطة 6/253 ط دار الراية
- عذر الامام عبدالعزيز الكناني للمأمون لجهله.
قال الامام الكناني :
(اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهره بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعائه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون وعامة الناس وما قد دفع الناس إليه من المحنة، والأخذ في الدخول في هذا الكفر والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته، وإحجامهم عن الرد عليه بما يكسرون به قوله، ويدحضون به حجته ويبطلون به مذهبه، واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجمعات والجماعات، وهريهم من بلد إلى بلد، خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه، رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه.) الحيدة والاعتذار ص 21 ط مكتبة العلوم والحكم.
وقال ايضا رحمه الله: (اجتمعت مع أمير المؤمنين بعد هذا المجلس فجرت بيني وبينه مناظرات كثيرة، فقال لي بعدما جرى بيننا: ويحك يا عبد العزيز، قل: القرآن مخلوق، فوالله لأوطأن الرجال عقبك، ولا نوهن باسمك، فإن لم تقل، فانظر ما ينزل بك مني، فقلت: يا أمير المؤمنين إن القلوب لا ترد بالرغبة ولا بالرهبة، ترغبني فتقول: قل حتى أفعل بك، وإن لم تفعل، انظر ماذا ينزل بك مني، فيميل إليك لساني ولا ينطق لك قلبي، فأكون قد نافقتك يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك، فبماذا ترد القلوب؟ قال: قلت: بالبصائر يا أمير المؤمنين، بصرني من أين القرآن مخلوق؟. فقال لي: صدقت) الابانة لأبن بطة 6/248
- قال الامام ابن ابي عاصم (ت 287 هـ) عن أعيان المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- وهم اشد واظهر شركا من عباد الاوثان : (والقرآن كلام الله تبارك وتعالى تكلم الله به ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق، ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه) كتاب السنة له 2/645 ط المكتب الاسلامي
- قال الامام البخاري (ت 256 هـ) عن اعيان المعطلة لصفات الخالق -عز وجل-: (وكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق فإنه يعلم، ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به، كان معاندا، قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] ، ولقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، فأما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كل لنفسه، فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام، والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم) خلق افعال العباد ص 62 ط دار المعارف
- قال الامام الدارمي في بيان أن اعيان المعطلة للصفات لا يكفّرون الا بعد اقامة الحجة عليهم من الكتاب والسنة :
(واحتججنا عليه -يعني احد رؤس المعطلة للصفات في مناظرته معه- بما تقوم به الحجة من الكتاب والسنة) النقض على المريسي (ص 226-227) ط المكتبة الاسلامية
- وقال في بيان ان التكفير لا يثبت في حق المعطلة لصفات الخالق عز وجل وهم اظهر واشد شركا من عباد الاوثان الا بالنص الشرعي من الكتاب والسنة وليس بالفطرة او العقل كما عند المعتزلة والخوارج :
(ما نكفرهم إلا بكتاب مسطور، وأثر مأثور) الرد على الجهمية (ص 179) ط المكتبة الاسلامية
مع التذكير أن الجهم بن صفوان مقتول عام 128 هـ وهؤلاء الائمة مولودون بعده باكثر من 50 عام على الاقل.
ولم يكونوا يعينون التكفير على اعيان المعطلة لصفات الخالق -عز وجل- وهم اظهر واشد شركا من عباد الاوثان الا بعد ثبوت قيام الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ونقل الإمام اللالكائي والإمام السجزي اجماع أهل السنة والجماعة على العذر بالجهل.
وأن الحجة في التوحيد [ بالسمع ] فقط.
وأن معرفة التوحيد بالعقل ممكنة لكنها ليست حجة بالإجماع.
وبأن باب الأسماء والأحكام من الشرائع.
ولمن ينطق بالشهادتين أسماء وأحكام تختلف عن أسماء وأحكام الكافر الأصلي.
فمن نطق بالشهادتين له اسمين : إما [مسلم] حكما لا حقيقتا كالمنافقين او [مرتد كافر] خالد مخلد في النار.
قال تعالى : {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}
ومن دخل الإسلام الحكمي بنطقه بالشهادتين فلا يخرج عنه ويسمى مرتدا الا بعد اقامة الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع.
وللممتنع احكام تختلف عن غير الممتنع.
قال الإمام اللالكائي -رحمه الله-:
(سياق ما يدل من كتاب الله عز وجل وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل قال الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بلفظ خاص والمراد به العام : {فاعلم أنه لا إله إلا الله}. وقال تبارك وتعالى: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين}. وقال تبارك وتعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}. فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد وقال تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب}. وقد استدل إبراهيم بأفعاله المحكمة المتقنة على وحدانيته بطلوع الشمس وغروبها، وظهور القمر وغيبته، وظهور الكواكب وأفولها، ثم قال: {لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين}، فعلم أن الهداية وقعت بالسمع. وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع. قال الله تبارك وتعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}. وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. وقال تبارك وتعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}. وقال تبارك وتعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين، ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون. ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين}. {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}. فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله عز وجل. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة). اهـ
[شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/ 216-220 ط دار طيبة]
قال الإمام السجزي -رحمه الله-:
(إقامة البرهان على أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب.
قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد}. فأمر جل جلاله نبيه عليه السلام أن يدعو إلى إثبات الوحدانية بالوحي وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} فبين أن من تقدم من الرسل كانوا يحتجون على الكفار في الوحدانية بالوحي ولم يؤمروا إلا بذلك. وقال جل جلاله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}. وقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى}.
ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المحاجة بالعقل أحدا ولا أمر بذلك أمته...
-إلى أن قال-:
واتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فلما علمنا بوجود العقل قبل الإرسال، وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا أن الحجة هي ما ورد به السمع لا غير.
وقد اتفقنا أيضا على أن رجلا لو قال: العقل ليس بحجة في نفسه وإنما يعرف به الحجة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجة علينا بنفسه، كان كافرا مباح الدم.
فتحققنا أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير.)
رسالة السجزي (ص 131-143)