بدعة تكفير العاذر بالجهل

والرد على تنظيم الدولة "داعش" في تكفيرهم علماء المسلمين .

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا...أما بعد:

فإنا قد بلينا بفتنتين عظيمتين أفسدتا الدين والحياة؛ فتنة الغلو؛ وفتة الإرجاء؛ فالأولى أهلكت من كان قبلنا واليوم تهلكنا،  والثانية تركت الدين أرق من ثوب سابري، فهان على الناس أمر دينهم وولغوا في ملذات الحياة، فكلاهما وبال على الدين والدنيا، على الإسلام والمسلمين. وفي هذا البحث المختصر نتناول أحد هاتين البليتين في منحى مناحيها وهو تكفير علماء المسلمين الذين يعذورن بالجهل والتأويل، فبعد أن فرغوا من تكفير عامة الناس بالحق والباطل، والشبهة والظنة والجهالة،استطالت أقلام الأقزام على علماء الإسلام فأمطروهم بوابل التكفير، وسلبوهم لباس العلم، ونفوا عنهم تحقيق التوحيد والبراءة من المشركين، هذه الفتنة التي أضرم نارها في هذا الوقت "الحازمي" وتبعه على ذلك السفهاء من تنظيم الدولة "داعش" ومن شايعهم ممن هو على شاكلتهم، فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم، فهو قد سن تلك السنة السيئة، وسلك هذا المسلك المشين!

وهذا المسلك يقوم على دعامتين أساسيتين عند القوم :

الأولى : قاعدة من لم  يكفر الكافر فهو كافر

والثانية : أن التكفير ذاته من أصل الدين وأصل الدين لا عذر فيه بالجهل ولا التأويل.

فبادئ ذي بدء،فإن لتكفير حكم شرعي يُخاطَب به كل مسلم كما يُخاطَب بالأحكام الشرعية، فما كان منه على صورة الخبر صدقناه وآمنا به وما كان على صورة الأمر استسلمنا له وعملنا بموجبه، هذا موقف المسلم من كل أحكام الشريعة ..

- والحكم بالكفر من الشارع إما أن يناط: "بمعين" كشخص يعينه الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم بالكفر ...

كقوله سبحانه وتعالى :" تبت يدا أبي لهب وتب .."

وكحكمه سبحانه على اليهود والنصارى وغيرهم في غير ما آية ...

وكحكم النبي صلى الله عليه وسلم في أبيه وأمه وعمه أبي طالب وغيرهم ... فهذا كله حكم على الأعيان أو الطوائف ..

- وإما أن يناط حكم الكفر بوصف أو فعل معين يقوم به المعين، كقوله سبحانه: "إنه من يشرك بالله .." ، وقوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله ... "وقوله: "لقد كفر الذين قالوا ..." الآيات

- فإذا حكم الشارع بالكفر على شخص بعينه أو أشار إلى كفره كفرعون مثلًا، لزم تكفيره عينًا والبراءة منه ومن شركه وكفره، ولا مجال للاجتهاد في تأويل هذه النصوص - لمن بلغته-، ويكون عدم التكفير في هذه الحالة تكذيبًا لهذه النصوص أو ردًّا لها .

- وأما إذا أُنيط حكم الكفر بوصف أو فعل ما، وقيل من فعل ذلك فهو كافر، فهنا يقوم المجتهد بالتحقق من أمرين :

الأول: التحقق من دلالة النصوص على الكفر دلالة قطعية صريحة لا خلاف فيها.

الثاني : ثبوت هذا الوصف في ذاك المعين،بمعنى التحقق من قيام المكلف بالفعل وخُلوِّه من العوارض.

فإذا ثبت أن الحكم الشرعي هو الكفر وأن المكلف قام بالفعل على الحقيقة وأنه قد توفرت الشروط والموانع في حقه  قام بتنزيل حكم الكفر عليه، فيحكم عليه بأنه كافر.

ولأن هذين الأمرين محل اجتهاد المجتهدين فإن الأنظار قد تختلف فيهما أو أحدهما. فقد يُختلف في دلالة النصوص على الكفر كما قد يختلف في قيام المكلف في الفعل لاختلافهم في أحد العوارض كالسكر أو الإكراه أو الجهل أو غير ذلك،فلا يلزم من عدم التكفير حينئذ  كفر مَن لم يُكفِّر؛ لأنه قد يخطئ في الاجتهاد فيتأول النص أو يتأول المناط أو يجهلهما..

وهذا لا يقال فيه كافر أو مسلم، بل يقال مخطئ أو مصيب أو جاهل ...

ولكي نقف على حقيقة قول (من لم يُكفِّر الكافر فهو كافر ) لا بد أن نرجع بها إلى أصلها في الشريعة، ونرى مأخذ التكفير بها وفقاً لدلالة النصوص على ذلك  فأقول :

أولًا: هذه القاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) قاعدة صحيحة لا غبار عليها، ولكنها مع ذلك ليست نصًّا في كتاب الله أو سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام أو إجماع الأمة، وإذا كانت كذلك، فلابد من ردها إلى أصلها ومخرجها في  الكتاب والسنّة وفهمها من خلالهما،فإن التكفير لا يكون إلا بما دلّ عليه الكتاب والسنّة أو الإجماع .

ثانيا: إذا تأملنا هذه القاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر )، وجدنا دلالة الكتاب والسنة على التكفير بها من باب اللوازم والمآلات لا من باب التكفير الصريح المحض الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة دلالة قطعية وصريحة، فمن لم يكفر الكافر يلزمه رد النصوص التي كفرت هذا الكافر أو التكذيب بها ،أو الرضى بكفر الكافر وتصحيح مذهبه، فالتكفير بهذه القاعدة يرجع حقيقته إلى أمرين:

الأول: تكذيب النصوص التي قضت بتكفير الكفار أو ردها، سواء كانوا معينين من قِبل الشارع أو جاء التكفير على أوصاف وأفعال من قامت به حكم بكفره .

الثاني: الرضا بالكفر وتصحيحه .

فإذا ثبت هذا نكون قد رجعنا بهذه العبارة إلى أصلها في الشريعة، وكلا الأمرين كفر بإجماع الأمة ولكن يأتي في...

ثالثاً: إذا ثبت أن تكفير من لم يكفر الكافر من نوع التكفير باللوازم والمآلات، فإن هذا النوع محل اجتهاد المجتهدين واختلاف الأنظار، وهذا يرد عليه احتمال الخطأ والتأويل  .

رابعًا: كلام أهل العلم مهما علت رتبتهم في العلم وبلغت منزلتهم في الفضل لا يقاس عليه بمجرده ما لم يرد إلى هذا الأصل؛ لأنه ليس شرعًا منزلًا ولا بيانًا مُحكَمًا .. فكلام شيخ الإسلام في ابن عربي وفي من ادعى الإلهية في علي رضي الله عنه، وكذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة في طواغيت الخروج وغيرهم إذا تأملته وجدت ما ذكروه يتفاوت ظهورًا وخفاءً، وأغلبه كفر صريح واضح لا إشكال فيه، لا مجال لمتأول أن يتأوله أو يتوقف فيه ..

ومع شناعة ما حكى شيخ الإسلام من حال ابن عربي وابن سبعين وغيرهم فقد قال:

"ولكن هؤلاء الْتَبَس أمرهم على مَن لم يعرف حالهم، كما الْتَبَسَ أمر القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون، وانتسبوا إلى التشيع، فصار المتبعون مائلين إليهم، غير عالمين بباطن كفرهم..." ا.هـ.

ومع ذلك فلا يقاس على كلام أهل العلم في هؤلاء غيرهم بل يكون المُنطلَق في التكفير في كل حاله هو الكتاب والسنّة وإجماع الأمة ..

خامساً: من لم يُكفِّر الكافر إذا تحقق أنه يُكذِّب النص أو يرده أو يصحح الكفر أو يرضى به فهو كافر .. ليس لأنه لم يكفر الكافر أو يشك في كفره، بل لأنه كذَّب النص أو رده أو صحح الكفر أو رضي به ..وكل هذا كفر دل عليه الكتاب والسنّة وإجماع الأمة ...

سادساً: أهل الغلو لما جعلوا تكفير الكافر من أصل الدين وجعلوه بمعنى البراءة من المشركين لم يقبلوا بهذه الأعذار لأن أصل الدين الذي قرروه لا يُقبَل فيه العذر بالجهل أو بالتأويل أو غيره إلا الإكراه ...

سابعًا: تكفير الكافر ليس هو البراءة منه لا لغة ولا شرعًا، وقد يتبرأ المسلم من الشرك والمشركين بغير التكفير، كأن يعلم أن هذا باطل ويجتنب ماهم عليه من الضلال، وسيأتي كلام الشيخ البابطين في ذلك، وليس التكفير هو الكفر بالطاغوت، فقد قال تعالى : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها .. "، فاجتناب عبادتها مع العلم ببطلانها كفرٌ بها.

وإذا آمن العبد بالله ولم يشرك به شيئاً فقد كفر بالطاغوت بل بكل طواغيت الأرض، وإنما ذكر هذا المعنى في كلام بعض أهل العلم من باب ذكر القول بلوازمه ومقتضياته، لا من باب التفسير المطابقي للمعنى، وقد سبق تفسير كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي يحتج به،

وعلى أية حال فإن كلام أهل العلم ينبغي أن يرد إلى أصله في الشريعة كما سبق، والقوم يركزون جهدهم على التكفير وكأنه هو الأصل الأوحد في الدين، وجعلوا أنفسهم بوابة التوحيد والإسلام ..فمن يُرِدْ أن يكون موحدًا بحث عن أحدهم ليدله على طاغوت زمانه الذي لا يكون مؤمنًا إلا بتكفيره والكفر به!

ثامنا: البراءة من المشركين تثبت بعد الحكم عليهم بأنهم مشركون ومن لم يثبت لهم حكم الكفر لخطأ أو تأويل أو جهل فلا يقال عنه إنه لم يتبرأ من المشركين أو إنه يُكذِّب النصوصَ أو إنه يصحح الكفر ويرضى به ..

ومنشأ الخلل اعتبارهم التكفير للمشركين هو نفس البراءة منهم، والبراءة منهم هي أصل الدين وركن التوحيد ومن لم يحققه -لأي سبب كان- فهو كافر ولا يعذر بما سبق ..

وكل مَن يقرر هذا يلزمه التكفير بالتسلسل لا محالة حتى يعود الكفر على كل مَن على هذه الأرض بما فيهم أهل الغلو أنفسهم...

  • وإذا أردنا أن نتبين  بطلان قولهم بإن تكفير المشركين من أصل الدين ننظر إلى ما يقابله من معنى وهو الحكم بالإسلام على المسلمين، فتكفير المشركين يقابل الحكم بالإسلام على المسلمين، فهذا من البراء وهذا من الولاء.

فإذا كان تكفير المشركين من أصل الدين فالحكم بالإسلام  على المسلمين أيضاً من أصل الدين!

فهذا براء وهذا ولاء!

فإذا كان الخلل في تكفير المشركين إخلالاً بأصل الدين لزم أن يكون الخلل في تكفير المسلمين إخلالًا بأصل الدين.

فنقول لهؤلاء الغلاة: كيف كان موقف أهل العلم ممن يكفر المسلمين خطأ أو تأويلًا أو جهلًا ؟

وقد كفر عمر بن الخطاب حاطباً رضي الله عنهما خطأ وتأولاً، وكفر أسيد بن حضير سعد بن عبادة  خطأ وحمية.

فإن قالوا بعذر من  كفر مسلما خطأ أو تأولا أو جهلا،- وهو الصحيح - قلنا لهم ومثله يقال فيمن لم يكفر المشركين خطأ وتأولاً وجهلاً !

وإن قالوا: لا يعذر في الاثنين !

قلنا لهم: فما بال أهل العلم قد اختلفوا في تكفير الخوارج مع تكفيرهم لسادات المؤمنين من الصحابة والتابعين؟!

أتراهم اختلفوا في تقرير التوحيد وأصل الدين؟

- قال شيخ الإسلام: وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) فقد سماه أخاه حين القول، وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر ا.هـ مجموع الفتاوى (7/355).

وقال: "والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالًا للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع ا.هـ (7/217-218).

وقال الإمام النووي رحمه الله:

(أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)،" هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا عُرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه: أحدها أنه محمول على المستحل لذلك، وهذا يُكفّر ، فعلى هذا معنى ( باء بها ) أي بكلمة الكفر ، وكذا حار عليه وهو معنى رجعت عليه أي رجع عليه الكفر فباء وحار ورجع بمعنى واحد.

والوجه الثاني معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، والثالث محمول على الخوارج المُكفِّرين للمؤمنين وهذا الوجه نقله القاضي عياض - رحمه الله - عن الإمام مالك بن أنس وهو ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.

والوجه الرابع معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر ، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه المخرج على صحيح مسلم فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر ، وفي رواية ( إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما ) .

والوجه الخامس معناه فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر ، بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفَّر نفسه إما؛ لأنه كفَّر من هو مثله، وإما لأنه كفَّر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، والله أعلم. ا.هـ".

- فهل يا ترى اختلف هؤلاء في تقرير أصل الدين؟

فتبين مما سبق أن تكفير المشركين ليس من أصل الدين وليس من معنى لا إله إلا الله كما يقول الغلاة، وأنه قد يَرِد على مَن لم يكفِّر المشركين الخطأ والجهل والتأويل كما سبق في تقرير المسألة ...

وعليه فالعامي يكفيه أن يعرف أن هذا شرك وضلال ويتركه ولا يفعله وإن لم يخطر بباله مسألة تكفير فاعله، وفي هذا - يقول العلَّامة البابطين رحمه الله:

"وفرض على كلّ أحدٍ معرفة التّوحيد وأركان الإسلام بالدّليل ولا يجوز التّقليد في ذلك، لكن العامّي الذي لا يعرف الأدلّة إذا كان يعتقد وحدانية الرّبّ ورسالة محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّمـ ويؤمن بالبعث بعد الموت، والجنة والنّار، ويعتقد أنّ هذه الأمور الشّركية التي تفعل عند هذه المشاهد باطل وضلال، فإذا كان يعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا شكّ فيه، فهو مسلم، وإن لم يترجم بالدّليل؛ لأنّ عامّة المسلمين ولو لقنوا الدّليل فإنّهم لا يفهمون المعنى غالبًا.انتهى.".

أما من لم يكفر الكافرَ من أهل العلم وكان متأولًا في ذلك فهو بلا شك معذور بل هو مأجور إن شاء الله ...

سواء كان التأويل للحكم الشرعي أو كان التأويل لحال المشرك على وجه لا يكون به مشركًا عنده ...

وفي هذه الحال لابد من بيان الحكم الشرعي وإبراز الدليل وكشف الشبهة لأنه يكون بهذا الحال من المسائل الخفية أو الدقيقة فإن لم يقنع العلم بالأدلة فهو معذور لأن مسألة تكفير المعين اجتهاد قال شيخ الإسلام: ( وهذه الأنواع الثلاثة‏ تحقيق المناط‏ و‏‏تنقيح المناط‏‏ و‏‏تخريج المناط‏‏ هي جماع الاجتهاد‏)ا.هـ.

ولا شك أن تكفير المعين من هذا الباب ....

- قال الشيخ العلَّامة سليمان بن سحمان رحمه الله:

" ...وكذلك لو كان هذا مع إباضي، أو مع عُبّاد القبور، والأمر أشد من ذلك وأعظم. فإن كان مع من يواليهم، ويجالسهم فقوله لأحدهم: يا كافر أو يا جهمي خطأ، فإنه لا يقال هذا إلا لكافر أو جهمي قد قامت عليه الحجة وبعد ذلك كابر وعاند، ومن والاهم وجادل عنهم بعدما تبيّن له الحق، واتضح له كلام العلماء في تكفيرهم، وتحققوا أنه قد بلغتهم الحجة، وقامت عليهم بإنكار أهل الإسلام عليهم، وإن لم يفهموا الحجة، ثم كابر وعاند فإن كان عن تأويل فلا أدري ما حاله، وأمره شديد، ووعيده أشد وعيد إن كان غير ذلك، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور...".

فأين تكفيره لهم وأين بيان أنهم لم يأتوا بأصل الدين والتوحيد؟

علمًا أن هذا الكلام في مَن يوالي المشركين ويجادل عنهم بعدما تبين له الحق، واتضح له كلام العلماء في تكفيرهم، وتحققوا أنه قد بلغتهم الحُجَّة، وقامت عليهم بإنكار أهل الإسلام عليهم، وإن لم يفهموا الحُجَّة، ثم كابر وعاند...

فأين هذا في علماء الإسلام الذين يتبرؤون من الشرك وأهله ويحاربونه بكل ما أُتوا من قوة ،إلا أنهم توقفوا في إطلاق لفظ التكفير عليهم إما لشُبَهٍ عرضت لهم، وإما لعدم تنفيرهم أو لأن الواقع واقع دعوة أو غير ذلك من الأسباب الشرعية والتي لا تخرج جميعها عن مقاصد الشريعة؟ ومما جاء أيضًا من كلام هذا الإمام رحمه الله:

"وأما قول المعترض: "وبعضهم لا يسلمون عليه، وبعضهم لا يردون السلام.

فالجواب أن يقال: فرض هذا من الإخوان فيمن دون الجهمية، والإباضية، وعُبّاد القبور، ممن يواليهم أو يجادل عنهم، وحينئذ فيقال: إن ترك السلام ابتداء وردًّا على من أحدث حدثًا حتى يتوب منه كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل به الصحابة، والتابعون، والأئمة المجتهدون، ولنا في رسول الله أسوة حسنة... ....

والمقصود أن الإخوان كانوا على طريق مستقيم من هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته، وسيرة أصحابه فكفّروا من كفّره الله ورسوله، وأجمع على تكفيره أهل العلم، وهجروا من السلام من لم يكفرهم، ووالاهم، وذبّ عنهم؛ لأنهم حملوهم على الجهل وعدم المعرفة، وأنه قد قام معهم من الشبهة والتأويل ما أوجبهم الجدال عنهم؛ لأن هذا عندهم من الدعوة إلى الله، فلذلك ما عاملوهم إلا بالهجر من السلام ابتداءً وردًّا، فإذا كان هذا هجر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الصادقين المخلصين لما اقترفوا هذا الذنب اليسير، وتركه هجر المنافقين لأن جرمهم لا ينجع فيه التأديب بالهجر، فقبل عذرهم، ووكل أمرهم إلى الله، وإنما تركهم عليه الصلاة والسلام من المعاقبة لأنه خاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لا لأن جرمهم لا يحتمل هذا الأمر" كشف الشبهتين 45-51.

فهذا الكلام واضح لا يحتاج إلى كثير تأمُّل وهو مبطل لما عليه الغلاة، وهذه بعض من أقوال أئمة الدعوة يؤسس لنفس المعنى الذي قرره الشيخ سليمان رحمه الله:

- قال العلَّامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:

" وقد رأيت سنة أربع وستين ومائتين وألف، رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء، قد اعتزلوا الجمعة والجماعة، وكفَّروا مَن في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم؛ يقولون: أهل الإحساء يجالسون ابن فيروز ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يَكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده، الذي يرد دعوة الشيخ محمد، ولم يقبلها وعاداها،- قالوا: ومن لم يصرح بكفره، فهو كافر بالله، لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله.

ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين، ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى تركوا رد السلام. فرُفِعَ إليّ أمرهم، فأحضرتهم وتهددتهم، وأغلظت لهم القول، فزعموا أولًا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، ودحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يُكفِّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر كتكفير من عَبَدَ الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية، وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان...: ا.هـ.

فهذا تصريح من الشيخ العلَّامة بأن التكفير مبني على هاتين المقدمتين الضالتين، وهاتان المقدمتان هما ما بنى عليهما أبو مريم المخالف منهجه الفاسد ...

- وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:

" إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوبَ طاعةِ مَن دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام, كيف لا وهم يحلون ما حرم الله, ويحرمون ما أحل الله, ويسعون في الأرض فسادًا بقولهم وفعلهم وتأييدهم, ومن جادل عنهم, أو أنكر على من كفرهم, أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلًا لا ينقلهم إلى الكفر, فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق, لأنه لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم " ا.هـ ( الرسائل الشخصية,188 ).

وكما هو واضح أن الكلام هنا عن طواغيت هذا حالهم ...

فهل يقال "فاسق" في من يجادل عن الطواغيت أو من يخالف في التوحيد وأصل الدين؟!

- وقال رحمه الله : "...ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم؛ فهذا النوع أيضًا: لم يأت بما دلت ‏عليه، لا إله إلا الله، من نفي الشرك، وما تقتضيه من تكفير من فعله، بعد البيان إجماعًا" ا.هـ.

والكلام واضح صريح في تقيُّده بالبيان.

فهنا ينبغي التنبيه إلى أن تكفير المشركين ليس من معنى لا إله إلا الله التي تدل على نفي الشرك وإفراد الله بالعبادة، وإنما هي من مقتضياتها وموجباتها، ولذا فرّق الشيخ -رحمه الله- بينهما بقوله في التكفير "بعد البيان إجماعًا" وهذه هي المسألة الدقيقة التي ضل فيها هؤلاء الغلاة مما يجعلها ليست من صلب التوحيد، وقد سبق ما يجب على العامِّيّ في مثل هذا الحال...

- وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:

(...قد أُوجِبَ على كل مسلم محبة كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية، وأن عليه موالاته ونصرته بنفسه وماله واعتقاده وكل من كان يخالف ذلك، من أهل الزيغ والانحراف والضلال فإنه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان، فما الولاء والبراء إلا الحب والبغض في الله وهما أصل الإيمان، فأصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه ورسله وأتباع رسله، وتبغض في الله أعداءه وأعداء رسله وأعداء المؤمنين في كل زمان ومكان، وكل من حكم الشرع بتكفيره فإنه يجب تكفيره، ومن لم يُكفِّر من كفَّره الله ورسوله، فهو كافر مُكذِّب لله ورسوله وذلك "إذا ثبت" عنده كفره بدليل شرعي ) (الفتاوى السعدية جـ 1 ص 215 ).

- وقال القاضي عياض رحمه الله:

(...وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك...قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن وقف في ذلك فقد كذَّب النص والتوقيف أو شك فيه. والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر ) ا.هـ (الشفا جـ2 ص 602، 603 ).

علمًا بأن هذا الكلام تحت عنوان تحقيق القول في تكفير المتأولين.

وهذا النقل والذي قبله يدل دلالة واضحة أن كفر من يتوقف في تكفير المشركين والكفار راجع إلى تكذيب النصوص التي تحكم بكفرهم والتكذيب والشك إن حصل عن جهل أو خطأ أو تأويل فهو عذر مقبول كما سبق وأن فصلنا القول في ذلك ...

وأخيراً: فإن تكفير العاذر بالجهل، وجعل ذلك من أصل الدين، والتوحيد، مما تفرد به الحازمي ومن تبعه من تنظيم الدولة، والجهلاء، وليس في المسألة نص صريح أو قول فصيح يُنقل عن سلف الأمة أو الأئمة، ولا يوجد إجماع قطعي يدل ذلك، فهي بدعة منكرة، وفتنة مستعرة، حارت فيها أفهام، واضطربت فيها أحلام، وزلت فيها أقدام، وضل بسببها أقوام، فسفكت بسببها دماء، وقطعت أشلاء، واستحلت أعراض وأموال، وكل ذلك في عنقه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فحسبنا الله، ونعم الوكيل

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.