?حديث الجمعة?
(جذور الإنحراف : مشكلة الهوية)
*الهوية في اصطلاحات الباحثين : "معرفة الشخص من هو وما هدفه في الحياة وإلى أن يتجه وما هو مصيره"
* تعد مشكلة الهوية من أكثر المسائل المقلقة والمحيّرة التي عاشت في عقول الناس وعاثت في فكر الفلاسفة والعلماء والمفكرين، كونها أسئلة فطرية يحتاج الإنسان إلى أن يعرف إجاباتها.
* في التصور الإسلامي تعتبر أصول مسألة الهوية من الأمور الفطرية التي تولد مع الإنسان وتتكون مع المخلوق، ويبقى على البيئة - الأسرة والمجتمع- تنميتها وتقويتها وتهذيبها وتوجيهها (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه).
* جاءت الرسالات وإنزلت الكتب وقامت الشرائع للإجابة على إسئلة الانسان المصيرية (من أنا ، وكيف جئت ، ما دوري في الحياة ، ما هو مصيري بعد الممات).
* في الواقع النبوي كان الفرد يسير وفق هوية واضحة المعالم محددة الغايات يسيرة الفهم شاملة الجوانب تمثلت في مفهوم الإسلام الشامل عن الخالق والمخلوق والكون والحياة والغيب والشهادة والأنا والآخر (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
* بعد العهد النبوي بدأت جذور الإنحراف عن المسار الصحيح للهوية تظهر بواده شيئاً فشيئاً لأسباب من أهمها :
١ - نشوء الطوائف الفكرية والمذاهب الفقهية فأصبحت الهوية والولاء تصطبغ بفكر وتصورات الشيخ والعالم والفرقة والطائفة.
٢ - طبيعة الشعوب وخصائص الأمم الداخلة في دين الإسلام (الانثروبولوجيا) مما ولد أنواع من الهويات كالفارسية والتركية والبربرية والأسيوية والأفريقية والأوربية.
٣ - توسع الحياة وظهور المدنية أنشأ مفهوم (التشيؤ) فأصبحت الأفكار والتصورات والأفعال والسلوكيات والهويات والعلاقات تتمركز حول طبيعة الأشياء وعالم المادة مما يعكس مدى توغل المادية في الشخصية حيث يفقد الفرد كينونته وهويته الذاتية وحريته الطبيعية وتجعله مسيراً لا مخيراً منفعلاً لا فاعلاً.
٤ - النزاعات السياسية والخلافات الاقليمية مما أفرز لدى الشعوب أنواعاً من الهويات والانتماءات تدين - طائعة أو مكرهة - بفكر الملك والرئيس والقائد والزعيم.
* الانحراف عن المفهوم الفطري للهوية ظهرت آثاره ونتائجه على جهابذة العلم وعباقرة الفكر فضلاً عن العامة والخاصة والأفراد والمجتمعات وهذه نماذج لحال التائيه في هويته الحائر في رؤيته ورسالته :
١ - يقول فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذىً ووبال
٢ - يصرح أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
لعمري لقد طفت المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر
على ذقن أو قارعاً سن نادم
٣ - قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوماً، فقَالَ: ما تعتقد؟ قال : ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ، فقَالَ: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ فقَالَ: نعم، فقَالَ: اشكر الله عَلَى هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما اعتقد؟ وبكى حتى أخضل لحيته .
٤ - صرح الدكتور عبدالرحمن بدوي - فيلسوف الوجودية - في آخر حياته بقوله " لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي من إحساس الندم الشديد، لأننى عاديت الإسلام والتراث العربي لأكثر من نصف قرن. أشعر الآن أننى بحاجة إلى من يغسلني بالماء الصافي الرقراق، لكي أعود من جديد مسلماً حقاً. إننى تبت إلى الله وندمت على ما فعلت. وأنوى إن شاء الله- بعد شفائي- أن أكون جندياً للفكر الإسلامي وللدفاع عن الحضارة التى أشادها الآباء والأجداد، والتى سطعت على المشارق والمغارب لقرون وقرون"
٥ - يصرخ عبدالله بن محمد القصيمي قائلاً: "دعوني أبكي فما أكثر الضاحكين في مواقف البكاء ، دعوني أحزن فما أكثر المبتهجين أمام مواكب الأحزان ، دعوني أنقد فما أكثر المعجبين بكل التوافه ، دعوني احتج على نفسي"
* أكد العالم النفسيالأمريكي النشاة الألماني الأصل أريك أريكسون (١٩٠٤ - ١٩٩٤م) أن مرحلة المراهقة ما بين (١٢ - ١٨) عاماً تمثل صراعاً بين الهوية والقلق والارتباك حيث المراهق يسأل نفسه من أنا ؟ وما هو دوري وكيف أتوافق وأين أذهب في هذه الحياة ؟ فإذا سمح الاباء للاطفال باستكشاف العالم عندئذ سيستخلصوا هويتهم اما إذا اجبر الآباء الأطفال على اتباع ارائهم فسيحدث ارتباك وتشوش للهوية وسماها مرحلة (أزمة الهوية)، مما جعل العديد من علماء النفس يعترضون على اختيار ”أريكسون” كلمة “أزمة” وفضلوا استعمال كلمة “استكشاف” لوصف خبرة المراهق في البحث عن هوية، وهذا البحث يتم بشكل تدريجي حتى يصل لحالة من التوافق النفسي والتوازن الفكري”.
* في الواقع المعاصر ومع سطوة العولمة والانفتاح الثقافي والتطور التقني والتعايش البشري أصبح الشباب يعاني نوعاً من اختلال وتصدع في الهوية والانتماء تمثل في المظاهر التالية :
١ - حالة الاغتراب عن ثقافة الأس
والمجتمع في سبيل البحث عن النفس وتقدير الذات وتكوين الشخصية والشعور بالاستقلالية والنقد الدائم لأوامر الوالدين وقيم المجتمع وأنظمة السلطة
٢ - وضعية الاستلاب الفكري والنفسي تجاه الوافد الجديد من الشرق أو الغرب گ(متابعة الموضة،والاهتمام بالمشاهير، والاعجاب بالمثير).
٣ - الانضمام والالتحاق بالموجات والتقليعات المتطرفة فكرياً وسلوكياً (الالحاد، عبدة الشيطان ،تعاطي المخدرات ، جماعات العنف،الاغتصاب،الإدمان التقني).
٤ - سهولة التأثر ويسر الاغواء بسبب غياب وفقد وتلبيس وتزييف المبادئ والقيم المانعة والواقية من الضلال والانحراف.
٥ - التربية والتنشئة على أنواع من الازدواجية والتناقض بين القول والعمل والتنظير والممارسة وخاصة في المؤسسات التعليمية والمحاضن التربوية والوسائل الإعلامية.
* تحديد الهوية وتكوين الشخصية وتوكيد الذات للشباب من الجنسين يتطلب منا تظافر الجهود وتوزع الأدوار وتحمل المسؤولية للقيام بالمهام التالية :
١ - توعية وتعريف الشباب بالحقوق والواجبات في كافة الجوانب الحياتية.
٢ - تعزيز القيم والمبادئ بالتطبيق والممارسة.
٣ - معالجة الانحرافات الفكرية بالرد والمناقشة والحوار والمناظرة.
٤ - تجلية المفهوم الصحيح للهوية المسلمة بمواجهة طرفي الانحراف الجافي والغالي.
٥ - فتح قنوات للتوجيه والإرشاد والاستشارة والاستنارة والنقد والتحليل للأفكار والأحداث المستجدة والمعاصرة.
٦ - الانطلاق في الرؤى المستقبلية والخطط الاستراتيجية من قواعد الدين وقيم المجتمع وخصائص الأمة.
* ومضة :" لقد شُغل أهل الفكر ونُخب المثقفين والدعاة عن هموم الشباب – ذكوراً وإناثاً- وخصوصاً أسئلتهم الحرجة والذكية ، بصراعات ومعارك داخلية، فتت في اللحمة الفكرية ، وشككت الشباب في قيمهم ورموزهم ، نتج عن ذلك الصراع ظهور تيار شبابي حديث ، منقطع عن الجذور، ومتمرد على القيم والأخلاق ، منكر للرب ، هاجر للعبادات، يحمل ثقافة مستوردة ، قائمة على الشك ، وناقمة على الثقافة المحلية ، وحاقدة ومبغضة للنمطية ، تتخذ النسبية ديناً، ولا تعترف بوجود حقائق ثابتة ، كل ذلك مع ضعف شديد في التصورات الشرعية". د.عبدالله العجيري
علي بن الحسين
٩ / ١١ / ١٤٣٧ هـ