مقرر في التوحيد
(للمعسكرات)
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آهل وأصحابه أجمين، التعابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن أصل الدين وقاعدته وأساسه هو الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، ولا ينتظم الإنسان في سلك الإسلام ويستظل بظله وينعم بحكمه إلا بمعرفة أصل الدين، والعمل به.
فالتوحيد أصل الدين ولبه وأساسه الذي ينبني عليه جميع الدين، ولا يصح إيمان ولا يقبل عمل إلا بتحقيقه والبراءة من ضده.
والتوحيد أصل عزة المسلمين ومصدر قوتهم واجتماعهم وبه يظفرون بمعية الله وحسن تأييده، ويكرمون بدفاع الله عنهم وتمكينهم ونصرتهم على أعدائهم.
ولقد سعى أهل الكفر والنفاق في طمس معالم الدين وتحريف مفاهيمه حتى يبعدوا أهل الإسلام عن مصدر قوتهم ووحدتهم.
وأوكلوا إلى وكلائهم الطواغيت مهمة تحريف الدين وتغريب المسلمين، فاستخدموا سلطتهم في منع صوت الحق بسجن وتصفية العلماء الصادقين، وتعاونوا مع المنافقين وعلماء الضلالة في نشر الضلال والانحراف العقدي والمنهجي، حتى اندرست معالم الحق، فقيض الله لأمة الإسلام من يجدد دينها ويحيي عقيدتها، فصدعوا بالحق وأقاموا شعيرة الجهاد وقارعوا أهل الكفر والردة، حتى مكن الله لهم بإقامة خلافة إسلامية، يحكمون بشرع الله ويحيون ما اندرس من معالم التوحيد.
ونحن اليوم بفضل الله نعيش في ظل هذه الخلافة الميمونة المباركة، وحرصاً على بقائها ودوامها كان لا بد لنا أن ننشر الحق وندعوا إليه، لينشأ جيل موحد صادق يعيد الله على يديه أمجاد أمتنا.
وهذا مختصر في أصل الدين أعددناه للمعسكرات الشرعية، نسأل الله أن ينفعنا به وإخواننا المسلمين عامة والمجاهدين خاصة.
الإيمان عند أهل السنة الجماعة
أهل السنة الجماعة: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم المتمسكون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة الهدى المتبعون لهم، وهم الذين استقاموا على الاتباع، وجانبوا الابتداع في أي مكان وزمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة.
وسموا بذلك (بأهل السنة والجماعة) لانتسابهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم واجتماعهم على الأخذ بها ظاهراً وباطناً، في القول، والعمل، والاعتقاد.
الإيمان لغة: التصديق والإقرار.
شرعاً: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد وينقص.
قال الإمام الآجري رحمه الله: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، ولا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث.
يقول ابن تيمية رحمه الله: كان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله، كان في الآخرة من الخاسرين. [كتاب الإيمان ص250].
أول الواجبات
اعلم رحمك الله أن أول فرض على العبد أن يتعلمه ويعمل به هو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله.
قال تعالى: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256].
وقدم الكفر بالطاغوت لأن الشرك نجاسة متى خالطت القلب أخرجته من فطرته وطهارته، والتوحيد أعظم طهارة فلا يمكن أن يجتمع مع الشرك الأكبر في قلب أبداً، فلابد من تطهير القلب وتنقيته من رجس الشرك ثم ملؤه بطهارة التوحيد، فإذا كفر بالطاغوت وتبرأ منه صار مهيئاً لاستقبال التوحيد.
فأما صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.
قال ابن القيم رحمه الله: ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته.
معنى الطاغوت وأنواعه:
الطاغوت: على وزن فعلوت، من الطغيان، يقال طغى إذا جاوز حده.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الطاغوت ومتابعته. [إعلام الموقعين: ج1، ص50].
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة:
الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى:{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس:60].
الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:60].
الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44].
الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن:26-27].
الخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:29].
وأما معنى الإيمان بالله أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود بحق وحده دون من سواه. وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله.
وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم.
وتبغض أهل الشرك وتعاديهم.
وهذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها.
وهذه هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4].
الأصول الثلاثة
التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها.
العلم ضد الجهل، والعلم: هو إدراك الشيء على ما هو إدراكا جازما.
والعلم شرعاً: معرفة الهدي بدليله.
الأصول: جمع أصل، وهو لغة: أسفل الشيء وأساسه.
واصطلاحاً: ما ينبني عليه غيره.
وهذه الأصول الثلاثة هي أصول الدين التي يرجع الدين كله إليها، ويتفرع منها، أستنبطت من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم:
كما ثبت في مسند الإمام أحمد، وأصله في الصحيحين عن البراء بن عازب وغيره من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث فتنة القبر الطويل وفيه: فيأتيه آت فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول له: صدقت، وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، وأما المنافق أو المرتاب؛ فيقول: هاه! هاه! لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته! فيضرب بمرزبة من حديد يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها؛ لصعق.
فيجب على كل مكلف تعلم هذه الأصول، ومعرفتها، واعتقادها، والعمل بما دلت عليه ظاهرًا وباطنا.
فصل
الأصول الثلاثة هي:
أولا: معرفة العبد ربه تبارك وتعالى بما عرف به نفسه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من وحدانيته، وأسمائه وصفاته، وأفعاله؛ فهو رب كل شيء ومليكه، لا إله غيره ولا رب سواه.
ثانيا: معرفة دينه؛ أي: دين الإسلام الذي تعبدنا الله به.
الدين: لغة: الذل والانقياد؛ يقال: دنته فدان؛ أي: أذللته فذل.
وشرعاً: الدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه.
وقال السعدي رحمه الله: وهو الانقياد لله وحده، ظاهرا وباطنا بما شرعه على ألسنة رسله.
ودين الإسلام: هو كل ما شرعه الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء كان في الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال، الظاهرة أو الباطنة.
ثالثا: معرفة نبيه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه الواسطة بيننا وبين الله تعالى في تبليغ الرسالة، وهو أفضل الخلق، والآيات والأحاديث في فضله وشرفه كثيرة جدًا، ومعرفته والإيمان به فرض على كل مكلف؛ لأنه لا طريق لنا إلى عبادة الله إلا بما جاء به صلى الله عليه وسلم.
وشهادة أن محمد رسول الله هي الشطر الثاني من كلمة التوحيد التي يدخل بها العبد في دين الإسلام، ولا تصح شهادة التوحيد إلا مقترنة بالشهادة بالرسالة.
والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون بمعرفته والإيمان برسالته، وذلك يقتضي: تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا نعبد الله إلا بما شرع.
فصل
فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته وهو معبودي، ليس لي معبود سواه.
الرب: هو الخالق المالك المدبر، فهو خالق كل شيء ومالكه، ومدبر الأمور كلها، فلا تخرج ذرة في الكون عن خلقه وملكه وتدبيره.
والعبادة لغة: كمال الحب مع كمال الذل والانقياد.
وأصل أمر العبادة مبني على المحبة والخوف والرجاء.
يقول ابن تيمية رحمه الله: اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة المحبة والخوف والرجاء.
وأقواها المحبة وهي مقصودة تراد لذاتها لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة قال الله تعالى: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62] المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له فإنه لا تحصل له العبودية بدونه وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره.
والعبادة شرعًا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
كالدعاء، والصلاة، والخوف، والرجاء، والمحبة، وغير ذلك من العبادات؛ فيجب إخلاصها وإفرادها لله وحده لا شريك له، فمن صرف منها شيئًا لغير الله؛ فهو مشرك كافر.
وإذا قيل لك: ما دينك؟ فقل: ديني الإسلام، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
الاستسلام: أي الذل والخضوع لله تعالى بالتوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة من قولهم: استسلم فلان للقتل إذا أسلم نفسه وذلك وانقاد وخضع؛ فالمسلم ذليل خاضع منقاد لله وحده، مستسلم طوعًا لعبادته دون من سواه.
والانقياد له بالطاعة؛ أي: فلا يكفر مجرد الاستسلام والخضوع فقط، بل لابد مع ذلك من الانقياد لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وترك المنهيات؛ طاعة لله، ابتغاء وجه، ورغبة فيما عنده، وخوفاً من عقابه.
والبراءة من الشرك وأهله: وهو البراءة والتبري من الشرك كبيره وصغيره، ومن أهل الشرك؛ بإظهار عداوتهم وبغضهم وتكفيرهم، وعدم مساكنتهم ومؤاكلتهم، وعدم التشبه بهم في الأقوال والأعمال.
وإذا قيل لك: من نبيك؟ فقل: هو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم.
بعثه الله للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الخلق أجميعين.
وهو عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، شرفه الله بالعبودية، والرسالة.
فيجب على المكلف معرفته، والإيمان به، ومحبته، وطاعته، وتبجيله، وتوقيره.
فصل
التوحيد ثلاثة أنواع
الأول: توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله تعالى، كالخلق والرزق والإحياء والإمانة والنفع والضر.
والدليل قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس:31] والآيات على هذا كثيرة جداً.
وهذا النوع أقر به الكفار زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدخلهم في الإسلام، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستحل دماءهم وأموالهم، لأنهم أشركوا به في العبادة.
الثاني: توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد، وهو الذي وقع فيه النزاع من قديم الدهر وحديثه، كالدعاء، والنذر، والنحر، والرجاء، والخوف، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة، وكل نوع من هذه الأنواع عليه دليل من القرآن.
وأدلة توحيد الألوهية كثرة جداً في الكتاب والسنة، قال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].
{ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5]
وقال صلى الله عليه وسلم: من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله. رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار. رواه مسلم.
الثالث: توحيد الذات والأسماء والصفات: وهو الإيمان بوجود الله تعالى، وأن له ذاتاً تليق بعظمته لا تشبه ذوات المخلوقين، وإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، دون تعطيل أو تمثيل أو تحريف أو تكييف، ونفى منا نفاه الله عن نفسه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص:1-4].
وقوله تعالى: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:180].
وقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11].
فصل
ضد التوحيد الشرك
الشرك: مأخوذ من المشاركة والاشتراك، وهو استحقاق أكثر من شخص للشيء ومشاركتهم فيه.
وأما من حيث الاصطلاح: فهو جعل شريك لله عز وجل في ربوبيته أو إلهيته أو أسمائه وصفاته.
أو هو: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
والشرك نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر.
النوع الأول: الشرك الأكبر
هو الذنب الذي لا يغفره الله ولا يقبل معه عملاً صالحاً، قال الله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48].
وقال سبحانه: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72].
وقال تعالى: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر:65].
والشرك الأكبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
- شرك في الربوبية، كمن يعتقد أن غير الله له تصرف في الكون، أو يعتقد خالقا غير الله.
- شرك في الألوهية، وهو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله.
- شرك في الأسماء والصفات، كتسمية غير الله بأسمائه التي لا تليق إلا له، أو وصف غير الله بما لا يوصف به إلا الله.
النوع الثاني: الشرك الأصغر.
وصاحبه إن لقي الله به؛ فهو تحت المشيئة على القول الصحيح إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، ولكن مآله إلى الجنة؛ لأن الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، ولكنه معرض للوعيد، فيجب الحذر منه.
وهو أيضا ينقسم إلى قسمين:
- شرك أصغر ظاهر: كالحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت.
قال صلى الله عليه وسلم: من حلف بغير الله فقد أشرك. رواه أحمد وأبو داود، وهو صحيح.
عن حذيفة بن اليمان، أن رجلا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلا من أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أما والله، إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد. رواه أحمد وابن ماجة بسند صحيح.
- شرك أصغر خفي: كيسير الرياء، وكالطيرة.
الرياء: هو مراءات الناس بالعمل، مأخوذ من الرؤية، وهو أن يزين العمل من أجل رؤية الناس.
عن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال الرياء. رواه أحمد بسند حسن.
والمقصود هنا الرياء اليسير الذي يكون في نوع عبادة أو يطرأ فيها، أما من كانت أعماله كلها رياء فإنه يدخل في شرك النية والقصد، الذي هو من أقسام الشرك الأكبر كما سيأتي ذكره في شرح الناقض الأول من نواقض الإسلام.
الطيرة: التشاؤم، وهو ضد الفأل، والطيرة هي أن يقدم على عمل أو سفر ونحوه فيرى أو يسمع شيئا يكرهه فيتشاءم ويرجع عما أقدم عليه.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطيرة شرك. رواه أحمد وابن ماجة بسند صحيح.
وقال صلى الله عليه وسلم: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وكفارته قول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم. رواه البخاري في الأدب المفرد وهو صحيح.
فصل
شروط لا إله إلا الله
الأول: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا.
العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازماً.
دليل العلم: قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد:19].
وقوله: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86].
الحق: أي لا إله إلا الله { وَهُمْ يَعْلَمُونَ} بقلوبهم معنى وحقيقة ما نطقوا به بألسنتهم.
ومن السنة: الحديث الثابت في الصحيح عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة.
وهذه الكلمة العظيمة لها ركنان: النفي والإثبات
(لا إله): تنفي جميع ما يعبد من دون الله، (وإلا الله): تثبت جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له.
والنفي المحض ليس بتوحيد، والإثبات المحض ليس بتوحيد، بل لا بد م الجمع بين النفي والإثبات.
فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله؛ أي: لا مألوه يستحق العبادة كلها وحده دون من سواه إلا الله سبحانه، وكل مألوه سوى الله عزوجل؛ فإلهيته أبطل الباطل وأضل الضلال.
الثاني: اليقين: وهو كمال العلم بها، المنافي للشك والريب.
فلا بد أن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا لا تردد فيه ولا توقف؛ فإن الإيمان لا يغني فيه إلا اليقين لا الظن؛ فكيف إذا دخله الشك والعياذ بالله.
ودليل اليقين قوله تعالى: { نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15] فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا فأما المرتاب فهو من المنافقين.
ومن السنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة. رواه مسلم.
الثالث: الإخلاص المنافي للشرك.
الإخلاص لغة: التصفية والتنقية، وتجريد الشيء وإفراده وعزله عن الشوائب.
وحقيقة الإخلاص: هي تجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع شوائب الشرك.
ودليل الإخلاص قوله تعالى: { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3].
وقوله سبحانه: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5].
ومن السنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. رواه البخاري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأصل الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله.
الرابع: الصدق المنافي للكذب.
والصدق: هو مطابقة الكلام للواقع.
فلا بد أن يقولها صادقاً من قلبه، يواطئ قلبه لسانه، أما إذا قالها بلسانه في الظاهر هو كاذب في الباطن؛ فهذا منافق، والنفاق: هو إظهار التصديق وإبطان التكذيب، أو إظهار الإيمان وإبطال الكفر.
ودليل الصدق: قوله تعالى: { الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1-3].
ومن السنة: ما ثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسل: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صادقاً من قلبه، إلا حرمه الله على النار.
الخامس: المحبة.
المحبة: ميل القلب إلى الشيء والأنس والسرور به.
أي محبة كلمة التوحيد وما دلت عليه.
وضدها الكراهية: وهي بعد القلب ونفرته وانزعاجه.
ودليل المحبة: قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165].
ومن السنة: ما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.
السادس: الانقياد، وضده الترك.
الانقياد: لغة: الخضوع والذل. تقول قدته فانقاد واستقاد لي إذا أعطاك مقادته.
والمراد هنا: الانقياد ل(لا إله إلا الله) ولما اقتضته ظاهرا وباطنا انقياداً منافياً للترك.
والمراد هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب والسنة بالطاعة، وذلك بالعمل بما فرضه الله وترك ما حرمه والتزام ذلك. ولا ينتفع قائل لا إله إلا الله بها إلا بهذا الانقياد. قال تعالى: { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان:22]. الآية.
والعروة الوثقى كما قال ابن عباس وابن جبير هي: لا إله إلا الله.
السابع: القبول المنافي للرد.
والقبول لغة: هو الرضاء بالشيء.
والمراد هنا: القبول بـ(لا إله إلا الله) وبما اقتضته وما دلت عليه من معنى بالقلب واللسان وسائر الجوارح، قبولاً منافياً للرد فلا يرد هذه الكلمة أو شيئا من مقتضياتها، فإن الشهادة قد يقولها من يعرف معناها لكنه لا يقبل بعض مقتضياتها إما كبرا أو حسدا أو غير ذلك. فهذا لم يحقق شرط القبول.
ودليل القبول قوله تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات:35-36].
فلا بد من قبول هذه الكلمة بالقلب واللسان، فمن لم يقبلها وردها واستكبر عنها؛ فهو كافر؛ كما ردها كفار قريش عنادًأ واستكبارًا ولم يقبلوها.
فصل
نواقض الإسلام
إن نواقض الإسلام كثيرة، قد ذكرها العلماء في كتب الفقه في أبواب الردة، ولكن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ذكر عشرة من النواقض لأنها أكثر وقوعاً.
والنواقض جمع ناقض: وهو ضد الإبرام، والنقض: الحل، يقال نقض الشيء إذا حله بعد إبرامه وعقده.
والنقض يكون حساً ومعنى.
فالحسي: كنقض الحبل أو الضفير.
والمعنوي: كنقض العهد، أو نقض الوضوء، وذلك أن الإنسان إذا فعل ما أمر به والتزمه كان ذلك كالعقد والربط، فإذا أتى بما يخالفه من أصله، صار كمن حله ونقضه. وهذا من باب إنزال المعاني منزلة المحسوس للتفهيم وتقريب المعنى في الأذهان.
والإنسان إذا نطق بكلمة التوحيد كان ذلك منه كالعهد والعقد على الالتزام بحقوقها ولوازمها ومقتضياتها، فإذا فعل ما يخالف أصلها نقضها.
فصل
الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى:
والشرك في عبادة الله هو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله عز وجل.
وهذا الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وصاحبه إن لقي الله به؛ فهو خالد في النار، قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وقال: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر، أو دعاء غير الله، أو الطواف للقبر، أو السجود لغير الله.
* والشرك في العبادة مداره على أربعة:
الأول: شرك الدعوة: أي دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو دعاء الأموات والأصنام والأشجار ونحوها، أو دعاء الغائبين.
والدعاء عبادة فمن صرفها لغير الله فقد أشرك، قال تعالى: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18].
وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدعاء هو العبادة.
الثاني: شرك النية والإرادة والقصد: والدليل قوله تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
وشرك النية والإرادة تكون في العبادات، فمن قصد بعبادته الدنيا أو المال أو الجاه أو السمعة ونحوها، ولم يقصد بها التقرب إلى الله تعالى وامتثال أمره، فقد وقع في هذا النوع من الشرك.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئاً غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعال وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي أمر الله تعالى بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهى حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص135].
أما ما لم يكن من العبادات فلا يدخل في هذا الباب، كمن يعمل عملاً من المباحات رغبة في المال أو غيره.
الثالث: شرك الطاعة: والدليل قوله تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].
يفسر هذه الآية ويوضحها ما رواه الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال فتلك عبادتهم.
وروى ابن جرير في تفسيره من طريق أبي البختري عن حذيفة في قوله تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال: لم يعبدوهم ولكنهم أطاعوهم في المعاصي.
وفي رواية قال: كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباَ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل؛ فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم؛ فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب. اهـ مجموع الفتاوى(7/70).
الرابع: شرك المحبة: والدليل قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165].
وهو أن يحب مع الله غيره كمحبته لله أو أشد من ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله:
الحب مع الله نوعان:
نوع يقدح في أصل التوحيد وهو شرك.
ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام.
فالأول كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مع الله كما يحبون الله، فهذه محبة تأله وموالاة، يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفر الله، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته.
والنوع الثاني: محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضل والخيل المسومة والأنعام والحرث فيحبها محبة شهوة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء.
فهذه المحبة ثلاثة أنواع: فإن أحبها لله توصلا بها إليه واستعانة على مرضاته وطاعته، أثيب عليها وكانت من قسم الحب لله توصلا بها إليه ويلتذ بالتمتع بها، وهذا حالة أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكانت محبته لهما عونا له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره.
وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه بل نالها بحكم الميل الطبيعي كانت من قسم المباحات ولم يعاقب على ذلك ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه.
وإن كانت هي مقصوده ومراده، وسعى في تحصيلها والظفر بها وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه كان ظالما لنفسه متبعا لهواه.
فالأولى محبة السابقين
والثانية محبة المقتصدين
والثالثة محبة الظالمين. [الروح ج1،ص254].
الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط؛ يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم؛ كفر إجماعاً.
هذا الناقض من أكثر النواقض وقوعاً وأعظمها خطراً على المرء، لأن كثيراً ممن يتسمى باسم الإسلام وهو لا يعرف الإسلام ولا حقيقته جعل بينه وبين الله جل وعلا وسائط يدعوهم لكشف الملمات وإغاثة اللهفات وتفريج الكربات، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين؛ لأن الله جل وعلا ما خلق الجن والإنس، إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].
فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويرجوهم وسألهم الحوائج، فقد أشرك بالله، ولا فرق بينه وبين المشركين الذين بعث إليهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر:3].
الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم.
مسألة من لم يكفر الكافر أو شك في كفره، ينبغي ضبطها قبل إنزال الحكم على من اتصف بها، وذلك بمعرفة أنواع الكفر، ومن هم الكفار الذين يكفر من لم يكفرهم أو شكل في كفرهم.
ولقد بين العلماء رحمهم الله أن من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فإنه يكفر، وبينوا أن هذا ليس على إطلاقه بل إن في المسألة تفصيلاً، ومن لم يفقه ضوابط هذا الناقض أدى به عدم فهمه إلى التسلسل في التكفير.
ومن لم يكفر الكافر فقد يكون لا يعرف حاله، كمن لم يعلم أن فلانا من الناس تلفظ بالكفر أو فعل فعلا مكفراً، فهذا معذور وليس داخلاً في القاعدة، وهذا ما يمسى بجهل الحال.
وأما إذا كان يعفر حاله، فينظر فيه بحسب الكافر الذي لم يكفره أو شكل في كفره أو صحح مذهبه.
والكفار من حيث الجملة على قسمين:
الأول: الكافر الأصلي، وهم كل من لم ينتسب إلى ملة الإسلام ولم ينطق بالشهادتين، كاليهود والنصارى والمجوس والهندوس ونحوهم.
فهؤلاء من لم يكفرهم أو شك في كفرهم، كفر، لأن كفرهم منصوص عليه في الكتاب والسنة ومعلوم من دين الإسلام بالضرورة، فالذي لا يكفرهم إما أن يكون مكذبا للكتاب والسنة، وإما أن يكون غير عارف بأصل الإسلام وحقيقته، وهذا لا يصح إسلامه لأنه ترك ركناً من أركان لا إليه إلا الله وهو الكفر بالطاغوت.
قال العلامة عبدالله أبا بطين رحمه الله: أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في فكرهم ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال.[رسالة الانتصار].
الثاني: الكافر المنتسب إلى الإسلام، وهو من نطق بالشهادتين، ولكنه ارتكب مكفراً يخرجه من دائرة الإسلام.
وهؤلاء يتفاوت كفرهم من حيث الوضوح والخفاء إلى أقسام:
- من كفره واضح صريح يدل عليه صريح الكتاب والسنة، كالمشركين الذين يدعون ويعبدون غير الله، فهؤلاء عملهم مناقض لأصل كلمة التوحيد ومضاد لها من كل وجه، ومن لا يكفرهم لا يخلو من حالتين:
إما أن يرى فعلهم صحيحاً ويقرهم عليه فهذا كافر مثلهم ولو لم يرتكب الشرك بنفسه، لأنه صحح وأقر فعل الشرك، وهذا كفر، والعياذ بالله.
وإما أن يقول إن فعلهم كفر وشرك، ولكن لا يكفرهم تأولاً عذرهم بالجهل، فهذا لا يكفر لأنه لم يصحح أو يقر فعلهم ولكن عرضت له شبهة عذرهم بالجهل، فلا يكفر للشبهة التي عرضت له، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فمن باب أولى التكفير، ومن ثبت إسلامه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين، والـتأويل في إعذارهم بالجهل يمنع تكفيره ابتداءً حتى تبين له النصوص، وترفع عنه الشبهة فإن لم يكفرهم بهد ذلك، كفر.
قال العلامة سليمان بن عبدالله فيمن توقف أوشك أو كان جاهلا في كفر القبوريين: فإن كان شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله على كفرهم فإن شك بعد ذلك وتردد فأنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر. [أوثق عري الإيمان ضمن مجموعة التوحيد:1/160].
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله: من خصص بعض المواضع بعباده أو اعتقد أن من وقف عندها سقط عنه الحج كفره لا يستريب فيه من شم رائحة الإسلام ومن شك في كفره فلا بد من إقامة الحجة عليه وبيان أن هذا كفر وشرك وأن اتخاذ هذه الأحجار مضاهاة لشعائر الله التي جعل الله الوقوف بها عبادة لله فإذا أقيمت الحجة عليه وأصر فلا شك في كفره. [الدرر السنية:10/443].
- أن يكون تكفيره محتملاً للشبهة، كالحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله ونحوهم، فهؤلاء وإن كان كفرهم قطعيا عند من حقق المسألة، فإن ورود الشبهة محتمل فلا يكفر من لم يكفرهم، إلا إن أقيمت عليه الحجة، وكشفت عنه الشبهة وأزيلت، وعرف أن حكم الله فيهم هو تكفيرهم.
- أن يكون تكفيره مسألة اجتهادية فيها خلاف بين المسلمين، كحكم تارك الصلاة ونحوه فإن هذه المسائل لا يكفر فيها من لم ير كفر مرتكبها بل ولا يبدع ما دام أن أصوله أصول أهل السنة والجماعة.
الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الجمعة: أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد. أخرجه مسلم.
ومعلوم أن دين الإسلام مبني على أصلين الكتاب والسنة، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم تقرير للدين وعمل به وتفسير له، فمن زعم أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، فقد زعم أن غير دين الإسلام أكمل من دين الإسلام وهذا كفر بإجماع المسلمين.
والله جلا وعلا قد امتن على هذه الأمة بأن أكمل لها الدين وأتم عليها النعمة، فقال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3].
فما رضيه الله لنا هو أكمل الأديان وأفضلها وأيسرها، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي بلغ هذا الدين وفسره وعمل به، فهديه هو الدين، والدين كامل، فلا يوجد دين أكمل منه ولا هدي أكمل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19].
وقال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].
وقوله: من اعتقد أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه.
هذه مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، والحاكم بغير ما أنزل الله له من حيث الجملة حالتان:
الأولى: أن يكون الأصل حكمه بالشرع وليس له مرجع أو مصدر إلا الشريعة، ثم يخالفه فيحكم بما يخالفه في بعض الأحيان.
الثانية: أن يستبدل الحكم الشرعي الصحيح الصريح بغيره ويجعله مكانه، بحيث يلغي الحكم الشرعي ويجعل مكانه حكماً آخر، سواء كان ذلك في حكم واحد أو أكثر.
وسيأتي التفصيل في الحالتين.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: وتحكيم شرع الله وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو المتبع المحكم ما جاء به فقط، ولا جردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك، والقيام به فعلاً، وتركاً، وتحكيماً عند النزاع. اهـ
وقال الإمام الشنقيطي رحمه الله: الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله، تشريعاً غير تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله. [أضواء البيان للشنقيطي 7/162].
إن الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفرا أكبر مخرجا من الملة، ويكون كفراً أصغر غير مخرج من الملة.
والحاكم بغير ما أنزل الله لا يخلو من أحوال:
الحالة الأولى: أن يحكم بغير ما أنزل الله في قضية ونحوها بدافع الرشوة أو الهوى أو غير ذلك مع التزامه بحكم الله في الأصل.
الحالة الثانية: أن يأتي بقوانين من نفسه ويحكم بها مختاراً.
الحالة الثالثة: أن يقتبس القوانين من دساتير أخرى ويحكم بها مختاراً.
الحالة الرابعة: أن يحكم بقوانين الحاكم الذي سبقه مختاراً.
الحالة الخامسة: أن يحكم بالقوانين المخالفة لشرع الله مكرهاً.
الحالة السادسة: أن يحكم بالقوانين المخالفة لشرع الله جاهلاً.
الحالة الأولى: فمن حكم بغير ما أنزل الله في قضية ونحوها مع علمه وإقراره بوجوب الحكم بما أنزل الله ولكن بدافع الرشوة أو الهوى عدل عن حكم الشرع مع اعترافه في نفسه أنه مخطئ ولم يجعل الحكم المخالف للشرع بديلاً عن حكم الشرع، فهذا كفره كفر أصغر لا يخرج من الملة وعليه يحمل قول ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنه قال ذلك في عهد بني أمية وهم كانوا يحكمون بالشرع ولكن كان يقع من بعضهم ظلم في الحكم، ولم يضعوا أحكاماً مخالفة لحكم الله بدلا عن حكم الله ويلزموا الناس بها، فلم يعرف الحكم بالقوانين الوضعية إلا في عهد التتار.
قال محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة فقد تقدم أن تفسير ابن رضي الله عنهما لقول الله عز وجل: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: كفر دون كفر، وقوله أيضا: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. اهـ [الدرر السنية، ج16،ص218].
وقال رحمه الله: وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كافر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل. اهـ [فتاوي محمد بن إبراهيم12/280].
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: إن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأكبر والأصغر، بحسب حالة الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في الواقعة وأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر. اهـ [مدارج السالكين، ج1، ص336].
لاحظ قول الشيخ ابن إبراهيم: في القضية، وقوله: المرة ونحوها.
وقول ابن القيم: في الواقعة.
فإن هذا يدل على أنه إن جعل الحكم المخالف لحكم الله مستقراً لازماً فإنه لا يدخل في هذا القسم أعني الكفر الأصغر، بل يدخل في أنواع الكفر الأكبر.
الحالة الثانية: وهي أن يأتي بقوانين من نفسه ويحكم بها مختاراً حكمها الكفر الأكبر المخرج من الملة وذلك لأنه إن أتي بالقوانين من نفسه وهو يعلم أن الله قد حكم وفصل في الأمر، ولكنه مع ذلك غير وبدل وألزم الناس بها فإنه مشرع مع الله ومنازع لله في ربوبيته وحكمه ومنزل عقله ورأية الفاسد القاصر منزلة علم الله وحكمته وهذا من أعظم المناقضة لشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
الحالة الثالثة وهي أن يقتبس القوانين من دساتير أخرى ويحكم بها مختاراً: حكمها الكفر الأكبر أيضاً؛ لأنه بهذا مستبدل أحكام الله بأحكام غيره ودافع لحكم الله ومقدم لحكم غيره على حكمه، ولا فرق بين أن يأتي بها من عنده أو يأخذها من الكتب المنسوخة أو يأخذها من دساتير أخرى فكلها تشترك في أنها جعلت بدلاً عن حكم الله وأقيمت مقامه في الحكم والفصل بين العباد.
الحالة الرابعة وهي أن يحكم بقوانين الحاكم الذي سبقه مختاراً حكمها الكفر الأكبر كذلك، لأن الكفر يحصل بتحكيم القوانين بدلا عن حكم الله سواء كان هو من وضعها أو غيره.
الحالة الخامسة وهي أن يحكم بالقوانين المخالفة لشرع الله مكرهاً.
الحاكم بغير الشريعة إن ادعى أنه مكره فلا اعتبار لقوله لأمور:
الأول: أنه ليس ملزماً أن يكون حاكماً على المسلمين بل عليه أن يعتزل الحكم، فإن زعم أنه ملزم ولا يتستطيع التنحي عن الحكم فإنه يقدم القتل على ارتكاب الكفر المتعدي لأن مفسدة قتله أقل ضرراً من حكمه بين الناس بغير الشرع، وإخضاعهم لحكم الطاغوت، فقتله مفسده خاصة والحكم بغير الشرع مفسدة عامة.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا طاغوتاً في الأرض يحكم بخلاف شريعة الإسلام التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم. اهـ
الثاني: أنه فاقد للاختيار في فعله فلا يصح أن يحكم غيره وهو لم يحكم نفسه.
الثالث: أن حكمه بغير الشرع ذريعة لإيقاع الناس في الكفر، وذلك بأن يرضى الناس بتحكيم غير الشرع والتحاكم إلى الطاغوت فيقعون في الكفر، والفتنة في الدين أشد من القتل.
الرابع: أن الحكم بالشرع عبادة والتحاكم إلى الشرع عبادة، ولا يجوز أن يكره الناس على عبادة غير الله والخضوع والاستسلام لحكم غيره.
الحالة السادسة: وهي أن يحكم بالقوانين المخالفة لشرع الله جاهلا.
وقبل الحكم لا بد أن تعلم أن الجهل مانع من موانع التكفير، ولكن ليس بإطلاق، فالجهل يكون صاحبه معذوراً إذا لم يستطع رفعه عن نفسه كأن ينشأ بادية بعيدة عن العلم والعلماء، أو يكون حديث عهد بالإسلام ولم يعلم حكم ما وقع فيه من الكفر، أما إن كان يستطيع رفع الجهل عن نفسه ثم قصر في ذلك فإنه لا يكون معذوراً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على المنطقيين: حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم، فليس من شرط حجة الله علم المدعوين بها، ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانع من قيام حجة الله عليهم، وكذلك إعراضهم عن المنقول عن الأنبياء وقراءة الآثار المأثورة عنهم لايمنع الحجة إذ المكنة حاصلة. [مجموع الفتاوى 1/122-113].
تنبيه: لا يشترط في لحوق حكم الكفر على فاعله أن يعلم أن فعله كفر، إنما يكفي أن يعلم أن الله نهى عنه.
فإذا علم الإنسان أن الله حرم امراً ما ولم يعلم أنه كفر فإنه يكفر بفعله ولو لم يعلم أن فعله كفر والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
أن الذين استهزؤوا بالصحابة كانوا يعلمون حرمة فعلهم ولم يكونوا يعلمون أنه كفر ومع ذلك حكم الله بكفرهم كما قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.
أن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه كان يعلم حرمة الجماع في نهار رمضان وكلنه لم يكن يعلم أن فعل المنهي يترتب عليه كفارة، فلما وقع على امرأته جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفارة، ولم يسقطها لعدم علمه بذلك.
الناقض الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به، كفر.
وهذا باتفاق العلماء؛ كما نقل ذلك صاحب الإقناع وغيره.
قال الله تعالى حاكماً بكفر من كره ما أنزل على رسوله {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:8-9].
وبغض شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان من الأقوال أو الأفعال نوع من أنواع النفاق الاعتقادي الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار.
وبغض شيء من الدين له صورتان:
الأولى: أن يبغض شيئا من الدين من جهة كونه تشريعاً، فهذا كفر.
الثانية: أن يبغضه لا من جهة كونه تشريعا ولكن يبغضه من جهة جبلته، مع إقراره وعلمه بأنه حق، كما قال تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} فهو كره لما فيه من تلف للأنفس.
وكمن يبغض إخراج الزكاة لبخله لا بغضاً للتشريع ذاته. فهذا لا يكفر.
الناقض السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه، والدليل قوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.
الاستهزاء بشيء مما جاء به الرسول كفر بإجماع المسلمين، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء؛ كما لو هزل مازحاً.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم عن عبدالله ابن عمر؛ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت! ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون}.
فقولهم: إنما كنا نخوض ونلعب؛ أي: إننا لم نقصد حقيقة الاستهزاء، وإنما قصدنا الخوض واللعب، نقطع به عناء الطريق، كما في بعض روايات الحديث، ومع ذلك كفرهم الله جلا وعلا؛ لأن هذا الباب لا يدخله الخوض واللعب؛ فهم كفروا بهذا الكلام، مع أنهم كانوا من قبل مؤمنين.
والاستهزاء يكون على صورتين:
الأولى: الاستهزاء بشيء من الدين كمن يسخر بالصلاة، أو الأذان ونحوه مما شعيرة محضة، فهذا كفرز
الثانية: الاستهزاء بمن يطبق السنة وعمل بالشرع، فهذا على حالتين:
أ. أن يكون الاستهزاء به لكونه طبق السنة وعمل بالشرع، فهنا الاستهزاء به استهزاء بالدين وهو كفر.
ب. أن يكون الاستهزاء بالشخص نفسه لا من مظاهر السنة والدين التي عليه، فهذا فسق وليس بكفر.
تنبيه هام:
يجب على كل مسلم أن يصارم المستهزئين بدين الله وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كانوا أقرب الناس إليه، وأن لا يجالسهم، لئلا يكون منهم؛ كما قال الله جلا وعلا: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء:140].
فمن سمع آيات الله يكفر بها، ويستهزأ بها وهو جالس معهم ولم يفارقهم، فهو مثلهم في الكفر والخروج عن الإسلام؛ كما قال تعالى: { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: شبهاءهم ونظراءهم.
الناقض السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة:102].
السحر يطلق في اللغة على ما خفي ولطف سببه.
وفي الشرع: عقد ورقى يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين لتضر المسحور.
وقيل في تعريفه غير ذلك.
وقال الشنقيطي رحمه الله: اعلم أن السحر لا يمكن حده بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعاً لها مانعاً لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حدة اختلافاً متبايناً.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضاً وثقلاً وحلا وعقداً وحبا وبغضا وتزييفا وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس.. [بدائع الفوائد(2/227)].
ومن السحر الصرف والعطف:
فالصرف: صرف الرجل عما يهواه؛ كصرفه مثلا عن محبة زوجته إلى بغضها.
والعطف: عمل سحري كالصرف، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق سيطانية.
حكم الساحر: اختلف العلماء رحمهم الله في الساحر: هل يكفر أم لا؟
ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه يكفر؛ لقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}، وهو مذهب الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة، وعليه الجمهور.
وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه إذا تعلم السحر، يقال له: صف لنا سحرك.
فإن وصف ما يستوجب الكفر فهو كافر، وإن كان لا يصل إلى حد الكفر لا يكفر.
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله: التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل:
فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله، كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر؛ فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت والمذكور في سورة البفرة؛ فإنه كفر بلا نزاع؛ كما دل عليه قوله تعالى: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}، وقوله تعالى: {مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}، وقوله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}.
وإن كان السحر لا يقتضي الكفر؛ كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها؛ فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.اهـ كلامه رحمه الله
واعلم أن الساحر على كلا الحالتين يجب قتله على القول الصحيح، لأنه مفسد في الأرض، يفرق بين المرء وزوجه، وبقاؤه على وجه الأرض فيه خطر كبير وفساد عظيم على الأفراد والمجتمعات ففي فتله قطع لفساده وإراحة للعباد والبلاد من خبثه.
عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وليس بين الصحابة اختلاف في قتل الساحر.
حكم النشرة: وهي حل السحر عن المسحور.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: حل السحر عن المسحور نوعان:
أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قوله الحسن (وهو:لا يحل السحر إلا ساحر)، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة؛ فهذا جائز.
الذهاب إلى السحرة والكهان والمنجمين والعرافين لسؤالهم فقد من دون تصديق كبيرة من كبائر الذنوب، وصاحبه لا تقبل صلاته أربعين يوما، قال صلى الله عليه وسلم: من أتي عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. رواه مسلم.
أما إن سألهم وصدقهم فهو كافر بما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما رواه الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه فيما يقول فقد فكر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.
والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51]، قال الإمام ابن حزم رحمه الله: إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف في اثنان من المسلمين: [المحلى ج11،ص71].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 18/300، بعد ذكر قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ} إلى قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ...}: فالمخاطبون بالنهى عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة، ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة، وهو لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم، بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئا، بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم، كما قال في أول الأمر "فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها كافرين" فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه لا يضرون الإسلام شيئا بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به روسله وينصر دينه إلى قيام الساعة. اهـ
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: إن الأدلة على كفر المسلم إذا أشرك بالله أو صار مع المشركين على المسلمين. ولو لم يشرك. أكثر من أن تحصر من كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم المعتمدين. الرسائل الشخصية ص 272.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله كما في (الدرر السنية) (10/429): ومن جرهم وأعانهم على المسلمين بأي إعانة فهي ردة صريحة.
الناقض التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام، فهو كافر.
وذلك لتضمنه تكذيب قول الله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} وقوله تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].
والنبي صلى الله عليه وسلم نسخ دينه جميع الأديان وكتابه جميع الكتب، وقد بعثه الله للناس كافة، فمن لم يؤمن به ويتبعه فهو من الضالين في الدنيا الهالكين يوم القيامة.
روى النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة، فقال: امتهوكون يا ابن الخطاب؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والذي نفسي بيده، لو كان موسى كان حيا اليوم ما وسعه إلا أن يتبعني. رواه أحمد والبيهقي وهو حسن.
الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة:22].
والمراد بالإعراض الذي يعتبر ناقضاً للإسلام: هو الإعراض عن تعلم أصل الدين الذي به يكون المرء مسلماً، ولو كان جاهلاً بتفاصيل الدين؛ لأن هذا قد لا يقوم به إلا العلماء وطلبة العلم.
قال الشيخ العلامة سليمان بن سحمان: الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، لا بترك الواجبات والمستحبات.
ومقصود الشيخ سليمان في قوله: [لا بترك الواجبات والمستحبات] يقصد ترك بعض الواجبات التي تركها يكون معصية لا كفراً، وليس الترك المطلق وما في حكمه، فإن المقرر عند أهل السنة أن تارك جنس العمل كافر، كذلك تارك الصلاة على قول جماهير الصحابة والتابعين.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في مدارج الساكين: وأما الكفر الأكبر؛ فخمسة أنواع.
فذكرها، ثم قال: وأما كفر الإعراض، فأنه يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول؛ لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغى إلى ما جاء به البتة. اهـ. كلامه.
ومن هذا البيان لمعنى الإعراض يتبين لك حكم كثير من عباد القبور في زماننا هذا وقبله؛ فإنهم معرضون عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إعراضاً كليا بأسماعهم وقلوبهم، لا يصغون لنصح ناصح وإرشا مرشد، فمثل هؤلاء كفار لإعراضهم.
قال تعالى: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون}.
فصل
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره..
والدليل قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [النحل:106-107].
فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا؛ فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفاً أو طمعاً أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أوعشيرته أو ماله أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض؛ إلا الكره؛ فالآية تدل على هذا من وجهين:
الأول: قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ}: فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب؛ فلا يكره عليها أحد.
الثاني: قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين، والله سبحانه أعلم.
فصل
الكفر كفران
النوع الأول: كفر يخرج من الملة:
وهو خمسة أنواع:
النوع الأول: كفر التكذيب: والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت:68].
فتكذيب القرآن أو جزء منه ولو آية، أو تكذيب السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كفر أكبر مخرج من الملة.
النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق: والدليل قوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:34].
فالذي يستكبر عن عبادة الله أو عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر خارج من ملة الإسلام.
النوع الثالث: كفر الشك والدليل قوله تعالى: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدً} [الكهف:35-38].
فمن شك في شيء من دين الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة فإنه يكفر، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولم يتعرف على الشرائع، أو في مكان بعيد عن العلم والعلماء بحيث لا يمكنه التعلم ورفع الجهل عن نفسه.
النوع الرابع: كفر الإعراض والدليل قوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف:3].
وقد سبق بيانه في شرح النواقض.
النوع الخامس: كفر النفاق والدليل قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون:3].
والنفاق هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
النوع الثاني من نوعي الكفر: هو الكفر الأصغر، ولا يخرج من الملة.
وهو كا ما ورد في الشرع أنه كفر ولم يبلغ حد الكفر الأكبر، ككفر النعمة، كما في قوله تعالى: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].
والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت قال صلى الله عليه وسلم: اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت. وكالقتل، قال صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
فصل
أنواع النفاق
النفاق نوعان: اكبر، وأصغر:
النفاق في الأصل: هو مخالفة الظاهر للباطن، أو إظهار شيء وإخفاء خلافه.
وهو في الشرع: إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
النفاق الأكبر: صاحبه من أهل الدرك الأسف من النار، وأنواع كثيرة منها الاعتقادي ومنها العملي، دل عليه الكتاب والسنة من أهمها:
الاعتقادي:
- تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تكذيب بعض ما جاء به.
- بغض الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بغض ما جاء به.
- المسرة بانخفاض دين الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كراهية انتصار دين الرسول صلى الله عليه وسلم.
- عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر.
- عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر.
العملي.
- أذى الرسول صلى الله عليه وسلم أو عيبه ولمزه.
- مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين.
- الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.
- التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
النفاق الأصغر: خمسة أنواع:
مذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. وفي رواية: إذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر.
الفروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر:
- أن النفاق الأكبر يخرج من الملة، والنفاق الأصغر لا يخرج من الملة.
- أن النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن، وأما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن.
ومرتكب النفاق الأكبر هو الذي يصح إطلاق اسم المنافق عليه، أما من ارتكب شيئا من أنواع النفاق الأصغر فلا يصح أن يوصف بالنفاق على وجه الإطلاق وإنما يقال: فيه صفة من صفات النفاق.
أركان الإيمان
الأول: الإيمان بالله. وقد تقدم بيانه.
الثاني: الإيمان بالملائكة.
هو التصديق الجازم بأن لله ملائكة موجودين، مخلوقين من نور، وأنهم عباد مكرمون يسبحون لله في الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم إنهم ليسوا كالبشر، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناسلون، وإنهم قائمون بوظائف متنوعة أوكل الله تعالى إليهم القيام بها.
والإيمان بالملائكة مجمل ومفصل.
فالمجمل: الإيمان بأن لله ملائكة خلقهم من نور، وأنهم عباد لله، لا يعصون ولا يتكبرون عن طاعته.
والمفصل: الإيمان بما ذكر عنهم مفصلاً في الكتاب والسنة، كذكر أعمالهم وأسماء بعضهم وما خصه الله به، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، وحملة العرش، وملك الموت، ومالك خازن النار.
الثالث: الإيمان بالكتب السماوية: المقصود بالكتب: هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله.
والإيمان بها مجمل ومفصل:
فالمجمل: الإيمان إجمالا بأن الله تعالى قد أنزل كتباً على رسله، منها ما ذكرها في كتابه ومنها مالم يذكره.
والمفصل: ما جاء ذكره من الكتب في الكتاب أو السنة، أنه أوحي به إلى رسول بعينه فيجب الإيمان به عيناً مثل القرآن والإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى، فهذه المذكورة يجب الإيمان بها على وجه التفصيل المذكور.
الرابع: الإيمان بالأنبياء والرسل: وذلك بالتصديق الجازم والإقرار، بأن الله سبحانه أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين.
والإيمان بهم كذلك مجمل ومفصل.
فالمجمل: الإيمان بجملة الأنبياء والرسل الذي بعثهم الله إيمانا مجملاً.
والمفصل: الإيمان بالأنبياء والرسل الذين ذكروا في الكتاب والسنة وذكر شيء من تفاصيل دعوتهم، فيجب الإيمان بهم وبجميع ما ورد عنهم في القرآن وصحيح السنة.
الخامس: الإيمان باليوم الآخر: وهو البعث بعد الموت لمحاسبة الخلائق.
والإيمان به كذلك مجمل ومفصل:
فالمجمل: الإيمان بالبعث بعد الموت، والوقوف بين يدي الله للحساب، والإيمان بالجنة والنار.
والفصل: الإيمان بالبعث وبما يحصل يوم القيامة من أهوال وأحوال، والإيمان بها بالتفصيل كما وردت، كالصراط، والميزان، وتطاير الصحف، وقرب الشمس من من الخلائق، وغير ذلك مما ورد في الكتاب وصحيح النسة، وكذلك الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، فإنه داخل ضمن اليوم الآخر فقد ثبت عن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القبر أول منازل الآخرة. رواه أحمد وابن ماجة بسند حسن.
السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره: وذلك بالإقرار بأن الله تعالى علم كل شيء وكتب مقادير كل شيء، وكل شيء بإرادته ومشيئته، وأنه خالق كل شيء. يخلق ما يشاء فعال لما يريد، ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، بيده ملكوت كل شيء، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير. يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدهل، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، خلق الخلق، وقدر أعمالهم وأرزاقهم وحياتهم وموتهم.
أركان الإسلام
أركان الإسلام خمسة:
شهادة إلا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وإقام الصلاة.
وإيتاء الزكاة.
وصوم رمضان.
وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا.
البدعة
البدعة لغة: الجديد والحادث على غير مثال سابق.
قال أبو البقاء الكفوي: كل عمل عُمل على غير مثال سبق، فهو بدعة.
ومنه قول الله تعالى: {بديع السموات والأرض} أي مخترعهما من غير مثال سابق.
والبدعة شرعاً: يقول الإمام الشاطبي: البدعة: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
شرح التعريف:
قوله: [طريقة في الدين] يخرج ما كان من الأمور الدنيوية، أو العادات.
قوله: [مخترعة] أي جديدة محدثة.
قوله: [تضاهي الشرعية] أي تشبه الطريقة الشرعية.
قوله: [يقصد بالسلوك علهيا ما يقصد بالطريقة الشرعية] أي يقصد بها صاحبها التقرب إلى الله كما يصده سالك الطريقة الشرعية.
والبدعة، اختراع في الدين، وخروج عن سبيل المؤمنين، قال الله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم، وهم أهل البدع.
وليس المراد سبل المعاصي، لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقاً تسلك دائماً على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثاـ؛ ويدل على هذا ما رواه عبد الله بن مسعود قال خط لنا رسول الله صلى الله علي وسلم خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ {إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) رواه أحمد والنسائي والدارمي وهو حسن.
وعن مجاهد في قوله: {ولا تتبعوا السبل} قال: البدع والشبهات.
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
وفي صحيح مسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، ويقول في خطبته وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وراد النسائي بسند صحيح: وكل ضلالة في النار.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.
فصل
والبدع من حيث متعلقها، ثلاثة أنواع:
الأول: بدع اعتقادية: كبدعة تعطيل الصفات أو تحريفها، أو بدعة القدرية، والجبرية.
الثاني: بدع عملية، كبدعة إحياء ليلة النصف من شعبان.
الثالث: بدع تركية، كبدعة الامتناع عن الزواج في صفر.
فصل
والبدع من حيث حكمها قسمان:
بدع مكفرة: كبدعة الروافض، وبدعة الجهمية.
وبدع مفسقة: وهي كل البدع التي لم تصل إلى حد الكفر.
والبدع كلها محرمة، وليس في الإسلام بدعة حسنة، بل كلها ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم.
فصل
والبدعة حقيقية، ,إضافية.
البدعة الحقيقية: هي التي لا أصل لها في الشرع ولا تستند إلى دليل معتبر، ولا إلى شبه دليل لا في الجملة ولا في التفصيل.
كبدعة عيد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، فهي طريقة محدثة لا أصل لها في الجملة، ولا في تفاصيل ما يحدث فيها من مبتدعات.
والبدعة الإضافية: هي التي لها أصل في الشرع، ولكن دخل عليها الخلل من جهة أخرى.
والخلل يدخل على العمل المشروع من ست جهات:
الكيفية: كالذكر الجماعي بصوت واحد، أو تحريك الرؤوس أو الأجساد بطريقة معينة أثناء الذكر، فالذكر مشروع في الأصل ولكن دخلت عليه البدعة في الكيفية.
السبب: كأن يخصص صلاة عن نزول المطر.
الجنس: كما في الأضحية حدد الشرع بهمية الأنعام [الإبل، والبقر، الغنم] فمن ضحى بدجاجة أو غزال، فقد أتى ببدعة حيث أدخل في جنس ما حدده الشرع مالم يحدده.
العدد أو المقدار: كان يخصص أذكاراً معينة، بعدد معين لم يحدده الشرع و يلتزمه.
الزمان: كمن يخصص ليلة الجمعة بقيام أو يومها بصيام.
المكن: كالاعتكاف في الكهوف والأماكن المهجورة.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على بنينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين