جزء في بيان ضعف حديث الثلاثة الذين دخلوا غاراً فانطبقت على مدخله صخرة
تأليف الباحث أحمد آل الشيخ
نص القصة بلفظ البخاري
...
هذا حديث رواه الشيخان وغيرهما ومع ذلك هو حديث ضعيف معلول بعلل قادحة متناً وسنداً منها أن مداره في الحقيقة على راو واحد بالإضافة إلى علل قادحة أخرى منها ما يلي
...
علة المتن
...
أما علة متنه القادحة فهي أن بعض أفعال أحدهم التي ذكرها في دعائه تعتبر منكراً في كل الشرائع وليست عملاً صالحاً في الحقيقة لأن ترك عياله يتضاغون من الجوع طوال الليل حتى الفجر بحجة أنه لا يريد أن يطعمهم قبل والديه النائمين يعتبر منكراً شرعاً. فلا يجوز تعذيب أي طفل أو مسلم بالجوع أو غيره بهذه الحجة الواهية الباطلة. وكان بإمكانه أن يغطي نصيب والديه من اللبن ليشرباه حين يستيقظا ثم يعطي عياله المساكين نصيبهم لكي يشربوا ويشبعوا ويناموا. لا أن يعذبهم بالجوع وهو يستطيع إطعامهم فهذا من الكبائر لأنه ظلم لهم والظلم من الكبائر
وعلة المتن هذه لوحدها تثبت أن هذه القصة خيالية ولم تحدث أصلاً وغالباً أنها من تأليف أول من كتبها قبل أن يفطم البخاري من الرضاعة أصلاً وهو الشيعي محمد بن فضيل الذي توفي سنة 195 هـ أي بعد ولادة البخاري بحوالي سنة لأنه ولد في سنة 194 هـ. وقبل ولادة مسلم بحوالي 11 سنة لأنه ولد في سنة 206 هـ. فابن فضيل الشيعي هذا هو أول من كتب هذه القصة وادعى أن لها إسناداً وذلك في كتابه المسمى (كتاب الدعاء) الذي ألفه قبل أن يولد البخاري ومسلم أو قبل أن يفطم البخاري رضاعته
...
علل السند
...
أول من روى هذا الحديث من المصنفين، ابنُ فضيلٌ في كتاب الدعاء 1-243 ولكن ابن فضيل هذا ضعيف جداً وحديثه لا يصح إذ قال عنه الذهبي في كتابه (ذِكرُ من تُكلم فيه 1-167) ما يلي (محمد بن فضيل بن غزوان.. شيعي. قال أبو حاتم: كثير الخطأ. وقال ابن سعد: بعضهم لا يحتج به) إهـ
ثاني من روى هذا الحديث هو عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند حيث قال في مسند أحمد بن حنبل (حدثني أبي ثنا مَروَانُ بن معَاوِيَةَ ثنا عمَرُ بن حَمزَةَ العمري ثنا سَالمُ بن عبد اللّهِ عنِ بن عمَرَ) ..الخ.
* في هذا الإسناد الراوي (عمر بن حمزة) العمري وهو ضعيف. قال الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام 9-228 عن عمر بن حمزة ما يلي (قال النسائي: ضعيف الحديث). إهـ
* فيه أيضاً (مَروَانُ بن معَاوِيَةَ) وهو مدلس فيه ضعف. قال عنه ابن العجمي رحمه الله في كتابه أسماء المدلسين 1-204 (مروان بن معاوية.. قال ابن معين ما رأيت أحيل للتدليس منه) إهـ
ورواه عبد الله بن أحمد أيضاً بسند هذا نصه (حدثني أبي ثنا يَعقُوبُ ثنا أبي عن صالِحٍ ثنا نافِعٌ أنَّ عَبدَ اللّهِ بن عُمرَ)
وهذا الإسناد كما ترون مليء بالأسماء المبهمة فمن هو يعقوب ومن هو أبوه ومن هو صالح؟! لا أحد يستطيع الجزم يقيناً بمن هم هؤلاء إلا الله ثم عبد الله بن أحمد بن حنبل. لا أريد التخمينات
وثالث من روى هذا الحديث هو البخاري في جامعه حيث قال (حدثنا إسْمَاعِيلُ بن خَليلٍ أخبرنا عَليُّ بن مسْهِرٍ عن عبيد اللّهِ بن عمَرَ عن نَافعٍ عن بن عمَرَ رضي الله عنهما) ..الخ.
* في هذا الإسناد علي بن مسهر وهو مختلف فيه وفي حفظه ضعف ألمح إليه فيما يلي حيث قال أبو جعفر العقيلي في كتابه الضعفاء الكبير 3-251 (1250 علي بن مسهر كوفي. حدثني الخضر بن داود قال حدثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا عبد الله يقول أما علي بن مسهر فلا أدرى كيف أقول ثم قال إن على بن مسهر كان قد ذهب بصره وكان يحدثهم من حفظه). وفي هذا تنبيه إلى ضعف حفظه وضعف روايته
* وفي هذا الإسناد أيضاً (إسماعيل بن خليل) وهو مجهول. ويمكن أن يدعي أحد بأنه الخزاز ولكن لا يوجد ما يثبت ذلك. وحتى الخزاز مجهول الطبقة
كما روى البخاري هذا الحديث بإسناد هذا نصه (حدثنا سعِيدُ بن أبي مَريَمَ حدثنا إِسمَاعِيلُ بن إبراهيم بن عُقبَةَ قال أخبرني نافِعٌ عن بن عُمرَ رضي الله عنهما) ..الخ.
وفي هذا الإسناد (إِسمَاعِيلُ بن إبراهيم بن عُقبَةَ) مُتكلم فيه (وقيل بأنه متكلم فيه بغير حجة) ورفض أبو حاتم الرازي توثيقه واكتفى في وصفه بعبارة (لا بأس به) إهـ وهذه العبارة فيها تضعيف له
وفي هذا الإسناد (سعِيدُ بن أبي مَريَمَ) قل عنه الذهبي في كتابه تذكرة الحفاظ 1-392 (له غرائب وأفراد) إهـ
رابع من روى هذا الحديث هو مسلم بإسناد هذا نصه (حدثني محمد بن إسحاق الْمسَيَّبِيُّ حدثني أنَسٌ يعنى بن عيَاضٍ أبَا ضَمرَةَ عن موسَى بن عقْبَةَ عن نَافعٍ عن عبد اللّهِ بن عمَرَ) ..الخ
وبإسناد هذا نصه (وحدثنا إسحاق بن مَنصُورٍ وَعَبدُ بن حُمَيدٍ قالا أخبرنا أبو عاصِمٍ عن بن جُرَيجٍ أخبرني مُوسى بن عُقبَةَ عن نافع عن ابن عمر) ..الخ
* وفيهما كما ترون (موسى بن عقبة) بالعنعنة وهو مدلس كما جاء في كتاب أسماء المدلسين 1-215 لابن العجمي رحمه الله
كما رواه مسلم بإسناد نصه (حدثني سُوَيدُ بن سعِيدٍ حدثنا علِيُّ بن مُسهِرٍ عن عبيد اللّهِ ... عن ابن عمر) .. الخ
* وفيه (علي مسهر) الذي سبق أن بينت ضعفه في بدايات هذا البحث
ورواه مسلم بإسناد نصه (حدثني أبو كُرَيبٍ ومُحَمَّدُ بن طرِيفٍ البَجَلِيُّ قالا حدثنا بن فُضَيلٍ حدثنا أبي ورَقَبَةُ بن مسْقَلَةَ ... عن ابن عمر) ..الخ
* وفيه ابن فضيل وقد بينت ضعفه الشديد في بداية هذا البحث
ورواه مسلم بإسناد هذا نصه (حدثني زُهيْرُ بن حرْبٍ وحَسَنٌ الْحُلْوانِيُّ وعَبْدُ بن حُميْدٍ قالوا حدثنا يعْقُوبُ يعْنُونَ بن إبراهيم بن سعْدٍ حدثنا أبي عن صالِحِ بن كيْسَانَ كلهم عن نافِعٍ عن بن عُمرَ) ..الخ
ولاحظوا هنا أن مسلماً قد قال بأن يعقوب المبهم هنا هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد وهذا قول يحتاج إلى دليل. ثم إّذا افترضنا جدلاً أن كلامه صحيح نقول بأن إبراهيم بن سعد قد ليّنه أي ضعّفه يحيى القطان كما قال الذهبي في كتاب (ذِكرُ من تُكلم فيه 1-31) إهـ
ورواه مسلم بإسناد في نصه (أبو اليَمَانِ أخبرنا شعَيْبٌ عن الزّهْرِيِّ أخبرني سَالمُ بن عبد اللّهِ أنَّ عَبدَ اللّهِ بن عمَرَ) ..الخ
وأبو اليمان هذا مبهم مجهول وشعيب هذا أيضاً مبهم مجهول
وروى هذا الحديث أبو يوسف الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ 1-35 و100 كما يلي (حدثنا أبو اليمان قال : اخبرنا شعيب وحدثنا الحجاج بن أبي منيع قال: حدثني جدي جميعا عن الزهري قال : اخبرني سالم بن عبد الله : ان عبد الله بن عمر) ..الخ
وهذان إسنادان في أحدهما مبهمان مجهولان هما (أبو اليمان وشعيب) وفي الآخر (الحجاج بن أبي منيع) وهو مجهول الحال أي مجهول العدالة إذ أني لم أجد أحداً قد وثقه أو حتى عدّله
وروى هذا الحديث ابن أبي الدنيا في كتابه مجابو الدعوة 1-14 فقال (حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن صالح يعني ابن كيسان حدثنا نافع أن عبد الله بن عمر) الخ
* وفي هذا الإسناد إبراهيم بن سعد وهو ضعيف كما مر معنا قبل قليل
وروى هذا الحديث الواسطي في كتابه تاريخ واسط 1-168فقال (حدثنا أسامة قال ثنا يحيى بن عبادة البحتري قال ثنا مهدي بن عيسى الواسطي قال ثنا سهل بن أسلم العبدي عن يزيد بن أبي منصور عن أبي رافع) ..الخ
* وفيه (يزيد بن أبي منصور) لم يوثقه غير ابن حبان وهو معروف بالتساهل في التوثيق
* وفيه (مهدي بن عيسى الواسطي) وهو مجهول الحال. قال عنه ابن القطان بأنه (مجهول الحال) لسان الميزان 6-106
* وفيه (يحيى بن عبادة البحتري) وهو مجهول
وروى هذا الحديث البزار في مسنده فقال (حدثنا سلم بن جنادة بن سلم : نا أبي : نا عبيد الله ابن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر) ..الخ
* وفيه جنادة بن سلم وهو ضعيف جداً متفق على ضعفه. حسبما جاء كتاب الكاشف للذهبي 1-297 ولسان الميزان لابن أبي حاتم 2-515 حيث قال عنه الإمام أبو حاتم الرازي (ضعيف الحديث. ما أقربه من ان يُترك حديثه. عمد إلى أحاديث موسى بن عقبة فحدث بها عن عبيد الله بن عمر) إهـ
كما رواه البزار من طريق (عمرو بن علي ومحمد بن معمر - واللفظ لمحمد - قالا : نا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر)
* وفيه موسى بن عقبة وابن جريج بالعنعنة وهما مدلسان معروفان بالتدليس. كما أن أبا عاصم هذا مبهم مجهول
كما رواه البزار من طريق (الفضل بن سهل نا يعقوب بن إبراهيم (بن سعد) حدثني أبي ، عن صالح بن كيسان ، عن نافع ، عن ابن عمر) ..الخ
* وفيه إبراهيم بن سعد وسبق أن بينت ضعفه في هذا المقال فوق
ورواه البزار أيضاً في مسنده من طريق (وحدثنا إبراهيم بن عبيد الله بن الجنيد : نا ابن أبي مريم ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر) ..الخ
...
تأليف الباحث أحمد آل الشيخ (باحث شرعي متخصص في الحديث وعلومه منذ حوالي ربع قرن)ء
...
حقوق التأليف والطبع والنشر محفوظة للمؤلف فقط