بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فقد فرغتُ البارحة 13 من شهر جمادى الأولى من عام 1437 ه
الموافق 22 – 2 – 2016 م من قراءة السِّفر الأول من ثلاثية الدكتور الأديب إيهاب العويص ، الموسومة ب( الهروب إلى العاصفة ) وكل جزء من هذه الثلاثية العظيمة مكون من قرابة 700 صفحة بالخط المتوسط ، السفر الأول منه أفرده لليهودية ، والثاني عن النصرانية ، والثالث عن الإسلام ، وبلغني أنه يطبع أو طبع الجزء الرابع.
العنوان العام الشامل لهذه السلسلة المباركة هو ( رحلة إبراهام ) ، لكنه وضع لكل جزء عنواناً خاصاً ،
فالأول : ( الهروب إلى العاصفة )
والثاني : ( بشارات هائمة )
والثالث ( كهولة قبل البلوغ )
صدرت هذه الثلاثية الرائعة من ( دار رواية – في لندن العاصمة البريطانية )
وسأخصص المقالة هذه للكلام عن السفر الأول منها لأنه الذي أزعم أني قرأته جيداً ، ولا شك أن كل سفر منه يحتاج إلى كلام مستقل ، إذ كل سفر باب مستقل بذاته كما رأيتَ ،
فأقول:
هذا الكتاب له ظاهر وباطن:
1-فظاهره: ( رواية ) تحكي قصة حاخام يهودي روسي يُدعى ( إبراهام ) ، بدأ يشك في دينه ، وقاده ذلك الشك للبحث عن حقيقة الأديان ، ليبدأ رحلة طويلة شائكة شائقة ، متنقلاً فيها بين عدة محطات ، فمن روسيا إلى فلسطين المحتلة ( إسرائيل ) إلى ( مصر ) ، وفي ثنايا ذلك يقابل عدة فتيات في محطات مختلفة ، ويدخل في قصة غرامية مع إحداهن التي قرر أن يتزوجها ثم يتفاجأ آخراً بأمر لا يتوقعه.
كل ذلك كان من الكاتب : بغرض شد القارئ ولفت انتباهه وجعله يواصل القراءة ولا يتوقف، وذلك ليتوصل إلى الغرض الأهم الثاني وهو :
2- باطنه : أما باطن الكتاب وحقيقته ولُبه وأساسه: فهو من صميم علم ( مقارنة وتاريخ الأديان ) وتحديداً تحليل دين اليهود والوقوف على تاريخهم ومذاهبهم وفرقهم وطوائفهم وفروعهم الشرقية والغربية وتياراتهم القديمة والحديثة الفكرية والسياسة والدينية .
فإن قلتَ : وما الجديد في ذلك ؟ فقد كتب العشرات عن اليهود ؟
قلت: الجديد ، أو بالأصح المميز في هذا الكتاب ما يلي:
- صياغة ذلك بأسلوب روائي ، ولابد أن نعترف أن أسلوب الرواية هو من أكثر – إن لم يكن أكثر - الأساليب المعاصرة تشويقاً وجذباً للقراء عموماً وللشباب خصوصاً ، فلا ينبغي الاستهانة بتأثير الأسلوب الروائي في نفوس الناس ، سلباً وإيجاباً ، فكثير من الأفكار الإلحادية والمذاهب الهدامة والأخلاق الفاسدة استطاع أربابها ترويجها عن طريق الرواية ، ويعتمد ذلك اعتماداً كلياً على حسب مهارة الروائي ومكره ،
لذلك بالمقابل : اقتحم الكُتاب الإسلاميون مجال الرواية مستغلين سلاح الرواية ( وهو ذو حدين ) لنشر بضاعتهم بين الأجيال ، كما نرى ذلك في روايات نجيب الكيلاني مثلاً ، وفي محاولات معاصرة كروايات محمد الشمراني وخالد الجبرين وغيرهم ، وفي نظري – والله أعلم – أن هذا الباب ( أعني الرواية الإسلامية ) ما زال يحبو حبواً ويعاني من الضعف من الناحية الفنية .
2-إذا كان الدكتور قد اعتمد أسلوب الرواية في كتابه كما علمنا ، إلا أنه لم يعتمد الأسلوب الأشهر للرواية، أعني لم يكن تركيز الدكتور الكلي هو الجانب الفني للرواية من حيث التفنن في ( الإثارة و المغامرة والغموض وتحريك العواطف) إذ ليس هو غرضه الأساسي من التصنيف ، لذلك من كان غرضه من قراءة الكتاب هو مجرد المتعة والتسلية الحاصلة في عموم القصص والروايات = فلن يجد بغيته المنشودة ، فهذا الكتاب هو من جنس ما أسميه ( بالرواية العلمية ) وهي التي تجعل العلم غاية ، والرواية والتشويق وسيلة ، وبيان ذلك:
أن يأتي الكاتب إلى كم كبير من المعلومات في علم ما ، وهذه المعلومات بطبيعة الحال ثابتة حقيقة ، وموثقة بالمصادر ، ثم يجعل الرواية قالباً لإفراغ هذا الكم الكبير من المعلومات الصحيحة فيها ، التي لولا هذه الحيلة ، لما استطاع كثير من القراء الصبر على تلقيها بالطريقة التقليدية التلقينية المباشرة السائدة ، فمن أراد أن يقف على حقيقة دين اليهود بطريقة مباشرة فلن يعدم الكتب في ذلك ، ولكنه سيجد صعوبة في تثبيت هذه المعلومات في صدره ، خصوصاً أن دين اليهود من أغمض وأشكل الأديان ، لكنه إذا سيق على شكل رواية كان أسهل وأقرب ، وهذا ما فعله الدكتور ، فكل المعلومات المذكورة في هذا الكتاب هي معلومات صحيحة دقيقة ، ووقائع وأحداث ثابتة ، وكل الشخصيات الوارد ذكرها في الكتاب – عدا شخصيات الرواية – هي شخصيات حقيقة معروفة مترجم لها في حواشي الكتاب التي لا تقل نفاسة عن صلب الكتاب ، ذلك أن حواشي الكتاب كثيرة جداً ، ولو أُفردت لجاءت في كتاب مستقل ، وبهذا يخالف الدكتور السائد من نمط الروايات التي تخلو بطبيعة الحال من الحواشي إلا نادراً جداً ، أما هذه السلسلة ، فلا تكاد تخلو صفحة منها من حواشي: تشتمل على تعريف بالأعلام والفرق والمصطلحات اليهودية الخ علاوة على ظهور بصمات للدكتور معقباً ومحللاً وناقداً ومفسراً ومعللاً وموثقاً بحيادية لكل ما يذكره في صلب الكتاب .
ولستُ أدري من أول من ابتكر هذا الأسلوب اللطيف في ايصال المعارف للناس – أعني (الرواية العلمية) ، وعلى كل حال فهو أسلوب جليل ، يقول الأستاذ الدكتور عمرو شريف في تقديمه لهذه السلسلة عن هذا الأسلوب :
( وقد استخدم المؤلف أسلوب الرواية في توصيل الكم الكبير من المعلومات التي يطرحها علينا ، فهو الأكثر تشويقاً والأيسر في توصيل المعلومة وتبسيطها وتحليلها ، وأيضاً لتذكرها ، وقد كان ذلك اختياراً موفقاً ... وأحسب أنه لولا هذا الأسلوب لعجز القارئ عن تحقيق التواصل والمتابعة المطلوبة مع المؤلف ، وهذا الأسلوب مطروق في عالم الفكر المعاصر من حين لآخر ، فنجده في الفكر الإسلامي في الكتاب العظيم ( قصة الإيمان ) للشيخ نديم الجسر ، ونجده في الفكر العالمي في كتاب ( عالم صوفي ) تأليف الكاتبة النرويجية جوستين جاردر.
3-من يكتب عن معاشرة ومخالطة ، ليس كمن يكتب عن مطالعة ، وهذا مما لا شك فيه ، فالدكتور إيهاب عويص فلسطيني الأصل ، من مواليد دمشق 1969 م وتخرج عام 1999م من جامعة ( نوفغورد الحكومية ) في روسيا الاتحادية ، وحصل على الجنسية الروسية ، وتخصصه في الأساس : طبيب في تقويم الأسنان والفكين ! إلا أنه له اشتغال جيد بالأدب والفلسفة والسياسة برؤية شرعية ، وهو باحث في الأديان ، ويظهر جلياً من كتابه أنه خالط القوم أعني اليهود جيداً وخبرهم وسبرهم وحاورهم واطلع على ما لم يتيسر لغيره الاطلاع عليه من مصادر عربية وأعجمية عن تاريخ ودين اليهود وفلسطين ، فقد قضى في روسيا أكثر من عشر سنين من حياته ، واطلع على الأدب الروسي الذي يميل إلى التحليل والتفصيل ، ولذلك أبدع الدكتور أيما ابداع في تصوير خواطر نفس اليهودي وتفكيره ، فكأني به وقد دخل العقلية اليهودية وجلس وسطها ينقل لنا ويصور لنا كل ما يراه بدقة وحيادية وتجرد ، وهذا التصوير الجميل لخواطر النفس البشرية -خصوصاً في مسألة مصيرية تتعلق بوجود الخالق واستحقاقه للعبودية ومعرفة الدين الحق = من أجمل ما في هذا الكتاب ( انظر مثلاً ص286 عند تحليل شخصية إبراهام ) ، وهذا التصوير – وغيره من الأمور – تعجز عن تصويره ( الكاميرا) في الأفلام! فهناك أمور ٌ لا تصفها الصورة بدقة كما تصفها الحروف ، وهذا ما يجعل الرواية في بعض الأحيان أقوى من تأثير الأفلام ، فللقلم والحرف والبيان = سحرٌ وسلطان ٌ لا يدانيه سلطان ،
يقول الأستاذ عمرو شريف متأثراً بدقة وصف الكاتب لحيرة وشك إبراهام ( وإن كنتَ – أيها القارئ الكريم – قد مررتَ بمثل هذه الحالة فستدرك مرارةَ ما عاناه إبراهام ، فهو عذاب تتضائل أمامه العذابات المادية والجسدية ... لذلك استحق هذا العمل أن يصنف كملحمة )
4-الكتاب ليس معنياً باليهود وتاريخهم فقط ، بل إنك في ثنايا الكتاب ستتعرف على الكثير من الأديان والفرق والتيارات الأخرى ، ( كعبدة الشيطان – والالحاد – والبوذية – وبعض طوائف النصارى الخ ) وستتعرف على العديد من الأفكار والمراكز والأبحاث المعاصرة ، ويورد الدكتور في ثنايا الكتاب العديد من الشبهات المثارة حول الإسلام ويجيب عنها على لسان الشخصية المسلمة التي ابتكرها الدكتور وهو ( أحمد )، كما اشتمل على قصص حقيقة لشخصيات معاصرة عظيمة اعتنقت الاسلام ، وبحث الدكتور حقيقة الجدل الذي يُثار عن اسلام شخصيات مثل ( نابليون ) و الفيلسوف الألماني الشهير ( غوته ) وغيرهما ، ( انظر من ص246 إلى ص263 )كما ستجد في الكتاب خلاصات لأبحاث ودراسات في شتى المجالات المتنوعة ، استخلصها الدكتور من أمهات وبطون الكتب والمراجع والموسوعات المتخصصة ، لذلك فالكتاب يعد موسوعة متنوعة واسعة في معارف وعلوم شتى ، يعسر وصفها وضبطها لكثرتها وتشعبها ، بل لا أبالغ إن قلت أنه لا تخلو صفحة منه من تعريف بفرقة أو منظمة أو حركة أو علم أو فكر أو كتاب ، أو توضيح لحقيقة مغيبة قديماً أو حديثاً إلى غير ذلك مما يجده القارئ بنفسه ، ومن ذاق عرف.
5-يحاول الدكتور تصحيح العديد من المعلومات المغلوطة الشائعة ، فعلى سبيل المثال : ينتشر أن اليهود من أقل الناس دخولاً في الإسلام ، وهذا صحيح نسبياً ، خصوصاً في عصر تمسك اليهود بدينهم وتدينهم ، وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود ) ( رواه البخاري ، وفي معناه كلام ، انظر الفتح لابن حجر ) ، ولكن في هذا الزمن كثير من اليهود ملاحدة ، بل يبين الدكتور للقارئ امكانية أن يكون الرجل يهودياً ملحداً في آن واحد ! وفي ص246 ينقل الدكتور من سجل السكان التابع لوزارة الداخلية للكيان الصهيوني معطيات وإحصائيات تبين تزايد دخول اليهود في الإسلام .
وقبل َ الختام ، أقول على شكل نقاط سريعة :
- جاء في الموسوعة الحرة في وصف الرواية (وقد سجلت أعلى نسبة للمبيعات عند اصدارها في معرض الرياض الدولي للكتاب عام 2013م وفق تقديرات برق الإخبارية.
- وقد اعتبرها النقاد قفزة ثورية في عالم الرواية، ارتقت بها من مجال الترفيه والتسلية إلى فضاء العلم والمعرفة، وعدها آخرون موسوعة في الأديان والطوائف بأسلوب أدبي سلس يجمع بين المتعة والإثارة من جهة، والدقة والتوثيق من جهة أخرى.) انتهى .
- قدم الدكتور عمرو شريف للرواية مقدمة جميلة في عشر صفحات وقال عنها ( يمكن تصنيف الرواية باعتبارها دراسة عميقة ثرية تجمع بين تاريخ الأديان وعلم الديانات المقارن )
- ومن الغرائب : أنني بينما كنت اتصفح الجزء الثاني منه إذ سقطت منه ورقة (قصاصة) في حجري ، بحجم الكف ، طُبعت لوحدها بعد طباعة الكتاب ، ثم وُضعت باليد في ثناياه، فإذا مكتوب فيها ما يلي بعد البسملة والحمدلة ( لقد اطلعتُ على كتاب ( رحلة إبراهام ) للأستاذ ايهاب عويص ، وذلك بقراءته كله ، فألفيته كتاباً نفيساً في بابه .... الخ 2-5 -1435 ه
أملاه : عبد الله بن عبد الرحمن السعد ) !
وهذا التقريظ نشره الشيخ في حسابه بتويتر على شكل ملاحظة من الجوال!
وإنّ روايةً بهذا الحجم الضخم الذي تزيد عدد صفحاتها على الألفين صفحة تقع في يد شيخ محدث مثل الشيخ السعد = لأمرٌ له دلالاته الواضحة ، التي أدع للقارئ تفسيرها !
وفي الختام : لا يفوتني أن أشكر من دلني على هذه الرواية ، وهو الأخ الفاضل الأستاذ خالد بن وليد الحمادي – وفقه الله – رئيس قسم الدعوة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر فجزاه الله عني خير الجزاء .
كتبه: سالم القحطاني
14 – جمادى الأولى – 1437 ه
الموافق 23 – 2 – 2016 م
الدوحة - قطر