طالبان والقاعدة وعدم الكفر بالطاغوت
تاريخ الكتابة: 30-ربيع الأول-1437
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ولي الموحّدين، والصلاة والسلام على نبي الله قائد المجاهدين الميامين. أما بعد:
قال الله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ). [صحيح مسلم، ص 53\1، ح رقم 23]، لذلك، لا يصح الإيمان لعبد مسلم إلا بوجود امرين في قلبه بالتزامن: (1) الإيمان بالله (2) والكفر بالطاغوت؛ فإن قال لا إلا الله، لكنه أبي أن يكفر بما يُعبَد من دون الله، لم يصبح بقوله الشهادتين مسلما، بل كان كافرا حلالَ الدم والمال.
يقول الإمام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله: (فأما من قال أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة، والقباب على القبور، وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت). أ.ه. [الدرر السنية في الأجوبة النجدية: ص 2\122].
لقد كان مِن صناعة الإرجاء المتفشّي في أوساط القاعدة وطالبان تَرْكُ أحد ركني الإيمان، ألا وهو الكفر بالطاغوت، فكان مِن ذلك أنْ تَحَالفَ بعضُهم مع المرتدين ضد الموحّدين، وأبى بعضُهم تكفيرَ الكافرين الذين ثبتَ كفرُهم بالأدلة القاطعة البينة. لذلك، أكتبُ هذه الرسالة تنبيها على واقع هؤلاء، عسى الله أن يهدي بهذه الكلمات بعضَ مَن كُتِبت لهم الهداية.
فأقول مستعينا بالله:
من هو الطاغوت؟
قال ابن القيم رحمه الله: (وَالطَّاغُوتُ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ، مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ؛ فَطَاغُوتُ كُلِّ قَوْمٍ: مَنْ يَتَحَاكَمُونَ إلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْ يَتْبَعُونَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِنْ اللَّهِ، أَوْ يُطِيعُونَهُ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ). أ.ه. [إعلام الموقعين عن رب العالمين: ص 1\40].
فمن أول الطواغيت الذي يجب أن يكفر بهم المسلم: الذين يأخذون لأنفسهم حق التشريع من دون الله تعالى، أو يباشرون فيشرّعون ما يخالف شرع الله، وكذلك يجب عليه أن يُـكــفِّــر الذين يعبدون هذا الطاغوت ويحكمون بتلك التشريعات من دون شريعة الله. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. [التوبة: 31]. وتفسير الآية في حديث عديّ ابن حاتم رضي الله عنه قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ؛ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ}، حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؛ فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ؛ فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»). ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾.
يقول الشنقيطي رحمه الله في تفسيره: (وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا يَظْهَرُ غَايَةَ الظُّهُورِ: أَنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ الَّتِي شَرَعَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَوْلِيَائِهِ مُخَالَفَةً لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَا يَشُكُّ فِي كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ إِلَّا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ، وَأَعْمَاهُ عَنْ نُورِ الْوَحْيِ مِثْلَهُمْ). أ.ه. [أضواء البيان: ص 3\259].
ومِن أعظم الطواغيت الذين يُعبَدون من دون الله اليوم: الأمم المتحدة، ذلك لأن الأمم المتحدة قد شرّعت قوانينَ عالمية تخالف شرع الله عزّ وجل، وهي توجب على جميع الأعضاء تطبيق تلك القوانين. الأمم المتحدة تمنع الجهاد الكفائي وتجعله إرهابا، وتمنع استرقاق الكفار بعد الجهاد وتجعل ذلك جريمة حرب، وتساوي بين الكفار والمسلمين، وغير هذه من الأمور الكثيرة. وفي حين تختلفُ الدّول فيما بينها، فإن مرجعها يكون إلى الأمم المتحدة وقوانينها.
صفة الكفر بالطاغوت وبيان أنّ تكفير المشركين والبراءة منهم ومعاداتهم هي من الكفر بالطاغوت
يقول محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله: (فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها وتُبغضها، وتكفِّر أهلَها، وتُعاديهم). أ.ه. [مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول): ص 1\376].
فالكفر بالطاغوت يتحقّق بتكفير الطاغوت نفسه، وتكفير من عبده، ثم البراءة من الإثنين معا ومعاداتهما! قال الله تعالى: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)، وقال تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فمن أبى تكفير الطواغيت، أو أبى تكفير المشركين الذين يعبدون الطواغيت، فإنه لن يكون كافرا بالطاغوت! يقول محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله: (وأنت يا من منّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله، لا تظنَّ أنك إذا قلت: "هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئا"، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لا بد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ، وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} الآية ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}. ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الحق، لكن لا أتعرض اللات والعزى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله، ما عليّ منهم، لم يصح إسلامه). أ.ه. [الدرر السنية: ص 2\122].
وتكفير الكافرين ومعاداتهم والبراءة منهم هي الحنيفية ملة إبراهيم التي لا يقبل الله دينا غيرها! قال الله تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعن الموحدين معه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).
ومن أبى تكفير الكافرين الأصليين والمرتدين ممن ارتكبوا بعض نواقض الإسلام، فإنه بامتناعه عن تكفيرهم يجحد آيات الله سبحانه وتعالى، ويردّ حكمَ الله العلي العظيم!
طالبان وعدم تحقيقها للكفر بالطواغيت
حركة طالبان تمتنع عن تكفير بعض الكافرين الذين ثبت كفرهم بالأدلة القاطعة، فهي لا تُكفِّر حاكمَ قطر ولا تكفّر مُرسي (مع أنّ دستورهما ينصّ على ديموقراطية الدولة، ومساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وحرية الإعتقاد، ويرتكبان الكفريات الأخرى الواضحة، كالإنضمام للأمم المتحدة) وترى إيران الرافضية المشركة دولةً مسلمة. وكذلك، حركة طالبان لا تَــكْــفُــرُ بالإمم المتحدة وقوانينها، وذلك بكونها قبلت الحدود الوهمية التي فرضتها الأمم المتحدة.
جاء في بيان صدر عن الحركة عند الإفراج عن خمسة من قيادات طالبان من غونتانموا: (كما نشكر بهذا الخصوص فخامة أمير دولة قطر الشيخ / تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، حيث بذل جهوداً مخلصة ، ودور الوسيط الناجح، في سبيل الافراج عن القادة المذكورين والاستضافة لهم، أسأل الله لفخامته البدل الجميل في الدنيا والأجر العظيم في الآخرة، كما أسأل العلي القدير أن يفك أسر جميع سجنائنا المواطنين المظلومين مثل هؤلاء القادة، الذين سُجنوا في سبيل تحرير الوطن وخدمة الدّين). أ.ه. [رسالة تهنئة أمير المؤمنين حفظه الله حول افراج القادة الجهاديين من معتقل غوانتانامو].
ومثل هذا جاء في بيان لها حول افتتاح مكتب سياسي في قطر: (وجدير بالذكر، أننا نقدم الشكر والتقدير لدولة قطر الشقيقة ولسمو أميرها الموقر/ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ـ حفظه الله ـ، لما وافق على فتح مكتب سياسي للإمارة الإسلامية في بلاده، وتفضل بتوفير التسهيلات المتعلقة به). أ.ه. [بيان حول افتتاح مكتب سياسي لإمارة أفغانستان الإسلامية في دولة قطر].
وقالت الحركة عن رافضة إيران المشركين: (إن إيران دولة إسلامية، ولها حدود مشتركة مع أفغانستان، ويسكن هناك أكثر من ميلوني مهاجر أفغاني، وهي غنية بالنفط، وتتمتع باقتصاد جيد، ولها ساحل مع البحر، وهي دولة مهمة على مستوى المنطقة والعالم، هذه هي تلك الوجوهات التي تقرب بين الدولتين بل وتجبر كلتا الدولتين أن تكون بينها معاملات حسنة في إطار المصالح الشعبية وحسن الجوار، وأن تكون لهما علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية). أ.ه. [السياسية الخارجية للإمارة الإسلامية تمثل المصالح العليا للبلد].
والتزاما بحدود الأمم المتحدة تقول الحركة: (إن إمارة أفغانستان الإسلامية، بجانب جهودها العسكرية، لها أهداف واستراتيجية سياسية تتعلق بأفغانستان وحدها؛ وإنها لا تنوي الإضرار بالآخرين، ولا تسمح لأحد أن يستخدم أرض أفغانستان لتهديد أمن الدّول الأخرى، لأنها تريد في ظل الإحترام المتبادل قيام علاقات حسنة مع جميع دول العالم، وبالأخصّ مع دول الجوار، كما تريد العدل والسّلام، لا لبلادها فحسب، بل للعالم بأجمعه). أ.ه. [بيان حول افتتاح مكتب سياسي لإمارة أفغانستان الإسلامية في دولة قطر].
قاعدة الشام وعدم تحقيقها للكفر بالطاغوت
تتحالف جبهة النصرة ضد الدولة الإسلامية مع أناس ثبتت ردّتهم بالأدلة القاطعة الواضحة (وخصوصا بعد #مؤتمر_الرياض) كحركة أحرار الشام. فبدل أن يكفروا بالمرتدين ويتبرأوا منهم ويكفروا بطواغيت الخليج الذين هم من أسسوا هذه الجماعات بوضوح، بدل أن يكفروا بالطواغيت، تحالفوا معهم! تحالفوا مع مرتدي "أحرار الشام" و "جيش الإسلام" ضد الموحدين من الدولة الإسلامية. فجبهة الجولاني، إلى جانب عدم كفرهم بالمرتدين وعدم التبرأ منهم، وقعوا في ناقض "مظاهرة الكفار على المسلمين" أيضا.
