

الصفة الثامنة/ الشورى:
"فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ". [آل عمران: ١٥٩]
الشورى لغةً هي المشورة، يقال: صار هذا الأمر شورى بين القوم، إذا تشاوروا فيه، والمعنى: أنهم يتشاورون فيما يبدو لهم، ولا يعجلون في الأمر.
أما اصطلاحًا: فهي أساس الحكم في الإسلام، وبها أمر الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم) في الأمور التي تتعلق بأمور الحياة والدولة، لا في شأن الوحي والتشريع، وما يأتي من عند الله.
إن الشورى من الأمور الأساسية في حياة القائد المسلم؛ فهي أصلٌ من أصولِ الإسلام في سياسة المجتمع وأمور الحكم وإدارته، شرعها الله تعالى في كتابه العزيز وأمر بها نبيه (صلى الله عليه وسلم) مرتين، في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" [الشورى: ٣٨ ] ،وروى الشافِعيُّ أن أبا هريرةَ رضي الله عنه قال: "ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشورةً لأصحابِه من رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم)"، ما يدل على عظم أهميتها بالنسبة للقائد والأمة معًا، ولعلي أُبَيِّنُ بعضًا من تلك
الأهمية مما يفتح الله تعالى عليَّ:
إنها تُجَنِّبُ القائد ما يترتب على الانفراد بالرأي من الكبر والغرور والعجب؛ فإن المنفرد بالرأي مُعجَبٌ برأيه، يَحسَبُ أن الله تعالى اختَصَّه بهداه وسداده دون المؤمنين؛ وانه هو المؤيَّد وغيره مخذول. وهذه والله من المهلكات؛ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "ثلاثٌ من المهلكات" وذكرَ منها: "إعجابُ المرءِ برأيه"(رواه البزار في مسنده عن أنس بن مالك (رضي الله عته)، أما مردود ذلك على الأمة فسيئٌ كذلك؛ فإن الفعلَ المترتبَ على ذلك الرأي ممحوقُ البَرَكة بعكس ما إن كان مترتبًا على شورى فإن الله تعالى يُبارِكُ فيه.
تُجَنِّبه بغض رعيته له وحنقهم عليه، فإنَّ حصول الانفراد بالرأي من قبل القائد يرفَع من قلوب المسلمين الشعور بالانتماء لهذه الأمة، فلا يبالون بما قد يطرأ عليها من شرور ومخاطر وذلك أنهم ليس لهم في الأمر شيء! فيكون ذاك وهنٌ له ولجماعة المسلمين.
وأما عكس ذلك فقُوَّةٌ وتوفيق وسَداد؛ فإن الشورى ترقى بالأمة والمجتمع نحو الأعلى،فتتوحد القلوب والجهود، ويحصل التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...الخ.
وقد يتحمل القائدُ الإثمَ في انفراده برأيه وإن كان صاحب نيَّة صالحةٍ إن كان الحقُّ في غيرِ ما قال.
إن الشورى تنهي الاستبداد والظلم والاستخفاف بالعباد، وإن الأخير من شيم الفراعنة؛ قال تعالى: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ".[الزخرف: ٥٤]، وأما المصلحون فهم يوقرون الإنسان ويكرمونه كما كرمه الله.
لذلك فقد كانت الشورى واجبة في حق الإمام وملزمة له -إلا ما جاء به نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت-لأنه هو من وكل بتلك الأمور.
وقد أُثِرَ عن عمر (رضي الله تعالى عنه) قولًا جامِعًا مانِعًا في حقيقة الشورى وأهميتها؛ فقد روي أنه (رضي الله عنه) قال في أول خطبةٍ له بعد توليه الخلافة: (أمّا وقد ابتلاكُمُ اللهُ بي وابتلاني بكُم، فاعلَمُوا أنِّي لن أحتملَهَا وحدي حتى أشرِكَكُم فيها فتكونُوا بعضَ حُجَّتِي عند ربِّي؛ أقولُ قد شاورتُكُم في الأمرِ على ما أُمِرتُ به، وقد كان رسولُ اللهِ (ًصلى الله عليه وسلم) فينا والوحيُ يتَنَزَّلُ عليه بأمرِ السماءِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفِهِ، ومع ذلك فقد أمرَ رسوله بالشورى وهو المؤيَّد بالوحيِ فكيف بنا وليس لأحدٍ من العصمةِ كما كان رسولُ اللهِ؟ وإنَّما نحنُ من الناسِ، نجتهدُ برأينا فنُخطِئ ونُصيبُ. وإنَّ الرجلَ إذا استبدَّ بالرأيِ فأخطأ وعزَّتْ عليه النفوسُ وتربَّصَت به الدوائرُ، فكان أوهن له ولجماعةِ المسلمينَ..
أما إذا رأت الجماعةُ رأيًا ثم تبيَّن لها الخطأَ فيما رأتْ، فإنها ترجِعُ عنه جماعة وقد بَرِئَ أحدُهم من التهمة فكان أوثَقُ للجماعةِ والوالي معًا.. وإنه لا خيرَ في أمرٍ أُبرِم من غيرِ شورى، والرأيُ الفردُ كالخيطِ السحيق يوشك أن ينقطع، والرأيان كالخيطين المبرَمين، والثلاثة حبلٌ لا يكادُ ينتقض...).
وينبغي للقائد أن يختار لتلك الشورى من عُرِفَ علمُهُ وتقواه وصِدقُه وجرأتُه في الحقِّ، وتَرَجَّحَتْ فِطنَتُهُ، وتَجرَّدَ من العصبيَّةِ وهوى النفسِ؛ فلا يجعلها في من هو خلاف ذلك، وعليه أن لا يُؤثِرَ أفرادَ جماعةٍ من المسلمين على سواهم؛ فقد علِمَ الجميع ما وصَلَهُ حالُ أُمَّتِنا من انقسامات وما نَتَجَ عن ذلك من أَثَرَةٍ بالرأيِ وغيره، لذلك فإن القائد المُحَنَّكَ هو من يحاوِلُ أن يختار من كُلٍّ من تلك الجماعات من يَتَّصِفُ بما بَيَّنْتُ أعلاه، وكذلك من عامَّة المسلمين لِيخْرُجوا بأمرٍ يكونُ مُؤيَّدًا، مُسَدَّدًا بإذن الله تعالى، لا يملِكُ أحدٌ من المسلمين معارضتَه.
وقد أرسى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الشورى في كثيرٍ من الحوادثِ في السلم والحرب، فمن مواقفه (صلى الله عليه وسلم) في ذلك:
- مشاورته أصحابه في غزوة بدر في أمرِ الخروج لملاقاة العدو واختيار المكان الذي ينزلون فيه، فقال (صلى الله عليه وسلم) قولته المشهورة: "أشيروا عليَّ أيُّها الناس"، ثم تحرك (عليه الصلاة والسلام) بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عند أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر ـكخبير عسكري ـ وقال: يا رسولَ الله! أرأيت هذا المنزل، أمَنزِلًا أنزلَهُ اللهُ، ليس لنا أن نتقدَّمَهُ ولا نتأخرَ عنه، أم هو الرأيُ والحربُ والمكيدةُ؟! فقال (صلى الله عليه وسلم :(بل هو الرأيُ والحربُ والمكيدةُ، فقال الحباب : يا رسول الله! إن هذا ليسَ بمنزلٍ، فانهضْ بالناسِ حتى نأتي أدنى ماء من القوم أي جيش المشركين- فننزله ونغوِّر (نخرب) ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القومَ فنشربُ ولا يشربون، فقال (صلى الله عليه وسلم": (لقد أشرتَ بالرأي"،فأخذ (عليه الصلاة والسلام) برأي الحباب ومشورته، ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار. (من سيرة ابن هشام).
- مشاورته (صلى الله عليه وسلم) أصحابه في أسرى بدر؛فقد أخرج مسلم من حديثِ عُمر- رضِي الله عنه- في قصَّة بدر، وفيه: "واسْتشار رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- أبا بكْرٍ وعليًّا وعمر- رضي الله عنْهم- فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة والإخوان، وإنِّي أرى أن تأخُذ منهم الفدية فيكون ما أخذْناه قوَّة على الكفَّار، وعسى أن يهدِيَهم الله فيكونوا لنا عضدًا، فقال رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((ما ترى يا ابنَ الخطَّاب؟)) قال: قلتُ: والله، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تُمكِّنَني من فلانٍ- قريبٍ لعمر- فأضرب عنقَه، وتمكِّن عليًّا من عَقيل فيضرب عنقَه، حتَّى يعلم الله أنَّه ليست في قلوبنا هوادة للمُشركين، وهؤلاء صناديدُهم، وأئمَّتهم وقادتهم.
فهوى رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت، وأخَذ منهم الفِداء، فلمَّا كان من الغَد، قال عمر: فغدوتُ إلى رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- وأبي بكر، وهُما يبكِيان، فقلت: يا رسول الله، أخبِرْني ماذا يُبكيك أنتَ وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيْتُ، وإن لم أجِد بكاء تباكيْتُ لبكائِكما، فقال الرَّسول (صلَّى الله عليْه وسلَّم): (للَّذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذِهم الفداء، قد عُرض عليَّ عذابُكم أدنى من هذه الشجرة)- شجرة قريبة- وأنزل الله تعالى: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيْدُوْنَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيْدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ".
مشاورته (صلى الله عليه وسلم) أصحابه في غزوة أُحد، قال (عليه الصلاة والسلام): ((إنِّي قد رأيتُ والله خيرًا، رأيت في ذباب سيْفي ثلمًا، ورأيتُ أني أدخلتُ يدي في درْعٍ حصينة فأوَّلتُها المدينة، فإن رأيتُم أن تُقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مُقام، وإن هم دخلوا عليْنا، قاتلْناهم فيها)، وكان رأْي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأْي رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- يرى رأيَه في ذلك وألا يخرج إليْهم، وكان رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- يكره الخروج.فقال رجالٌ من المسلمين ممَّن أُكرم بالشَّهادة يوم أُحُد وغيره ممَّن فاته بدر: يا رسول الله، اخرجْ بنا إلى أعدائِنا، لا يرون أنَّا جبنَّا عنْهم وضعفْنا، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله، أقِم بالمدينة لا تَخرج إليْهم؛ فوالله ما خرجْنا منها إلى عدوٍّ لنا قط إلا أصاب منَّا، ولا دخلها عليْنا إلا أصبْنا منه، فدعْهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوا قاتَلهم الرِّجال في وجوهِهِم، ورماهم النِّساء والصِّبيان بالحجارة من فوقِهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا، فلم يزَل الناس برسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- الذين كان من أمْرِهم حبُّ لقاء القوم حتَّى دخل رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- بيتَه فلبس لأمَتَه، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصَّلاة، وقد مات في ذلك اليوْمِ رجلٌ من الأنصار، يقال له مالك بن عمرو، فصلَّى عليه رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- ثُمَّ خرج عليْهم وقد ندِم النَّاس، وقالوا: استكرهْنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولم يكُن لنا ذلك، فلمَّا خرج عليْهم رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- قالوا: يا رسولَ الله استكرهناك ولم يكُنْ لنا ذلك، فإن شئت فاقْعُد- صلَّى الله عليك- فقال رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم-: (ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمَتَه أن يضعها حتى يُقاتل)، فخرج رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- في ألْفٍ من أصحابه. (سيرة ابن هشام)
مشاورته (صلى الله عليه وسلم) أصحابه في غزوة الخندق، فقال سلمان الفارسي رضي الله عنه (يا رسول الله ، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا " ، فوافقه وأقره (عليه الصلاة والسلام) وأمر بحفر الخندق حول المدينة، وتمّ تقسيم العمل بين الصحابة ... ثم بدأ العمل بهمّة وعزيمة على الرغم من برودة الجوّ وقلة الطعام وكثرة الأعداء المحاصرين لهم). (الرحيق المختوم)
وقد أرسى الصحابة رضي الله عنهم من بعده (عليه الصلاة والسلام) مفهوم الشورى حين تم اختيار أبي بكر الصديق للخلافة؛ فإن للأمة حق اختيار الإمام عن شورى ورضا ولا يحق لأي إنسان اغتصاب ذلك الحق،فعن ابن عباس رضي الله عنه قال (كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلى عبد الرحمن فقال لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فان الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير وان لا يعوها وان لا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وإشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على موضعها فقال عمر والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة قال ابن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته فلم أنشب إن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن عمرو بن نفيل ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف فأنكر علي وقال ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فاثني على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فاني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا ادري لعلها بين يدي اجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي ثم انه بلغني قائل منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن أمره أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت إلا وأنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر ومن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا وانه قد كان من خبرنا حين توفى اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنى علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرى ما تمالأ عليه القوم فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا لا عليكم إن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا هذا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وعك فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وانتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلون من أصلنا وان يحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقاله أعجبتني أن أقدمها بين يدي أبا بكر وكنت إداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر فكان هو احلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال ما ذكرتم فيكم من خير فانتم له أهل ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم احد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم اكره مما قال غيرها كان والله إن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من آثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن أتوسل إلى نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن فقال قائل من الأنصار أنا ذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتعت الأصوات حتى فرقت من الاختلال فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار ونزوتا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل الله سعد بن عبادة قال عمر وأنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا أن فارقنا القوم ولم تكن بيعة إن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فأما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا). متفق عليه رواه البخاري ومسلم مختصر ولم يسق لفظه
وحين حضرت أبا بكر الوفاة جمع (رضي الله عنه) الصحابة (رضي الله عنهم)وأفضى إليهم بما يجول في خاطره، قال: (قد حضرتُ من قضاء الله ما ترون، وأنَّهُ لابد لكُم من رجلٍ يلي أمرَكُم ويصلِّي بكم، ويقاتلُ عدوكم، ويقسمُ فيأكم).
فعهد (رضي الله عنه) إلى عمر أمامهم، فقبلوا رأيه بعد أن خطت خطبته التي وصفه فيها، وخلاصتها: أنه شديد في غير عنف، ليِّن في غير ضعف، وإذا كان طلحة قد احتج على توليته بقوله لأبي بكر: (تُوَلِّي علينا فظًّا غليظًا، ماذا تقولُ لربِّكَ إذا لقيتَه؟)، فقد حدث أن اعترف بعد ذلك بفضله وقال لعمر: (لقد استقامَت العربُ عليك وفتح اللهُ على يديكَ)، ثم اشترك مع عثمان وعبد الرحمن في طلب العهد من أبي بكر لعمر لأنه أهل لها، ثم إن جل الصحابة ممن حضروا جلسة الشورى قد وافقوا على تولية عمر رضي الله عنه ليكون أميرا للمؤمنين وبعدها بايعت الأمة كلها عمر ولولا بيعة الأمة لعمر واجتماعها عليه لما صحت إمارته .
وبعد أن طعن أبو لؤلؤة المجوسي (عليه من الله ما يستحق) عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، جعل الشورى في ستة من الصحابة: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص وجعل عبد الله بن عمر بن الخطاب مرجح ليس له من الأمر شيئأ أي أمر الخلافة وبعد وفاة عمر، اجتمع هؤلاء الرهط (رضي الله عنهم) فخلع عبد الرحمن نفسه، فابتعد عن منافسة الباقين وخضع لمشيئتهم إذا أرادوا تفويض الاختيار له، فقبلوا أن يفعل ذلك. واستشار عبد الرحمن بن عوف كل من كان حاضرًا من وجوه المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد الذين حضروا الحج مع عمر قبل وفاته.ثم اجتمع بالرهط الذين عينهم عمر واحدًا فواحد، وبعد مشاورات ومجادلات بينهم انحصر الاختيار في نهاية المطاف بين عثمان وعلي، ثم بعد ذلك استشار أهل المدينة بيتًا بيتًا واستشار النساء والأطفال فوجد أن المسلمين يميلون إلى عثمان رضي الله عنه قال عبد الرحمن موجهًا الكلام إلى علي بعد استقرار الرأي على عثمان:أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا فبايع علي ابن طالب رضي الله عنه والصحابة والمسلمون بعد الشورى والرضى.. وهذا ما يجب على قيادة الأمة أن تسير عليه وتعمل،أن تعيد المفهوم الحقيقي للشورى الذي غاب عن الأمة بسبب الملك العضوض ومن ثم الجبري، اسأل الله تعالى أن يبعث لها من يقودها بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وان يوحد صفها ويجمع كلمتها.
إن أمتنا اليوم رُزِئَتْ بأنواع متعددة من أولئك القادة الذين لا يؤمنون إلا بآرائِهم، ولسانُ حالهم يقول: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيلَ الرشاد" [غافر، من الآية: 29 ]، فمن هؤلاء حكامًا طغاة عِلمانيين، ومنهم من ادَّعى تديُّنًا وأوهم بعض المتحمسين من المسلمين بأنه لا يريد من توليه أمر الأمة إلا تطبيق شرع الله ونصر دينه، فنصَّب نفسه وجماعته وكلاء عن الإسلام، وهو منهم براء، ولسنا هنا بصدد ذكر سلبيات أولئك جميعها ولكن نكتفي بالشورى، فإنها أساس الحكم، وأولئك لم يُلقوا لها بالًا وحَسِبوا أن الله تعالى اختصهم بما لا ولم يختص به أحدًا من العالمين. أما بالنسبة للأولين، الطغاة الحاكمين، فهؤلاء قد مسَخوا شعوبهم واستخفوا بهم أيَّما استخفاف، وأوكلوا لأنفسهم كافة شؤون الدولة بمختلف متطلباتها، لا يراجعهم أحد فيها! وكيف يراجعهم وهم أعلم أهل الأرض في كافة الأمور.. ألا إنهم بحقٍّ أجهلهم! ولكنهم استخدموا القوة والبطش في تثبيت أركانهم وساعدتهم رعيتهم في ذلك، نعم ساعدتهم بذلك التخاذل والضعف والرضوخ تحت تهديد القتل أو التعذيب أو الفقر: "لَئِن اتَّخَذْتَ إلهًا غيري لأجعَلَنَّكَ من المسجونين".[ الشعراء: 29 ]، وساعدهم سحرة العصر، وهم كُثُرٌ، يخرُجون بأشكالٍ متعددة في كل حين، منها الديني والإعلامي، منهم الكُتَّاب والفنانون والوجهاء...الخ، إن أولئك السحرة لهم دور عظيم في إضلال عامة الخلق وجهلائهم وتعبيدهم للحاكم، كما كان قد فعل الساحر في قصة (أصحاب الأخدود) حين حَرَفَ الناس عن عبادة الله تعالى إلى الشرك والضلال.
إن اختيار خليفة للمسلمين لا يكون إلا بشورى ورضى من الأمة، ولا يحق في وقتنا هذا أن يخرج لنا حزب أو جماعة وتنصب خليفة للمسلمين دون أخذ شورى الأمة ورضاها لان الخليفة مستأمن على إدارة شؤونها، ولا يحق لشخص أو حزب أو قبيلة فرض إمام وتنصيبه على المسلمين دون تلك الشورى؛فإذا كانت إمامة الصلاة لا بد لها من رضى من المصلين بالإمام فمن باب أولى رضى المسلمين بإمامهم وخليفتهم الذي سوف يرعى مصالحهم. ثم إن على ذلك الخليفة أن يكون على قدرِ ثقةِ أمته به؛ فيتبع هدي رسوله (صلى الله عليه وسلم) وسنته وهدي صحابته وسنتهم في الشورى، جاء عن العرباض بن سارية (رضي الله عنه) أنه قال: "وعظنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) موعِظَةً وجلتْ منها القلوبُ وذَرَفَتْ منها العيونُ، فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظةُ مودعٍ فأوصِنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة"، ثم قال: "فإنَّه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاءِ الراشدين المهديين من بعدي عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"؛ وإن من يحيد عن سُنَّةِ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تلك وسُنِّةِ خُلَفائِهِ (رضي الله عنهم) فليس بإمام أو خليفة وإن سمى نفسه كذلك. وإن الأساس الذي يُبتَدأ به ذلك الاقتداء هو الشورى، وهي لا بُدَّ كائنة رغم ما نشهده من هذا الملك الجبري؛ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " تكون النبوةُ فيكم ما شاءَ اللهُ أن تكون ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثم تكونُ خلافةً على منهاجِ النبوَّةِ فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء اللهُ أن يرفعَها ثم تكونُ ملكًا عاضًّا فيكونُ ما شاء الله أن يكون ثم يرفعُها إذا شاءَ أن يرفعَها ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء اللهُ أن تكون ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثم تكونً خلافةً على منهاجِ النبوَّة ثم سكت" (رواه أحمد في مسنده، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده حسن). وقد مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يستخلف أحدًا بعده لكي تختاره الأمة بنفسها وتجتمع عليه وتقوم بأصول الخطاب المنزل: { وأمرهم شورى بينهم } وليكون ذلك سُنَّةً لمن بعدهم، قالت عائشة (رضي الله عنها): "قُبِضَ رسولُ الله ولم يستخلف أحدًا، ولو كان مستخلفًا أحدًا لاستخلف أبا بكرٍ أو عمر". رواه أحمد في مسنده، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح على شرط الشيخين
ونستشهد في أيامنا بموقف بطولي لأهل الحل والعقد والشورى من زماننا ما قام به الملا محمد عمر من جمع أكثر من ألف عالم من أهل الحل والعقد والشورى حين طلبت منه أمريكا تسلم الإمام أسامة بن لادن رحمه الله للمخابرات الأمريكية فأشار العلماء بعدم جواز ذلك وأيدهم الملا محمد عمر ورفض طلب أمريكا فأكرمه الله وصمد وصبر مع إخوانه وشعبه في وجه طغيانها.
إن طغاةَ عَصرِنا يتعاملون مع شعوبهم -أكرمكم الله- كزعيم قطيع الجاموس فهو المتكفل الوحيد بالقيادة وتحديد مصير ذلك القطيع الذي قد يبلغ تعداده بالملايين وإذا نظرت أخي القارئ إلى قطيع الجاموس وقت الهجرة، سترى أن الزعيم يقوم بتحديد النقطة التي منها سوف يتم قطع النهر للضفة المقابلة فيمر كل القطيع من نفس النقطة التي حددها هذا الزعيم فتأتي التماسيح وتقف في تلك النقطة وتبدأ بقتل الكثير من الجاموس الذي يعبر النهر وأكله، ولو نظر قطيع الجاموس بالأمر لغيروا هذه النقطة ليقللوا الخسائر في هذا القطيع ولكنهم أعطوا زعيمهم فقط حق القيادة المطلقة فكانت نهاية الكثير منهم في هذا الموضع
وان جازت لقطعان الجاموس وأمثاله فإنها لا تجوز لشعوب الأمة الإسلامية الرائدة .
الصفات المهمة لقيادة الأمة
جمعهُ ورتبه
الشيخ/ إسماعيل بن عبد الرحيم حميد
"أبو حفص المقدسي " حفظه الله