"رب اغفر لقومي إنهم لا يعلمون". رواه البخاري ومسلم الحِلْمُ لغةً: الأناة وقد حَلُم بالضم حِلْما و تَحَلّم تكلف الحلم و تَحَالَمَ أرى من نفسه ذلك وليس به، أما اصطلاحًا: فهو أن تعفو عمَّن ظلمك وأن تدفع السَّيئة بالحسنة، وقيل انه الطمأنينة عند سَوْرة الغضب.
وهذه لا تقل أهمية عن الأولى، لا بد أن يتصف بها القائد المسلم؛ فيغلب حلمه غضبه ولينه شدته وعفوه عقابه. وتتضح لنا تلك الأهمية إذا تدبرنا الآثار المترتبة على الاتصاف بهذه الصفة، فهي: 1- تحبب الرعية في الراعي, وأما ما قد يُظَنّ من كونها تنقص من هيبته ووقاره فخطأ؛ فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر الناس حلمًا ورأفةً بقومه على ما لاقاه منهم من أذى وغلظة؛ سئل صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العَقَبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يَا لِيلَ بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت. وأنا مهموم على وجهي، فلم أَسْتَفق إلَّا وأنا بِقَرْن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلَكَ الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني مَلَك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا. رواه البخاري
وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ" رواه البخاري ومسلم. إن على القائد أن يحرص كل الحرص على الاتصاف بذلك الخلق مع رعيته ويجعل في اعتباره المعاناة والضغوط التي يلاقونها من جراء ضنك الحياة والتي قد تُخرج منهم سيء التصرفات والأخلاق. 2- تعطيهم الجرأة لتقويم أخطائه إن أخطأ ولا يخفى ما لهذا من دور في تجميع طاقات الأمة وما ذلك إلا لنمو الشعور بمسؤولية كل مسلم تجاه أمته وبانتمائه لها حين أعطى ذلك القائد بحلمه المجال لتلك النفوس للمشاركة في تحديد مستقبل الأمة وهذا بعكس لو اتصف القائد بضد ذلك فإنه يزرع في نفوس الرعية النفرة والخوف مما يؤدي إلى تهميش دورهم في ما بينت وهو ما يثمر سلبيات كثيرة تنتهي بالتمرد.
لقد عهدنا من حكام الأمة في القرن الماضي بطشًا وقسوة مع شعوبهم بمظاهر متعددة لا تخفى على أي مسلم، تحت ذريعة إبقاء الأمة تحت السيطرة, ولم يعلم هؤلاء أن ذلك البطش سيعجل ما يخشونه. 3- من أعظم الأسباب لدخول الناس في دين الله أفواجا، ولذلك فإن الله تعالى ما بعث نبيا إلا ورعى الغنم؛ لأن الغنم لا تسير بشكل منتظم بل يقودها هواها، وهو ما يعطي الراعي مزيدًا من الحلم على ما يجده من مشقة في ذلك، وقال (صلى الله عليه وسلم): "إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم" رواه مسلم، وذلك أن بعض الرعاء لا يملكون ذلك الحلم، فتجد الراعي كلما زاغت إحدى أغنامه أو ضاعت وابتعدت رفعها وألقاها على الأرض بقوة، فلو قام كل الرعاة بمثل فعله لقُتلت الأغنام جميعها في فترة وجيزة، وهذا مثال من يرعى قطيعًا من الأغنام، فما بالنا بمن يرعى ملايين من البشر! نجد لكل أحدٍ منهم فكرًا وهوىً لا سيما في وقتنا الذي يشهد تعددًا في الأفكار والمناهج... الخ فلا بد لذلك الراعي أن يمتلك من الحلم وسعة الصدر ما يمكنه من رعاية المجتمع بالشكل الذي يضمن لهم حياة كريمة دون إيقاع الأذى بهم وخاصة أن الأمة بحاجة لمن يأخذ بيدها.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى قيادة حليمة تسوس الأمة وتعمل على راحتها وتعامل المخالف بما يأمر به شرعنا لا ما يأمر به هواها.
وقد تعددت الآيات التي تدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل وترغبهم به، وبعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة، وتحثهم على الدَّفع بالتي هي أحسن، والصَّفح عن الأذى والعفو عن الإساءة. ومنها قوله تعالى: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"[ آل عمران:134]، وهذه الأركان الثلاثة لا يوصف المرء بالحلم إلا إذا استوعبها. ومنها قوله تعالى في وصف حلم نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}، [ هود: 75 ]", وكلنا يعلم ما قد لاقاه عليه السلام من أذى من قومه حين ألقوه في النار، ووصف الله تعالى ابنه إسماعيل عليهما السلام بتلك الصفة، قال تعالى: "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ"[الصافات: 101]، وقوله تعالى عن نبيه هود (عليه السلام): "قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ", [الأعراف: 67]، وصبره (عليه السلام) هذا كان رغم سباب قومه وسخريتهم فقابل كل ذلك بدعوة التوحيد وأوضح لهم مهمته ورسالته ونصح لهم بالحسنى وهو يأمل إقناعهم على ذلك.
ووردت أحاديث ثابتة كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في فضل الحلم وعدم الغضب، منها قوله - صلى الله عليه وسلم - لأشجِّ عبد القيس: "إنَّ فيك لخصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم والأَنَاة". رواه مسلم، وقوله (صلى الله عليه وسلم) للرجل الذي جاء يطلب وصيته، قال: (لا تغضب) فردد طلبه مراراً.. قال (لا تغضب) رواه البخاري،. قال الراوي أبو هريرة (رضي الله عنه): فكرت حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله والعقل ينقص عند الغضب فيؤدي إلى قول الباطل وكتم الحق.
وكان دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - (أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا) رواه النسائي، وصححه الألباني، قال النبي - صلى الله عليه وسلم – "لا يقضين حَكَم بين اثنين وهو غضبان". رواه البخاري ومسلم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ (صلى الله عليه وسلم) يتقاضاه فأغلظ، فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالًا. ثمَّ قال: أعطوه سِنًّا مِثْل سِنِّه، قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلَّا أمثل مِن سِنِّه، فقال: أعطوه، فإنَّ مِن خيركم أحسنكم قضاءً"، رواه البخاري ومسلم . وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله عز وجل من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله". رواه أحمد وابن ماجة، قال البوصيري إسناده صحيح، رجاله ثقات، وقال (صلى الله عليه وسلم) أيضًا-: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" رواه البخاري ومسلم، فالحلم من علامات القوة والثبات، قال تعالى: "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُور". [الشورى: 43].
ووردت أقوال عدة عن الصحابة (رضوان الله عليهم) في فضل الحلم : منها ما روي عن عمر -رضي الله عنه-: "التروي في كل أمر خير إلا ما كان من أمر الآخرة". وعن عليُّ رضي الله عنه: "ليس الخير أن يَكْثُر مالك وولدك، ولكنَّ الخير أن يَكْثُر علمك ويَعْظُم حلمك، وأن لا تباهي النَّاس بعبادة الله، وإذا أحسنت: حمدت الله تعالى، وإذا أسأت: استغفرت الله تعالى". ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء ،وقال أيضا: "من لانتْ كلمتُه وجبتْ محبتُه، وحلمك على السفيه يكثر أنصارك عليه". وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: "لا يبلغ العبد مبلغ الرَّأي حتى يغلب حِلْمُه جهله، وصبرُه شهوته، ولا يبلغ ذلك إلَّا بقوَّة الحِلْم". ذكره أبو القاسم الطبري الرازي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وقال رضي الله عنه لعَرابة بن أوس: بم سدت قومك يا عرابة؟ قال: "يا أمير المؤمنين كنت أحلم على جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في قضاء حوائجه ". وإنها لصور تبين أهمية تلك الصفة في حياة قادة الأمة (رضوان الله عليهم) بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، تلك التي رباهم عليها وظل يوصيهم بها في أكثر من مناسبة كما قد بينت.
وأما جزاء التحلي بتلك الصفة العظيمة فهي دعوة الله تعالى صاحبها يوم القيامة وتخييره من الحور العين ما شاء، فعن معاذ بن أنس- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء". رواه أحمد في مسنده وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
الصفات المهمة لقيادة الأمة
جمعهُ ورتبه
الشيخ/ إسماعيل بن عبد الرحيم حميد "أبو حفص المقدسي " حفظه الله