الحلقة الخامسة من كتاب (اللوح المحفوظ)
للباحث: هشام أحمد صقر
==========
الحسين بن حمدان الخصيبي (ع)
==========

علومه ومؤلفاته:

ينتمي سيدنا الخصيبيُّ (ع) إلى أسرةِ العلمِ والتَّقوى والعملِ الصَّالحِ والقياداتِ الرُّوحيَّةِ الدِّينيَّةِ، وقد تميَّزَ بالعلمِ الرَّبَّانيِّ الغزيرِ والشُّموليِّ، كما عُرفَ بكثرةِ الإنتاجِ والعطاءِ الفكريِّ والعمليِّ والفقهيِّ، إذْ أنَّ لهُ الكثير منَ المؤلَّفاتِ والكتبِ والموسوعاتِ العرفانيَّةِ. كما أنتجَتْ مدرستُهُ العرفانيَّةُ المتميِّزةُ طوالَ أكثرَ منْ نصفِ قرنٍ الكثيرَ منَ العلماءِ والمفكِّرينَ والخطباءِ والأدباءِ والمؤلِّفينَ في مجالاتٍ شتَّى.
وفيما روي أن أباهُ حَمْدان وعمَّهُ أحمَد كانا يتذَاكَرانِ في مسائلَ تخصُّ الدَّعوةَ، دخلَ عليهما الحُسين ليجالِسْهُمَا فمنعاهُ، فخرجَ إلى الشَّارعِ حزينًا فالتقى برجلٍ مهيبٍ، جميلِ الطَّلعةِ يبتسمُ في وجهِهِ ويقولُ له: يا حُسين بنَ حَمْدان، أحزنكَ مَا فعلَ أبوكَ وعمُّكَ؟ فحارَ في جوابهِ وقال: نعم يا سيِّدي، فقال: ادنُ منِّي. فوضعَ يدَهُ عليه ودَعا بدعواتٍ، ثم قال: عُدْ إليهما فلنْ يمنعاكَ بعدَ الآن. فسألهُ: من أنتَ يا سيدي؟ فأجابَ: أنا أبو شعيب محمَّد بنُ نُصير.
وعادَ الحسين إلى أبيه وعمِّه، وما أنْ حدَّثهُمَا بذلك حتى قالا: (إنَّ لكَ منَ اللهِ تعالى منزلةً لا نعلَمُهَا)، ثمَّ حملاهُ إلى سيدنا أبي محمَّد عبد الله الجنَّان (ع)، فتولى رعايته وتعليمه حتَّى صارَ من خيرةِ الدُّعاةِ.
وكان يكنَّى أبا عبد الله، ونسبتهُ الجنبلانيُّ نسبةً إلى سيدنا الجنَّان الجنبلاني الذي كانَ منشؤه في جنبلاء، كما يكنَّى بالخصيبي نسبةً إلى جدِّه الخصيب، ويتكلَّم الخصيبي (ع) موضِّحًا ذلك في بعضِ أشعاره قائلاً:
قد غاص في بحرِ علم سادته نجلُ خصيبٍ بهاجس عَرَفِ
وقالَ في مكانٍ آخر:
جنبلانيَّكم سليل خصيب يستقيها من فيض بحرٍ

دوَّنَ سيدنا الخصيبي (ع) علومَ التَّوحيدِ بحسب القواعِدِ والمبادئ التَّوحيديَّةِ التي وضعها الأئمَّةُ (ع)، وبيَّنَ في جدليَّةٍ تاريخيَّةٍ وعقليَّةٍ، أحقيَّةَ ما يُؤمنُ بهِ مستعينًا بكُلِّ المعارف الرَّبَّانيَّةِ مؤيِّدًا أقوالَهُ بالشَّواهدِ القرآنيَّةِ، والأحاديثِ النَّبويَّةِ، وتراثِ المعصومينَ (ع) والحُججِ العقليَّةِ في نشرِ تعاليم الدَّعوةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ.
وقد تَرَكَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) قدوةَ العارفين تراثًا منَ الكتبِ التَّوحيديَّةِ، والمناهجِ العرفانيَّةِ والوصايا الأخلاقيَّةِ والمعارفِ اللاهوتيَّةِ، ما تُعَدُّ لوحدها مكتبةً متكاملةً، وكانت عبارةً عن مجموعةٍ من الكتبِ التي تتناولُ مسائلَ دينيَّةٍ متعدِّدَةٍ على شكل سؤالِ المُريدِ وجوابِ سيدنا الخصيبيِّ (ع)، وأصبحَ لهُ من المؤلَّفاتِ الكثير أشهرها: كتاب الهدايةِ الكبرى الذي دفعه إلى سيفِ الدَّولةِ الحَمْدانيِّ، كما وردَ أنَّ له الكَثير من المؤلفات.
كما كانَ لهُ الفضلُ الأوَّلُ في كتابةِ تاريخِ الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ، وحياةِ الرَّسولِ الكريم (ص) وسيرَةِ الأئمَّةِ الصَّادقينَ (ع) وسيرةِ خواصِّهم وأعلامِ مدرستِهِم بنهجٍ علميٍّ اعتمدَ النَّقدَ التَّاريخيَّ للأحداثِ مراعيًا طبيعةَ كلِّ واقعةٍ تاريخيَّةٍ وخلفيَّاتِهَا ومَرَاميها ونتائِجَها، وكانَ مَنْ سبقَهُ إلى كتابةِ التَّاريخِ يكتفي بتدوينِ الحوادثِ دونَ إخضاعِهَا للتَّحقيقِ، ولنَا في النّسخةِ الأصليَّةِ لكتابه (الهداية الكبرى) الذي وضعَهُ للأميرِ سيفِ الدَّولةِ الحَمْدانيِّ، خيرُ دليلٍ على المنهجيَّةِ العلميَّةِ والعقليَّةِ العظيمةِ لسيدنا الخصيبيِّ (ع).
لقدْ بلغتْ بهِ البَصيرةُ، وما وصلَ إليهِ من علمٍ أخذَهُ بمددٍ من الهُداةِ (ع)، وما ذاقَ مِن جواهرِ اللَّطائفِ اللَّدُنيَّةِ التي شَهِدَهَا، محلِّقًا بأجنحةِ مَلَكٍ إلى عالمِ النَّقاء ناقلاً ما رآه إشارةً إلى السَّالكينَ وعبارةً للبالغينَ، فَمَنْ اعتصَمَ بحبلِهِ المتين طارَ على أرجوحةِ العارفين وأدركَ اليقين.
ولمْ يألُ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع) جهدًا في التَّنقُّلِ والاتِّصالِ بالقبائِلِ التي انتشرَ فيها الدُّعاةُ، والحُكُوماتِ ذاتِ العلاقة بالتَّنظيمِ العَرْفانيِّ، وقد عملَ بنفسِهِ داعيًا موجَّهًا علمَهُ ومعارِفَهُ الواسعةَ وثقافَتَهُ العرفانيَّةَ لإيجادِ رابطةٍ تُوَحِّدُ القوى الإماميَّةَ، وتعيدُ تطبيقَ الشَّرائعِ الإلهيَّةِ على النَّاسِ الذين غابَت عن أذهانِهِم كُلُّ علاقةٍ يمكنُ أنْ تربطَ الدِّينَ بالدَّولةِ والمجتمعِ.
=========

طريقته المقدسة:

إنَّ التَّرجمَاتِ التَّاريخيَّةَ التي تَحَدَّثتْ عن سيدنا الخَصيبيِّ (ع) في غالبيَّتِها ناقصةٌ، ولا توجدُ أبحاثٌ تهدفُ إلى إيضَاحِ صورةٍ حقيقيَّةٍ لسيدنا الخصيبيّ (ع)، فمكانتُهُ (ع) هي أعلى من مكانةِ مؤسِّسٍ فقط، وقدْ كانَ أجلُّ لقبٍ للحُسين بنُ حمدان لقَّبَّه به طلَّابُهُ هو (شيخُ الطَّريقةِ وقدوةُ العارفينَ)، ونعلمُ أنَّ أميرَ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام هو مَن استخدمَ تعبيرَ (الطَّريقةِ) ليُعبِّرَ بها عن الخاصَّةِ، فهوَ في نُصحهِ للمؤمنين يقول: (لزم الطريقة الغراء والمحجة البيضاء واغتنم المهل وبادر الأجل وتزود من العمل)، فنهجُ الطَّريقةِ الغرَّاءِ سبيلُ الهدى، والمحجَّةُ البيضاءُ هي التَّمسُّكُ بالعترةِ الطَّاهرةِ التي لا يَضُّلُ مَنْ آوى إليها.
وقد بُنِيَتْ قواعدُ طريقة سيدنا الخصيبي (ع) على أربعة أصول وهي:
1. كتابُ اللهِ تعالى: قالَ أميرُ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام: (كتابَ اللهِ تبْصِرُونَ)، وما جاء من تأويلِ أميرِ المؤمنينَ (علي) لأنَّهُ صاحبُ التَّأويلِ.
2. أحاديثُ الأوصياءِ والأنبياءِ والرُّسلِ (ع) مؤيَّدَةً بكتبِ اللهِ السَّماويَّةِ وكلامِ المعصومين (ع).
3. أحاديثُ رسولِ الله (ص) وأهلِ البيت الأئمَّةِ المعصومين (ع): الواردةِ مِن طريقِ أهلِ الإيمانِ الثِّقةِ علماءِ آل بيتِ محمّد (ص) ومَن آلَ إليهم من أهلِ الولاءِ ممَّا أوردوهُ وكتبوهُ مِنْ علومِهِم.
4. حجةُ العقل: كما قال الإمام الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

إذن: لا بُدَّ لكلِّ خطٍّ وطريقٍ من معالمَ يهتدي بها السَّائرونَ، ومن دونِ وجودِ معالم على الطَّريقِ لا يهتدي الإنسانُ إلى شيءٍ. فما هي المعالمُ على هذا الخطِّ (الصِّراطِ المستقيمِ)؟
إنَّ القرآنَ يوضِّحُ هذهِ المعالمَ، بإيجازٍ، في سورة الفاتحةِ، وبعد الدُّعاءِ بـ(اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) يأتي مباشرةً إيضاحُ معالِمِ هذا الصِّراطِ وعلامَاتِهِ وأدلَّتِهِ بقوله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)، فإنَّ العلامةَ المميَّزةَ التي تهدي إلى الصّراطِ المستقيمِ، هي السَّائرونَ على هذا الصِّراطِ، والسَّالكونَ له. فإذا اختلطتِ السُّبلُ عليكَ، فاتَّبعْ خُطى الذين أنعمَ اللهُ عليهم منَ الأنبياءِ والمرسلينَ والأئمَّةِ ومن تبعهم من عبادِ الله الصَّالحينَ.
==========

فكره وتعاليمه:

سيدنا الحُسينُ بنُ حمدانٍ الخصيبيّ (ع) صاحبُ نهجٍ وفكرٍ وعَرفانٍ، ولقد بلغَ العَرفانُ العلويُّ النُّصيريُّ شأنًا عظيمًا زادهُ رفعةً سيدنا الخصيبيُّ (ع)، فقد حوَّلَ دارَهُ المباركةَ إلى جامعةٍ كبيرةٍ تشعُّ بالنُّورِ والحكمةِ، وقامَ بتدريسِ مختلفِ العلومِ والمعارفِ والمنطقِ والفلسفة والفقهِ والشَّريعةِ والدِّينِ والعقيدةِ.
وفي الحقيقةِ فإنَّ سيِّدَنا الحُسين بنُ حَمْدان الخصيبي (ع) كانَ السيد والقائدَ والمُعلِّمَ، فالحُسين بنُ حَمْدان من أقرباءِ سيفِ الدَّولةِ الحمداني، وهو من سادةِ العربِ وأمرائِهِم، بلْ زادَ على ذلكَ بأنَّهُ سادَ وقادَ أمراءَ العرب.
ويُذكَرُ أنَّ سيِّدَنا الخصيبيَّ (ع) هاجرَ إلى الموصل قاصدًا الأميرَ الحَمْداني داود بن حمدان، ولمْ يمكُثْ طويلاً في الموصل بل توجَّهَ من هناكَ إلى حلب، وبقي مدَّةً يعلِّمُ ويؤسِّسُ لتلامذتِهِ في حلب إلى أن استقامَتْ لهمُ الأمورُ وأوكلَ إليهم متابعةَ نهجهِ القويمِ في حلب، وذلك ما حكاه الشَّيخ أبو صالح الديلمي (ق) بقولِهِ: (كانَ هؤلاء السَّادةُ الذين كانُوا في الغالب مِنَ العارفينَ بمعرفةِ الحقِّ المبينِ)، وكأنَّما كانَ مَنْ عرفَ التَّوحيدَ في عصرِهِم في أمانٍ وغبطةٍ، وهوَ العصرُ الذي كانَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) فيه مقيمًا في حلب. ومن هذا النَّصِّ يمكنُ الاستنتاج أنَّ عقيدةَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) العلوية الإسلامية كانتْ قد استقرَّتْ في قلوبِ كثيرٍ مِنَ الملوكِ والأمراءِ قبلَ غيابِهِ.
ثم عقدَ العزمَ على التَّنقُّلِ في بلادِ الشَّامِ لنشرِ دعوتهِ العلويَّةِ الإسلامية النُّصيريَّةِ الخصيبية في مناطقِ الثُّغورِ بالدَّرجةِ الأولى، ثمَّ وصل إلى دمشق.
لقد حملَ لواءَ الدَّعوةِ والتَّوحيدِ وهو في السَّابعةِ والعشرينَ من عمرِهِ فكانَ ينتقلُ في البلادَ الشَّرقيَّةِ، ناشرًا دعوَتَه علنًا رغمَ وجودِ الخلافةِ العباسيَّةِ المُزَعزَعةِ في النِّصفِ الأوَّلِ منَ القرنِ الرَّابعِ الهجريِّ الموافق للقرنِ العاشر الميلادي.
وفي عام (336هـ) تغيَّرتِ الأوضاعُ في بغداد عندما سيطرَ البُوَيْهِيُّونَ على الحُكمِ فعادَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) إلى العراق وزارَ بني بُوَيه الذين سبقَ إليهم الدُّعاة فاستجابُوا وانتظمَ في سلكِ الدَّعوةِ العديدُ منهم، وكانَ أوَّلُّ طُلَّابهِ فيهم، سيدنا أبا منصور شهاب الدين بختيار الدَّيلمي (ق) الذي وضع له سيدنا الحُسين بنُ حَمْدان الخصيبيّ (ع) كتابَ (رأس الحكمة) ثمَّ عادَ إلى دارتِهِ في الكوفة عام (340هـ) ليستقبلَ أقرباءَهُ الحَمْدانيِّينَ ويُوجِّهُ الدُّعاةَ إليهم، حتَّى عاد في سنواته الأخيرة إلى بلاد الشَّام واختارَ أنْ يقيمَ في حلب حيث كانت الأسرة الحَمْدانيةُ تحكمُ حلب منذ سنة (333هـ)، وكانَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) يؤمُّ سيدنا سيفَ الدَّولةِ فكتبَ له الهدايةَ الكُبرى، وغيرَها، وعيَّنَ سيدنا محمّد بن علي الجِلّيِّ (ق) ليرأسَ أتباعَهُ في حلب، ثم حجَّ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ والتقى بالدُّعاةِ في الكعبةِ المطَّهرةِ، كما التقى بدُعاةِ المدينةِ، ثمَّ التقى بوفودِ اليمنِ وبالدُّعاةِ المصريِّينَ، وعادَ إلى بغداد فأنشأ أوَّلَ مدرسةٍ علميَّةٍ أوكَلَهَا إلى سيدنا أبي الحسين علي بن عيسى الجسري (ق) بعدَ مغادَرَتِهِ بغداد، والتي تخرَّجَ منهَا العلماءُ العراقيُّون. وخلالَ زيارتِهِ ضمَّ عددًا من الأمراءِ الذين عُرِفوا في الدَّعوةِ باسم (العلماءِ المُستَتِرةِ).
فسيِّدُنا الحُسين بنُ حَمْدان الخصيبي (ع) عاشَ بعقلهِ وفكرِهِ هذا التُّراثَ المَعرفيَّ العظيمَ وكانَ لهُ فضلٌ كبيرٌ برفدِهِ بعارفينَ جُددٍ، اهتَدُوا بالخصيبيِّ القُدوةِ ومنهاجِهِ النُّصيريّ في الدَّعوةِ العلويَّةِ إلى الحَقِّ المبينِ، وقدْ أدَّى سيدنا الخصيبيُّ (ع) هذه النِّعمةَ إليهم وهم الذين اختارَهم من صفوةِ هذا العالمِ البشري مِصداقًا لقوله: (فلمَّا أسبغَ علينا نعمَهُ بمعرفتِهِ ألزمَتْنا الطاعةُ أن نُحدِّثَ بها مستحقِّيها ونُبيِّنها لهم ولا نكتُمَها عنهم)، وسمَّى دعاته العارفين (أهل البصيرات) فهم المُستَبْصِرون الذين قَطَعُوا التَّراكيبَ لأنَّهم صفوةُ عالمِ البشرِ.
وكانَ دُعاةُ سيدنا الخصيبيّ (ع) وتابِعُوه حينَ وضعوا مؤلَّفاتِهم قد تَوَخَّوا شرحَ عقيدةِ سيدنا الخصيبيِّ (ع) العلوية الإسلامية، فتناولُوها بالدَّرسِ والتَّمحيصِ لغايةٍ جليلةٍ هي خدمةُ هذا الدّينِ وأهلِهِ، مُمْتَثلينَ لقولِ سيدنا أفلاطون: (طبقاتُ النَّاسِ معروفةٌ في أطرافِ أقلامِهم وظاهرةٌ في حُسنِ اختيارهم)، فأصبحَ إنتاجُهم مصدرًا لا غِنَى عنهُ، لأنَّ مِنهم مَن أخذَ مُشَافَهَةً، لذلكَ فإنَّ المُتكلِّمَ عن عقيدةِ سيدنا الخصيبيِّ (ع) العلوية الإسلامية لا بُدَّ أنْ يتناولَ آثارَ التَّابعينَ، فعندما نبحثُ عن الأمورِ النَّائرةِ والأخبارِ العُليا البَاهرةِ لا نجدُ منها شيئًا إلاَّ وقد سَبَقَ إلى إيرادِهِ الأوَّلونَ، وتداوَلَهُ الرَّاوونَ، والفضلُ للسَّابقِ، ولا يُدرِكُ فضلَهُ اللاَّحقُ، ولابُدَّ من التَّنبيهِ إلى أنَّ جميعِ أقوالهم في كتبهم وإنْ اختلفَتْ باللَّفظِ فقد اتَّفَقَتْ بالمعنى والأصلِ. وسيجدُ القارئُ أنَّ أيَّ موضوعٍ من مواضيعِ التَّوحيدِ مدعومٌ بشواهدَ مأثورةٍ عن الموالي والسَّادات، وذلك قطعًا لألسنةِ المغرضينَ الذين ربَّما كانوا في هذا الوقت أكثرَ من أيِّ وقتٍ مَضَى. وبذلكَ دَعَمَ- أعلى الله منزلتَهُ- القولَ بالعملِ في تأديةِ النّعمةِ إلى مستحقّيها، وتلقَّاها تابعوهُ بالرِّضَا والقبول.

لقد تولَّى العالمُ الثِّقةُ سيدنا أبو الحسين محمّد بن علي الجلي (ق) الدَّعوةَ في حلب وكانَ سيدنا العارفُ أبو الحسن علي بن عيسى الكتّاني الجسري (ق) يتولاَّها في العراق. ثمَّ تولاَّهَا سيِّدُنا أبو سعيد الميمون سرور بن القاسم الطَّبراني الهمذاني (ق) الذي ولد في العام (337هـ) في بيتِ علمٍ ومعرفةٍ وأدبٍ وزهدٍ وعرفانٍ في عائلةٍ عربيَّةٍ عريقةٍ بنسبِها وأمجادِها عُرِفَتْ بولائها لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام واتِّباعها النَّهجَ العلويَّ الإسلامي النُّصيريَّ الخصيبيَّ، وكانتْ طبريَّة آنذاك عربيَّة نقيَّةً ومِنْ معاقلِ العرفانِ الخصيبيِّ، ومجمعًا للعلماءِ، فأخذَ العلمَ صغيرًا متفقِّهًا على يدِ سيدنا الجلي (ق).
وكان سيِّدُنا أبو سعيد (ق) عالمًا بليغًا وفيلسوفًا ورعًا زاهدًا مجاهدًا وذا فضلٍ عميمٍ، تشهدُ لهُ كثرةُ تصانيفِهِ وقوَّةُ حُجَّتِهِ فيهَا، ومعرفتُهُ الشَّاملةُ بالأحكامِ والحكمةِ القرآنيَّةِ وحفظِهِ أحاديثَ المعصومين (ع). وقد ألَّفَ سيِّدُنا أبو سعيد (ق) كتبًا كثيرةً في مباحثِ التَّوحيدِ تنوفُ عن العشرين كتابًا، وله ديوانُ شعرٍ.
شَهِدَ لهُ السَّادةُ العارفينَ بالفضلِ وقوَّةِ الحُجَّةِ وكانَ من المُجاهدينَ والمُدافعينَ عن نَهجِ سيدنا الخصيبيِّ (ع)، حتى لقَّبهُ سيِّدُهُ الجلي بالثِّقةَ وجعلَهُ خليفةً له.
ولا بُدَّ منَ التَّنويهِ إلى أنَّ الوليَّ صفةٌ تطلقُ على ثلاثةٍ: أوَّلُهُم سيِّدُنا محمّد بن جندب (ع)، والثَّاني سيِّدُنا أبو الحسين محمّد بن علي الجلي (ق) الذي توَّلى الدَّعوةَ بعد سيِّدِنا أبي عبد الله الحسين بن حَمْدان الخصيبي (ع)، والثَّالث هو الوليُّ الثِّقة سيدنا الميمونُ سرور بن القاسم الطَّبراني الهمداني (ق) لأنَّه حملَ رايةَ العَرفانِ بعدَ سيدنا أبي الحُسين الجلي (ق) وتابَعَ مثله على نهج سيدنا الخصيبي (ع).
ومن دُعاةِ سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) أيضًا سيدنا محمد بن مقاتل البغدادي (ق) القاضي أبو الفتح شيخ عاصم الدولة الذي عرف بتقواهُ وإيمانِه ودعائِهِ المُستجاب، وكانَ شيخًا فاضلاً زاهدًا فقيهًا مجتهدًا لهُ الكثيرُ من الكتبِ والمسائلِ الدِّينيَّةِ والعقائديَّةِ التي رسَّخَ فيها النَّهجَ العلويَ الإسلامي النُّصيريَّ الخصيبيَّ.
كما وعلينا أنْ نلحظَ أنَّ دعاةَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) وَفدُوا مِنْ بقاعٍ شتَّى، وأنَّهُم نَشَرُوا العلومَ العلويَّةَ الخصيبيَّةَ وامتدَّتْ حتَّى طالَتْ معظمَ المناطقِ الإسلاميَّةِ، وهمُ الذينَ وصفَهُم سيدنا الجنَّان (ع) بقوله: (عَمِلُوا بمَا عَلِمُوا فأدرَكُوا الحياةَ السَّرمديَّةَ ونالُوا الرَّحمةَ الأبديَّةَ، أجسامُهُم بينَ الوَرَى وقلوبُهُم في الملكوتِ الأعلى، دأبُهُم الصَّلاةُ والعبادةُ، وشغلُهُم بالورعِ والزَّهادةِ، مَنْ استَرشَدَهُم رشدَ ومَنْ أخذَ عنهُم سَعدَ).
=========

دعوته المخلصة للولاية العلوية:

يؤكِّدُ سيِّدُنَا الخصيبيُّ (ع) أنَّ النَّجاةَ لا تكونُ إلاَّ بالولاءِ لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام لقولِ رسولِ الله (ص): (يا علي، لا يُحبّكَ إلاَّ مؤمنٌ) وهوَ الحُبُّ الذي يَسِمُ صاحبَه بِسِمةِ الإيمانِ وهو معبرُ الخلاصِ يومَ المعادِ.
وإنَّ تَمَسُّكَ سيِّدِنا الحسين بنْ حَمْدان الخصيبي (ع) بولائِهِ وجهرِهِ بدعوتِهِ علانيَّةً في معقلِ خُصُومِهِ أمرٌ يثيرُ الدَّهشةَ في ظلِّ الظُّروفِ التي تُحيطُ به، وهذا يعبِّرُ عن تمسُّكِهِ بنهجِهِ وشجاعتِهِ وتضحيَتِهِ في سبيلِ الدَّعوةِ إلى الولاء لأمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام.
ونَرَى أنَّ سيدنا الخصيبيَّ (ع) يعبِّرُ عن النَّهجِ العلويِّ الإسلامي النُّصيريِّ الحقِّ الذي يُؤكّدُ على جوهَرِ الشَّـريعةِ المعبَّرِ عنه بالحكمةِ، ويدلُّ على الحبلِ المتينِ في هذه الطَّريقةِ، وهي طريقُ الهُدَى إلى الولاء لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام إذْ قال تعالى: (وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ)، وقال تعالى: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وقال تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وقال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا)، فرسولُ الله (ص) صاحبُ التَّنزيلِ وأميرُ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام صاحبُ التَّأويلِ، ومحمَّدٌ المنذرُ وعليٌّ الهادي، فالأنبياءُ دلَّوا على الشَّريعةِ والأوصياءُ دلَّوا على الحقائقِ. وهذهِ الطَّريقةُ هيَ من مختصَّاتِ أهلِ الإيمانِ والولاءِ، وهؤلاءِ أخذُوهَا عن المعصومينَ (ع) ودلالاتِ المُعتصمينَ إلى حقيقةِ حقِّ اليقينِ فمَنْ تزَّكى وطابَ نَسَبُهُ استحقَّ أنْ يكونَ مِنَ الواردين.
وليكنْ معلومًا لدى الجميع أنَّ الولاءَ لأمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام هو الجوهرُ الذي لا يضرُّه جهلُ الجاهلين به، ولا إهمالُهُم له، ولا إعراضُ المعرضينَ عنه، ولو تمعَّنَ أبناؤُنَا اليوم فيما صدرَ عن أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام، الذي يقول: (أنا أعرفُ منكم بُطُرقِ السَّماءِ وطرقِ الأرض) لأحسُّوا بشيءٍ ما يشدُّهُم إلى التَّعرُّفِ على صاحب هذا النُّطقِ العظيمِ، وعلى ما وراءَ هذا الكلامِ من حقائقَ، لأنَّهُ لم يَستنكرْهُ أحدٌ من العالمين، ولمْ يتجاسَرْ أنْ يطعَنَ بصحَّتِهِ أحدٌ من البشرِ، فمَن عَسَاهُ أنْ يكونَ صاحبَ هذا المقامِ الرَّفيعِ؟ ومَنْ هُوَ الذي يَعرفُ طرقَ السَّماءِ أكثرَ ممَّا يعرفُ أيُّ امرئٍ طُرقَ الأرضِ؟ مع أنَّهُ لا يقصِدُ بِطُرقِ الأرض خريطةَ القارَّاتِ فقط، بل أيضًا الجُزئيَّات حتَّى مواقعِ الألفاظِ؟ وماذا يقصدُ بطُرقِ السَّماءِ؟ وهَل في السَّماءِ طرقٌ كالتي تُشاهَدُ في الأرض؟ أمْ أنَّ المعنى أعمقُ والرَّمزَ أجلُّ باعتبارِ أنَّ السَّماءَ تُطلَقُ على كلِّ متناهٍ في العظمِ والرّفعةِ؟ فمَن هُوَ هذا الذي يُصرِّحُ هذه التَّصريحاتِ ولا أحد يستطيعُ أنْ ينكرَها عليه أو يعترضَ عليه؟
وهُوَ القائل: (ولقد أُعطيتُ خصالاً لم يُعطَهَا أحدٌ قبلي؛ علمتُ المنايا والبلايا والقضايا والأنسابَ وفصلَ الخطابِ، ولقد نظرتُ في الملكوتِ فما غابَ عنِّي ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي...).
وكلُّ ما صرَّح به لا يشكِّلُ جزءًا يسيرًا مِن أجزاءَ لا تُحصى مِنْ معارفِهِ التي يضيقُ عن استيعابها أو تحمُّلِها العقلُ البشريُّ، وقد احتارَ الخلْقُ فيه حتَّى وصلَ بهم العجزُ إلى القول عنه: (ليسَ لَهُ أن يفصحَ بَمَا تنبو عنه الأفهام)، وبمثلِ هذهِ العبارةِ وجدوا لأنفُسِهِم المخرجَ من حيرَتِهِم، والله يَهدي مَنْ يشاءُ للمُثُولِ إلى قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّا أهل البيتِ أوتينا علمَ المنايا والبلايا وفصلَ الخطاب).
ولقد أعربَ سيِّدُنا الخصيبيُّ (ع) عَن حرصِهِ على تأديةِ الالتزامِ بالواجِبِ الحقِّ، وحبًّا ورفقًا بأهل الاستحقاقِ، بقوله (ع): (قدْ ألزَمْنَا أنفُسَنَا للهِ جلَّ اسمُهُ أنْ لا نَكتُمَ شيئًا مِنْ ذلكَ عن أهلهِ جَهْدَنَا، ونأتي منهُ بمَا سَنَحَ)، وقوله (ع): (آلَيْنَا ألاَّ نكتمَ شيئًا ممَّا نعلمُهُ عن أحدٍ من أهلِ التَّوحيدِ).
هذهِ العبارةُ مع شروحِهَا تُشكِّلُ القانونَ التَّوحيديَّ الذي أتَى بِهِ سيدنا الخصيبيُّ (ع) عن سيدنا الجنَّان عن سيدنا محمَّد بن جَندب عن سيدنا أبي شعيب عن مولانا الحسن الآخرِ العسكريِّ (ع).