دولة الشعارات

أبو المنذر الشنقيطي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.


أكتب هذا الحديث للذين يعتقدون بأن وجود الإسلام واستمراره ليس مرتبطا بتنظيم الدولة.
أكتب هذا للذين يعتقدون بأن مخالفة تنظيم الدولة ليست كفرا ، وأن الخصومة معه ليست زندقة ، وأن انتقاده وبيان عيوبه تعتريه الأحكام ، خلافا لمن جعله محرما على الدوام .
أكتب هذا للذين يعتقدون بأن التمدد والانتصار لا يعني بالضرورة سلامة المنهج وصواب الطريق ، بل قد تتمدد دولة وهي من أفجر الفجار وأفسق الفساق ..
أكتب هذا لمن يقرءون بحثا عن الحقيقة أيا كان مصدرها ، لا للذين لا يقرؤون إلا ما يريدون ، ولا يقتنعون إلا بما يحبون :

روى مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ».
هذا الحديث أصل في الأخذ بحقائق الأشياء وإلغاء المظاهر الخداعة، لأن الأسماء لا تغيّر حقيقة الأشياء، والظواهر والشكليات لا تكفي إن لم تكن الحقيقة بينة الظهور والجلاء ..
فقد يتستّرالباطل في ستور مختلفة، وقد يأتي الأعداء في لبوس الأصدقاء ، وقد يتزخرف المكر ويتلون فيظهر في كل مرة بصورة وفي كل جهة بعنوان ..
روى مالك في الموطأ أن رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم، فنزل على أبي بكر الصديق أثناء خلافته، فشكا إليه أن عامل اليمن -أمير أبي بكر الصديق على اليمن - قد ظلمني، فكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر : وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقداً ل أسماء بنت عميس -امرأة أبي بكر الصديق - فجعل هذا الرجل المقطوع اليد والرجل يطوف معهم -يبحثون عن العقد- ويقول: اللهم عليك بمن بيّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغٍ زعم أن الأقطع جاءه به، فأخذوه فاعترف به الأقطع أو شهد عليه به، فأمر به أبو بكر الصديق فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر : [ والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته ].
وروى البيهقي في السنن بإسناد صحيح أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "لا تنظروا إلى صيام أحد ولا صلاته ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدث وإلى أمانته إذا ائتمن، وورعه إذا أشفى".
وفي لفظ : "لا يعجبكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة، وكفّ عن أعراض الناس فهو الرجل".
ومن السذاجة ظن كل من يرفع شعار الإسلام جادا في دعواه ، وصادقا في ما ادّعاه..
فرفع الشعارات أمر سهل ميسور، لكن عند التطبيق تظهر الحقائق المخفية وتبرز الأمور الخفية.
لهذا كان التحقق من مطابقة الشعارات للحال والواقع أمرا ضروريا قبل الركض خلف تلك الشعارات بطريقة عمياء ، تنم عن سذاجة وحماقة وتجعل من صاحبها ألعوبة بيد الماكرين.
وما أكثر ما يؤتى المسلمون من باب " غفلة الصالحين " !
وقد روى الإمام أحمد في الزهد : عن مطرف بن عبد الله بن الشخيرأنه كان يقول : "احترسوا من الناس بسوء الظن" .
وأورده الطبراني في الأوسط : مرفوعا من حديث أنس بن مالك ، وفي سنده ضعف.
وقال السخاوي في المقاصد الحسنة بأنه ورد من عدة طرق يقوي بعضها بعضا.
قال السيوطي في تفسير هذا الحديث : "قيل معناه : لا تثقوا بكل أحد فإنه أسلم لكم".
وروى ابن سعد (2 / 177) بسند صحيح قول الحسن البصري : "إن الحزم أن تسيء الظن بالناس " .
والله سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين: { خُذُوا حِذْرَكُمْ } [النساء:71]، ويقول سبحانه وتعالى: { وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ } [الروم:60].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( لست بالخب ولا الخب يخدعني) وقد علق ابن القيم- رحمه الله تعالى- على هذه المقالة بقوله: (فكان عمر- رضي الله عنه- أورع من أن يَخْدع، وأعقل من أن يُخْدَع).
***
إن الأمة التي تجعل أمورها رهن الشعارات ، لا تلبث ان تنحرف مسيرتها ويضطرب أمرها..
أليست الشعارات الكاذبة هي السبب في الكثير من المصائب والأهوال التي أصابت الأمة؟
ألم يكن مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بسبب الشعارات الكاذبة ؟
ألم يكن مولد التشيع ومنهج الرفض بسبب الشعارات الكاذبة ؟
وهل تمكن أرباب البدع والضلال بنشر ضلالهم إلا بالشعارات الكاذبة ؟
وهل انتشرت البعثية والاشتراكية والناصرية في بلاد الإسلام إلا بسبب الشعارات الكاذبة ؟
وهل تمكن الغرب من بسط نفوذه على العالم الإسلامي وتمرير مخططاته إلا بشعارات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان الكاذبة ؟
وهل تمكن من نشر الديمقراطية والترويج لها إلا بالشعارات الكاذبة ؟
إن المتاجرة بالشعارات الدينية أصبحت ورقة رابحة يستخدمها الكثير من أصحاب النوايا السيئة ..
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس بأنهم : ( يجتلبون الدنيا بالدين ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم قلوب الذئاب )رواه الترمذي .
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: لقد خلقت خلقا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب .
وليست المتاجرة بالشعارات الدينية واستغلالها لمآرب سياسية وأطماع شخصية بالأمر الجديد..
فما من حاكم ولا طاغية إلا حاول استخدام الدين والتلويح بشعاراته من أجل تثبيت حكمه وإقامة سلطانه..
وها هي الأنظمة التي تحكم بالدساتير الوضعية تقول في بداية كل دستور أنه مقتبس من الشريعة الإسلامية ‘ وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للقوانين...!
إن الذين لا يستوعبون إمكانية وجود من يرفع شعارات الجهاد وتحكيم الشريعة من أجل الوصول إلى مآرب أخرى مناقضة للشريعة يحتاجون إلى قراءة التاريخ ومعرفة كيف نجح ابن سبأ في تحقيق مخططاته ،وكيف استطاع العبيديون التمدد في العالم الإسلامي، وكيف نجح ابن تومرت في إقامة دولته ، وكيف تعامل ابن سعود مع الإخوان ..
وها نحن اليوم نرى التمدد الفارسي يحاول العودة في ثياب التشيع !
***
إن التاريخ شاهد بأن الكثير من الإمارات والدول التي قامت على اساس تحقيق الشرع وإقامته ما لبثت أن تحولت بعد قيامها إلى حكم جبري لا علاقة له بالشرع ..
لكن هذا التحول حدث اليوم في دولة البغدادي بشكل واضح حتى قبل قيامها !
فمن خلال العناوين البراقة والشعارات الجذابة استطاعت دولة البغدادي أن تجمع حولها جموعا من المتحمسين الذين خدعوا بظاهر الشعارات وجهلوا بواطن الأمور..
هؤلاء القوم لهم إخوان في البساطة ما زالوا يظنون صلاح الحاكم لمجرد خروجه لصلاة العيد أو طبعه لمصحف أو تشييده لمسجد..!
وهكذا فإن دولة البغدادي على عِلّاتها تعني الشيء الكثير بالنسبة للبسطاء ..!
وتكبر في عين الصغير صغارها ...وتصغر في عين العظيم العظائم !
لم ينجح البغدادي في بسط نفوذه إلا بقوة السلاح ، ثم بسذاجة المغفلين الذين يحسبون كل بيضاء شحمة وكل حمراء لحمة ..
ومن الصعب على هؤلاء القبول بأن هذه الدولة التي خاطروا بأرواحهم بالهجرة إليها ليست هي دولة الإسلام التي كانوا يحلمون بها ..
فذلك يعني ان الانتصار الذي ظنوه واقعا مجرد أوهام ..!
سئل ثعلب عن معنى الهوى فقال :
يعمي العين عن النظر على مساويه ، ويصم الأذن عن استماع العذل ، وأنشأ يقول :
وكذبت طرفي فيك والطرف صادق
واسمعت فيك الاذن ما ليس تسمع
والعجب أن الكثير من جنود وأنصار دولة البغدادي لم يتمسكوا بها إعجابا بشخص البغدادي أو سياسته وإنما أملا في أن تكون دولته بالفعل هي الدولة الإسلامية ..
وحال لسانهم يقول :
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا !
وكما ان الغريق يتعلق بالقشة أملا في النجاة ‘ فإن هؤلاء الباحثين عن الدولة الإسلامية يتعلقون بدولة البغدادي على عجرها وبجرها حتى لا يضيعوا أي فرصة لإيجاد دولتهم ..
وكأن المهم عندهم هو وجود كيان اسمه "دولة الإسلام" بغض النظر عن حاله وصفته !
إنهم شباب تركوا أهلهم و اوطانهم ليقاتلوا في سبيل الله ويحموا بيضة المسلمين ..
لكنهم اليوم لا يحمون إلا سياسة البغدادي..
بل يقاتلون المسلمين من أجل تحقيق هذه السياسة !
لهذا لا تعدو هذه الدولة اليوم أن تكون محرقة كبرى لهؤلاء الشباب !
***
لقد أخطأ المجاهدون في الدولة الإسلامية قبل 2007 عندما فتحوا الباب على مصراعيه أمام كل من هب ودب للانخراط والانتساب إلى الدولة بما في ذلك الضباط المعروفون في جيش البعث ، ومع مرور الوقت واشتداد الهجمة واستهداف القادة استطاع بعض هؤلاء المنخرطين الجدد الوصول إلى مراكز قيادية في التنظيم وتوجيهه نحو الوجهة التي يريدون بعيدا عن أهداف الجهاد وغاياته..!
ذكر أن امرأة أخذت جرو ذئب فكانت ترضعه من شاة لها، ولما كبر الذئب قام إلى الشاة فقتلها وأكلها وهرب، فقالت المرأة :
غُذِيتَ بِدَرِّها وعشت معها فمن أدراك أن أباك ذيب ؟ !
إذا كان الطباع طباع ذئب فلا أدب يفيد ولا أديب !
البغدادي يحفز حماس أتباعه بالشعارات التي تجعلهم يستميتون في السير خلفه .
وهو يعلم أن الحماس هو الذي دفع الكثير من الشباب للانضمام إلى تنظيم الدولة ..
ومتاجرته بشعار "دولة الإسلام" لا تختلف عن متاجرة العالم الغربي بمبادئ المساواة والحرية وحقوق الإنسان والعدالة ...
عبارات رنانة لخداع الناس ليس لها في الواقع رصيد ..
لقد أدرك البغدادي أن البسطاء الطيبين ابتلعوا طعم "تمدد الدولة الإسلامية" فزادهم طعما آخر أكثر جاذبية هو إعلان الخلافة ..
ثم زادهم طعما آخر هو فرض الجزية على النصارى ..
ثم زادهم طعما آخر هو ضرب دينار الذهب ..!
وهكذا استمر في تقديم الطعم بعد الطعم لهؤلاء المخدوعين حتى يضمن ولاءهم وسيرهم خلفه ..
وقد تلاعب بأعصابهم بدخوله في بعض المراحل قبل أوانها بلا تمهيد ‘ وإعلانه عن بعض القفزات التي ما كانوا يتوقعونها ..
فما كان بوسعهم إلا ان يطيروا فرحا بأي خطوة رمزية في اتجاه القضاء على حدود سايكس بيكو بغض النظر عن دوافعها وملابساتها .
وحتى تكون الخلافة هي الخلافة - أمام أعين هؤلاء البسطاء- يكفي فقط الإعلان عن فرض الجزية وقتال المشركين وفرض الإسلام على كل من ليس مسلما ..
و قطع هذا ‘ وقتل ذاك ‘ ورجم ؤلئك ..والتنكيل بالمخالفين تحت عنوان "إقامة الحدود"
فتكون دولة البغدادي قد ضربت عصفورين بحجر واحد : تخلصت من المخالفين لها , وتظاهرت أمام البسطاء بأنها تطبق الحدود ..!
وهكذا دائما كان طغاة الحكام يقمعون مخالفيهم تحت لافتة إقامة الدين وقمع المفسدين ‘ أسوة بفرعون عندما قال : {إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد}..
والهجوم على المسيحيين والإيزيديين سياسة كان لا بد للبغدادي منها – على ما فيها من مخاطر - حتى يجعل جنده يعيشون أكثر في وهم الخلافة ..
ويثبت لهم أنهم هم وحدهم اليوم من يمثل الإسلام ..
لكونهم هم وحدهم من يفرض الجزية على النصارى ويقاتل المشركين ..
ان أصحاب الشعارات الكاذبة قد يبالغون في التظاهر في تطبيقها تمويها على الناس وسترا لحقيقة أمرهم ، لكن الحصيف يدرك الفرق بين الباكي والمتباكي .
سياسة التسويق والترويج هذه لا تبتعد كثيرا عن "ثياب الخليفة" ..!
فالممثل الماهر لا ينسى أهمية الثياب وما لها من دور في اكتمال الصورة في أذهان المشاهدين ..
ولهذا ظهر البغدادي في ثياب خاصة تعيد ذاكرة البسطاء إلى زمن الخلفاء ..!!
والمراقب لإعلام تنظيم الدولة وما فيه من أساليب هليودية يرى أنهم يركزون على الصورة أكثر مما يركزون على حقيقة الواقع ..
***
وإنه من حقنا أن نتساءل : ما ذا تغير من حال المسلمين بعد كل هذه القفزات الهائلة التي قفزها تنظيم الدولة واستدرّ بها حماس اتباعه ومناصريه ؟
ان تنظيم الدولة يركز على الشعارات ويسعى إلى تحقيقها بطريقة تقضي على مقصودها وتجعلها أبعد مما كانت !
ومن أمثلة ذلك : إعلان التمدد الذي أصدره البغدادي، والذي جاء بحجة توحيد المجاهدين في العراق والشام .
لكن لم ينشأ عن هذه الخطوة إلا تفرق المجاهدين ونشوب الحرب بينهم ..وكان حالهم قبل إعلان التمدد أفضل من حالهم بعده !
ولم يستفد البغدادي من الخطأ بل زاده شناعة حين قام بإعلان نفسه خليفة بقصد توحيد المسلمين أيضا ، لكن إعلانه كان سببا في تفرق كلمة المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها وكان أيضا حال المجاهدين قبل إعلان الخلافة أفضل من حالهم بعد إعلانها !!
والبيعة التي يدعو إليها البغدادي هي في ظهرها دعوة إلى الاجتماع وطاعة أولي الأمر ، وفي حقيقتها ومآلها دعوة للمجاهدين إلى نكث البيعة والخروج على الأمراء الذين بايعوهم !
وفي خطابه الأخير لم ينسى البغدادي أن يقدم التحية لأتباعه في أفغانستان واليمن والمغرب الإسلامي الذين انشقوا على أمرائهم وأعلنوا التبعية له ويطلب منهم المزيد !
لكن عينه تعمى عن رؤية المجاهدين في الصومال وما يقومون به من جهاد ضد الصليبيين لأنهم طبعا لم يعلنوا البيعة له !!
إن الدولة البغدادية لا تطالب بالبيعة الشرعية وإنما تطلب بالخضوع لها تحت غطاء الدخول في البيعة الشرعية..
ولهذا فهي تأخذ البيعة بكل وسيلة من وسائل الإكراه بغض النظر عن حجة الممتنع من البيعة.
وهذه هي الطريقة نفسها التي كان الملوك المتغلبون يأخذون بها البيعة ..
حيث يحلّفون الناس على الالتزام بالبيعة بكل الأيمان المغلظة من الطلاق والعتاق والحج ماشيا حتى بالنسبة لمن كان في عنقه بيعة لغيرهم..
لقد أطل علينا البغدادي بفتنته التي شتت الجمع وفرقت الصف ، وجعلت الشباب المحبين للجهاد بين نارين :
إما أن يتنكّروا لشيوخ الجهاد وقادته ورموزه ويقطعوا الصلة بهم ..
وإما أن يتخلوا عن مشروع الدولة في العراق والذي أصبحت مقاليده في يد البغدادي حصريا يتصرف فيه كيف يشاء !
أأخي من عشق الرئاسة خفت ان يطغى ويحدث بدعة وضلالا !
يروى أن هلال ابن يساف قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم المقداد على سرية ..
فلما رجع قال النبي صلى الله عليه وسلم : كيف رأيت الإمارة ؟
قال : خرجت يا رسول الله وما أرى أن لي فضلا على أحد من القوم ‘ فما رجعت إلا وكلهم عبيد لي ..!
قال : وكذلك الإمارة أبا معبد !" أخرجه الحاكم وصححه و وافقه الذهبي .
لقد حاول أعداء المشروع الجهادي اختراقه ببعض الأفراد من الجواسيس المتفرقين هنا وهناك ..
لكن البغدادي هو أول من قام بمحاولة سرقة المشروع الجهادي بالجملة وتسخيره لإرادته !!
كانت الدولة الإسلامية مشروعا للجميع :
القادة..
والجنود ..
والعلماء ..
والأنصار ..
وللمسلمين عموما ..
أما اليوم فلم تعد الدولة لأحد سوى البغدادي..!
وليس بإمكانها التوجه إلى أي جهة إلا بأمر البغدادي ..
وليس بإمكان أحد المساهمة فيها إلا بما شاء البغدادي الذي خرج على القادة الكبار ‘ وأصحاب الرأي والقرار ، واجتهد في تنحية من خالفه من الامراء ‘ وأصم أذنيه عن توجيهات العلماء..
وقام بقطع الطريق على كل من يريد منهم المساهمة في نصرة الدولة وترسيخ دعائمها برأي أو كلمة أو قرار ما لم يكن خاضعا لأمره وهواه ..
فلم يعد هناك من بإمكانه محاسبته أو القول له : لماذا فعلت ؟ ‘ فضلا عن القول له : إفعل .. ولا تفعل !
إذا لم يكن صدرَ المجالس سيد ... فلا خير فيمن صدرته المجالس .
لقد خرجت الدولة من أحضان كل القادة والعلماء لتقع في قبضة البغدادي الذي غدى يعبث بها كما تعبث الصبية بدميتها.
وما قام البغدادي ومن يسانده بإنكار مبايعة الشيخ أيمن الظواهري إلا ليتصرفوا في الدولة كما شاءوا :
خلا لك الجو فبيضي واصفري ...ونقري ما شئت أن تنقري !
تلك هي مدرسة البعث !
وتلك هي الطريقة نفسها التي استولى بها صدام حسين على الحكم ‘ حيث تخلص من جميع رفقائه في حزب البعث الذين شاركوه في القيام بالانقلاب حتى ينفرد بالسلطة ، وقد كان له ما أراد.. !
لقد سعى البغدادي إلى جعل المشروع الجهادي وهو مشروع الأمة مطية لمآربه وطموحاته الشخصية ..
واختطف من الدولة الإسلامية شعارها وإعلامها وجنودها وبعض أنصارها ليبني دولته على أنقاضها ..
تماما كما يفعل المقاول المخادع الذي يغشك في الحديد والاسمنت ليبني به بيت الزبون الآخر ..
لكن دولة الإسلام باقية ودولة البغدادي زائلة ..
فالشعارات الكاذبة سيظهر كذبها ..
والجنود البسطاء سيرجع منهم بعد التبصر من تتكشف له الحقاق .
وإذا نجح البغدادي في خداعهم بعض الوقت ‘ فلن ينجح في خداعهم كل الوقت .
ولن يبقى من العاكفين على صنم "الدولة" إلا المغفل الذي لا يعرف وجهه في المرآة .
لقد فتن الكثير من المسلمين بحزب حسن نصر الله الرافضي وظنوه لسنوات عديدة هو الحامي الفعلي للإسلام والمسلمين !!
وفي النهاية تجلت حقيقة هذا الحزب الرافضي أمام الناس كافة ..
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم .
ظن البغدادي أن الأمر يمكن أن يستتب له بسياسة "يد تسبّح وأخرى تذبّح" ،وان حاله يمكن أن يخفى على المتأمل في حقيقة الأشياء كما خفي على الناظر إلى سطح الماء ، والمخدوع بالظواهر والأسماء ..
لقد أصبحت دولة البغدادي - من خلال شعاراتها وإعلامها المتناقض مع واقعها- كالمريض الذي يبدو لك في الظاهر سليما لكنه من الداخل قد وصل إلى أخطر مراحل المرض ..
ربما ينجح البغدادي عن طريق المال والسلاح في بسط نفوذه على مناطق شاسعة لبعض الوقت ‘ وقد ينجح في استخدام الكثير من المتحمسين لمشروعه والمخدوعين بالعناوين والشعارات لكن ذلك لا يعني ابدا شرعيته ولا أن دولته هي الدولة الإسلامية المنشودة .
***
هناك سؤال وجيه قد يطرحه البعض وهو :
من أين لنا التأكد من أن ما يقوم به تنظيم الدولة مجرد شعارات لا غير ؟
وجوابا على ذلك أقول :
الأمر هين وميسور !
فحينما نرى من يرفع شعارات الإسلام والشريعة والخلافة ، وهو في الوقت نفسه يخالف الشرع ويستبيح الدماء المعصومة ولا يصغي للعلماء بل يقتل كل من يخالفه منهم ، ويصفّي كل من يقف في طريقه من أهل المعرفة والخبرات ويجعل الحَكَمَ بينه وبين خصومه السيف لا الشرع ، فذلك يعني بداهة أن الشعارات التي يرفعها شعارات كاذبة ..ليس لها في الواقع رصيد !
وإذا رأيت المرء مسرفا في الدماء فلا تسأل عن ورعه في المال ولا تسأل عن معاملته للناس .
إن تنظيم البغدادي بما فيه من عناصر تمتهن التكفير بلا ضوابط شرعية، وتتوسع في مناطاته بلا أسس علمية ،وتنتهج التفكير الخارجي أسلوبا في التعامل مع كل المخالفين ،لا يعدو كونه نسخة مكررة بشكل أكبر من الانحرافات التي حدثت في الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر .
والتنظيم الذي يقتل شرعييه لمجرد أنهم خالفوه وانتقدوه كما حدث مع أبي الوليد المقدسي لا يمكن أن يكون مهتما بتطبيق شرع الله وإن قال ما قال وزعم ما زعم !
لقد ظهر جليا أن توجيهات القيادة المركزية في تنظيم القاعدة هي التي كانت تضبط سياسة البغدادي وتمنعها من الانحراف ..
فما إن أعلن البغدادي خروجه على أوامر الشيخ أيمن الظواهري حتى أصبحت الممارسات المنحرفة المخالفة للشرع هي السمة التي تطبع عمل جماعته ثم التخبط في السياسة والتكتيك الاستراتيجي ..
وإن حاول التعمية على ذلك بالتعلق بالشعارات لدغدغة مشاعر البسطاء ..
قالوا بأن المرأة القبيحة كلما زادت من وضع الزينة ازدادت قبحا ..
وهكذا نلاحظ أن البغدادي كلما حاول أن يظهر بمظهر الجهادي الأكثر تشددا من تنظيم القاعدة ازداد انحرافا وبعدا عن منهج الجهاد ..
حتى أصبح حال تنظيم الدولة كما قال شقيق بن سلمة في أمراء زمانه :
"إن أمراءنا هؤلاء ليس عندهم واحدة من اثنتين: ليس عندهم تقوى أهل الإسلام، ولا أحلام الجاهلية " شعب الإيمان (10/ 29).
كان تنظيم الدولة يقاد بالشرع وأما الآن فلا شريعة إلا أوامر البغدادي ..!
فبعد أن رفض البغدادي الانصياع للتحكيم‘ وهمش العلماء‘ ورفض الاستجابة لنصائحهم لم يعد أمام جنود الدولة من مرجع سوى اوامر البغدادي ..
ولا عبرة بكلام العلماء لأنهم خصوم الخليفة !!
لكن المخدوع بالشعارات عندما يرى هذا التناقض يقوم بلملمة الجرح على الصديد ويحاول ان يبحث للتنظيم عن مخرج أو يجد له معاذير ومبررات !!
ونقول له : لا تجهد نفسك في البحث عن المعاذير والتأويلات فما كل ليلى هي ليلاك !
ونقول لكل الشباب المحبين للجهاد : "ليس هذا بعشك فادرجي" .
والله أعلم
والحمد لله رب العالمين .
كتبه :
أبو المنذر الشنقيطي
03 رمضان 1436 هـ .