سيدأحمد أطفيل

 

أيمن الظواهري... زرعي يحصده غيري   

إن التاريخ الطويل و الذي مازال متواصل لحكيم الأمة كما يلقبه أتباعه، الشيخ الدكتور أيمن الظواهري في عالم جهاد الحركات الإسلامية، و الخروج على حكّام مصر،  و من بعدهم الخروج على المنظومة الدولية بشكل عام، ليوصله هذا التمرد و التطرف، إلى أن يكون الرجل الأول على رأس هرم أخطر تنظيم إرهابي عرفه التاريخ الحديث، و هو تنظيم القاعدة. 

 لم يتوقع الرجل الثاني من بين المؤسسين لتنظيم قاعدة الجهاد العالمي، أن يجد نفسه فجأة و دون سابق إنذار في مواجهة على زعامة الإرهاب العالمي، مع جيل جديد من الجهاديين، يحملون فكره و يؤمنون إيمان كلياً بطرحه الإيديولوجي، و مع ذلك لا يعترفون بشخصه كقائد عام للجهاد العالمي، كما كان الحال مع الراحل الشيخ المؤسس أسامة بن لادن، بل و صل بهم الأمر إلي أن سحبوا من تحته البساط جهرة، وقالوا له بالحرف الواحد أنهم يحترمون له تاريخه الجهادي لكنهم لا يقرون له بأي سلطة تنظيمية أو  إدارية مباشرة، و لا لسلفه الراحل الشيخ أسامة بن لادن، و أن ما كان بينهم لا يعدو كونه حسن أدب و مجاراة  منهم للتنظيم العريق و قادته، من الرعيل الأول من المجاهدين العرب في أفغانستان، ولم تكن لهم بيعة و لا تنسيق أمني رفيع المستوى مع القاعدة الآم أبداً. 

كما أنهم و أعني دولة العراق الإسلامية سابقاً، لم يستلموا أموالاً و لا ذخيرة، و لم يقدم لهم التنظيم الأم أي خدمات من قبيل التدريبات و الخبرات، و لم تكن بينهم إجراءات إدارية حتى. 

لا شك أنكم تذكرون جيداً الخطاب الصوتي الذي سجله خليفة زعيم جماعة التوحيد و الجهاد أبو مصعب الزرقاوي، المدعو أبو أيوب المصري، و الذي أعلن فيه فك الارتباط الكلي مع تنظيم القاعدة الأم، و كان ذلك في عز فترة قيادة التنظيم الأم من قبل الشيخ أسامة بن لادن، و لم ينكر عليهم زعيم القاعدة أنذك فعلتهم بل باركها و توسم فيها الخير للأمة الإسلامية حسب تعبيره،. 

إذاً الدولة الإسلامية في العراق ليست في رقبتها بيعة للقاعدة الأم، و ليس عليها دين يلزمها قضاؤه، كما هو الحال مع  تنظيم جبهة النصرة، الذي سلحه و موله أمير دولة العراق الإسلامية، و أطلق عليه اسم جبهة نصرة إخواننا في الشام، من هذا المنظور يبرر الدواعش و أنصارهم،  هجمتهم الشرسة على جبهة النصرة، و أميرها أبو محمد الجولاني، و اعتباره منشق فرق شمل الجماعة و شتت جهود الجهاد في الشام و العراق، باتخاذه القرار بمبايعة الشيخ الدكتور أيمن الظواهري، و فسخ بيعته كجندي سابق لدي البغدادي الأول الراحل "أبو عمر" و البغدادي  الثاني "أبو بكر،  

هذه الحالة من التشرذم و الشقاق، التي حصلت في صفوف الجهاديين، يعزي البعض السبب فيها إلي تنامي نفوذ جبهة النصرة، و وجود حاضنة لعناصرها بين السكان في المدن السورية، بالإضافة إلي بناء تحالفات خارج الدائرة السلفية الجهادية، و مع كتائب متفرقة، من بينها الجيش الحر، و ثوار سورية، و غيرهم من الكتائب العسكرية ذات التوجه العلماني المنافي تماماً للطرح السلفي الجهادي، بل إن السلفية الجهادية بشكل عام، تعتبر العلمانيين و الشيوعيين و غيرهم من المنهاج الفكرية السياسية و التي تريد بناء دولة مدنية ديمقراطية، هي مناهج كفرية معادية في طبيعتها لتوجههم الإسلامي السياسي، هذه التحالفات و غيرها دفعت أبو محمد الجولاني بطاقمه الشرعي من سعوديين و أردنيين، و جيشه القوي المكون في معظم أفراده من أبناء سوريا، إلى أن يتخذ القرار الأخطر و الأصعب في تلك المرحلة، و هو إعلان استقلاليته التامة عن دولة العراق و الشام، التي أعلنها أبو محمد العدناني الناطق الرسمي بسم دولة العراق الإسلامية، ثم إعلان أمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني  مبايعة تنظيم القاعدة الأم، بقيادة الشيخ الدكتور أيمن الظواهري. 

    منذ نشأة دولة العراق الإسلامية التي أسسها البغدادي الأول أبو عمر، و بعد ذلك الدولة الإسلامية في العراق و الشام (داعش) و أخيرا دولة الخلافة، التي أعلن عنها خليفتها البغدادي الثاني أبو بكر إبراهيم بن عواد الحسيني القرشي ، هذه الدولة كانت نكالا على حلم الولايات المتحدة الأمريكية بقيام دولة عراقية ديمقراطية  بعد نظام صدام حسين البعثي، كما ستكون في ما بعد كارثية أيضاً على الثورة السورية رغم أنها هي من أنشأت جبهة النصرة، و نصبت أبو محمد الجولاني أميراً عليها، كما ذكرنا ذلك آنفاً، 

 و يعتقد مراقبون أن النظام السوري الأسدي، رغم خسارته لثلثي سورية بسبب تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن كل الكتائب  و الجماعات الجهادية المقاتلة على الأرض في سورية، بما فيها الجيش الحر، تكاد تجمع على رأي واحد، هو أن  تنظيم الدولة بات يشكل خطراً عليهم، و قتاله أولوية أوجب من قتال نظام الأسد، و الميليشيات الشيعية الداعمة له، وقد ذكر ذلك أبو محمد الجولاني في مقابلة تلفزيونية أجراها معه الصحفي أحمد منصور في برنامج بلا حدود، حين وصفهم بالصائلين على الجماعات الجهادية في الشام، و هو أيضاً ما بدأت بوادره تلوح في الأفق، حيث أن المرحلة القادمة هي مرحلة حسم بين القوي المسلحة في سورية، بكل تشكيلاتها و بمختلف مشاربها الفكرية و السياسية، و أن الثوار في سوريا باتوا بالكاد يجمعون على ضرورة إنهاء الوجود الداعشي في سورية، رغم أن المراقب للأحداث و مجرياتها لا يفوت عليه أن تنظيم الدولة يكسب معاركه في الجبهات باستمرار، و قلما يخسر جبهة إلا بعد أن يستنزف القوى المقاتلة ضده كلياً، كما حصل مع عين العرب (كوباني) في سورية و في تكريت عاصمة ولاية صلاح الدين في العراق. 

لم ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل إن تنظيم الدولة لا يخفي أطماعه في أن يكون الوريث الشرعي دون منازع لتركة الراحل الشيخ أسامة بن لادن، و تجلى ذلك في مزاحمة التنظيم الفتي (داعش)، للتنظيم الأم (القاعدة)، في كل مناطق نفوذه التقليدية،  كاليمن و الجزائر و ليبيا و مالي و الصومال..آلخ، بل وصل الأمر بالبغدادي الثاني إلى أن انتقل بعركته مع  الظواهري، إلى عقر داره و مكان نشأة تنظيم القاعدة الأم  في أفغانستان. 

 هذا الطموح الا محدود لأبو بكر البغدادي، جعل الشيخ أين الظواهري يدخل في حالة من الصمت المطبق لم يعهده الرجل من قبل، كما  يصعب التنبؤ بما سينتج عنه هذا الصمت، مع أن هنالك احتمالين يندر ثالثهما: 

 الاحتمال الأول: أن يكون صمت الظواهري هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، و أنه قد يكون يدبر أمراً بليل لاسترجاع ما ضاع منه، أو على الأقل للحفاظ على ما تبقى له من سلطة و نفوذ بعد ظهور تنظيم داعش، و مع ذلك فإن هذا الصمت قد طال، لدرجة أن  اضطر بعض القيادات صغيرة الحجم في تنظيم القاعدة في اليمن، إلى أن تأخذ المبادرة من تلقاء نفسها،  و تعلن رفضها الكلي لأعمال تنظيم البغدادي، و تأكد وقوفها في صف الشيخ أبو محمد الجولاني في سورية و ولائها الذي لا يتزحزح لتنظيم القاعدة الأم. 

و الاحتمال الثاني، أن يكون أيمن الظواهري قد دخل فعلاً في مفاوضات مع تنظيم الدولة حول سبل التعايش بين التنظيمين، و إذا ما كان هنالك سبيل إلى الوحدة من جديد، و من ثم تحديد الأسس التي سيبنى عليها هذا التحالف، و تحت أي قيادة سيكون، فإما أن يكون بقيادة حكيم الأمة كما يلقبه القاعديون، و منظر الجهاد العالمي الأول الدكتور أيمن الظواهري ذو التاريخ الطويل كإرهابي دولي، بدأ نشاطه الإرهابية قبل أن يولد أمير الدولة الإسلامية (داعش) المدعو إبراهيم بن عواد أو أبو بكر البغدادي، كما يحلوا لأنصاره أن يلقبوه أيضاً، أو تحد قيادة الأخير، و الذي استطاع بدوره، و أعني أبو بكر البغدادي، أن يبني إمبراطورية إرهابية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، لكونها الأقوى من حيث الاكتفاء الذاتي (المالي و العسكري)، وذلك منذ أن سقطت في يد التنظيم مدينة كبيرة بحجم الموصل، بكامل عتاد ألويتها العسكرية ذات التسليح الأمريكي عالي الجودة.    

 تنظيم الدولة الإسلامية حقق ما أفنى  الدكتور أيمن الظواهري عمره يحلم أن يحقق عشره، ولم يدخر لذلك سبباً و لا وسيلة إلا جاء بها،  و مع ذلك باءت معظم محاولته بالفشل، منذ أن سعى إلى أن يبني أو يشارك في بناء دولة إسلامية في الشرق الأوسط، ثم يطبق عليه قانون الشريعة السماوية حسب تصوره، و هي المسألة التي سبقه لها عكاشة "أبو بكر البغدادي"، و في الأخير يصدق في الظواهري المثل القائل " هي لمن كُتبت له، لا لمن سعى إليها"، وعلى هذه الحال فإن من سعى إليها كان أيمن الظواهري، و من كتبت له كان أبو بكر البغدادي. 

  و الأدهى و الأمر بنسبة لأيمن الظواهري، هو ما حصل في أرض الكنانة (مصر)، حيث فشل الظواهري في كل محاولاته السابقة و اللاحقة، أن يستميل جماعة أنصار بيت المقدس المصرية منذ تأسيسها، و في الأخير تفاجئ هذا الجماعة العالم  بإعلان حل نفسها لصبح ولاية  تحت مسمى "سيناء"، ضمن ولايات خلافة البغدادي التي تنتشر في العالم الإسلامي، كما تنتشر النار في الهشيم، على مرأى و مسمع من أمير تنظيم القاعدة الشيخ الدكتور أيمن الظواهري. 

 

سيدأحمد أطفيل 

صحفي موريتاني مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية - نيويورك 

 



Created: 08/06/2015
Views: 822
Online: 0