بسم الله الرحمن الرحيم

 

[ مسألة الحرق ]

للشيخ حسين بن محمود حفظه الله

14 ربيع الثاني 1436 هـ

QzrXmd.jpg

 

من مبكيات زماننا أننا نبحث في أمور دقيقة في وقت تحدث فيه حوادث عظام تقتضي تظافر الجهود وتركيزها للخروج بالأمة من هذه الأزمة التي حلّت بها إذ غزاها جنود الصليب واليهود والرافضة والنصيرية والمجوس والبوذية وأهل الردّة وكل أمم وملل الكفر التي تداعت عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ..مشكلتنا في بعض الأدعياء وبعض الأغبياء وبعض المندسين الذين يُشغلون المسلمين بمسائل فقهية لا يسع الناس الإشتغال بها وترك هذه الكوارث التي تصيب الأمة شرقا وغرباً ، فأين عقل بعض الناس وأين فهمهم وأين منطقهم مما يحدث ومما يشغلون الناس به !!

هل انتهت قضايا الأمة حتى نبحث في مسألة جواز حرق رجل حربي صائل على المسلمين داخل تحت راية الصليب يقذف حمم النار على أطفال المسلمين وبيوتهم في الشام والعراق بكل بلادة حس وتحجّر قلب وغياب دين زاعماً أنها أوامر عليا ، ولا ندري من أعلى من الله تعالى الذي أمره بعصيان كل أمر يخالف أمره !! هل فعلاً بلغ بنا الجهل أن نبحث في حال رجل كافر مرتد داخل تحت الراية الأمريكية الصليبية لقتل المسلمين وسفك دمائهم وإلقاء الصواريخ الحارقة عليهم !!

هل وصلت بالبعض الجرأة أن يزعم أن الدين بريء من حرق رجل حرق أطفال المسلمين بصواريخ طائرته ، وحرق قلوب نساء المسلمين بقتله آباءهن وأزواجهن لصالح القوى الصليبية الصائلة على الأمة !! هل بقي في هؤلاء حياء أو خجل من الله أن تكلّموا باسم الدين في أمر اتفق علماء الأمة قاطبة على نقيض قولهم من كفر وردّة من يدخل تحت راية الكفار لقتال المسلمين !! بل بلغ ببعضهم الجرأة أن يترحّم على هذا الكافر المرتد ، وأكثر من هذا وأدهى وأمرّ أن يتألّى بعضهم على الله ويطلق لقب "شهيد" على قاتل أطفال المسلمين وحارق أكباد المسلمات ، فيا لله ما أحقر وأخبث هؤلاء ، وما أرخص الدين عندهم !!

قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (التوبة : 23) .. قال الطبري رحمه الله : "ومعنى ذلك : لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين ، وتدلونهم على عوراتهم ، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء ، يعني بذلك: فقد برىء من الله وبرىء الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر" (انتهى) .. فهذا في الآباء والإخوان وفي إخبارهم عن عورات المسلمين ، فكيف بالصليبيين الأمريكان وبقيادة طائراتهم لقتل المسلمين !!

وقال سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة : 51) .. قال ابن حزم في المحلى : "صح أن قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار ، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين" (انتهى) ..

وقال القرطبي في تفسيره : "أي من يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين فحكمه حكمهم في الكفر والجزاء ، وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة ، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين" (انتهى) ..

قال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله - في "كلمة الحق" : " أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون ، قلّ أو كثر ، فهو الردّة الجامحة ، والكفر الصّراح ، لا يُقبل فيه اعتذار ، ولا ينفع معه تأوّل ، ولا يُنجي من حكمه عصبية حمقاء ، ولا سياسة خرقاء ، ولا مجاملة هي النفاق ، سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء. كلهم في الكفر والردة سواء" (انتهى) ..

وقال الشيخ ابن باز - رحمه الله - في الفتاوى (ج1) : "وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم" (انتهى)

قال الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي رحمه الله : أما مظاهرة الكفار على المسلمين ومعاونتهم عليهم فهي كفر ناقل عن ملة الإسلام عند كل من يُعتدّ بقوله من علماء الأمة قديما وحديثا ... وقال : وبناء على هذا فإن من ظاهر دول الكفر على المسلمين وأعانهم عليهم كأمريكا وزميلاتها في الكفر يكون كافراً مرتداً عن الإسلام بأي شكل كانت مظاهرتهم وإعانتهم" (انتهى) ..

انظر إلى قول الشيخ المحدّث أحمد شاكر رحمه الله " بأي نوع من أنواع التعاون ، قلّ أو كثر" وقول الشيخ العقلا رحمه الله "بأي شكل كانت مظاهرتهم وإعانتهم" ، ثم استحضر تلك الطائرة التي دخلت تحت راية أمريكا الصليبية يقودها طيار يدعي الإسلام يقصف أطفال المسلمين بحمم النار ، فأي دين وأي إسلام يبقى لمثل هذا !!

هذا الطيار الحربي الموالي للأمريكان والقاتل لأطفال المسلمين في الشام بالحمم النارية الصاروخية من طائرته الأمريكية : كافر مرتد عن الدين باتفاق العلماء قاطبة ، ومن جهل هذا فليعلم ، ومن علم فليتّق الله في المسلمين وليبيّن حكم الله فيمن تعاون مع النصارى والرافضة والنصيرية ولو بلكمة في هذه الحرب المسعورة على الأمة الإسلامية ، ففتاوى علماء الإسلام واضحة ، والأمر أظهر من أن يُبيَّن عند من له ذرّة عقل أو فضل رشد ..

أما مسألة الحرق ، فهي من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم ، ولكن أصل الحرق موجود في الشريعة خلافاً لمن قال بأنه ليس من الدين ، فهذا القول كذب وافتراء على الملّة ، ولا يُفلح من يكذب على الله تعالى ، فهل يتّعض البعض ويُدرك خطورة كلماته وتصريحاته وبياناته التي لا تصب إلا في صالح أعداء الله ، لا كما يعتقد من أنه يدافع عن الإسلام فينفي عنه "الإرهاب" و "الوحشية" كما يزعم ، فهذا جهل بأصول الشريعة في مسألة الجهاد وجهل بمقاصد الجهاد ..

جاء في أحكام القرآن للجصاص (ج1) : "باب كيفية القصاص" : " قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} ، وقال في آية أخرى {والحرمات قصاص ، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ، وقال {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ، فأوجب بهذه الآي استيفاء المثل ولم يجعل لأحد ممن أوجب عليه أو على وليّه أن يفعل بالجاني أكثر مما فعل . واختلف الفقهاء في كيفية القصاص فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : على أي وجه قتَله لم يُقتل إلا بالسيف ، وقال ابن القاسم عن مالك : إن قتله بعصا أو بحجر أو بالنار أو بالتغريق قتله بمثله ، فإن لم يمت بمثله فلا يزال يكرر عليه من جنس ما قتله به حتى يموت وإن زاد على فعل القاتل الأول" (انتهى) ..

فالذي يُلقي بالحمم النارية من السماء على أطفال المسلمين كان حقاً على أولياء هؤلاء الأطفال أن يحرقوه بالنار كما حرق أبناءهم ..

 

وفي جامع العلوم والحكم لابن حجر (ج1) : "واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين : أحدهما قصاص ، فلا يجوز التمثيل فيه بالمقتص منه بل يُقتل كما قَتَل ، فإن كان قد مثّل بالمقتول فهل يُمثّل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف ؟ فيه قولان مشهوران للعلماء : أحدهما أنه يُفعل به كما فعل ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه ، وفي الصحيحين عن أنس قال "خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها رمق ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلان قتلَكِ ؟ فرفعت رأسها ، فقال لها في الثالثة : فلان قتلك ؟ فخفضت رأسها ، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين" ، وفي رواية لهما "فأُخذ فاعترف" ، وفي رواية لمسلم "أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حُليّ لها ثم ألقاها في القليب ورضخ رأسها بالحجارة فأُخذ ، فأُتِى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يُرجم حتى يموت ، فرجم حتى مات" (انتهى) .. رجمٌ حتى الموت لأنه رجَم . وحرق حتى الموت لأنه حرق ، والحرق في القصاص هنا قول مالك والشافعي والمشهور عن أحمد ، فكيف يقول البعض بأنه ليس من الدين !!

وجاء في شرح البخاري لابن بطال (ج5) في شرح حديث "النار لا يعذّب بها إلا الله" : "قال المهلب: ليس نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التحريق بالنار على معنى التحريم ، وإنما هو على سبيل التواضع لله ، وأن لا يتشبه بغضبه فى تعذيب الخلق ؛ إذ القتل يأتى على ما يأتى عليه الإحراق .. والدليل على أنه ليس بحرام : سمل الرسول عين العرنيين بالنار فى مصلّى المدينة بحضرة الصحابة . وتحريق على بن أبى طالب الخوارج بالنار [كذا ، ولعله السبئية ، فإن علياً لم يحرّق الخوارج كما هو معلوم] ، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار ، وقول أكثرهم بتحريق المراكب ، وهذا كله يدل أن معنى الحديث على الحض والندب لا على الإيجاب والفرض ، والله أعلم .. وممن كره رمى أهل الشرك بالنار : عمر بن الخطاب وابن عباس وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك بن أنس ، وأجازه على بن أبى طالب ، وحرّق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردة ، فقال عمر لأبى بكر الصديق : انزع هذا الذى يعذب بعذاب الله . فقال أبو بكر : لا أشيم سيفاً سلّه الله على المشركين . وأجاز الثورى رمى الحصون بالنار . وقال الأوزاعى : لا بأس أن يدخّن عليهم فى المطمورة إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة ، ويحرقوا ويقتلوا بكل قتلة ، ولو لقيناهم فى البحر رميناهم بالنفط والقطران . وأجاز ابن القاسم حرق الحصن والمراكب إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فقط". (انتهى) ..

قال النووي في روضة الطالبين : "يجوز للإمام محاصرة الكفار في بلادهم ، والحصون والقلاع ، وتشديد الأمر عليهم بالمنع من الدخول والخروج ، وإن كان فيهم النساء والصبيان ، واحتمل أن يصيبهم ، ويجوز التحريق بإضرام النار ورمي النفط إليهم ، والتغريق بإرسال الماء ، ويبيتهم وهم غافلون ، ولو تترسوا بالنساء والصبيان ، نظر إن دعت ضرورة إلى الرمي والضرب ، بأن كان ذلك في حال التحام القتال ، ولو تركوا لغلبوا المسلمين ، جاز الرمي والضرب" (انتهى) ..

كان السلف يتباحثون قضية حرق المقاتَلة في وقت كان الأصل في الحروب هو السيوف والرماح ، أما في قوتنا هذا فإن البحث في هذه المسألة هو من باب العبث إذ أن أكثر الأسلحة المستخدمة في الحروب حارقة ، كالصواريخ والقنابل والقذائف ، ولو أننا منعنا هذا فإن العدو يحرقنا ويظهر علينا في لحظات ، فلا وجه اليوم لنقاش هذه المسألة ..

وقال ابن بطال في شرحه تعليقاً على حديث العرنيين (ج5) : "استدل منه البخارى أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء ، أنه أولى بالجواز تحريق المشرك إذا أحرق المسلم . وروى سحنون عن ابن القاسم أنه لا بأس برمى المركب من مراكب العدو بالنار إذا بدءونا بالرمى ، وإن كان فيهم أسرى مسلمين ونساء وصبيان لهم" (انتهى) ..

وفي عدة القاري للعيني على هذا الحديث : "الكرماني : بأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل بهم مثل ما فعلوا بالراعي من سمل العين ونحوه ، ويؤول : لا تعذبوا بعذاب الله ، بما إذا لم يكن في مقابلة فعل الجاني ، فالحديثان لموضع النهي والجزاء . وقال صاحب "التوضيح" : وقد يخرج معنى الترجمة من هذا الحديث بالدليل ، ولو لم يصح سمل العرنيين للرعاء ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما سمل أعينهم ، والسمل التحريق بالنار ، واستدل منه البخاري أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ، ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء ، أنه أولى بالجواز في تحريق المشرك إذا أحرق المسلم . قلت : الأوجه ما قاله الكرماني : بأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل بهم مثل ما فعلوا بالراعي من سمل العين ، وقد ثبت ذلك فيما رواه مسلم من وجه آخر عن أنس ، قال : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم ، أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء" (انتهى) .. فهذا فعل النبي صلى الله عليه ويلم في حرق أعين أناس حرقوا عين راعٍ له ، وفيه دليل على حرق الجماعة بالواحد ..

قال محمد بن عبد الوهاب في الرسائل الشخصية : "وهذه سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خالف الدين ، ممن له عبادة واجتهاد ، مثل : تحريق علي رضي الله عنه من اعتقد فيه بالنار ، وأجمع الصحابة على قتلهم وتحريقهم إلا ابن عباس - رضي الله عنهما - خالفهم في التحريق ، فقال: يُقتلون بالسيف " (الرسائل : ج1) ، فانظر قوله "وأجمع الصحابة على قتلهم وتحريقهم" ثم قارنه بقول من يقول بأن الحرق ليس من الدين !!

أما ما جاء من إنكار عبد الله بن عباس على علي رضي الله عنه ، وقول علي رضي الله عنه "ويح ابن عباس" فقد جاء في شرح النسائي للشيخ محمد الأثيوبي : "زاد إسماعيل ابن عليّة في روايته: "فبلغ ذلك عليًّا ، فقال: وَيْحَ أم ابن عبّاس" ، كذا عند أبي داود ، وعند الدارقطنيّ بحذف "أُمّ" ، وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به ، ورأى أن النهي للتنزيه ، وهذا بناء على أن "ويح" كلمة رحمة ، فتوجّع له ؛ لكونه حمل النهي على ظاهره ، فاعتقد التحريم مطلقًا ، فأنكر. ويحتمل أن يكون قالها رضًا بما قال ، وأنه حفظ ما نسيه ، بناء على أحد ما قيل في تفسير "ويح" أنها تقال بمعنى المدح ، والتعجّب ، كما حكاه في "النهاية" ، وكأنه أخذه من قول الخليل : هي في موضع رأفة ، واستملاح ، كقولك للصبيّ : ويحه ما أحسنه ، حكاه الأزهريّ" (انتهى) .. فالأمر هنا محتمل بين : إنكار عليّ على ابن عباس هذا الإستدراك أو تحسينه وإقراره ، فإن كان الأوّل فإن علياً بقي على رأيه ، وهو الظاهر لأنه لم يُنقل لنا – فيما نعلم - أنه رجع عن ذلك مع سماعه للأثر الذي رواه ابن عباس ، وعلى من قال بالقول الثاني أن يأتي بدليل رجوع علي عن رأيه ، رضي الله عن الصحابة أجمعين ..

وقد قال الزرقاني في هذه الزيادة في شرحه على الموطأ : زاد أحمد وأبو داود والنسائي "فبلغ ذلك عليا فقال ويح أم ابن عباس" ، وهو محتمل أنه لم يرض اعتراضه عليه ورأى أن النهي للتنزيه لأن عليا كان يرى جواز التحريق وكذا خالد بن الوليد وغيرهما تشديداً على الكفار ومبالغة في النكاية والنكال ، ولا يعارض ذلك ما روي "فبلغ ذلك عليا فقال : صدق ابن عباس" لأن تصديقه من حيث التنزيه ، لكن قال أبو عمر : قد روينا من وجوه أن عليا إنما أحرقهم بعد قتلهم" (انتهى) ، قلت : ما قال أبو عمر لا يصح كما قال بعض المحدثين ..

قال القرطبي في المُفهم (ج15) : "من قَتَل بشيء قُتل به . وقد اختُلف فيه ، فذهب الجمهور : إلى أنَّه من يُقتل بمثل ما قَتَل من حجر ، أو عصا ، أو تغريق ، أو خنق ، أو غير ذلك ما لم يقتله بفسق كاللوطية ، وإسقاء الخمر ؛ فيقتل بالسيف. وحجَّتهم هذا الحديث ، وقوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ، وقوله تعالى : {والجروح قصاص} . والقصاص أصله : المساواة في الفعل . ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار ، وفي قتله بالعصا . فجمهورهم : على أنَّه يقتل بذلك" (انتهى) .. فهذا القرطبي يقول بأن جمهور العلماء على أن الحارق يُحرق ، فما بال أقوام يزعمون أن قول الحرق ليس من الدين !!

قال ابن القيّم في إعلام الموقين (ج4) : وقال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك ؛ لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر - رضي الله عنه - أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة، فاستشار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيهم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وكان أشدهم قولا، فقال : إن هذا الذنب لم تعص الله به أمة من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يحرقوه بالنار ، فأجمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يحرقوه بالنار ، فكتب أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى خالد بن الوليد - رضي الله عنهما - بأن يحرقوا ، فحرقهم ، ثم حرقهم ابن الزبير ، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك" . (انتهى) ، وهذا الكلام بنصه ذكره ابن تيمية في كتاب الحسبة ..

وأثر خالد هذا ضعّفه البعض ، إلا أن ابن القيم قال في الجواب الكافي : "وقد ثبت عن خالد بن الوليد : أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا يُنكح كما تنكح المرأة..." (الأثر) ، فهو ثابت عند ابن القيم ، ونحن نعلم أن مثل ابن القيم لا يتساهل في تصحيح الأخبار ..

وقال ابن القيّم في الطرق الحكمية : " أن أبا بكر - رضي الله عنه - حرق اللوطية، وأذاقهم حر النار في الدنيا قبل الآخرة. وكذلك قال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي فله ذلك ... ثم حرقهم عبد الله بن الزبير في خلافته. ثم حرقهم هشام بن عبد الملك" (انتهى) وقال في بدائع الفوائد : " فأجمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوا بالنار ، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقوا ، ثم حرقهم ابن الزبير ثم حرقهم هشام بن عبد الملك" (انتهى) . وقال في روضة المحبين : "وحرقهم أبو بكر رضي الله عنه بالنار بعد مشاورة الصحابة وأشار عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك ، وحرقهم علي وابن الزبير كما ذكره الآجري وغيره" (انتهى)

وقال ابن تيمية في الصارم المسلول (ج1) : " النبي صلى الله عليه وسلم تزوج قيلة بنت قيس بن معدي كرب أخت الأشعث ، ومات قبل أن يدخل بها ، وقبل أن تقدم عليه ، وقيل : إنه خيرها بين أن يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين وبين أن يطلقها فتنكح من شاءت فاختارت النكاح . قالوا : فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت فبلغ أبا بكر فقال : لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما فقال عمر : ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخَل بها ولا ضرب عليها الحجاب .. وقيل : إنها ارتدت فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بارتدادها ..

فوجه الدلالة أن الصديق رضي الله عنه عزم على تحريقها وتحريق من تزوجها لما رأى أنها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى ناظره عمر أنها ليست من أزواجه فكف عنها لذلك فعلم أنهم كانوا يرون قتل من استحل حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم" (انتهى) وقد روى هذه القصة الطبري وان كثير في تفسيريهما ، والمقصود بإرادها هنا أن عمر رضي الله عنه لم يناقش الصدّيق مسألة الحرق ، وإنما كان النقاش عن استحقاق الحرق ..

وفي شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العبّاد (ج14) : "وقد أورد أبو داود رحمة الله تعالى عليه حديث حمزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في سرية وأمره عليها وأنه قال : "إن وجدتم فلاناً فأحرقوه بالنار" فلما ولى ناداه وقال له : "إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه بالنار ؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار" ، فدلّ هذا على أن التحريق بالنار لا يجوز ، اللهم إلا إذا كان على سبيل القصاص ، بأن يكون حرَقَ غيره فيحرق هو . وقد سبق أن مرّ في المثلة أنه لا يمثل الإنسان ، ولكنه إذا قتل بالتمثيل فإنه يُجازَى بمثل ما فعل ويعامل بمثل ما عامل غيره به . إذاً : التحريق بالنار لا يجوز ، وإنما يجوز في حق من قتل بالتحريق فإنه يقتل بالتحريق جزاءً وفاقاً" (انتهى) ..

قال ابن القيّم في حاشيته على سنن ابي داود : "ولهذا كان أصح الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه ما لم يكن محرماً لحق الله كالقتل باللواطة وتجريع الخمر ونحوه : فيُحرق كما حرَق ، ويُلقى من شاهق كما فعل ، ويُخنق كما خَنق لأن هذا أقرب إلى العدل

وحصول مسمى القصاص وإدراك الثأر والتشفي والزجر المطلوب من القصاص ، وهذا مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايات عن أحمد" ... إلى أن قال : "وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم وإن كانت المثلة منهياً عنها ، فقال تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} وهذا دليل على أن العقوبة بجدع الأنف وقطع الأذن وبقر البطن ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل ليست بعدوان ، والمثل هو العدل" (انتهى) ..

وفي كتاب البيان لأبي الحسين العمراني الشافعي : " إذا قتَل بالسيف.. لم يقتص منه إلا بالسيف؛ لقوله تعالى : {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة : 194) ، ولأنه أوحى الآلات . وإن حرقه ، أو غرقه ، أو رماه بحجر ، أو من شاهق ، فمات ، أو ضربه بخشبة ، أو حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات .. فللولي أن يقتص منه بهذه الأشياء ، وبه قال مالك" . (انتهى) ..

قال في المغني (ج8) : "وإن حرقه ، فقال بعض أصحابنا : لا يحرق ؛ لأن التحريق محرم لحق الله تعالى ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يعذب بالنار إلا رب النار" . ولأنه داخل في عموم الخبر. وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال القاضي: الصحيح أن فيه روايتين ، كالتغريق ؛ إحداهما ، يحرق. وهو مذهب الشافعي ؛ لما روى البراء بن عازب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من "حرق حرقناه ، ومن غرّق غرقناه" . وحملوا الحديث الأول على غير القصاص في المحرق" (انتهى) .

وفي فتح الباري (ج32) عن سفيان قال " رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمارا الدهني اجتمعوا فتذكروا الذين حرقهم علي ، فقال أيوب " فذكر الحديث " فقال عمار لم يحرقهم ، ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم ، فقال عمرو بن دينار قال الشاعر :

لترم بي المنايا حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين

إذا ما أججوا حطبا ونارا ... هناك الموت نقدا غير دين

انتهى . وكأن عمرو بن دينار أراد بذلك الرد على عمار الدهني في إنكاره أصل التحريق" .(انتهى) ..

فالتحريق أصله في الشرع ، وهو من القصاص الذي يعاقَب به من حرّق الناس ، وبعض الصحابة كانوا يحرقون تعزيراً ونكاية بالكفار وإرهاباً كما فعل خالد بن الوليد ، والبعض كان يحرق لشدة الإثم والجرأة على الإسلام كما فعل عليُّ والصدّيق رضي الله عن صحابة رسولنا أجمعين ..

جاء في شرح زاد المستقنع لمحمد المختار الشنقيطي تحت عنوان "الجمع بين شرعية المماثلة في القصاص تحريقاً وبين النهي عن التعذيب بالنار" :

السؤال : إذا قلنا بالمماثلة في القصاص لو قتل بالتحريق ، فكيف يجمع بين ذلك وبين النهي عن التعذيب بالنار ؟

الجواب : لا تعارض بين عام وخاص ، فالنهي عن التعذيب بالنار عامٌ ، والمماثلة في التحريق قصاصاً خاصة ؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النحل : 126) ، فهذه مسائل مستثناة ، والفقه أن تنظر إلى الأصول العامة وما استثني منها ، فتجعل الأصل العام كما هو ، وتبقي المستثنى على استثنائه ، وبهذا تكون عملت بشرع الله عز وجل وطبقته ، فالله تعالى قال : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النحل : 126) ، فالنهي عن التحريق نهيٌ عن عقوبة مبتدأة وعقوبة منشأة ، فلا ننشئ العقوبة بالتحريق ، ولا يعذب بالنار إلا رب النار ، ولكن هذا أخذٌ بالجناية والجريرة ، وأمرنا الله عز وجل أن نعاقب بمثل ما عوقبنا به ، ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ينهى عن التمثيل ، وقال لأميره على السرية : "اغزوا باسم الله في سبيل الله ، لا تقتلوا شيخاً ولا صغيراً ولا امرأةً ، ولا تمثلوا ، ولا تغدروا" ، فقوله: "ولا تمثلوا" ، نهي عن التمثيل بالقتلى ، ولما خرج العرنيون إلى إبل الصدقة ، وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذوا المسامير من النار فسملوا بها عين الراعي ، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل بهم مثلما فعلوا بالراعي ، فسمل أعينهم ، وفي رواية : "سمل وسمّر" ، والله تعالى يقول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النحل : 126) ، فهذه أمور وأحوال مستثناة لوجود الموجب بصفائهم.

وبناءً على ذلك : يجوز في هذه الحالة أن يقتص من الجاني بمثل جنايته ، ومن باب المماثلة ما يوجد الآن عندنا من الأكسيد - أعاذانا الله تعالى وإياكم - والمواد الحارقة ، والمواد الكيماوية ، حيث يؤخذ المقتول ظلماً ويصب على رأسه وبدنه من هذه المواد ، أو يربط ويقتل بأبشع الصور ، فيؤخذ مثل هؤلاء المجرمون ويوضعون أمام الناس ، ويفعل بهم مثل ما فعلوا بالمجني عليهم ، ليكون فيه من الزجر والردع ، خاصة في هذه الأمور من القتل الذي توسع فيه بعض الناس ، وفي الجرائم المنظمة ، فهذا لا شك أنه يردع ، ويكون وقعه في النفوس بليغاً ، فالجاني يكبت بجنايته ، ومن تسول له نفسه ذلك يرتدع عن الإقدام في فعله ، وهذا هو مقصود الشرع أن يرتدع الناس ، قال تعالى : {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة : 179) ، قالها أصدق القائلين وأحكم الحاكمين ، بل الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين سبحانه وتعالى ، فإذا اقتص من الجناية بمثلها ، أياً كانت هذه الجناية ما لم تكن محرمة ، فلا إشكال أن هذا أبلغ وأوجب في حصول المقصود شرعاً ، والله تعالى أعلم" . (انتهى) ..

قال ابن عثيمين في الشرح الممتع (ج14) : "يُقتل الجاني بمثل ما قتل به ؛ لعموم قوله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة : 178) ، وتمام القصاص أن يفعل بالجاني كما فعل ؛ لأنه من القص وهو تتبع الأثر ، ولقوله تعالى : {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة : 194) ، ولقوله تعالى : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النحل : 126) ، ولقوله تعالى : {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (الشورى : 40) ، وما أشبه ذلك من الآيات ، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رضَّ رأس الرجل اليهودي بين حجرين ؛ لأنه قتل الجارية الأنصارية برض رأسها بين حجرين [الحديث في البخاري ومسلم] ، وهذا دليل خاص ، والآيات التي سقناها أدلة عامة ، فهذه أدلة من الكتاب والسنة ، ومن النظر أيضاً نقول : كيف يمثل هذا الجاني بالمقتول ، ويقتله بأبشع قتلة ويمزقه تمزيقاً ، ثم نقول له : سنضربك بالسيف ؟! فهذا ليس بعدل ، والله تعالى يقول : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} (النحل : 90) ، إلاّ إذا قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها ، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله ، أو بالسحر ، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت فإنه لا يفعل به كذلك . وقال بعضهم : بل يفعل به ولو كان محرماً ، لكننا لا نفعل المحرَّم ، فمثلاً لو قتله باللواط وما أشبه ذلك فإننا ندخل في دبره خشبة حتى يموت ، وعلى كل حال هذه الصور النادرة يمكن أن تستثنى ، أما إذا رض رأسه بين حجرين ، أو ذبحه بسكين كالَّة ، أو بالصعق الكهربائي ، أو أحرقه بالنار ، فإن الصواب ،ـ ولا شك ، أن يُفعل به كما فعل". (انتهى) ..

وجاء في شرح النووي على مسلم (ج11) نقلاً عن القاضي عياض : "اختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا ، فقال بعض السلف : كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة فهو منسوخ ، وقيل ليس منسوخا وفيهم نزلت آية المحاربة وإنما فعل بهم النبي ما فعل قصاصاً لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك ، وقد رواه مسلم في بعض طرقه ورواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأهل السير والترمذي ، وقال بعضهم : النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام" . (انتهى) .. قلتُ : القول بالنسخ ضعيف مع إمكان الجمع ، فالفعل هنا للقصاص وليس للمثلة المجرّدة المنهي عنها ، وقد يصار إلى أن النهي عن المثلة في الأحاديث للتنزيه وليس للتحريم ، فلا يصار إلى القول بالنسخ مع إمكان الجمع .. قال ابن قدامة في المغني : "(ج10) : "يُكره نقل رءوس المشركين من بلد إلى بلد ، والمثلة بقتلاهم وتعذيبهم" (انتهى) ، فذكر الكراهية ولم يذكر التحريم ..

وفي كتاب المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة لجمال الدين الصردفي الريمي : "مسألة : عند الشافعي ومالك وأحمد وأكثر العلماء إذا أحرقه أو غرّقه أو رماه بحجر أو مِن شاهق فمات ، أو ضربه بخشبة أو حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات فللولي أن يقتص منه بهذه الأشياء . وعند أبي حنيفة والثوري لا يجب القصاص فى هذه الأشياء إلا في التحريق بالنار ، ولا يجوز أن يقتص فيها إلا بالسيف . وعند أحمد فى رواية لا يقتص إلا بالسيف" . (انتهى) ..

فأكثر العلماء على جواز القصاص بالحرق ، وهذا الطيار الخبيث حرق أطفال ونساء ورجال المسلمين بصواريخه التي كان يلقيها على بيوتهم ، فالشافعي وأحمد ومالك وأكثر العلماء يُجيزون حرقه لأنّه حرق ..

وفي شرح الشفا للملا الهروي القاري في نصراني سب النبي صلى الله عليه وسلم : "وفي نسخة في المبسوطة (من شتم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من اليهود والنصارى فأرى للإمام أن يحرقه) من الإحراق أو التحريق (بالنار) أي ابتداء (وإن شاء) أي الإمام (قتله ثم حرق جثته) بضم الجيم وتشديد المثلثة أي جيفته (وإن شاء أحرقه بالنار حيا إذا تهافتوا في سبه) أي تساقطوا وتكرر منهم وتبالغوا ، ولعل التحريق حياً : من باب السياسة" (انتهى) ..

وقال ابن مفلح في " الفروع " (ج6) : "قال شيخنا - يعني ابن تيمية - : المثلة حق لهم ، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر ، ولهم تركها والصبر أفضل ، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد ، ولا يكون نكالا لهم عن نظيرها ، فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان ، أو زجر لهم عن العدوان ، فإنه هنا من إقامة الحدود ، والجهاد المشروع ، ولم تكن القصة في أحد كذلك ، فلهذا كان الصبر أفضل ، فأما إذا كان المغلب حق الله تعالى فالصبر هناك واجب ، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار، ويحرم الجزع ، هذا كلامه و، كذا قال الخطابي : إن مثّل الكافر بالمقتول جاز أن يمثل به" . (انتهى) ..

وهذا كلام جميل لابن تيمية رحمه الله ، وهو الذي يوافق مقاصد الشريعة من إعلاء كلمة الله وإرهاب أعداء الله والنكاية فيهم وتخويفهم وزرع الرعب في قلوبهم كما قال الله عز وجل في كتابه {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأنفال : 57) ، ومعنى ** فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} أي : "ففرّق عن محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم من وراءهم من الكفرة حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد اعتباراً بهم واتعاظاً بحالهم" (قاله الزمخشري في الكشاف) ، وقال البغوي في تفسيره " افعل بهؤلاء الذي نقضوا عهدك وجاؤوا لحربك فعلاً من القتل والتنكيل ، يفرق منك ويخافك من خلفهم" (انتهى) ، فهذا الفعل وهذا الإرهاب من مقاصد الشريعة العظمى التي ذكرها الله تعالى في كتابه في آيات كثيرة ..

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية تحت مادة "إحراق" : "القصاص بالإحراق :

ذهب الشافعية ؛ وهو المشهور عند المالكية ، ورواية عند الحنابلة ، إلى قتل القاتل بما قتل به ولو نارا . ويكون القصاص بالنار مستثنى من النهي عن التعذيب بها . واستدلوا بقوله تعالى : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ، وقوله تعالى : {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ، وبما أخرجه البيهقي والبزار عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث البراء ، وفيه : "من حرق حرقناه" . (انتهى) ..

قال أبوعمر السيف - رحمه الله – وهو أحد تلاميذ الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - وكان قاضياً في الشيشان ، قال في رسالة هداية الحيارى في قتل الأسارى : "وقد وصلنا - عندما كنا في أفغانستان - فتوى لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله مفادها ، عندما سئل عن التمثيل بجثث العدو ، فقال : إذا كانوا يمثلون بقتلاكم فمثلوا بقتلاهم لا سيما إذا كان ذلك يوقع الرعب في قلوبهم ويردعهم والله تعالى يقول {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}" (انتهى) ..

قال ابن تيمية في " الفتاوى " (ج28) : " فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنهما : "ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا إن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا". (انتهى) ..

وممن قال بجواز الحرق قصاصاً في زماننا : الشيخ ابن باز رحمه الله ، والشيخ ابن عثيمين رحمه الله ، والشيخ العلوان فك الله أسره ، والشيخ السعد حفظه الله وغيرهم كثير .. فأصل الحرق موجود في ديننا ، وهو من باب القصاص أو التعزير أو الإرهاب في الجهاد وغيره ، ومن قال بأنه لا حرق في الدين فهو كذّاب مفترٍ على الدين مجازف قائل على الله الكذب بعلم أو بغير علم ، وحسابه عند الله ، ولا أظن أهل الجهاد يلتفتون إلى أمثال هؤلاء الذين يطلبون رضى الكفار والمرتدين بتمييع الدين والافتراء على الله الكذب بزعم السلام الموهوم والرحمة الزائفة والوسطية الكاذبة ..

إن أهل الجهاد في الشام كانوا أرحم بكثير من هذا الطيار الخبيث ، فلا ندري كم قتل وكم عذّب من أبناء ونساء المسلمين في الشام بحممه وناره وصواريخه ، فكان قتله وحرقه في دقيقة أو دقيقتين ، وعذاب أبناء المسلمين بسببه لأيام وشهور وسنوات ، فهذه الصواريخ تتحول إلى حمم نارية لحظة ارتطامها بالأرض فتحرق المكان الذي تسقط فيها وتحرق الناس فيه وحوله ، فأما من كان في المكان مباشرة فإنه يحترق على الفور ويموت من ساعته ، وأما الذين حوله فيحترقون ويُجرحون ويتألمون لساعات وأيام وربما لسنوات ، فأين العدل في القصاص يا أهل الجهاد ؟ وكيف تقتلون أمثال هذا بهذه السرعة دون أن ينال العذاب المستحق له والقصاص العادل في الدنيا قبل الآخرة !!

إن المثلية التي ذكرها الله تعالى في كتابة في قوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} تقتضي أن يُجعل هذا الطيار في بيت أو في ساحة ، فيطير طيارون من الدولة الإسلامية بالطائرات الحربية ويلقوا عليه بالصواريخ من السماء فيحترق مرات ومرات على عدد من قتلهم من أبناء المسلمين ، وبما أن هذا الأمر متعذّر ، جاء قتله أقل بكثير مما يستحق مثله من المرتدين الحارقين لأجساد أطفال المسلمين ..

ليس المقصود هنا استقصاء المسألة من جميع جوانبها ، وإنما المقصود بيان كذب من قال بأن الحرق ليس من الدين ، وبيان أن الصحابة رضوان الله عليهم حرقوا ، وقد نقل البعض إجماعهم في عهد الصديق على جواز الحرق ، وأن جمهور العلماء أجازوا الحرق قصاصاً ، وهي مسألتنا هنا ، فالحرق من الدين ، والقصاص حياة ، والله أمرنا بالإعتداء بمثل ما اعتُدي علينا ، وأن نُعاقب بمثل ما عوقبنا به ، ولم نُؤمر بالخنوع والذلّ والخضوع لبطش الأعداء ، بل أُمرنا بضرب الرّقاب وضرب الأعناق والقتل والإرهاب والغزو ابتداءً ، ومعاملة الأعداء بالمثل جزاء وفاقا .. فالمقصود أن هذا الطيار الحربي مرتد عن الدين بدخوله تحت الراية الصليبية التي قتل من أجلها أطفال المسلمين وحرقهم حرقاً بصواريخه ، وأن ما فعلتهُ الدولة هو شيء بسيط مما يستحقه وأمثاله ، ولو أننا تقصينا عدد من قتل وحرق وشوّه من المسلمين لعلمنا حقيقة ما يستحق ..

 

إن الذين تباكوا على هذا الكافر المرتد (بإجماع العلماء قاطبة) ، وتناسوا آهات وأنّات الثكالى في الشام بسبب قصف الطيران الصليبي الرافضي النصيري اليهودي العربي المرتدّ الحاقد ، هؤلاء {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} من النفاق والخسّة والدناءة والحقارة ، فكم حرق هذا الخبيث من أطفال المسلمين بصواريخيه تحت الراية الصليبية ، وكم قُتل من أطفال المسلمين في الوقت الذي كان فيه هذا الطيار المرتدّ أسيراً في يد المجاهدين ، لمَ لم يبكوا أطفال المسلمين ويشجبوا ويستنكروا ويبيّنوا حكم قتلهم ، وحكم إرسال الطائرات والطيارين وتزويد الطائرات بالوقود وفتح المجال الجوي وتسخير القواعد العسكرية للصليبيين والإنفاق على حملتهم العسكرية لقتل المسلمين ، ولعل أمثال هؤلاء الكذابين يدخلون تحت قول الله تعالى {فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (البقرة : 10) ..

أين هم ممن دعم السيسي بمليارات الدولارات لحرق المسلمين في مصر !! أم أن الفتاوى والتنديدات والتصريحات لا تخرج إلا في المجاهدين ، ولصالح الصليبيين !! أليس حرق الآف المسلمين أعظم عند الله من حرق حربيّ مرتدّ عومل بأقل مما فعل قصاصا !! لا نريد تكفير ولي أمرهم الذي هو تحت الراية الصليبية الكافرة ، ولا نريد تحريم جرمه وإعانته اليهودي ابن اليهودية لقتل المسلمين ، كل ما نريده هو تصريح بسيط منهم يقول لولي أمرهم "عيب يا بابا" .. هذا كل ما نريده ونطمع فيه إن كانوا يملكون الجرأة بالتصريح بهذه الكلمة فقط !! الطائرات تنطلق من بلادهم وبأموالهم لتقتل المسلمين في الشام ثم يتباكون على طيار يقتل أطفال المسلمين بحجّة أن الحرق ليس من الدين !! {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} ..

 

والله أعلم . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ..

كتبه

حسين بن محمود

14 ربيع الثاني 1436هـ

::::::: للتحميل pdf ::::::

http://www.gulfup.com/?Woy5T3

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جمع اخوانكم في النصرة المقدسية

الحساب الجديد بعد الحذف

@heteen7