بسم الله الرحمن الرحيم
نُخْبَةُ الإِعْلامِ الجِهَادِيِّ
قِسْمُ الكُتُبِ وَالمَقَالاتِ

شــذرات من أقبيـــــة الأبالســـــة
مذكرات سجين
الجزء الأول - الطبعة الثانية
2014
إهداء
إلى القابضين على الجمر في زمن الغربة والغرباء..
إلى ضحايا الحرب الصهيوصليبية القابعين خلف الأسوار..
إلى من تجرؤوا على قول (لا) حين قال الجميع (نعم)..
إلى من رفضوا الذل والخنوع في زمن الانكسار..
إلى من يسطرون تاريخ أمتهم ويعيدون صياغته بدمائهم وأشلائهم..
إلى الفارين بدينهم في الشعاب والمغارات والجبال..
إلى العلماء الأسرى الذين رفضوا أن يقتاتوا بكلمات الله..
إلى الشيخ الحجة العالم الضرير الثابت عمر عبد الرحمن..
إلى العلامة الموسوعة أبي قتادة الفلسطيني في سجنه..
إلى شباب الإسلام في مغرب الإسلام الجريح وفي كل مكان..
إلى المجاهدين في كل مكان في مشارق الأرض ومغاربها..
نشد على الأيادي المتوضئة بطهر الجهاد..
اللهم لا تحرمنا أجورهم.. اللهم لا تحرمنا أجورهم.. آمين.
مقدمة لا بد منها
بادئ ذي بدء أنبه القارئ الكريم وأقرُّ وأعترف وأبصم بالعشرة بدل الإبهام وحدها؛ على أنني لست بكاتب ولا من هواتها، بل لم أحاول مجرد المحاولة من قبل، ناهيك أن يخطر ببالي يومًا ما أنا بصدده اليوم من إطلالة "بتفاهاتي" هاته وعرضها على من سيتيسر له الاطلاع عليها من جمهور النت الذي يتزايد عدده يومًا بعد يوم، وهي الوسيلة التي أضحت ملاذ المظلومين وصوت من لا منبر له من أبناء الملل عامة وملة الإسلام خاصة.
لهذا فإنني أستسمح القارئ الكريم على هذا التطفل الذي أُرغمتُ عليه بعد إلحاح شديد من أحد أعزِّ رفاق المحنة والقيد الذي ظل يلاحقني لسنوات عدة مذ قراءته لبعض من خربشاتي التي كنت أخطُّها على ورق خاص أصنعه من علب الحليب الكرتونية بقلم رصاص لا يتجاوز حجمه عقب سيجارة كنا نخفيه بإحكام في ثقب مموّه على جدار مرحاض الزنزانة التي جمعتنا في أيام السجن الأولى، وقبل أن (تفتح لنا الدنيا ذراعيها) ونحصل على أوراق وكتب وحتى التلفاز والهاتف وبعض من الكرامة والآدمية التي انتزعناها بعد سلسلة إضرابات عن الطعام فقدنا فيها بعضًا من إخواننا وكيلوغرامات من أوزاننا وخرج منها الكثيرون بعلل لا تعد وشحناء كادت تعصف بالصف كان الخلاف بشأن التأصيل الشرعي للإضراب عن الطعام سببًا في انطلاقتها وإذكاء جذوتها.
حين اقتنعتُ على مضض بفكرة الأخ السالف الذكر -فرج الله عنه- وجدتني قد فقدت جل تلك الأوراق التي كنت أعمد إلى نقعها في الماء بعد تمزيقها قطعًا صغيرة حتى يسهل جريانها في بالوعة المرحاض خوفًا من "حملات التتار" وهي التسمية التي نطلقها على فرق التفتيش التي يُنتقى أفرادها من بين أخبث وأقذر حراس السجن؛ فلا يتوانى الواحد منهم عن إدخال يده في ثقب المرحاض، ويقرأ بتهجٍّ علب الأدوية، ويعمد إلى خلط مسحوق الغسيل مع حصة العدس، ويقلب كل شيء رأسًا على عقب بغية الاستفزاز.
فاضطررت إلى العودة إلى ذاكرتي المثقوبة كغربال محاولًا عصرها لمقاومة إحدى آفات السجن ومخلفاته الخطيرة على السجين وهي النسيان، مستعينًا ببعض شهادات الإخوة وتجميع وقائع وأحداث وطرائف ليكتمل هذا العمل الذي أحتسبه عند الله عز وجل. وأتمنى أن يوفي الغرض الذي كُتب لأجله من فضح للظالمين، ونصرة للمظلومين واستنصارًا للموحدين، ولنقول ولنرفع عقيرتنا لمن له أذن أو أصغى السمع للنداء..
نحن هنا.. نحن هنا.. نحن إخوانكم.. فلا تبخلوا علينا بواجب النصرة، وأقله الدعاء، والحبيب الصادق المصدوق يقول: فكوا العاني، فكوا العاني.
أعود وأستسمح للمرة الألف القارئ الكريم إن أنا شططت في العبارة أو لم أوفق في الإحاطة بالموضوع كما ينبغي أو زللت وأخطأت فالكمال لله وحده. وكم أكون سعيدًا إن كُتب لتعليقات القراء أن تتسرب وتصلني خلف هذه الجدران بعد كل حلقة تنشر، كما كُتب لمحاولتي هذه أن تتسرب خارجها. خاصة ملاحظات ونقد أهل التخصص في مجال الكتابة الأدبية علِّي أستطيع تدارك بعضٍ من أخطائي في الحلقات التي تليها. فلا تبخل عليَّ أخي وأختي بالمساعدة والنصح والتوجيه حتى يكتمل المشروع ويوفي الغرض والمأمول منه ونقتسم أجر ذلك معًا بإذن الله.
2009
شذرات من أقبية الأبالسة
مذكرات ضحية من زمن الإنصاف والمصالحة المزعومة
1
الرابعة صباحًا.. أفقتُ مذعورًا أرتجف.. كانت الضربات القوية تهزُّ الباب هزًّا عنيفًا.. والجرس يرن دون توقف يوقظ الكامن في قلبي.. ابنةُ أخي الصغيرة تصرخُ في هلع وتتشبث بتلابيب أمها.. شقيقتي تقف مشدوهة مصدومة كالبلهاء وكأنها فقدت صوابها.. وقع أقدامهم يزلزل سقف البيت، ينطون فوق الجدران وأسطح الجيران كأفراد عصابة سطو محترفة.. انهارت والدتي المسكينة وبدأ جسدها يرتجف وهي تبكي وتشهق بحرقةٍ لا مثيل لها من هول الصدمة مرددة: "هذا ما كنت أخشاه يا بني.. هذا ما كنت أخشاه"..
همستُ لها بعد أن عانقتها وأنا ألهثُ كحصانِ رهانٍ مهزوم محاولًا التخفيفَ عنها والتهديء من روعها، لا أدري كيف خرجت الكلمات من فمي: "لقد عادوا.. اصبري يا أمي.. اصبري فلك أجر عند الله"..
ما إن فتح أخي الباب حتى صرعوه أرضًا على ظهره.. تدفَّقوا كالكلاب الجائعة أو الوحوش المنفلتة من أقفاصها، وبدؤوا ينشبون سكاكينهم وأيديهم في الأفرشة والوسائد، وهم يطلقون أقذع الشتائم وألفاظ السوق..
احتجَّ أخي في أدب وخوف قائلًا: "نحن أسرة محترمة.. ولم نرتكب أي جريمة حتى تعاملونا هكذا"..
قال أحدهم: "كلكم تكررون نفس الأسطوانة"
-"اسألوا عنا كل الجيران.. أقسم بالله العظيم"..
قاطعه كبيرهم مرة أخرى: "نحن لا نظلم أحدًا ولا نلفق التهم دون أدلة".. (اللي دار راسو في النخالة كينقبو الدجاج)
شجع الحوار الهادئ نسبيًّا شقيقي وجرَّأه أكثر: "لو سمحتم أريد أن أعرف من أنتم وأريد رؤية إذن الوكيل العام بالتفتيش"..
قهقه قائدهم ثم اقترب منه وجذبه من كم منامته صارخًا في وجهه بعنف:
"تريد الهوية وإذن الوكيل العام يا أستاذ.. خذ ها هو الإذن".. وبحركة خبير متمرن صعقه بعصاه الكهربائية على خده.. خارت قوى شقيقي فسقط أرضًا مغمى عليه.. ازدادت صرخاتُ النساء والأطفال ارتفاعًا دون أن يعبأ بهم أحد..
ثم جرُّوني إلى الخارج حافي القدمين دون أن يمهلوني لانتعال حذائي حتى..
حاولت والدتي المسكينة التشبث بي ومنعهم وهي تبكي وتصيح: "خذوني مكانه إنه مريض إنه مريض"..
حين فشلوا في إقناعها بأني سأعود بعد ساعتين على الأكثر لأن الأمر لا يعدو أن يكون إجراءً بسيطًا وبضعة أسئلة؛ قذفوها كالكرة في الممر المؤدي إلى الدرج وسحبوني.
ها قد عادت الأيام السوداء مرة أخرى.. أين المفر؟ إنه قدري الذي لا مفرَّ ولا فكاك منه.. لكن ما يجري هذه المرة يبدو أنه ليس كالمرات السابقة.. الخطر ماحق.. ومنذ صدور التقرير الأمريكي الذي صنَّف أبناء هذا البلد على رأس قائمة من يعكِّرون صفو حلمهم بمشروع عالم إسلامي جديد ويضنكون عيشهم بدمائهم وأشلائهم على أرض الرافدين.. صاروا منذ ذاك الحين كالكلاب المسعورة.. "حرك السيد السوط فضاعف العبد المجهود".
هل نصيبي أن أعاني مرة أخرى وأتعذب.. فلم أكد أصدق أن خلاصي منهم قد حان حتى وقعت بين أيديهم من جديد..
الصدمة والمفاجأة تسيطر علي، رجحتُ أن الأمر قد كُشف.. كنت على وشك الرحيل إلى غير رجعة.. نعم إلى غير رجعة.. قررت أن أترك لهم الجمل وما حمل، وإن كنت لا أملك لا جمل ولا حمل.. بل حتى ثمن كيلو من شحم سنامه لم أجده يوم احتجته كعلاج شعبي وُصِف لي لتسكين آلام صدري.
وأنا أنزل معهم الدرج.. درج البيت.. خارت قواي.. فشلت ركبتاي.. دارت بي الأرض.. تبخرت أحلامي الجميلة.. واسودَّ كل شيء أمامي.. تبًّا لهم.. لو أمهلوني أسبوعًا فقط.. أسبوعين على الأكثر.. لقبضوا على الريح، ولم يقبضوا علي.
جلبة وضوضاء غير معهودة تعم الحيَّ في ذاك الوقت المتأخر من الليل.. استفاق جل الجيران بعد أن أَرغموا بعضهم على فتح أبوابهم واستعمال أسطح منازلهم للهجوم على بيتنا.. أسلوب لإرهاب الناس وإنذار لكل من تُسوِّل له نفسه شيئًا. الخبثاء يعلمون علم اليقين أنني لست مسلحًا، ولا أُشكِّل أي خطر على أي أحد. والعملية لن تحتاج لأكثر من فردين فقط، أو استدعاء للمثول بين أيديهم. أنا ضعيف البنية، معتل الصحة، رغم هذا فكل أصناف السيارات هنا.. جيش من العمالقة احتلَّ المكان اختيروا بعناية، لا يقل طول الواحد منهم عن المترين، مدججين بالأسلحة.. هالني المنظر وازداد رعبي ويقيني في أنها نهايتي.
وهم يعبرون بي الزقاق الضيق صوب السيارة التي ستقلني نحو المجهول=المعلوم.. تعالى فجأة صياح وصراخ احتجاج.. حمدتُ الله، لا يزال في هذه الأمة من يرفض الظلم ويجهر باللهم إن هذا منكر..
زال عجبي حين عرفتُ مَن يكون ووصلت كلماته مسامعي.. إنه هو، عبد الله. صادفت عودته كعادته في ذاك الوقت المتأخر من الليل وجود الزوار.. منذ فتحت عيني في هذا الزقاق وأنا أعرفه على هذه الحالة.. لا يكاد يصحو إلا في رمضان.. مع ذلك كان يكن لي احترامًا خاصًّا رغم أنني في سن أصغر أبنائه الذين (حركوا)=هاجروا سرًّا للضفة الشمالية بعد وفاة والدتهم وزواجه من بدوية في سن أصغرهم.. لطالما أيقظتني الوالدة في جوف الليل للتدخل وإنقاذها من ركلاته ولكماته كلما عاد ثملًا مهزومًا في حلقات القمار.
في اليوم الموالي كان يعتذر لي أشد الاعتذار ويعدني بالتوبة وعدم التكرار مع التزام الصلاة بمسجد الحي.
يصرخ ويلعن.. يرغي ويزبد مترنحًا وزوجته تحاول ثنيه وإدخاله بيته وهي تردد محاولة إلجام فمه بكفها: (راه أحمق أسيدي ما تديوش عليه، راه أحمق وعندو وراق السبيطار) = إنه أحمق يا سيدي لا تلتفتوا لكلامه، إنه أحمق وعنده أوراق المستشفى التي تتبث ذلك.
وهو يقاومها ويصيح: (الأحمق هو أبوك.. هذا دري زوين ما عمرنا شفنا عليه شي حاجه خايبه. غير الدار للجامع الجامع للدار.. سيرو شدوا كروش الحرام.. آش بغيتو عندو آولاد الق..) = هذا شاب طيب لم نر منه شيئًا سيئًا.. من البيت للمسجد ومن المسجد للبيت.. اذهبوا وألقوا القبض على أصحاب البطون المنتفخة بالحرام.. ماذا تريدون منه يا أبناء العاهرات..
لم يكد يُكمل حتى رُفع في الهواء.. ذاب صراخه وسبابه ونحيبه وسط هدير محرك السيارة التي أركبوني إياها..
ستصير واقعته لا شك حديث المجالس وقد تغطي بعض الشيء على حكايتي مع إضافة المزيد من البهارات والتوابل بقصد التشويق والمتعة وتجزية الوقت وقتل الفراغ.. تبًّا لهم.. لكل المهووسين المسكونين بالإشاعة والمبالغة.. حتى والدتي كادت بدورها أن تصدق ما روَّجوه عن وجود أسلحة ومتفجرات في العلب الكرتونية التي جمعوا فيها كل كتبي وأشرطتي وحاسوبي المتهالك، وحرصوا كل الحرص على إظهارها واستعراضها أمام الجيران قبل شحنها بكل عناية في سيارةٍ خاصة محروسة غير تلك التي أقلَّتني..كان أول ما سألتني عنه في أول زيارة لي بعد إحالتي على السجن هو محتوى العلب الكرتونية التي أخرجوها من غرفتي.
أجلسوني في وسط المقعد الخلفي.. أحاط بي اثنان من الغلاظِ الشداد، واحدٌ عن يميني والآخر عن شمالي.. كبلوا يديَّ للخلف في عنف وقيَّدوا رجلي بأصفاد خاصة بالأقدام.. تذكرتُ زمن العبيد المرحَّلين قسرًا من أوطانهم صوب العالم الجديد أمريكا بعد الاكتشاف.. تفو.. تفو.. تفو.. ألف مرة على هذا الكريستوف كولومبوس مكتشف هذا الطاعون.
أدخلوا رأسي في كيسٍ خانق..كلُّ شيء يتم ويسير على الطريقة الأمريكية الهليودية.. لها الريادة في كل شيء.. إنه زمن العبيد.. زمن أمريكا.. ومحاكاة أمريكا.. ونصرة أمريكا.. والويلُ والثبورُ لمن غضبت عليه اللقيطة الشرسة.. حبل صدَّام ما يزال متدليًا يتأرجح لتذكير كل من سوَّلت له نفسه العصيان.
انطلقتْ كالسهم تشقُّ هدوءَ الليل البهيم.. رنَّ الهاتف.. أجاب أحدهم: نعم سيدي.. نعم سيدي، الأمانة معانا.. كن هاني سيدي.. بعد انتهاء المكالمة أنزلوا رأسي بين ركبتي بعنف وشدة.. تقوَّس ظهري.. ضغطوا عليه بقوة مع كلمات تحذيرية.. كلما حاولت التململ زاد مَن بجواري في الضغط عليَّ أكثر وضرب بقبضة يده الغليظة على قفاي.. (نزل لمك راسك لتحت..)
رن المحمول من جديد.. (نعم سيدي احنا في الأوتوروت)=الطريق السيار.. عرفتُ الوجهة، زاد هلعي وانقباض صدري.. خفقان قلبي.. وبدأ مغص بطني الفظيع في مثل هذه المواقف.. يبدو أن القوم مستعجلون متلهفون للقائي.
تمتمتُ ببعض الأدعية: أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق.. اللهم إني أجعلك في نحورهم وأعوذ بك من شرورهم.. أحسَّ بي من بجانبي فخاطبني ساخرًا: (سمعنا باش نقولو وراك آمين)=سمِّعنا لنؤمن على دعائك.
غصَّ ما تحت السماوات وفوق الأرضين بعيون المخبرين..
لكل إنسان لدينا تهمةٌ تمشي ويمشي معها ألف كمين..
نصفها في داخل السجن ونصفٌ خارج السجن سجين..
ليتني رحلتُ معه ولم أتأخر..
"نموت مع الرجال خير لنا من هذا الجحيم الذي لا يطاق".. هكذا كان يحدثني ويكرر على مسامعي صديق المحنة الأولى (ع) منذ أطلقوا سراحنا بعد ثلاثة أشهر من العتمة والعذاب والبشاعة.. هنيئًا لك يا (ع) لو كنتَ هنا لساقوك لكن يبدو أنني سأؤدي نيابة عنك، والأداء لا شك أنه سيكون عسيرًا هذه المرة.. رأيت ذلك في عيونهم ولمسته من تصرفاتهم وشراستهم.
"لم تعد البلد بلدنا والأرض أرضنا، أصبحنا كالمصابين بالجذام المعدي.. الكل صار يفر منا خوفًا من الشبهة ومن بطش خفافيش الظلام.. حتى الأقارب يخافون من زيارتنا، ويتحرجون من زيارتنا لهم وصلة أرحامهم بل إن بعضهم يفكر في تغيير اسمه العائلي"..
كنت أتهمه بالمبالغة وأنعته بالموسوس حين كان يحدثني أنهم قد دسُّوا لنا العيون والآذان في كل مكان، وكان يُقسم لي أنهم لن يتركونا في سلام وأن التهمة لن تفارقنا حتى وإن ولجنا قبورنا.. ويستدل لي على ذلك بحادثة حسن الذي غيَّبوه شهورًا عدة، وبعد أن تركوه مات في حادثة سير غامضة على الطريق الرابط بين العاصمة ومدينة القنيطرة.. كل من شيَّعوا جنازته أو زاروا قبره للترحم عليه ابتلعهم الأخدود.
ويتابع قائلًا: "لا تغتر أنهم أطلقوا سراحك.. والله لم يتركوك إلا ليعيدوك بملف ضخم هذه المرة بعد أن تكون طعمًا لغيرك كما فعلوا بفلان.. وفلان.. وفلان.. وعلان.. ليس أمامنا إلا أن نتحوَّل إلى جواسيس أو نرحل إلى أرض بعيدة.. بعيدة جدًّا".
ثم يتابع في إلحاح وحماس محاولًا إقناعي: "أنسيت ما قاله لك (الحاج) في آخر استدعاء؟ ألم يقل لك أن من مصلحتك ومصلحة البلاد أن تتعاون معهم.. ألم تفهم ماذا يقصد بالتعاون؟"
انتفضتُ يومًا في وجهه أو اصطنعتُ ذلك لاستفزازه ودفعه للإفصاح عما كان يدبِّره في الخفاء دون إخباري.. نفس الشيء كنت أفعله، هكذا علمتنا التجربة السابقة.. المعلومة في وقتها وعلى قدر الحاجة لا على قدر الثقة. ثم شرعت أحدثه عن حب الأوطان وأسرد عليه بعض ما قاله الشعراء وكبار الأدباء في ذلك مما علق بالذاكرة من أيام الاحتفالات المدرسية بالأعياد الوطنية التي لا تكاد تنتهي من كثرتها..
فرد عليَّ ردًّا فاحمًا: "اسمع يا أخي.. إن شعراءك هؤلاء لم يُجلسوهم على قارورة ولم يدخلوا العصي والأقلام في مؤخراتهم.. لم يحاربوهم في أرزاقهم ولم تطاردهم عيون المخبرين والجواسيس في كل مكان.. تصوَّر حتى المعلمة صارت تسأل ابنتي عن تفاصيل حياتنا ومعارفنا وطعامنا.. الحرارة أحسها هذه الأيام تقترب منا أكثر فأكثر، لم أعد أشعر بالأمان والاطمئنان هنا.. البلد صار كسجنٍ كبير ونحن في حالة سراح مؤقت فقط.. الأصدقاء يتخطفون من حولنا كما تخطف الطير، وفي صباح كل يوم تلوك الألسنُ قصة أحدهم وسيناريو اختطافه.. لا أريد أن أموت بحسرتي خلف جدرانهم" ..
"لماذا لا نحاول المقاومة؟ نتصل بالجمعيات والحقوقيين.. نحكي لهم ما نعيشه من تضييق وحرمان حتى من كسب قوت اليوم.. ونسألهم الوقوف إلى جانبنا" ..
قهقه في سخرية وأجابني إجابةَ قانطٍ يائس من الجميع، لكنه واقعيٌّ ومدرك لحقائق الأمور وحجم الخطر الذي كان يتربص بنا:
"رغم ما عانيته أراك لا تزال ساذجًا يا عزيزي. لو كنت شيوعيًّا..أو بوذيًّا.. أو شاذًّا جنسيًّا لخرجت المسيرات ونُظِّمت الوقفاتُ الاحتجاجية من أجلك ولناصرك العالم. أما وإنك قد صُلبت على لائحة المتهمين بالإرهاب فلن يبكي عليك غير أمك.. حمزة لا بواكي له يا أخي.. لا تغرنك الشعارات، انتهت سنوات وعهد الرصاص وجاء عهد الفولاذ" ..
ثم يشرع كعادته يوضح لي الفرق بين الحديد والفولاذ وأيهما أصلب..
"أين المفر وأي أرض تقبل أن نمشي فوقها والعالم كله قد تكالب وتعاون، حتى خلافاتهم وضعوها جانبًا لما صار العدو أمثالنا.. وآخر ما أسمعوني إياه بنبرةِ الواثقِ في نفسه قبل أن يُخلوا سبيلنا المشروطَ في المرة السابقة هو: لو صعدت إلى القمر لجئنا بك في كيس مختوم محكم الغلق.. لا تحاول اللعب.. فعلها غيرك وفشلوا.. فالعالم أصبح قرية صغيرة.. ويدنا طويلة"..
-ثم كيف السبيل والواحد منا لا يستطيع التحرك مسافة عشرين كيلو دون أن يخبرهم بذلك ويخضع لسين وجيم.. ومن أين لنا بجوازات السفر.. و.. و..
قاطعني قائلًا، مفصحًا عما ظل يحوم حوله من مدة، وظللت أنتظره منه وأستدرجه للإفصاح عنه، مختبرًا رد فعلي ومدى استعدادي وتجاوبي مع المشروع: "ليس لنا إلا أن نلحق بمن سبقونا، بطن الأرض خير من ظهرها في زمن الذل هذا.. ميِّتون.. ميِّتون.. فلنمت بشرف بين الشرفاء".. تابع في حماس لما لاحظ اهتمامي: "بلاد الرافدين.. بلاد الرافدين.. أراها في منامي ويقظتي.. ستندم وتقتلك الحسرة إن هم أعادوك هذه المرة.. انظر حولك.. أين تعيش أنت.. ألا ترى وتسمع كل يوم سيناريوهات الخلايا المزعوم اكتشافُها والتي تتناسل ولا تكاد تنتهي تحت شعار الضربات الاستباقية؟ غدًا أو بعد غد ستكون واحدًا من أفرادها.. بل بقدرة قادر سيجعلونك أميرًا على إحداها".
واصل في حماس: "أنا أتدبر أمر الطريق والجوازات.. أما المال فنتدبره معًا".
كنت رغم تظاهري بالتمنع واللامبالاة واثقًا في قرارة نفسي بصواب كل كلمة يتفوَّه بها المسكين، بل كنت قد بدأتُ البحث والتحري عن الطريق والوسائل الموصلة إلى هنالك، خاصة بعد أن وصلتني رسالة (خ) الإلكترونية المشفرة والتي جاء فيها بعد مقدمة ملؤها الشوق والمحبة والترغيب في اللحاق بالقافلة:
".. تحررت من الخوف، العقبى لكم.. العقبى لكم.. تصوَّر رغم حمم النيران التي تقذف بها أحدث آلياتهم على رؤوسنا ورغم الموت الذي يحيط بنا في كل ناحية.. وجحافلهم وعملائهم.. رغم كل شيء أقسم لك أنني أحس بالحرية والأمن أكثر بكثير مما كنت أحسه وأنا معكم هناك".
ثم ختم رسالته بقوله: "لا تصدقوا أبواقهم المسمومة، والله إنهم بعدَّتهم وعتادهم يفرون من أمام الشباب الحافي الأقدام والذي لا يجد أحيانًا غير التمر والماء كوجبة لأيام متتالية، يفرون كالجرذان المجنونة ذعرًا.. العقبى لكم.. أوصيك لا تتأخر عند أي فرصة.. أنا الآن أشتغل في مجالي وأخرج بين الفينة والأخرى مع الشباب لصيد الخنازير وقنصها.. لا تخف، أعرف ما يدور بذهنك الآن؛ فرغم النظارات الطبية فقد أصبحتُ قناصًا ماهرًا.. نحن في نعمة وسعادة لا تعدلها نعمة في هذه الدنيا.. دعائي لكم بالفرج والتوفيق فلا تنسونا من دعائكم.
أخوكم خ.
2
كانت تلك آخر رسائله، انقطعت بعدها أخباره عني.. أحسستُ حينها بغربةٍ ووحدةٍ قاتلة ظلت تحاصرني من كل الجهات.. كنتُ عن طريقه أتنسمُ أخبار الأحبة، أعيشها لحظة بلحظة.. أفرح لأفراحهم، وأحزن وأبكي أحيانًا طويلاً لأحزانهم وحسرة على عدم اللحاق بهم. حين حدثني عن ملحمة الفلوجة الأولى، وعن جوعهم وعطشهم لأيام عدة.. عافت نفسي الطعام وفقدت شهيتي.. كنت كلما جلستُ أمام المائدة تذكرتهم.. تذكرت حكاية الشباب الذين حملوا أرواحهم على أكفهم حين تطوَّعوا لخرق الحصار المضروب لجلب جرعات ماء لإخوانهم، وكيف مرُّوا من بين دبابات الصليبيين وآلياتهم وسمعوا أصواتهم وقرع أكوابهم وآنيتهم دون أن يفطنوا أو يحسوا بهم وكأنما غشيت أبصارهم وجعل في آذانهم وقر.. كانت تلك كرامة من عشرات الكرامات التي حدثني بها وعن تفكيره في جمعها وتدوينها حين يجد فرصة ووقتًا لذلك..
رأيته في منامي بجناحين يطير ويخاطبني مبتسمًا، مشيرًا بيمينه مناديًا: الحق بنا لقد تأخرت، ولا تنس الوصية.
استفقتُ مرعوبًا مذعورًا كعادتي مع كل حلم أتصبب عرقًا.. قلبي يخفق بسرعة وأكاد أسمع ضرباته: اللهم اجعله خيرًا. أي وصية يقصد؟! رسائله التمويهية أرسلها بانتظام لأسرته! لم أرهق نفسي في حلِّ رموز الرؤيا وتأويلها.. رأسًا توجهتُ صوب الإنترنت.. الأيقونة تشير إلى أن لدي رسالة جديدة، أحسست بنشوة من فرح لم تدم طويلًا.. لم يكن عنوان المرسل عنوانه.. وبريدي هذا لا يعرفه أحدٌ سواه.. ارتبتُ في أمرها مما جعلني أتوقف عن فتحها إلى أن استعنت بما أعرفه من إجراءات الحماية الأمنية الإلكترونية في مثل هذه الحالات.. ثم توكلتُ على الله وفتحت الرسالة.. تسمرت حينها مكاني وأحسستُ بحمام عرق بارد يغسل كامل بدني، أعدتُ قراءتها بسرعة واضطراب.. رسالة من دون مقدمات.. وجمل متقطعة.. يبدو أن صاحبها كتبها في عجلة وتوتر:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أخوكم أبو ... العراقي مسؤول في هيئة الإعلام، أزف لكم نبأ استشهاد صديقكم وأخوكم (خ) الدكتور، نسأل الله أن يتقبله.. وصيته التي عهد إلي بإبلاغكم إياها هي وبعض صوره وكتاباته ستجدها على هذا الرابط.. لطالما حدثني عنك وانتظر وصولك على أحر من الجمر.. يبدو أنه رحمه الله كان يعزك كثيرًا ولك مكانة خاصة في قلبه الكبير.. أحبه الجميع هنا، مهاجرون وأنصار. منذ دخوله المبكر ارتأى الإخوة أن يضعوه في مكان يناسب تخصصه عملًا بمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، وأبدع وأفاد في مجال الإعلاميات والإلكترونيات ونفع الله به إخوانه وأمته، فكان من تفانيه وإخلاصه لا ينام سوى أربع ساعات في اليوم والليلة حتى هزل جسمه وشحب لونه، فكان كلما طلب منه إخوانه أخذ قسط من راحة يجيب: الراحة هنالك في الجنة ويشير بسبابته نحو السماء.. وكان -رحمة الله عليه- يبكي بحرقة وتأثر كلما همت مجموعة من الشباب بالخروج إلى الميدان حسرة على عدم إشراكه في العمليات وشوقًا للنزال، إلى أن اختير تطييبًا لخاطره -أكثر من أي اعتبار آخر- في عملية الثأر لأعراض المسلمات التي انتهكت في إحدى البلدات.. سجد سجدة شكر وعانقني حين أعلمته ببشرى الاختيار التي كنت حريصًا على أن أكون أول من يزفها له.. لم ينم تلك الليلة من الفرح.. ضحكنا طويلًا وبدا كطفل مرح في يوم عيد أو عريس في ليلة زفافه.. ونحن نستعد للخروج انفرد بي هامسًا: "أحس أنني لن أعود" ، مدني بمفتاح صغير قائلًا: "هنا كل شيء، بريد صديق الطفولة الذي حدثتك عنه، وصيتي، صوري ومجموعة من أشعار وخواطر، أتمنى أن تلح عليه بشدة لتنفيذها حرفيًّا بحذافيرها.. دسَّ يده في جيبه، هذا مبلغ مالي بسيط أهداني إياه الأخ أبو ... الكويتي قبل استشهاده رحمه الله، نصفه سلمه لأسرة أبي ... البغدادي -وكان من أحب إخوانه إلى قلبه- والنصف الثاني اشترِ به أحذية رياضية للشباب -كنا حينها نعاني أزمة أحذية حتى لُقِّبت كتيبتنا بمجموعة الحفاة- .. أما عن قصة استشهاده فقد أبلى -رحمه الله- في ذلك اليوم البلاء الحسن وكان أسدًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. بعد ساعتين من الإثخان في عباد الصليب وأذنابهم، جاءهم الدعم الجوي والبري لفك الحصار عمن بقي منهم حيًّا وإخلاء الجرحى الذين كانوا يصرخون كالنساء الثكالى.. في مثل هذه الحالات جرت العادة أن ينسحب الإخوة في هدوء ووفق الخطة المرسومة والمدروسة سلفًا، وبعد أن تتطوع مجموعة للتغطية على هذا الانسحاب وإشغال العدو.. فكان -رحمه الله- أول المتطوعين فداءً لإخوانه وحماية لظهورهم برفقة ثلاثة شباب آخرين.. قُتل الدكتور -وهو اللقب الذي كنا نطلقه عليه- وشاب لبناني من أصل فلسطيني، وعاد عراقي جريح، وآخر فرنسي سليم. حدثنا الأخ العراقي أنه منذ الغزو الصليبي لأرض الرافدين نادرًا ما رأى رجالًا كالدكتور تقبله الله.. قاتل بضراوة حتى نفدت ذخيرته وضاعت نظاراته الطبية، وظل يناور من خندق لخندق ومن بيت لبيت لصرفهم عن الإخوة المنسحبين وشغلهم عنهم إلى أن أصيب في كتفه وصدره. حاول الأخ الفرنسي سحبه لكنه رفض وألح عليه بمساعدة الأخ الجريح والانسحاب الفوري.. لم ينسَ رغم سكرات الموت أن يبلغ سلامه للجميع طالبًا الاعتذار والصفح عن كل ما قد يكون بدر منه في حق أحد.. ثم نطق الشهادتين وابتسم ابتسامته المعهودة التي ظلت مرسومة على محياه رغم خروج روحه.
ختم الناعي رسالته بلا تنسوه وتنسونا من دعائكم وتنفيذ وصيته.
أخوكم أبو ... العراقي خادم المجاهدين.
وأنا أقرأ مناقبه -رحمة الله عليه- وحادثة مقتله كنت أقاوم جاهدًا الدموع المحتبسة في عيني. نسختُ الرابط بأصابع مرتجفة، وأبحرتُ حيث الوصية وما رافقها من صور ومذكرات يوميات وأشعار.. ثم همتُ على وجهي كعادتي حين تنتابني موجة حزن أو حالتي المرضية التي صرتُ بسببها كمن قرأت عنهم يومًا ما ممن سموا (بالمشائين) .. أعتقد أن أرسطو كان أحدهم.
همتُ على وجهي إلى أن وجدتني على شاطئ البحر.. علاقةٌ غريبة صارت تجمعني به مذ غادرتُ السرداب.. لو كلفني بهدِّ هذا الصخر لكان أهون عليَّ من تكليفي إبلاغ أسرته بخبر استشهاده.
كان الوقتُ قد قاربَ غروبَ الشمس التي احمرَّ قرصها وبدت شاحبةً كئيبة وهي تغوصُ بتثاقل في الأفق الأزرق البعيد.. استسلمتُ لبكاء مرير غير مبالٍ بنظرات بعض العشاق الذين تناثروا في المكان.. قد أكون عكَّرتُ عليهم (صفو خلوتهم) .. تجرأ أحدهم فتوجَّه صوبي تاركًا مُرافقته على بعد أمتار.. كانت خطواتها مترددة تنتظر ردة فعلي مع مرافقها لتتشجع على التقدم نحونا أكثر.. يبدو مثقفًا في بداية الثلاثينات من عمره يحمل حقيبة يدوية جلدية ويرتدي بدلة أنيقة بدون ربطة عنق..
"السلام عليكم.."
خنقتني الدموع والشهيق فلم أجبه.
"مالك أخويا تبكي واش خاصك شي مساعد؟"
استمر نحيبي وشهيقي.. أمدني بمناديل ورقية ذات رائحة زكية أخرجها من جيبه.. وأنا أمسح بها دموعي أعاد طرح السؤال مبديًا رغبته واستعداده في مساعدتي. ظن المسكين أنني غريب تقطَّعت به الحبال.. هكذا فهمتُ من كلامه.. تشجعتْ صاحبته وتقدمت نحونا هي الأخرى قد يكون أشار عليها بذلك: "ماذا به.. المسكين؟"
لم تنتظر جوابه، فخاطبته بفرنسية سليمة: "يبدو أنه يعاني من مرض نفسي أو صدمة قوية انظر إلى حركة خده الأيسر"
(Il parait qu’il est choqué ou il souffre d’une maladie psychologique. Regarde sa joue gauche qui bouge).
لا أدري كيف عرفتْ حالتي المرضية حين نطقتْ بها تحديدًا باسمها العلمي الطبي.. قد تكون أخصائية، وربما ساعدتها الأعراضُ التي تظهر عليَّ في مثل هذه الحالة لا إراديًّا من رجفة اليدين وارتعاش الشفتين واهتزاز رأسي كملاكم سابق أو مصاب بمرض الزهايمر.. تلك حالتي كلما توترت أعصابي أو بكيتُ منذ غادرت سراديبهم في المرة الأولى.. شجعت خطواتهما شابًّا آخر ورفيقته ظلَّا يرقبان المشهد من بعيد فتقدما نحوي.. سألوا عن سكناي فلم أجب، عرض عليَّ الثاني إيصالي بسيارته إن أنا رغبت في ذلك.. أكره مواقف كهذه أجدني فيها ضعيفًا عاجزًا مثيرًا لشفقة الآخرين وإنسانيتهم.. أحسستهم يصطنعون ذلك أمام مرافقاتهم.. لم أدرِ ولم أذكر أمام إلحاحهم وأدبهم المبالغ فيه، أو هكذا بدا لي، كيف خرجت الكلمات من بين شفتي المهتزة: "مات أخي.. أخي مات.."
عانقني الأول صاحب الحقيبة الجلدية معزيًا ومواسيًا بكلمات يتداولها الناس في مثل هذه المناسبات وكأنه يعرفني من زمن طويل.. تقاطرت على مسامعي كلمات التعزية والمواساة على الطريقة المغربية في مثل هذه المناسبات والمواقف.. لا أدري كيف كانوا سيتصرفون لو علموا كيف مات وأين قضى.. أبديتُ لهم بلباقة وأدب رغبتي في البقاء وحدي فتفهموا الأمر.. كنت رغم لطفهم أحسهم أثقل من جبل على صدري.. عادوا لخلوتهم وبقيت متسمرًا مكاني أرقبُ قرص الشمس الآفلة أنتحبُ كثكلى فقدت كل أبنائها..
في هذه اللحظة كان من المستحيل أن لا أسترجع شريط ذكرياتي.. أن لا أسترجع شريط ذكرياتي معه.. كلام (الفيلسوف) .. هكذا كنا نلقبه. لا زلت أحتفظ به كعقد ثمين لا يفرط به.. كان دائم الصمت وإذا نطق أرغم الجميع على الإنصات..
" انتباه..انتباه.. سكوت.. سيدي عبد الرحمن المجذوب سينطق بالحكمة"..
هكذا كنت أمازحه منتشيًا فرحًا بقدرتي دون غيري على إخراجه من دوامة صمته وإشراكه في نقاشاتنا اللامنتهية التي لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ من جديد.. وتنتهي بخصومات ثم حفلة عناق للتسامح والاعتذار..
كنت أكنيه بـ"ولد دانون" أو الدجاج الرومي، فكان يجيبني متحديًا سأصبح بلديًّا رغمًا عن أنفك.. بعد أن أصبحنا من رواد بيوت الله زادت علاقتنا توطدًا.. لم نكن نفترق إلا عند النوم، قال لي يومًا: "أحس أن لا أحد يفهمني في هذا العالم سواك".
لم يعرف الفقر كما عرفته، فكان ينفق إنفاق من لا يخشاه.. ويعرف كيف يوظِّف ذكاءه المفرط وماله الوفير لإسعاد الآخرين ودعوتهم إلى الله.. شغوفًا.. مندفعًا بقوة لحلِّ مشاكل الجميع، وصفه أحد الأصدقاء يومًا مادحًا كرمه وإنفاقه أنه لم يقل (لا) يومًا إلا حين ينطقها في شهادة التوحيد.. فكنت حين أجوع أو أحنُّ إلى إحدى أجود أنواع الحلويات المنزلية المحشوة جوزًا ولوزًا وفستقًا؛ أواعد (ع) عند حاتم الطائي بعد أن نهاتفه فيفرح بذلك..
بعد غزو التتار الجدد لبلاد الرافدين لم يعد يذوق طعم النوم.. دائم البحث والسؤال دون ملل عن طريق موصل إلى هنالك.. قال لي يومًا:
"لو وجدتُ من يوصلني إلى هناك وطلب مني نصف ما ورثته عن والدي رحمه الله لاقتسمت معه تركتي دون تردد..أخشى أن يمسنا عذاب الله.. ويستبدلنا لأننا لا نصلح ولسنا بحجم المسؤولية.. أخشى من النفاق.."
حين لاحظ استغرابي من كلامه تلا عليَّ قول الله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير)..
ثم يشرع يذكر لي أقوال المفسرين والعلماء في تلك الآيات واستدلالاتهم بأسلوب سلس، رائع، جذاب، بديع، رغم مروري على هذه الآيات مرات عدة كنت وكأنني أسمعها لأول مرة.. الكلام حين يخرج من القلب يصل مباشرة وبسرعة إلى القلوب.. هكذا قالوا قديمًا..
تلك الأيام.. حين كان الناس يعيشون تحت وقع الصدمة يضربون أخماسًا في أسداس تحسرًا كما ضربها آباؤهم من قبل حين سقوط فلسطين.. وحين صاروا كجمهور انحصر دوره في الفرجة وانتظار نهاية مباراة معلومة نتيجتها مسبقًا.. لا تكاد مؤخراتهم تفارق كراسي المقاهي متسمرين أمام القنوات الفضائية ببلاهة يتابعون تحليلات بائعي الكلام والوهم ومحللي الفضائيات المأجورين.. وفتاوى تؤصل لدمي الحيض والنفاس ولا تلقي بالًا لدم ثالث مهراق.. دم المسلمين على أرض العراق وغيرها. حينها كان رحمه الله يقطع البلاد طولًا وعرضًا، مذكرًا الشباب والدعاة بتعيُّن فريضة الجهاد، وبمسؤوليتهم الشرعية والتاريخية لأنهم طليعة الأمة، وأن التتار الجدد لن يردعهم ويردهم على أعقابهم سوى شباب الإسلام أحفاد القعقاع والمثنى وطارق بن زياد..
اكتشفت فيه حينها ما لم أكن أعرفه رغم عشرتنا التي دامت ما يزيد عن عقدين من الزمن.. شعلة متوقدة من حماس، طاقة دفينة مخزنة انفجرت فجأة، صار يتكلم كخبير متمرس في الإستراتيجية العسكرية والدراسات المستقبلية.. كلما زرناه كان يبسط الخريطة أمامنا وأسهب في الشرح والتحليل بحماس غريب: "انظروا.. منطقة الأنبار وديالى أقرب بقعة في بلاد الرافدين من فلسطين ثلاثمائة كيلو فقط تفصلنا عن القدس إنها فرصة العمر لقد ابتلعوا الطعم.. ستذكرون ما أقوله لكم!"
لم يعد حينها (خ) الذي عرفت من قبل. في تلك الأيام وفي غمرة الحماس والاستعداد حصل الامتحان.. هكذا سماه.. بعد المناداة عليه لتسلم وظيفة جيدة براتب شهري مغرٍ وامتيازات كبيرة تناسب شهاداته العليا.. كان قد ربط الخيوط ووجد الطريق السالك.. قال لي:
"إنه اختبار من الله فهو سبحانه يمتحن عباده ليعلم الصادقين من الكاذبين"
ثم تلا قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين)
"لا أريد أن أكون من هؤلاء القوم الفاسقين"..
لم يتأخر لحظة ورحل عند أول فرصة تاركًا الدنيا والوظيفة وكل شيء خلف ظهره.
أذكر تلك الليلة الأخيرة كأنها البارحة.. كنا أربعة بتنا الليلة في بيت (ز) .. بدا سعيدًا كعريس في ليلة دخلته.. تحدثنا الساعات الطوال.. لأول مرة دون توقف.. تكلم كمن سيموت في اليوم الموالي ويخشى الرحيل دون قول ما كان يحتاج قوله.. ضحكنا طويلًا بعد أن حلق ذقنه وارتدى بدلة إيطالية الصنع بربطة عنق سماوية اللون.. تغير شكله تمامًا، وأجاب على تعليقاتنا الساخرة بكلمات مقتضبة:
"الحرب خدعة.. هل تريدونني أن أسافر بلباس عسكري؟!"
قبل أن يغادر بكى ونحن ننشد بصوت جماعي خافت:
وداعًا أيها البطل لفقدك تدمع المقل
بقاع الأرض قد ندبت فراقك واشتكى الطلل
لإن ناءت بنا الأجساد فالأرواح تتصل
ففي الدنيا تلاقينا وفي الأخرى لنا الأمل
فنسأل ربنا المولى وبالأسحار نبتهل
بأن نلقاك في فرح بدار ما بها ملل
بها أبطال أمتنا بها شهداؤنا الأول
بها الأحباب قاطبة كذا الأصحاب والرسل
فيا من قد سبقت إلى جنان الخلد ترتحل
هنيئًا ما ظفرت به هنيئًا أيها البطل
أي وجه أواجه به أمي الحاجة؟ لا أدري.. وكيف أتصرف في الوصية؟
بالأمس القريب وقبل يومين من تسلمي للرسالة كنت لا أزال أمارس تمويهي وكذبي على المسكينة.. زرتها كالعادة للسؤال عن رفيق الطفولة المسافر إلى ألمانيا.. وهل من رسائل جديدة؟ وكيف هي أحوال البرد هناك؟ في داخلي كنت أشعر بالألم والخجل وهي تحدثني عن رسائله وشوقه وأحوال الطقس التي لم يتعود على قساوتها.. لم تكن تنسى إبلاغي سلامه الحار وشوقه لمعرفة أخباري.. أهز رأسي أمامها ببلاهة مصطنعًا السعادة والإصغاء لحديثها.. كنت أنا كاتب الرسائل (التمويهية) .. هكذا ارتأى رحمه الله قبل أن يرحل.. لم يترك لي أي فرصة لمجرد الاستفسار، وإلا لكنت امتنعت عن هذه المهمة المعقدة والمشبوهة.. ربما تعمد مفاجأتي بذلك في آخر لحظات الوداع، أو ربما لضيق الوقت حين سلمني الورقة الصغيرة وهو في طريقه إلى المطار: "هذا إيميل الأسرة، تصرف اكتب لهم بين الفينة والأخرى رسالة حدثهم فيها عن أي شيء.. عن ألمانيا وظروف الدورة التدريبية وضيق الوقت وكثرة الانشغالات..و..و.."
آخر مرة زرتها.. كانت بعد استشهاده.. ما إن رأتني حتى بكت.. انخلع قلبي من مكانه.. من أخبرها؟ كدت أخِرُّ مغشيًّا عليَّ.. أن تنشق الأرض وتبتلعني أهون علي من أن تكتشف أمي الحاجة ومعها بقية الأسرة كذبي وتواطئي.. كانوا يعدونني واحدًا منهم.. كلما طرقتُ الباب رمت لي مفتاح البيت من الشرفة كما تفعل مع أبنائها وأمرتني بالصعود.. قالت لي مرارًا:
"لا تدري يا بني معزتك عندي والله لو كانت لدي بنت بلا زواج لزوجتك إياها.."
وقفت أمامها مشدوهًا.. سحبتني من بوابة المنزل لفنائه كأنها تريد البوح لي بسر ما.. حدثتني بعد أن أغلقت الباب ودموعها مسكوبة لا تنقطع:
"قلبي يحدثني بشيء ما يا ولدي.. رأيت البارحة خيرًا وسلامًا فيما يرى النائم مجموعة من الجنود اليهود، في أعناقهم الصليب!" لم أشأ أن أصحح معلوماتها وخلطها.. كان الأمر أكبر من ذلك.. "طرقوا بابي وسلموني جثة ابني.. كان مصابًا في صدره ووجهه ودون نظارات.. دمه أحمر غزير كشلال.. وعلى وجهه هالة من نور قوي.. قالوا لي: هذا ابنك.. فصرخت فيهم، قتلتموه يا مجرمين يا قتلة.. قتلتموه.. قتلتموه يا يهود.. قلبي يحدثني بشيء غير جيد.. أنا هكذا دائمًا، غالبًا ما تتحقق رؤاي.. حتى رسائله -تقصد المسكينة رسائلي- انقطعت، والهاتف.. يستحيل أن يكون ابني بخير ولا يكلمنا في الهاتف.. لم يهاتفني منذ سافر سوى مرتين، ورسائله لم تكن تشفي غليلي.. ثم لماذا لا يكلمني مباشرة وأراه بكاميرا الكمبيوتر كما يفعل معي شقيقه من فرنسا مساء كل ليلة..لا..لا..لا.."
كنت كلما حاولت تهدئتها تعثرت الكلمات وانعقد لساني.. خانتني العبارات.. ماذا أقول في مثل هذه المناسبة.. أي موقف هذا وضعتني فيه يا (خ)؟
كنت حينها أغالب شلالات الدموع المنحبسة في مقلتي.. أنقذني من ورطتي وحساسية الموقف رنين هاتفي في جيبي.. غادرت البيت متمتمًا لها بكلمات لم أعد أذكرها.. من يومها وأنا أحاول تفاديها.. ظلت تلك الوصية كحمل ثقيل على عاتقي.. زادت همومي، كربي، أرقي ووساوسي، فكرتُ في عشرات الحيل والطرق لإبلاغ أسرته بالنبأ.. فكنت كلما وضعتُ خطة لذلك وهممت بالتنفيذ، تراجعت.. شيء ما لم أستطع تفسيره كان يمنعني.. عانيت من ثقل المسؤولية وبقيت على ترددي إلى أن تلقفوني من جديد.. ما زلت ليومي هذا تحيرني الرؤيا التي حدثتني بها أمي الحاجة، والدته رحمه الله.. غريب أمرها.. رأتها في نفس الليلة التي بلغني فيها خبر استشهاده.. ازددت يقينًا وإيمانًا بالمقولة الشعبية التي رددتها والدتي مرارًا على مسامعي في ما يشبه جلسات اعتراف كانت تقيمها لي كلما أحست أنني أخفي عنها شيئًا:
"يا بني قلبي يحدثني عنك بكذا وكذا -غالبًا ما كانت تصيب- أفصح يا بني فقلب الأم يعلم.."
حتى في سنوات الطيش الأولى والمراهقة حين كنت أعود من بعض سهرات النزوات العابرة التي كان يقيمها أحيانًا رفاق الدراسة.. ورغم تأبطي للكتب والإدعاء أنني بتُّ عند فلان أو علان لمراجعة الرياضيات.. ورغم كل الإجراءات الاحترازية.. كانت تقول: "اكذب على إنسان آخر، أما أنا فإني أمك عجنتك بيدي هذه.. الله يهديك.. الله يهديك.." ثم تنصرف..
لا شك أن الله استجاب دعواتها تلك فلم تطل فترة النزوات الحمقاء.. سرعان ما أبصرتُ دربي وعفتها..
رغم مرور سنوات فلا يزال الألم يعتصرني كلما ذكرته رحمة الله عليه.. وذكرت إخفاقي في تنفيذ وصيته كما أراد وألح في ذلك.. خبر استشهاده بلغ أسرته بعد سنة من القذف بي وراء الشمس.. وصلني بعض من كلامهم الجارح الذي أسمعوه والدتي حين زارتهم للتعزية.. ما كنت أخشاه تمامًا هو ما وقع.. صرتُ في نظرهم أنا من شجعته على سلك الدرب الذي سار فيه وغررت به و..و..و
رغم كل شيء لم ولن ألوم أمي الحاجة.. إنها أم مكلومة على كل حال.. فقدت بؤبؤ عينها كما كانت تصفه.. فقدت آخر عنقودها المدلل..
ساءت علاقة الأسرتين.. انقطعت بينهما حبال الود، الزيارات، المجاملات.. فتكلم بذلك الشامتون وخاض فيه نمامو الحي ومهووسو الإشاعة.. طبعًا مع إضافة البهارات اللازمة في مناسبات كهذه.
حاولتُ ولا زلت أحاول النسيان.. نسيان الموضوع، فلم أفلح.. عقدة ذنب وصية أعز الأحبة إلى قلبي والتي لم أعمل على الوفاء بها تؤرقني.. ألحَّ بقوة وكرر مرارًا في رسالته -الوصية- عليَّ بالعمل الجاد على توضيب ما كتبه في ساحات المعارك وعلى أصوات لعلعة الرصاص وأزيز الطائرات من خواطره ومشاهداته وكرامات أوصى أن تجمع تحت عنوان (آيات الخلَّاق في جهاد أهل العراق) وتنشر في المنتديات والمواقع.. بعد الليلة السوداء، ليلة اختطافي؛ أحرقت والدتي بمساعدة من أختي التي أرشدتها لمخبأ أوراقي وأقراصي المضغوطة المدسوسة تحت تراب (محبق) نبتة من فصيلة الصبَّار بين عشية وضحاها أصبحتُ حريصًا على العناية بها وكنت حريصًا على أن لا تُسقى ولا يمسها ماء بدعوى أنني قرأت في كتاب للنباتات عن عدم حاجتها له وإمكانية عيشها بدونه لمدة طويلة من الزمن.. وكان حرصي هذا وعنايتي على غير عادتي بذاك النبات الشوكي المهمل هو سبب في كشف شقيقتي لمخبئي.. أحرقوا محتواه، وأحرقوا معه قلبي وآخر أمل في تنفيذ وصية صاحبي الغالي.
3
كلما طوت السيارة المسافة المؤدية إلى (الجحيم)؛ زادت آلام ظهري المقوس بعنف وخفقان قلبي الضعيف ومغص أمعائي.. استحضرت بضع آيات كريمة وأحاديث نبوية عن القضاء والقدر علها تهدئ من روعي، ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.. باب القضاء والقدر.. أعظم أبواب العقيدة التي تجعل القلب مطمئنًا على الدوام..
توقفوا للحظة.. نشطت حاستي الخفية.. محطة الأداء على الطريق السيار بمدينة بوزنيقة.. تخيلتُ القابض واجم الوجه الجالس خلف الزجاج كروبوت صامت يرفع الحاجز الملون بالأبيض والأحمر بضغطة زر بعد الأداء طبعًا.. ترى كم يكسبون في اليوم ثمنًا لاستعمال زفت الحكومة المخوصص هو الآخر ككل شيء في هذه البلاد.. زادت سرعتهم.. زادت آلامي.. تجاوزتهم ناقلة، أو لم تفسح لهم الطريق للتجاوز.. خمنتُ أنها شاحنة يقودها بدويٌّ عنيد بشارب مكسيكي.. فتحوا قواميس السب والشتم والكلام الساقط.. طبعًا وكعادتهم أمُّ المسكين لم تنجُ من وعيد بنكاحها.. هي لازمتهم دائمًا "والله لأفعل في أمك يا ابن العاهرة " أمهات الناس إحدى عقدهم التي اكتشفتُ سببها وأنا في سراديبهم (ودت الزانية لو زنت نساء العالمين، وود ابن الزنى لو أن الناس كلهم كذلك) كنت كلما استعطفتُ أحد كلابهم هناك لعل قلبه يحن: "الله يخلي لك أميمتك آلحاج"
كان يغضب وكأنني أنكأ جرحًا غائرًا فيه فيزيدني جلدًا وهو يلعن أمه قائلًا: "قلت لك يا كلب أنني ابن قحبة لا أم لي وجدوني قدام باب مسجد، لا أريد أن أسمع منك هذا مرة ثانية، مفهوم..!"
أنزل أحدهم زجاج النافذة.. تيار هواء قوي.. "تنحَّ يا ابن العاهرة"..
ترى لو لم أكن معهم ما الذي كانوا سيصنعونه بالمسكين؟! يستطيعون فعل كل شيء.. الأرض أرضهم، والبشر يعتبرونهم كعبيد في ضيعاتهم خُلقوا للخدمة.. ربما أشبعوه صفعًا ولكمًا وسحبوا رخصة سياقته.. هذا أقل ما يمكن أن يصنعوه به حتى لا يتجرأ على تجاوز أو مضايقة سيارات الحكومة وهي تؤدي مهامها على الطرقات في تفانٍ.. أما إن كان من صنف المواطنين الذين يتشبثون بحقهم ويحاولون التصدي والدفاع عنه أمام الجبروت فالتهمة جاهزة لأمثال هذا الصنف الذين يلقبونهم بساخني الرؤوس، تهمة من لا تهمة له في هذه البلاد عقوبتها ما بين ثلاث وست سنوات يسمونها زورًا وظلمًا وجبروتًا (المسّ بالمقدسات) أي المس بالاحترام الواجب للملك. كثيرون من التقيتهم داخل السجن ساقوهم بهذه التهمة.. يكفي أن يشير لك مُقدم حيٍّ أميٍّ.. أو جار ناقم حاسد.. لتجد نفسك خلف الأسوار تُفني زهرة شبابك بهذه التهمة الغبية.. حتى المرأة لم يرحموها والتي خانها التعبير حين مثلت أمام القاضي وسألها عن سبب نشوزها من زوجها فأجابت:
"إنه مجرد عاطل عن العمل بطال يظل في البيت واضعًا رجلًا على الأخرى كالملك لا شغل ولا مشغلة" .. فنالت على كلماتها تلك خمس سنوات فقط؛ لأنها قللت الاحترام الواجب.
فيما ربُّ العزة وملك الملوك يسب نهارًا جهارًا بالليل والنهار بلا حسيب ولا رقيب.. قال لي ولغيري الكلابُ مرارًا: "لو نزل ربكم الذي تعبدونه إلى هذه الأرض لفعلنا فيه.." تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
ارتجاج وخضخضة.. سلكوا طريقًا غير مُعبَّد.. زاد خوفي وتأكدتُ من وجهتي.. يا للهول.. تمارة مرة أخرى.. وما أدراك ما تمارة.. لا أقصد تلك المدينة الصغيرة الوديعة التي كانت تنام في هدوء على ضفاف الأطلسي بجانب العاصمة.. والتي لم يكن القطار ولا الحافلات تتوقف بمحطاتها خاصة بعد ما شقها الطريق السيار إلى شطرين؛ غربي يتوسد البحر، وشرقي يتمنطق بحزام من غابة أشجار الأوكالبتوس.. لم تكن تُذكر تلك المدينة الهادئة إلا حين ذِكر حديقة الحيوانات الوطنية التي توجد عند مدخلها الشمالي حين تريد دخولها من جهة العاصمة. كانت تلك الحديقة هي مفخرتها قبل أن تصفى مؤخرًا بشكل يوضح بجلاء أن كل شيء في هذه البلاد أصبح نهبة لأصحاب الملايين ممن اغتنوا بين عشية وضحاها. فاحت رائحة الفضيحة على صفحات كل الجرائد بعد أن فوتت الأرض التي توجد عليها الحديقة الوطنية لملياردير صاعد بقوة النفوذ والعلاقات مع (الكبار) .. علاقة من يمتلكها فكأنه يمتلك مصباح علاء الدين الأسطوري (شبيك لبيك وكل شيء بين يديك) فوتت له أرض الحديقة وما جاورها من مساحات خضراء بثمن أغرب من غريب.. 10 دراهم.. ثمن زوج جوارب من النوع الرديء.. ما يعادل أورو واحد فقط. وحين فاحت الفضيحة وتكلمت عنها الجرائد وطالبت بلجان تحقيق وذرًّا للرماد في العيون زودوا المبلغ إلى عشرين درهمًا.. أهملت حيواناتها المسكينة وهجرها الزوار بعد أن مسخ الأسد فصار بحجم القط البري، والتمساح كضب بئيس يتغدى على أكياس البلاستيك السوداء، أما القرود المسكينة فصار بكاؤها جوعًا يُسمع من بعيد، أما الضباع فقد اختفت من مدة بعد أن بيعت لمن يطلبنها من نساء علية القوم لاستخدام أمخاخها في وصفات المشعوذين لتضبيع أزواجهن.. وبالمناسبة فجل الجلادين ضباع مضبوعة..
ظلوا لسنواتٍ عدة ينفون وجود معتقل تازمامارت الرهيب ودرب مولاي الشريف وقلعة مكونة وغيرها.. أغلقت سراديب.. وشرعت أخرى لا تقل عنها همجية وفتكًا أبوابها.. واستمرت اللعبة الموروثة عن العهد الماضي، لعبة النفي، نفي وجود أي معتقل سرِّي في البلد وأن كل شيء يمر بوضوح وتحت سيادة القانون. نفس الأسطوانة المشروخة.. واستمر النفي رغم أن المكان أصبح أشهر من نار على علم ونشرت شهادات زواره من أبناء البلد أو من استقدموا من طرف أمريكا للتحقيق معهم هنا بالوكالة.. رغم كل هذا استمر النفي الرسمي، مع مفارقة غريبة في بلد الغرائب وهي أن من تولوا الدفاع عن (حجاج العهد الجديد) وتولوا مهمة نفي وجود معتقلات سرية أيامنا هذه.. هم بعض ضحايا (ومناضلي) الأمس، مناضلي اليسار الشيوعي ممن اكتووا بنيرانها.. بعد ما دجنوا أكثر من اللازم وتمخزنوا أكثر من المخزن نفسه وأصبحوا ملكيين أكثر من الملك.. عالم غريب.. عالم جنون.. عالم منافق..
داس السائق المتوتر فراملَ السيارة معلنًا الوصول.. جفَّ حلقي وازداد خفقان قلبي، جذبوني بعنف إلى الخارج..
"الليلة الزينة من العصر باينه" .. سمعتُ جدتي تكررها مرارًا وفي مناسبات عدة.
أجلسوني على ركبتي في وضع ضرب العنق.. رأسي مدلى للأمام كمن ينتظر السياف.. أرضية معبدة تؤلم.. انتهت مهمتهم هنا.. أوصلوا الأمانة إلى أهلها.. ربما عادوا ليستقدموا أمانةً أخرى.
آه.. لقد نسيت.. هؤلاء زوار الليل لا يشتغلون إلا تحت جنح الظلام كاللصوص.. بل هم اللصوص يضعون في جيوبهم كل صغير الحجم وغالي الثمن.. ورقة مائة درهم وسلسلة ذهبية كتذكار بليد لخطوبة مفسوخة هي كل ما احتوته حقيبة شقيقتي اليدوية دسها أحدهم في جيبه.. وهاتف شقيقي اختفى هو الآخر بعد مغادرتهم.. والمبلغ الذي بعتُ به دراجتي النارية وأنا أستعد للسفر تحول إلى النصف بعد دخولي السرداب.
في السجن التقيت بمن سرقوا لأسرته تحويشة العمر، وأحد من التقيتهم سرقوا مبلغًا كانت زوجته قد تسلمته لتوها كنصيب في ميراث والدها.. آخر من مدينة فاس ظلَّ يكدح بالليل والنهار طيلة عمره لشراء بيتٍ يقي أبناءه حرَّ وقرَّ البيت الصفيحي، اختفى المبلغ مع اختفاء صاحبه وفوق هذا كله جُنَّت زوجته المسكينة.
شمس الصباح بدأت تبزغ.. انتهت مهمة اللصوص=الزوار هنا..
جذبتني يد قوية خشنة من لحيتي مع لهجة آمرة بالوقوف "زيد يا لحية الشيطان!"
تساءلت مع نفسي كيف عرف أن للشيطان لحية؟! ربما يشتغل معهم هناك كمتدرب ومتمرن.. ألم يقل الشاعر أن الشيطان قد خاطبهم معلنًا استقالته قائلًا: "دوري أنتم ستلعبونه"..
تحاملتُ على ركبتيَّ اللتين لم تعودا تقويان على حملي.. خارت قواي من هول الصدمة وزادت قيود الأرجل من إعاقة حركتي.. وصرخاتهم تحثني على الإسراع.. أجرُّ رجلي.. صرتُ كصغيرِ حمارٍ وحشيٍّ داهمت أمَّه السباعُ تحثه على الإسراع وهو لا يقوى.. صرير باب حديدي، أكز أسناني.
"انزل..انزل" .. باب سقر الدنيوية قد فتح.. "انزل..انزل" .. لم أتعوَّد بعد على قيود الأرجل.. "انزل" .. كيف أنزل؟ تلكأت قليلًا خوفًا من السقوط.. فجاءتني اللكمات متتالية.. لكمات محترف يعرف أين يضرب.
"انزل مال أمك مشلول أو معاق"
نعم أنا مشلول وأعمى لا أرى شيئًا أمامي.. خاطبتُ نفسي طبعًا..
رفعني اثنان بعنف من تحت إبطي.. بضع درجات إلى الأسفل، ثم جرُّوني بضع أمتار، ألقوني أرضًا، شرعوا في نزع قيودي وأزالوا الكيس عن رأسي.
سحبت نفسًا عميقًا.. كنت في حاجة له من منخري وفمي معًا.. مسحتُ الغرفة المتوسطة الحجم بسرعة من غير لفت الانتباه.. مكتب يحتل إحدى زواياها، أربعة كراسي، ثقب مرحاض، صنبور ماء، قارورات مختلفة الأحجام والأشكال بعضها مكسرة الرؤوس، عصي، حبال، أدوات تعذيب وآثار دماء.. فهمت الرسالة التي تعنيني من هذا المشهد.
هناك وجوهٌ حين تنظر إليها تعلمك الحبَّ وتشعر معها بالسعادة والمرح.. أمي.. جدتي.. وجوه أطفال الجيران البريئة.. وهناك وجوه تقرأ على صفحاتها الصدئة سطورَ البغض والكراهية.. والشقاء الأبدي.. سحناتهم كالحة.. بياض عيونهم تحول إلى حمرة، وأجفانهم أحاط بها السواد والزرقة.. سألت نفسي مرارًا: هل يضحكون؟ ومتى يفعلون ذلك؟
شرعا في تفتيشي تفتيشًا دقيقًا وسريعًا لم أكن أرتدي سوى لباس نوم خفيف
"فايت لك دايز عندنا هنا؟" = سبق وأن مررت من هنا؟
أجبته دون النظر إليه: "نعم دوزت هنا ثلاثة أشهر.. ثلاثة أشهر وأيام".. زدت في نفسي: لكنها كثلاثة قرون.. نعم لا أبالغ إن قلت ذلك..
"مرحبا بيك.. الدار دارك.. أنت كليان = زبون قديم.. بلا ما نوصيك.. أنت عارف كل شيء هنا ما ينفع غير الصح" .. حركت رأسي نعم أعلم..
ولج الغرفة رجل مُقنَّع لا تبدو منه سوى عينيه.. قناع أسود.. ذكرني بمليشيات الموت الرافضية التي جاءت خلف دبابات الاحتلال لتنشر الرعب في العراق.. أخبرني (خ) في إحدى رسائله أنهم عيون التتار الجدد كأجدادهم ابن العلقمي وصحبه. كانوا يحملون قوائم موت بأسماء للتصفية بدعوى الانتماء لحزب البعث البائد وعناوين كل أدمغة العراق.. علماء، أطباء، مهندسون، جامعيون.. من أهل السنة طبعًا. كان يحمل معه آلة تصوير حديثة..لم أعد أذكر كم عدد الصور التي أخذها لي الرجل المقنع.. أمام، خلف، يمين، يسار.. بعدها أخذ بصماتي وعينة من لعاب فمي.
عصبوا عيني هذه المرة بخرقة سوداء تنبعث منها رائحة البول المعتق وأعقاب السجائر وصفدوا يدي إلى الأمام هذه المرة.
"تذكر رقمك ولا تنسه حين تسمع النداء عليك، ارفع يدك وقم من مكانك.. إياك أن تكلم من بجانبك.. المرحاض مرتين في اليوم.. حذار من إنزال البانضة".. صرت مجرد رقم في لائحة طويلة لا تكاد تنتهي..
ما الذي يجري؟! في المرة السابقة كنت في زنزانة لوحدي.. أنزع العصابة عن عيني بمجرد ولوجها حين عودتي من التحقيق.. وكان لي مرحاضي عبارة عن ثقب في زاوية أجلس فيه كما أشاء ومتى أريد؟!
بدأت أفك بعض الطلاسم والألغاز حين رموني وسط كومة من الأجساد المنهكة في ممر بارد يؤدي إلى غرف التحقيق.. رائحة العرق والقيء الكريهة تعمُّ المكان، والأنين لا يكاد يكفُّ أو يهدأ.. كغرفة في قسم مستعجلات اكتظت بضحايا حادث سير جماعي.. يبدو أنني جئت أو جيء بي في أيام الذروة.. لم تعد الزنازن تكفي.. اللهم سلم.. اللهم سلم..
صدقتَ يا (ع) .. كررها عليَّ مرارًا وهو يحثني على الإسراع بالرحيل ويحذرني: "انجُ بنفسك قبل أن تجد نفسك بين عشية وضحاها مجبرًا على أن تمثل دورًا في إحدى مسرحياتهم التي يبدو أنها لن تنتهي قريبًا، هذا إن لم تكن أنت هو البطل"..
لم أكد أضع جنبي على الأرض حتى سمعت النداء يتكرر.. قمت فزعًا مرعوبًا.. رقمي، رقمي، نعم إنه رقمي.. زممتُ شفتي بعد أن أحسست بخرقي لنظام التعليمات..
"ومال أمك ناعس كتشخر.."
ساقاني، أحدهما خلفي بكف غليظة يمسك رقبتي بقوة وآخر أمامي يجرني من ذراعي كأعمى فقد عكازه. ما إن ولجت الغرفة حتى تلقفتني الزبانية..
"هذا هو.. نعم هو هذا.. حذرناك ألا تعود، وعدت.."
لم أعد.. هُم من أتوا بي.. وبدأت الحفلة.. حفل الاستقبال.. كل من مرَّ من هناك يعلم كيف تدور الرحى.. حفل الاستقبال لا بد من شره بعد الولوج مباشرة.. عادة لا تطرح فيه أسئلة، وليس للتحقيق.. تعذيب فقط من أجل التعذيب، وإرهاب الضيف لجعله طيعًا متعاونًا إلى أبعد حد.. وليعلم أين هو وأي القوم هؤلاء الذين سقط بين مخالبهم.
ككُرة مستطيلة تتقاذفني أيديهم وأرجلهم، أو ككيس رمل معلق في نادي ملاكمة.. حاولتُ الصبر أول الأمر ووقاية وجهي.. ما أصعب الأمر وأنت معصوب العينين لا تدري أين ستنزل الضربات.. صراخهم وشتائمهم لا تنتهي.. وصراخي يعلو.. ويعلو.. ويعلو.. كانوا ثلاثة أو أربعة، لم يسلم موضع في بدني من ركلاتهم ولكماتهم. فجأة بدأت الأنابيب والحبال المطاطية تعزف سيمفونية حزينة مؤلمة صعودًا ونزولًا على جسدي الهزيل..
"حافظ النشيد الوطني؟"
"نعم حافظه، حافظه، حافظوووووو.."
هيا سمعنا.. سمعنا النشيد الوطني يا خائن.. قول.. قووول.. قوووول..
شرعت متلعثمًا: منبت الأحرار.. مشرق الأنوار.. منتدى.. منتدى..
اختلطت الكلمات بشهيقي.. جسدي يرتجف وشفتاي تهتزان.. ودموعي الساخنة لم أستطع إخفاءها.. صارت تبلل الخرقة السوداء المنتنة.
"قول.. قووول..كمل يا خائن" .. يزداد تلعثمي..
"شوفو الز..كيبكي بحال الق.. قوول زيد.."= انظروا اللوطي يبكي كعاهرة هيا زد.. قل أكمل..
"دمت منتدى وحماه.." غلبني الشهيق.. تلعثمت.. انهالت عليَّ الضربات أكثر.. "نيفو باك + سنتين جامعة وما حافظش النشيد الوطني أولد الق.. أعطيو ليماه.. أعطيو لكلب.."
ركنتُ نفسي في زاوية الغرفة، كملاكمٍ منهزم في مباراة غير متكافئة ينتظر صفارةَ الحكم مستسلمًا للكماتِ خصمه.. غير أنه لا حَكَم هنا إلا الله، العدل، الحكم.. لا حكم سوى الله.. ألا له الحُكم والأمر..
لم أعد أقوى على الوقوف بدأت أخور كثور انغرزت في ظهره السهام.. جلستُ أرضًا واضعًا رأسي بين ركبتي.. تكوَّمتُ كالكُرة، أمسك أحدهم بأذني محاولًا رفعي وإرغامي على الوقوف.
صراخي يزداد ويتعالى.. قررتُ أن لا أتوسل.. لكن لكل شيء نهاية.. خفتت الضربات تدريجيًّا.. تعبوا أو بلغوا مرادهم، أو جاءتهم إشارة بالتوقف.. لا أدري.
أي بشر هؤلاء؟ وأي وظيفة هذه؟ قلوبٌ قُدت من حجر.. وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار.. وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء.
توقف الضرب فجأة.. أمروني بالوقوف فلم أستطع.. تنملت أطرافي.. كأن تيارًا كهربائيًّا يسري في بدني.. فسحبني أحدهم من شعر رأسي بقوة إلى أعلى.
بكائي اللاإرادي وشهيقي لا يتوقف.. أحسستُ بالغبن فصرختُ بأعلى صوتي: أنا مظلوم.. أنا مظلوم..
"حتى أنا مظلوم.. مظلوم.." أجابني أحدهم وهو يخبط رأسي على الحائط.
عالم غريب.. عالم مقرف.. كل يوم أصادف في هذه الدنيا أشياء لم أجدها فيما سمعته أو قرأته من كتب.. ربما قرأتُ يومًا ما عن الظلم والتعذيب لكن تأثري بذلك كان ساذجًا.. ربما انفعلتُ وحزنتُ لذلك، أو دمعت عيني.. لكن سرعان ما جفت الدموع.. وعندما دخلت سرداب إبليس وأقبيته وذقت طعم العلقم وجدتُ الفرق هائلًا بين ما قرأته وما أعيشه اليوم.
أعادوني محمولًا ورموا بي بين الأجساد المنهكة.. أسمع الأنين من حولي.. الموت أهون من كل هذه الإهانات.
ليومي هذا أشعر بالقرف والاشمئزاز حينما أسمع أو أتذكر أولئك الذين يتحدثون ليل نهار عن الحرية والعدالة ودولة الحق والقانون.. تفو.. تفو.. تفو.. أبصق عليهم في التلفزيون وصفحات الجرائد وألعنهم. إنهم أغبياء.. فالتطرف الذي يرمونني وغيري به لا يُصنع ولا ينبت ولا يولد ويزداد إلا هنا.. لا ينمو ولا يترعرع إلا في قاع الجب العميقة، الدهاليز والأقبية المظلمة.. وكأن جنكيز خان لم يمت ونسله يحكمون في الأرض إلى هذه الساعة.
ارتفعت الموسيقى.. كلماتها غريبة وغير مفهومة، لهذا ربما يسمونها شعبية.. كل ما هو رديء ينسبونه للشعب المسكين.. ربما اختاروا بعناية ما يذيعونه هنا.. زيد دردك.. عاود دردك.. ما الذي يريدون قوله؟!
زاد بغضي وكرهي لهذه الرداءة التي يسمونها موسيقى شعبية.
أحد المساكين يبدو أنه فقد صوابه هنا، شرع يردد مع الشريط بصوت مبحوح.. ضحك أحدهم.. لم يتمالك نفسه فقهقه عاليًا، سحبوه للمسلخ.. ارتفعت صرخاته وشتائمهم..
"تضحك يا ولد الق.. تحسب راسك في مسرح.. اللي فيك ما هناك.. لا يعور ولا يعرج إلا البلاء المسلط.."
لم يتركوا أحدًا.. حتى المعاقون هنا.. سمعنا قيئه.. قيع.. قيع.. قيع.. قيؤوه.
رموه بجانبي رائحته عطنة كريهة، ما إن استعاد أنفاسه حتى شرع يسب ويلعن ويدعو عليهم بصوت شبه خافت.. استغربت أمره وجرأته.. بدأ يتلو القرءان، سورة الكهف.. صوته ندي رائع وترتيله متقن.. سمعوه وصاح فيه أحدهم معيرًا إياه بإعاقته.
"سكتنا أداك لعرج.. أولد القوادة.. مال أمك كيف الحمار لحمك ياكلك ماكترتاح غير بالعصا"
همهم رادًّا عليه فسمعته: "القوادة هي أمك يا ولد الخيرية=أمك هي القوادة يا ابن الملجأ الخيري".. وصلتني كلماته فوقف شعر رأسي وتشوك بدني.. ماذا لو سمعوه يقول هذا الكلام؟!
أشفقتُ عليه.. رغبت في نصحه فلم أستطع.. تذكرتُ أحد رفاق الطفولة كان معاقًا من إحدى رجليه، وعنيدًا، وشقيًّا، لم يتفوق عليه أحد من أقرانه في السباحة ولا في تسلق الأشجار، لذلك كنا نلقبه بـ(قريده)، ساعدته مواهبه تلك في الهجرة سرًّا إلى أوربا (متشعبطًا) أسفل شاحنة نقل دولي.. لم يعد.. سمعت أنه يشتغل في سرك متنقل.
4
الفطور.. الفطور.. الفطور..
أمدوني بكأسٍ بلاستيكي دافئ وقطعة خبز محشوة بشيء من الزبدة والمربي "كول باش تقول"، صاح الموزع كعادته ساخرًا.. كلما وزعوا وجبة كرروا هذه اللازمة.. لن آكل سأتحدى.. سأضرب عن الطعام احتجاجًا على ظلمي ووجودي هنا..
فزعتُ من الفكرة.. وتراجعتُ عنها فورًا حين ذكرت ما حكاه لي أحد المارين سابقًا من هنا.. حيث أرغموه على أكل "دانون" مخلوط بالبراز حين امتنع عن الأكل.. (ح خ) بدوره حدثني أنهم سقوه في ولاية أمن مدينة فاس قارورة مياه مجارٍ، وبول آدمي، ونصف خبزة محشوة بعلبة سردين وكمية من البراز بعد تجويعه ومنع الماء عنه لمدة خمسة أيام في عز أيام الحر.. كاد يهلك فيها جوعًا وعطشًا.. حدث هذا قبل أن يرحلوه صوب المعتقل السري بتمارة حيث تبولوا مباشرة في فمه وأدخلوا عصا في دبره.. ثم حاكموه بعشرين سنة سجنًا مع الصائر.. أي صائر؟! الله أعلم!
شعرت بالقيء والتقزز، وأسرعت إلى الكأس بصعوبة بالغة.. كنت أرفع يدي المقيدتين نحو شفتي المتورمتين.. حولت القهوة الدافئة إلى حمام فم (Bain bouche)
فكرة جيدة تكمد جراحات فمي الداخلية.. اللهاة، اللثة، اللسان.. رغم ما بذلته من جهد لحماية وجهي فقد وصلتني لكماتهم.. أمضمض بالجرعة الدافئة، أحوِّلها في كل أرجاء فمي.. وأحس ببعض من لذة وراحة مؤقتة من الألم.. أغرغرها في حلقي وحين تبرد أبتلعها.
"..آلحاج.. آلحاج.. زدني شوية دالقهوة الله يرحم الوالدين"
في نبرات صوته مسحة من جنون وحمق.. نجا من قبل حين شرع في الغناء مرددًا مع الشريط.. زيد دردك.. عاود دردك.. لا أظنه ينجو هذه المرة خاصة وأن اليوم في أوله وقد يحتاجون لمن يفطرون عليه.
"مال أمك تحسب راسك في أوطيل خمس نجوم؟" ..
نزلتْ على المسكين بضعُ ركلات من كل جانب وشرع في الصياح والاستغاثة بأمه "وآآآامي.. وآآآمي.. وآآآمي.." بعد أن تركوه وانصرفوا نصحه جاره هامسًا:
"استغث بالله يا أخي هو المغيث.. أمك لن تصنع لك شيئًا هنا.. الله هو المغيث القادر.. ومثل هذه الاستغاثة بغيره لا تجوز"..
فصرخ مرة أخرى: "..آلحاج..آلحاج.."
"مال أمك يا ولد الق.. ماشبعتش نزيدوك.."
"لا.. لا آلحاج هذا راه كيتكلم معايا"
"شكون هو فين هو دين مو.." جاؤوا يركضون..
"هذا.. هذا" أمسك بصاحبه ولم ينتظر أن يسألوه عما كان يكلمه به.. "يقول لي استغث بالله وحده لا شريك له.."
صاح أحدهم في غضب: "هذا يحسب راسو عايق وشبعان فلسفة جيبو يماه"
جروا المسكين.. ثم انهالوا عليه.. تعالى صراخه على الموسيقى الصاخبة.. شرع جاري المعاق يتململ وكأنه يتوسد الشوك.. اللهم سلم يا رب.. خمنتُ أنه يريد ارتكاب حماقة هو الآخر.. صراخ المسكين يزداد ويتعالى..
وكأن هذا العالم المجنون قد وضع سدادات في أذنيه وأحكم غلقهما حتى لا يسمع الآهات والأنين المنبعث من هنا.. وما أدراك ما هنا! حمزة لا بواكي له.. صدقت يا (ع).. "لن تبكي عليك غير أمك".
الموتُ الرهيب لا نهاية له.. والسياط والأيدي الخشنة والألسنة الطويلة -قطعها الله- تعزف مقطوعةً داميةً رهيبة.. مرة أخرى عرفت معنى "الحكرة" والقهر الحقيقي.. وبدا لي أن الانتماء الحق لهموم هذه الأمة وأحزانها يعني الموتَ في كثير من الأحيان.. وعلى يد من؟ هذا هو ما يجنني! على أيدي من يتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسمائنا.. تبًّا لهم..
الموت! نعم الموت.. هددوني به مرارًا.. وقال لي أحدهم في الزيارة السابقة وأنا معلق أتأرجح في الهواء كخروف عيد: "سنقتلك ككلب مسعور يحمل داءً معديًا"
يستطيعون فعلها.. وقد فعلوها بغيري هنا.. وادَّعوا أنه كان يعاني مرضًا مزمنًا.. لن يخسروا شيئًا.. تقرير طبي.. وعناوين بالبنط العريض على صفحات أبواقهم الأولى.. وفاة زعيم الخلية الإرهابية المفككة مؤخرًا نتيجة إصابته بمرض مزمن.. أو وفاة زعيم الإرهابيين متأثرًا بجراحه بعد محاولة فرار فاشلة من قبضة قوات أمننا الباسلة.. ثم مقتطفات من بيان بارد رديء لجمعية حقوقية مخترقة يطالب بإجراء خبرة طبية نزيهة لكشف أسباب الوفاة! صيحةٌ مبحوحة في وادٍ سحيق.
أعادوه يئن ويتألم ورموا به مهددين ومتوعدين كل من كلَّم جاره بنفس المصير.
اللعنة عليهم.. أنسوني صلاة الصبح.. تيممتُ وصليتُ إيماءً برأسي من غير أن أتحرَّى القبلة.. فكرتُ أن أسألهم عن اتجاهها وتراجعتُ في الأخير.. قد أتسبب لنفسي في وجبة أنا في غنى عنها.. لو كانوا يعرفون القبلة لما كانوا هنا.. ولما تفننوا في سبِّ الخالق قبل المخلوق.
تكثرُ وتكبرُ أشواقي هنا..
وتصيرُ الأشياء التي لم أكن ألقي لها بالًا ذاتَ أهميةٍ كبيرة.. أشتاق فعلًا للبادية.. كم أحب الخضرة! آخر مرة زرتها بعد خروجي الأول.. انتابني إحساس بأن العالم قد تنكَّر لي.. الكلُّ يتحاشاني.. أشجعهم من كان يُسلِّم في سرعة ثم ينطلق لا يلوي على شيء.. اعتكفتُ في البيت، أصارع آلامًا تذوب في داخلي أبت أن تنمحي.. ألحت عليَّ أمي في السفر لتغيير الجو بعد أن رفضت بقوة فكرة زيارة الطبيب.. لم أؤمن يومًا بشيء اسمه الطب النفسي.. بل كنت أعتبر أصحابه مجرد بائعي كلام يحتاجون للعلاج أكثر من غيرهم.
أخذت منهم ترخيصًا شفهيًّا، وخضعت لاستنطاق مطوَّل بعد عودتي.. حتى الحمير التي امتطيتها هنالك سألوا عن ألوانها وعلموا من يمتلكها..
مشيتُ حينها وسط الحقول الخضراء.. وانتشيت بجوِّ الصباحِ العليل.. ووجوه الناس الباسمة عكس أهل الحاضرة.. خُيِّل إليَّ أن الأرض تغني أغنية عاشق متيم.. كانت أغصان الأشجار في تلك الأيام الربيعية تبدو لي وكأنها تتراقص في دلال.. فرح بي أهل الوالدة هنالك، منهم من لم أعرفه أو أره من قبل.. بدأتُ أفكر حينها في إطالة إقامتي هنالك.. ولم لا أشتغل في الفلاحة وأستغل نصيب الوالدة من الأرض.. علّي أغيب وجهي عنهم أو ينسونني؟ عشتُ الفرحَ لأيام.. إلى أن أفسدوه عليَّ كعادتهم في إفساد كل جميل.. خلوتي وهدوئي هناك.. ما كدت أبلغ اليوم الرابع حتى رنَّ الهاتف.. صوتٌ جاف يأمرني بالعودة فورًا.. لم يمهلني الخبيث حتى أبرر له سبب رغبتي في البقاء هناك أكثر..
قطع الخط، فقطعتُ المسافة عائدًا صوب بيت أسرتي فورًا حتى لا أخلق لنفسي مشاكل أنا في غنى عنها..كل هذا الإفزاع ليعرض عليَّ صورة كالعادة سائلًا: هل تعرف هذا؟ هل سبق أن رأيته وأين؟ لا ينتظر جوابي بالنفي ليقول لي نريد أن نعرف كنيته وأين هو الآن؟
وخزات كالإبر تعم كامل جسمي.. والأنين من حولي لا يتوقف، وجاري المشاغب لا يكف عن الحركة ووكزي بين الفينة والأخرى طالبًا مني الدردشة معه لأنهم ليسوا هنا.. كان يهمس لي في كل مرة وبإلحاح بالغ:
" نزل البانضة راهم مكينينش" (أنزل العصابة إنهم غير موجودين).
أتجاهله احتياطًا وخوفًا.. ويواصل إصراره على جعلي أتكلم.. كان يراني ولا أراه: "الأخ جابوك جديد"، أصمت ولا أجيب..
"قل لهم يعطيوك صنداله وتريكو تلبسهم على البرد"
(أطلب منهم نعلًا تنتعله وقميصًا صوفيًّا لتحمي نفسك من البرد).
كان يعرف متى ينزل البانضة عن عينيه ومتى يردها.. غريب أمره!
في كل مرة ينادون رقمًا معينًا، ترتعد فرائصي ويرتجف جسدي.. يأخذون الضحية نحو المسلخ.. نادرًا ما تمرُّ جلسات التحقيق دون عنف وجلد.. كل من يُذهب به يعود محمولًا.. مجرورًا يبكي، يتألم وينتحب.. تتقطع نياط قلبي لآلام الآخرين.
في كل مرة أبلغ قمة اليأس أحاول مواساة نفسي خفية لأخفف عن بعض آلامي.. أقول لها مستحضرًا ما قرأته عن الابتلاء وسنن التمكين: إن العقبات دائمًا تعترض سبيل المصلحين وأهل التوحيد الحق، لذلك وجب الصبر والمصابرة في مثل هذه المواطن.. هكذا سير الأنبياء والمؤمنين وزعماء الإصلاح وقادة الجيوش الكبار.. ألا إن سلعة الله غالية.. ألا إن سلعة الله الجنة.. إذن ما دام الأمر كذلك فعليَّ الصبر.. وكيف لا أصبر وأنا من كنتُ أزعم أنني أريد إهراق دمي قربةً لهذا الدين العظيم ونصرة لأهله المستضعفين.. فليكن ما أراده الله.. هكذا أعزي نفسي.. فأرتاح.
الخبثاء يفسدون الأفراح وكلَّ ما هو جميل.. ويعطلون المشاريع ويحاولون وضع العصا في عجلة التاريخ وسيرورة الحياة.. تبًّا لهم.. أولاد كلب..
لم أمكث سوى شهور قلائل حتى أعادوني.. حاولتُ بعد الخروج أن أتغلب على جراحاتي النازفة.. وكوابيسي اللامتناهية.. مخلفات شهور عندهم.. أرهقتني فاتورة الأدوية التي لم أعد أستطيع النوم والعيش بدونها.. نصحني الطبيب النفسي الذي ساقوني إليه مغلوبًا على أمري قائلًا:
"اسمعني جيدًا عليك أن لا تترك الدواء الذي وصفته لك.. وأن تشغل وقتك وتملأ فراغك بشيء ما.. وحاول النسيان.. انسَ ما فات وابدأ من جديد.. فكر في المستقبل ولا تظل مرتهنًا بالماضي السيئ..و..و..و."
أنظر إليه كالأبله وأردد في نفسي: أنت لا تعلم شيئًا.. كل ما يهمك هو أن أؤدي للفتاة الدميمة المتعجرفة التي في الاستقبال مبلغ المائتي درهم قبل أن تسمح لي بالدخول لرؤية وجهك والإنصات لكلامك الذي حفظته عن ظهر قلب من كثرة التكرار.
وجدتُ عملًا في القطاع الخاص بعد وساطة من أحد معارف الأسرة الذي كان شرطه الوحيد أن لا يعلم أحد بالأمر.. لم يتركوني أكمل الشهر حتى ظهروا في طريقي من جديد.. ناداني المدير الفاسي لمكتبه الفخم، فتوجست.. لعنت إبليس ودخلت عليه الباب بعد طرقه طبعًا.. بدون مقدمات خاطبني صارخًا وقد اكتسى وجهه المنتفخ كوجه طفل من أبناء الأغنياء بحمرة غضب:
"لأول مرة في حياتي أخضع بسببك للاستجواب. اذهب بعيدًا عني".. لم يمهلني لحظة لأشرح له.. انتهت المقابلة.. اذهب بعيدًا عني.. لا أريد أن أراك مرة أخرى هنا.. وإلا هاتفت الشرطة.. نادى الكاتبة التي سلمتني ظرفًا فيه أجرتي.. غادرتُ ونظرات الشفقة والشماتة أيضًا تتابعني.. بقيت بعدها شهرًا أبحث، لم يكن من اليسير أن أجد عملًا.
أعرض شهاداتي وخبرتي وأحاول إخفاء شبهتي التي صارت تطاردني كما كانوا هم يطاردونني.. كلما اقتربتُ من الظفر كانوا يظهرون في طريقي كأشباح مفزعة تعكر عليَّ أحلامي الجميلة.. ساءت نفسيتي أكثر..
كنت أسأل نفسي: لمَ كل هذا الغل؟
أمروني أن لا أحكي ما جرى لي لأحد ولا أتصل بجمعية أو صحيفة ففعلت.. أمروني أن لا أغادر المدينة إلا بعد إخبارهم ففعلت.. وأن أحضر كلما رغبوا في مثولي أمامهم ففعلت.. ألا أستعمل غير هاتف واحد برقم لا يتغير ففعلت.. أذعنتُ لأوامرهم صابرًا منتظرًا الفرج والفرصة للخلاص.
فبلغ بهم الأمر أن حاصروني في لقمة عيشي وأسباب رزقي.. كانوا يريدون دفعي نحو مزيد من المرض أو الجنون واليأس والانتحار أو أصبح عميلًا لهم.. لن أفعل، سأرفع التحدي وأظهر لهم التمسكن والدروشة حتى يحين الفرج.. هكذا قررت.
كنت أحسُّ بألم عميق وأنا أرى أختي تخرج كل صباح للعمل فيما أنا لم أجد ما أعمله.. في الأخير اهتديتُ لفكرة العربة المدفوعة.. صنعتها بيدي وتوكلت على الله، أبيع العصير البارد متجولًا طيلة اليوم، وفي الليل أركنها عند رأس الزقاق، أبيع سمك السردين الرخيص مقليًّا وما بقي من عصير النهار (أكلة خفيفة) .. تغير لوني وشكلي.. لفحت حرارة الصيف وجهي فمال لوني للسمرة وازداد جسدي ضمورًا. رغم كل هذا فقد كنت أحسُّ بسعادة بالغة وأنا أمدُّ الوالدة مساهمًا في مصروف البيت، وأسمع دعاءها لي بالرضى والبركة والتيسير. بدأت أخرج من قوقعتي وتلعثمي.. ثم شرعوا في الظهور.. كانوا يحرضون السكارى والمنحرفين لافتعال المشاكل والمشاجرات معي ليلًا.. فكنت أكبحُ جماحَ غضبي وأهدئ أعصابي التي تغلي وتفور رغم الضربات العنيفة التي تتلقاها عربتي المجرورة ومحاولات قلبها المستمرة. مرة التقيت أحد أولئك المغرر بهم في حمام الحي الشعبي.. ما إن لمحني حتى سارع إلى معانقتي بحرارة والاعتذار بشتى الأعذار، حدثني وهو يساعدني في حك ظهري -وهي عادة تضامنية اجتماعية تعرفها الحمامات الشعبية- أنهم استغلوا إدمانه، اشتروا له قارورة خمر رخيص وبضع حبات (قرقوبي) مهلوسة وأغروه بكسر عربتي ومنعي من عرض تجارتي في رأس الدرب.. وليبرهن لي على صدق توبته وندمه على ما اقترف في حقي ووبخته عليه أسرته حينها أشد التوبيخ كما قال.. فقد أسرَّ لي بلائحة طويلة من عملائهم وعيونهم في الحي ممن يترددون على مكتب الحاج ويتردد عليهم باستمرار.
صعقت!! منهم من لا يتخلف عن حضور الصف الأول في الصلوات الخمس.. الجزار، الخضار، الإسكافي، صاحب الفرن، البقال، جارتكم فلانة، بنت الحاج فلان.. لائحة طويلة من (المتطوعين) الذين لا ينتظرون جزاءً على خدمتهم ولا شكورًا.
لطفك يا رب ورحماك.. عالم مهووس.. عالم ملغوم.. عالم مجنون..
بعد أيام من الكد والتعب وقف (علي) قائد مقاطعة الحي وكوكبة من المخازنية (رجال القوات المساعدة) بلباسهم الكاكي الباهت.. أطفؤوا الغاز وصبوا الزيت الساخن من المقلاة جانب الرصيف، ثم ساقوا العربة أمامهم نحو (الفوريان البلدي) الذي تُرمى فيه محجوزات المواطنين قبل عرضها في مزاد الخردة العلني.. ترجيته دون إلحاح وترجاه بعض كبار السن ممن حضروا الموقف دون جدوى.. صعد سيارته غير مبالٍ بي.. في الغد زرته في مكتبه باقتراح من مقدم الحي لعلي أسترجع العربة.. بعد انتظار طويل دخلت مكتبه الذي خرجت منه امرأة شابة تركت رائحتها القوية في كل أرجائه.. تغامز وتلامز مجموعة من الموظفين بعد خروجها مما يوحي أن الأمر فيه إنَّ بل إن وأخواتها.
برر لي تصرفه بكثرة الشكاوى المقدمة ضد سمكي المقلي الذي كان سببًا في عدد من حالات التسمم والإسهال.. هكذا زعم..!
شكوت له حالي وصحتي المعتلة ووضعت أوراق الطبيب وفاتورة الأدوية الغالية على مكتبه.. سكت قليلًا، وتظاهر بالإنصات والإشفاق والتأثر لحالي.
اسمع يا بني، والله لقد تأثرتُ لك كثيرًا.. لكن لا عليك عندي لك حل.. هل تريد أن تعمل عملًا شريفًا وبمدخول جيد ومستقبل مضمون؟
كنت ألمس خبثه من كلماته وأعرف من أوصاه بهذا السيناريو لكني تظاهرت بالغباوة.. أطنبت في كلمات الشكر والدعاء له بموفور الصحة والعافية.. دون أن أسأله عن طبيعة العمل، تابع قائلًا:
"الأجر الشهري ضعيف لا عليك هذا لا يهم لأن هناك قنوات أخرى حلالًا طيبًا الناس شيدوا المنازل ذوات الطوابق الثلاث والأربع واشتروا منها السيارات والعقارات.."
أظهرت السرور لكلامه فأطنبت في كلمات الشكر والثناء له ودون أن أسأله عن طبيعة هذا العمل المغري تابع قائلًا:
"عندنا مقدم حي كبير السن ومصاب بداء السكري سيحال على التقاعد آخر هذا الشهر بعد أن أمن مستقبل أبنائه وبنى بيتًا من ثلاثة طوابق.. سأبذل مجهودًا وأتصل بالجهات المسؤولة لتشغل أنت مكانه وسأقول لهم أنني أضمنك"
تملكتني الدهشة واستمر يمثل علي دوره كمونولوج فردي ساخر.. لم يتوقف عن الكلام الذي بدا لي أنه أجهد نفسه لحفظه.. لم أتمالك نفسي، ومن غير شعور انفجرت في نوبة ضحك هستيرية.. انتهت المقابلة بطردي من مكتبه..
عدت للعطالة والكآبة والانزواء.. بإلحاح من والدتي صنعت عربة أخرى بعدما ذقت طعم العزلة القاتلة لأيام أخرى.. غيرت منطقة نفوذ (صاحبي) القائد.. لعبة القط والفأر لا تنتهي.. لم يتأخر رد فعلهم.. نفس السيناريو يتكرر.. غير أنهم في المرة الثانية لم يدفعوا العربة بل حطموها أمام ناظري واستنكار بعض الزبائن والمارة الذين واسوني بكلماتهم.. كوَّموا حطامها في شاحنة البلدية لحرقه بعيدًا عن المساكن..
كان صاحبي الأول أرحم من الثاني.. خلفت الحادثة في داخلي ندبًا عميقًا لن يمحى.. أضيف إلى ندوبي الكثيرة الغائرة.
كلما تخيلتني مُقدم حيٍّ أضحك حتى تغرورق عيني.. وأسخر من نفسي.. لشد ما أكره هذه المهنة منذ صغري وازداد كرهي لها الآن.. عيون وزارة الداخلية التي تحصي أنفاس العباد وتحشر أنوفها في كل شيء في محتوى قفة البيت وضيوفه وعدد الخبزات التي تعجن ونوع الهاتف المستعمل وكل ما لا يخطر على البال.. لن أنسى ذاك اليوم وأنا صغير.. رزئ حيُّنا بمُقدم من أخبث مخلوقات الله زوجته عاهرة قوادة وأمه كانت مشعوذة وجهها وجه شيطان نفزع منها ونحن صغار، أما أبناؤه فمنحرفون لا يغادرون السجون إلا ليعودوا إليها بالتناوب.. وأحيانًا دفعة واحدة.. ذرية بعضها من بعض.. عدنا من المدرسة في زوال ذاك اليوم الخريفي، أثارتنا جمهرة الناس من سكان الدرب وغيرهم من الدروب المجاورة والمارة، وبشغفنا الطفولي وشغبنا تسللنا لمقدمة الجموع لنفاجأ بالمقدم يخرجون به شبه عار يرتدي سرواله فقط ويلقى به في سيارة الأمن.. كاد الأمر أن يتحول إلى مصادمات بين عموم الناس الذين علا صفيرهم وأصوات احتجاجاتهم مستنكرين فعل المقدم وهجومه على امرأة وحيدة في عز النهار.
إلى هنا كانت الأمور تجري بشكل عادي فالقصة لا تعدو عن مثيلاتها الكثيرة الوقوع في الحارات الشعبية التي يكون في كثير من الأحيان أبطالها بعض أعوان السلطة ورجالاتها.
في الغد بدأت الحقيقة تنجلي على لسان السكان بتشفٍّ ونكاية في هذا الجربوع، كانت القصة كالتالي: صاحبة هذا البيت هي زوجة أحد تجار المخدرات الذي دخل السجن وحوكم بسنتين نافذة مع الغرامة لشركة التبغ والجمارك، صاحبنا الجربوع زاغت عينه حين تقدمت له تطلب إمدادها بشهادة السكنى التي تتفاوت تعرفتها في بلادنا من منطقة لأخرى حسب شطارة المرء وولائه للسلطة وعلاقته بأعوانها وعلى رأسهم مقدم الحي طبعًا.. وهكذا كل الوثائق الإدارية الأخرى.. راودها عن نفسها كما كان يفعل مع غيرها فكان منها أن تبسمت له لا لشبهة فيها فالكل كان يعرفها امرأة شريفة رغم وضع زوجها وتجارته.. لكنها تبسمت لتحصل على مرادها (الشهادة) وحتى لا تحرم حقها هذا.. فظن الغبي أنها ذابت في حبه وأعجبت بوجهه القبيح الذي كان يشبه وجه جرذ أجرب خرج لتوه من بالوعة مجارٍ.. فبدأ في مطاردتها واختلاق الأسباب العديدة لطرق بيتها في كل مرة، ضاقت به ذرعًا فكلَّمت زوجها المسجون بذلك، وبما أنه سجين وليس له ما يخسره فقد نسق خطة محكمة مع أشقائه وبعض أصحابه خارج السجن للإيقاع بالجرذ.. وأي إيقاع؟ انتقام من نوع خاص!
تظاهرت المرأة برضوخها لنزوة المقدم وواعدته في بيتها ليلًا بعدما تهدأ الحركة وينام الجميع.. فما كان منه إلا الاستعداد والمجيء لحتفه وهو يمشي على قدميه.. ما إن ولج البيت ونزع ملابسه حتى وجد المفاجأة في انتظاره.. خرج له أشقاء الزوج السجين وأصدقاؤه من مخابئهم فكان الانتقام الفظيع تناوبوا على اغتصابه بعدما كبلوا يديه وأخرسوا فمه.. تناوبوا على اغتصابه،كانوا ستة أو سبعة أو ثمانية.. لا يهم اختلاف الرواة.. رواة الحي في عدد من قاموا بالفعلة.. المهم أنهم فعلوها وانصرفوا لترفع بعد ذلك المرأة عقيرتها للسماء مستغيثة مستنجدة بالسكان.. وبعد توتر الوضع.. تنكر له أسياده.. وحوكم بالهجوم على مسكن الغير ومحاولة الاغتصاب.. خرج من السجن فاختفى، رحل غير مأسوف عليه وترك حكايته التي أصبحت مثار سخرية للأجيال. لازمتني هذه الصورة عن هذه الوظيفة الحقيرة.. وغيرها من الصور والحكايات الكثيرة عن المقدمين. أما الآن فازداد كرهي لها ولأهلها.. وانضافت لها في مرحلة شبابي وبعد سجني لائحة طويلة من المهن والوظائف البغيضة إلى نفسي.. سجان.. جلاد.. صحفي مُوجَّه عن بعد.. مغرق.. الله يلعن بوها حرفة كما يقول المثل الشعبي.
5
تمر الساعات هنا كئيبة ثقيلة وكأن اليوم لا نهاية له.. بعد توزيع وجبة العشاء عادة ما تدور الرحى.. هكذا عهدتهم.. إلا أن يكونوا قد غيَّروا البرنامج.. وكأني بهم ينامون نهارًا ويستيقظون ليلًا كالخفافيش. علمتُ من خلال التجربة السابقة لماذا يفضلون التحقيق ليلًا.. فهي فرصة للمنع والحرمان من النوم.. النوم هاجس الضحايا خصوصًا الجدد منهم.. كل شيء هنا ممنهج ويسير وفق دراسة مضبوطة، مدروسة.. الحداثة والعولمة وصلتا المكان أيضًا.. عولمة في مقاصد الترهيب ووسائل التنكيل بالعباد لإذلاهم وتركيعهم.
هنا يدركُ المرءُ حقيقة الكثير من النعم التي لا نعرف قدرها إلا بعد الحرمان منها.. نعمة البصر.. نعمة الأمن.. نعمة الحرية.. نعمة العقل..
نعمة النوم.. تدبرت طويلًا في قوله عز وجل: (وجعلنا الليل لباسًا وجعلنا النهار معاشًا)، وفي قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة. من إله غير الله يأتيكم بضياء. أفلا تسمعون)
هنا لا يعترفون بشيء اسمه السنن الكونية.. وهذا الظلم المستشري على هذه الأرض لا يمسخ آدمية الإنسان ويغير ما فطره الله وجبله عليه فحسب.. بل له نفس المفعول على بقية مخلوقات الله الأخرى.. وهؤلاء الشياطين المردة يغيرون خلق الله كفرًا وجحودًا..لم يتركوا شيئًا..
لطالما تساءلت.. ترى كم يستطيع الإنسان أن يبقى يقظًا مفتح العينين.. يومين..ثلاثة ..سبعة.. هنا لن تنام حتى يحلبوك حلبًا.. تجاريهم وتوافق على تمثيل دورك بإتقان.. بعدها يدعونك تنام.. تأكل وتشرب وأهم شيء العلاج.. يداوون جراحك بأدوية أمريكية الصنع.. هكذا قرأت عليها! Made in USA ذات مفعول قوي وشبه فوري كالسحر.. ثم يرسلونك للمثول أمام القضاء (النزيه والمستقل) وكأنك كنت في فندق من خمس نجوم.. حينها لن يصدق أحد (ادعاءك) بالتعرض للتعذيب ولن تعرض على خبرة طبية كما يقرر ذلك قانونهم المطبوع طبعًا على الورق فقط.. وإن حدث وداهمهم الوقت أو لم تشفَ جراحك لسبب ما وعرضوك على قاضي التحقيق بعينين متورمتين وأنف مكسور مهشم وسبعة عشر غرزة في الرأس؛ فسيتهمك بأنك تعمدت ضرب رأسك بالحائط وإيذاء نفسك للنيل من سمعة الشرفاء.. حدث هذا للأخ (ن م).
شربت بعض الحساء الدافئ مضمدًا به جراح فمي الداخلية،كما فعلت مع قهوة الصباح المخلوطة بالحليب.. كنت كمن مضغ حفنة زجاج.. صرتُ أبلع دون مضغ لأن ذلك يؤلمني ويدمي فمي المجروح.
لا شك أن الإشاعات سرت مرة أخرى في الحي سريان النار في الهشيم، وأن الأزقة الضيقة قد امتلأت بالتعليقات، والمبدعون قد أضافوا أخبارًا إضافية كثيرة بغية التشويق والإثارة.. في المرة السابقة زعموا أنه قد وُجد في بئر محفورة بعناية وسط غرفتي كمية كبيرة من المتفجرات الخطيرة لو انفجرت لمسحت الحيَّ بكامله من الوجود.. وقال آخرون أنني من قادة المتطرفين على مستوى المملكة وأن لي صلة بأحداث 11 سبتمبر وكان مقررًا أن أكون على متن إحدى الطائرات لولا تأخر حصولي على التأشيرة لدخول الولايات المتحدة الأمريكية! أما أحد الخبثاء فقد حدَّث بأنهم وجدوا معي مبلغًا هائلًا من المال بالعملة الصعبة استلمته من جهات أجنبية لاستخدامه في عمليات تخريبية..
أثمرت الحادثة ألفَ حكايةٍ وحكاية، وتاهت حقيقتي في خضم ما يتقيؤه الكذابون وصانعو الإشاعات من العاطلين ومن لا همَّ لهم سوى نهش لحوم العباد المنهوشة بالسياط وصعقات الكهرباء.
جراحات السنان لها التئام ** ولا يلتام ما جرح اللسانُ.
لم يكلف أحدٌ نفسه عناء التثبت من المصادر الحقيقية لهذه الإشاعات والهدف من ورائها.. أما بيت أسرتي فقد أصبح كبقعة أرض نزل بها طاعون يفر منه الناس.. احتجبت أمي في البيت لأيام مذ تعمدت إحدى المشبوهات سيئات السمعة إسماعها كلامًا جعلها تلزم فراش المرض لأيام.
قالت الخبيثة وهي تخاطبُ رفيقتها في فرنِ الحي العمومي بصوتٍ مسموع جهوري متعمدة أن تبلغ كلماتها مسامع والدتي:
"أنا بعدا ولادي يلا مشاو للحبس كيدخلو ليه غير على السرقة ولا الحشيش ما كيفركعو قهاوي ما كيقتلو أبرياء".. عقبت صاحبتها "شكيكو.. الله يسترنا.. الله يسترنا.."
(أنا أولادي إذا دخلوا السجن لا يدخلونه إلا من أجل السرقة أو الحشيش.. لا يفجرون المقاهي ولا يقتلون الأبرياء).
حتى تلك الزيارات والمجاملات الإنسانية التي عُهِدت عن المغاربة وما عُرفوا به من حسن الجوار بمناسبة وبغيرها.. لم يعد لها ضرورة.. انقطعت أو كادت.. شقيقتي المسكينة فسخت خطبتها وذهب العريس المنتظر إلى غير رجعة بعدما نكَّدوا عليه عيشه بكثرة استفساراتهم وأسئلتهم.. تبًّا لهم جميعًا.. تبًّا للعالم.. قلت في غيظ: "إذا رضي الإله فلا أبالي أسار الركب أم رضي الأميرُ".. لن أكترث بكلام الخلق، وخاصة من يعملون الموبقات ويظهرون في الصفوف الأولى للصلاة بملابسهم الأنيقة التي تجلبها لهم بناتهم من عرق أثدائهن وبابتساماتهم الصفراء الخادعة.. أعرفهم واحدًا واحدًا وأعرف أسرهم.. تبًّا لهم.. تبًّا لهم..
لا راحة في هذه الدنيا، تبدو لي كأكذوبة كبيرة ومهرجان ضخم وفارغ يعج بالمهرجين والممثلين والنصابين.. لا أكاد أنجو من فخ حتى أقع في آخر فأظل أتلوى فيه ألمًا.. صدقت أمي الغالية، كثيرًا ما رددت: لا راحة في هذه الدنيا.. الراحة في الجنة.
أحاول السفر بعيدًا بأحلام يقظتي.. لولاها لمتُّ خوفًا وكمدًا.. أجد فيها سلوتي وراحتي خاصة في مثل هذه المواقف والأماكن.. لكن يأبى القوم إلا أن يفسدوا كل شيء كعادتهم دائمًا. نادوا رقمًا معينًا.. فأخذوا صاحبه.. بدأت أطرافي ترتعش.. دعوت له في نفسي.. يبدو كبير السن.. لم يوقروا أحدًا في هذه الحرب المعلنة.. يمشي بصعوبة وببطء يجر قدميه.. تخيلت بسرعة شكله ورسمته في مخيلتي.. عدلت الشكل بعدما تكلم بلكنة أهل الشمال.
"أنت شيخه ماشي شيخ.. أنت ماشي راجل.."
هكذا بدؤوا صراخهم في وجهه.. ويجيبهم بلهجة أهل الجبل (جباله) ينطق بدل حرفي الكاف والقاف همزة.. يضحكون منه ومن طريقة كلامه ويسخرون.. يقلد أحدهم كلماته فتبلغني قهقهاتهم.
"هادي خمس أيام وحنا كنساويو معاك.. احترمناك واحترمنا هاذ الشيب اللي في وجهك.. ولكن أنت كلب ولد الكلاب.. أنت قواد.. ولد قواده.."
ردد المسكين.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
"الشيطان هو أنت.. الشيطان هو أبوك" .. هَوَت على وجهه وربما رقبته أيضًا الصفعاتُ المتتالية.. صاح فيه المجرم (كابيلا)..
حينها وقف شعرُ رأسي وأصبتُ بمغص جديد وإسهال حاد.. إنه هو.. صوته لا أخطئه، يمكنني تمييزه من بين مليون صوت..كيف أنساه؟!
وجهه قطعة من عذاب كأنه خارج لتوِّه من جهنم.. كل من مرَّ من هناك يعرفه، اشتهر بهذا اللقب لشبهه الشديد بزعيم الثوار الذي أطاح بدكتاتور جمهورية زايير السابق موبوتو سيسي سيكو وحلَّ محله على رأس هذه المستعمرة الفرنسية سابقًا الغنية بالأحجار الكريمة.. غيَّر اسم الجمهورية إلى الكونغو الديمقراطية.. لكن ابنه لم يتركه يفرح بكرسيه.. لم يمهله طويلًا، قتله بأمر من أسياده البيض أباطرة الألماس.. وسار في جنازته، وتلقى التعازي فيه من قادة العالم.. هكذا قدر أفريقيا الجائعة، المتخلفة، الغنية. الإنسان لا يساوي فيها ثمن الرصاصة التي تخترق جمجمته قربانًا للسيد الأبيض القادم من خلف البحار بخردة من سلاح لجني غلالها. أتساءل مرارًا كلما ذكرت أو تذكرت أفريقيا.. كيف كانت ستصير هذه القارة لو نجح مشروع (القائد الملهم) القذافي في توحيدها كما زعم تحت اسم الولايات المتحدة الإفريقية.. الجنون فنون.. صدق من قالها.. وأنا أضيف الجنون فنون والدوام لله سبحانه وتعالى.
(كابيلانا) المحلي يشغل أيضًا منصب رئيس.. رئيس زبانية العذاب في سراديب الموت السري العلني بمعتقل تمارة.. يتفنن في أجساد ضحاياه كتشكيلي مهبول مولع بالأسود والأحمر والأزرق.. مذ خرجت في المرة الأولى ووجهه البشع لا يفارقني في كوابيسي الدائمة.. حاشا البشر أن يكون من فصيلتهم.. رأسه مربع كجهاز تلفزيون صغير.. هو من حاول إدخال العصا في دبري عليه اللعنة إلى يوم الدين.
يصيح كالمجنون دائمًا بصوته المرعب المميز ورجع صداه يهز المكان:
"أنا أبو جهل.. أنا أبو جهل.. أنا أبو جهل" .. أبو جهل لم تذكر كتب التاريخ والسِّيَر عنه أنه فعل ما فعله كابيلا في ضحاياه..
أجزم أن الأنبياء والرسل لو بعثوا في الزمان لما تورع أبو جهل الزمان في التنكيل بهم.
نزع البانضة عن عيني حين حللت ضيفًا في أول مرة وقال لي:
"عارف شكون أنا؟"
أجبته وقد تملكني الرعب من شكله البشع وعيناه التي يترامى منهما الشرر وتنبعث منها الأشعة النارية:
"لا ما عرفتكش شكون أنت؟"
أنارت النجوم وتراقصت أمام عيني بصفعتين من يديه الضخمتين قائلًا:
"أنا هو مولنيكس اللي غادي تطحن أمك" (أنا هو الخلاط الذي سيسحق أمك)
أمر المجرم بنزع سروال الشيخ..
"حيد ليه السروال، نشوفو واش شيخ ولا شيخه..!"
حوقل الرجل واسترجع: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. حسبنا الله ونعم الوكيل.."
ازداد غضب المجرم وانبعث من فمه المنتن أفحش الكلام.
أنت من تقول للناس إن الديمقراطية كفر وأنه دين غير دين الإسلام.. احمد ربك أيها اللوطي فلولا الديمقراطية، لدفناك حيًّا..!
"أفضل أن أدفن حيًّا على هذه الإهانة"
قهقهوا وسخروا من كلامه.. "لم تر بعد شيئًا" ..
انقضوا عليه لنزع سرواله..لم يقاومهم طويلًا.. ظل يحوقل ويكبر ويدعو عليهم.. شرعوا في ضرب إليته بأكفهم ويسخرون بكلام يعف القلم عن خطه:
"هذا قرد ماشي شيخ.. هذا قرد مزغب.. قرد شايب.. اقرأ يس آلفقيه.. اقرأ القارعة آلفقيه.. اقرا آلفقيه.. كم أعطيت فلان من المال؟"
"لم أعطه شيئًا.. أنا ليس لي ما أعطيه لأحد.. وأجرة إمامة الناس وتدريس القرءان للأطفال لا تكفيني لمصاريف نصف الشهر.. فكيف أعطي فلانًا؟"
"عندنا معلومات أنه زارك قبل سفره إلى أفغانستان وباركت خطوته وأعطيته مبلغًا كبيرًا لإيصاله إلى هناك"..
"هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. أنا لا أخفي أنني أعرفه. لكني لم أعطه أو يعطني شيئًا"
ازداد غيظهم وحنقهم عليه بعد إجابته تلك.. وازدادوا عبثًا في عورته وسخرية واستهزاءً وبذاءة دون أدنى خجل أو تحفظ.. اعتصرني الألم وسمعت نحيب من يرقدون بجانبي..
هنا لا قيمة لأحد.. يستوي العالم والعامي.. كل من يغرد خارج السرب يسحق امتثالًا وتنفيذًا لتوصيات إله العصر وهولاكوه القائل: "معي أو مع الإرهاب".
الذين يتحدثون دون ملل عن طي صفحة الماضي وعن عهد جديد وعن كرامة الإنسان وحقوقه.. بلهاء مخدوعون أو كذبة انتهازيون.. المساحيق مهما غلا ثمنها فلن تغير شيئًا من تجاعيد وقبح العجوز الشمطاء..
هنا المدرسة والكلية الخاصة التي يمكن للمرء أن يتعلم فيها أصول الإرهاب، إن كانت له أصول! لم يكن الحقد الذي صار يغلي في داخلي ليجد له مكانًا في صدري لو لم ألج المكان.. أصبحت تراودني الأفكار والخيالات الرهيبة.. أتمنى لو أن معي منشارًا كهربائيًّا فأقطعهم إلى أجزاء ثم أرمي بها للكلاب والحيوانات الجائعة.. أما كابيلا فأقص لسانه الفاحش أولًا ثم أضعه في آلة تناسب جثته.. وبكبسة زر واحدة يصير كفتة مفرومة طعامًا للخنازير البرية الجائعة.. نعم، لن أقدمه لغيرها، هي الوحيدة التي أراها تقبل وتستسيغ أكله..
وإن رفضته الخنازير فما العمل؟ سألقيه في البحر.. لا..لا..لا.. لن أفعل، قد تصاب بحار ومحيطات الدنيا بالتلوث وتنفق أسماكها وحيواناتها..
اهتديت أخيرًا لفكرة النار.. النار تطهر الأرض من أمثاله.. سأحرقه إلى أن يصير رمادًا.. لا.. لا لن أفعل.. في الأمر نهي شرعي فلا يعذب بالنار إلا خالقها.. سأتركه إذن لخالقه فليفعل به وبأمثاله ما يشاء.. هو القادر سبحانه.. وهو المنتقم.. هكذا أقرر أخيرًا.. حين أستفيق من أحلام يقظتي.
ربما فقط لأداري عجزي أصل لهذه النتيجة مع يقيني في قرارة نفسي أنني لو أتيحت لي الفرصة لفعلت به وبأمثاله ما الله به عليم.. لست نبيًّا لأقول لهم اذهبوا أنتم الطلقاء.. أنا بشر تعتريني عوامل النفس البشرية.. لهذا حتى وإن حاولت إقناع نفسي بالصفح فشيء ما بداخلي يأبى ذلك بقوة وشدة.
حين يبكي الرجال، فعلى الأمة السلام.. فما بالك حين يبكي قُرَّاؤها وعلماؤها وحملة كتابها.. أعادوا الرجل الشيخ لمكانه، فدخل في نوبة بكاء مرير.. أحس المسكين بالغبن والاحتقار.. بكينا جميعًا لبكائه وشعرنا بنفس شعوره.. مرة أخرى وجدتني أتمنى الموت على البقاء.
صاح المخبول الذي وشى بجاره صباحًا:
"اصبر آعمي هادو راهم يهود ماشي مسلمين"..
تأكدت من جنون المسكين وإلا من يجرؤ على مثل هذا الكلام هنا.. وكأني به يريد التكفير عن زلة الصباح.. رفسوه بسرعة وهو يكبِّر ويسب ويلعن..
يعلمون حاله ربما لذلك لم يأخذوه للمسلخ.
أحسُّ قلبي ينتفض، دقاته تتعالى، يخفق بشكل مرعب كأنه يريد أن ينط من فمي.. دوائي لم يأتوا به معي.. قد يكون الدور القادم علي؟ هكذا خمنت.. الآن لبضع دقائق، يعبون خلالها علب جعة باردة ثم يأخذون رقمًا آخر. أصبحت على حافة الجنون.. ينشف حلقي دائمًا في مثل هذه المواقف العصيبة، وكثرة الشرب تزيد من حاجتي للمرحاض، وحين أعصر مثانتي لأتخلص من محتواها أضطر للتخلص من ماء آخر يخرج هو الآخر رغمًا عني من أمعائي التي يقطعها الألم الرهيب.. ووقوف الحاج المكلف بالخراء على رأسي يزيد الأمر استفحالًا.. يكرر دائمًا بتأفف بعد أن أكون واقفًا فأقعد مرغمًا: "كنا في البول ولينا في البعر"..
لم يشأ أن يصدق أنني مصاب بالإسهال رغم أنه يرى ويسمع ويشم أيضًا..
جاري المشاغب كأنه ينام على الشوك أو يتوسد لوح مسامير.. ينتهز كل فرصة لخلو الممر البارد من الحجاج لوكزي.. لم تهدأ حركته.. اقترب مني حتى التصق بي أو كاد، عرفني بنفسه ومنطقة سكناه.. أخبرته في وجل وخوف بصوت جد خفي عن اسمي وأنني جديد جاؤوا بي من فراش النوم.
فهمتُ منه أنه بدوره كان على أهبة الالتحاق وأنه بذل مجهودًا كبيرًا لإقناع الإخوة هناك بقبوله نظرًا لإعاقته.. بعدما أصروا على بقائه حيث هو والاشتغال في الدعاية الإلكترونية والتجنيد.. فأبى إلا المشاركة الفعلية.. حدثني بصوت خافت حزين أنه لم يعد يطيق المكوث هنا بعد أن رحل كل أبناء حارتهم.. و أن أعزهم إلى نفسه قضوا إلى ربهم.. لم أسأله عن كيفية جهاده وهو المعذور لإعاقته (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج).. ربما أحس استغرابي فحدث أن الشباب هيؤوا له سيارة خاصة بأمثاله لا تحتاج سوى رجلًا واحدة تدوس البنزين.. قال وهو يضحك: "هناك لم أكن لأحتاج الفرامل" الأمريكان أمامي فلماذا الفرامل؟ رجل واحدة تكفي.
6
مغص بطني وآلام أمعائي تزداد وتزداد وتزداد.. وكأنني احتسيت سمًّا.. لم أعد أطيق.. طلبت المرحاض فأخذوني، بدون مشاكل ولا تلكؤ هذه المرة.. لم أكد أجلس حتى أمرني المكلف بهذا الأمر برفع سروالي والوقوف:
"حتى كتبدا الصياده عاد كيمشي السلوكي يبعر" = حين يبدأ موعد الصيد وإمساك الطريدة يذهب السلوقي لقضاء حاجته.
فهمت قصده وعرفت وجهتي، فازداد وجعي وحاجتي إلى إفراغ أمعائي..
لم أترك دواءً مضادًا للإسهال إلا وابتلعته.. حين شكوتُ الأمر للطبيب الثرثار حدثني أن الأمر نتيجة طبيعية للفوبيا الشديدة التي أعيشها وأنه قد ثبت علميًّا أن الخوف والفزع الشديد يصاحبه الإسهال والمغص الحادين و..و..و..والحل يا دكتور؟
"تخلص من السبب تتخلص وترتاح من هذا الأمر!"
هكذا ببساطة اختزل لي الحل في كلمات.. ثم زاد قائلًا:
"حاول أن تعيش مطمئنًا ولا تخف!"
ثم واصل سرد لائحة النصائح التي ستخلصني حسب دراسته و(علمه الكلامي) مما أعانيه.. وأنا أتظاهر بالإنصات وأهز رأسي زاعمًا موافقته والاستعداد للعمل حرفيًّا بما يهرف به.
مسكينٌ هذا الرجل يبدو أنني في وادٍ وهو في آخر.. لا أخاف! كيف لا أخاف؟ والزمن زمن خوف والبلد بلد خوف! كيف لا أخاف ووجه كابيلا القبيح يحاصرني كلما غفوت أو حاولت؟ كيف لا أخاف وعداداتهم تُحصي أنفاسي وتخنق حركتي؟ كيف لا أخاف وأبواب السجن الأخضر مشرعة تبتلع دون رحمة كتنِّينٍ أسطوري هائج أو ديناصور يأبى الانقراض؟ كيف لا أخاف والأهواء والشكوك والدسائس هي التي تصرف أمور الملايين من البشر على أرض هذا الوطن المنكوب؟
مات الطفل الذي عهدته في داخلي أو كاد.. لشد ما كنت فرحًا سعيدًا به.. لكن الخوف والمحنة والظلم صيراني عجوزًا محدودب الظهر.. حطموني.. أولاد الكلب.. وما كدت أستعيد بعضًا من توازني حتى تلقفوني من جديد.. آه.. آه.. لو أمهلوني قليلًا لأرحتهم ووفروا (جهودهم) لأناس آخرين.
رغم كل شيء.. فكلما شعرت بالتضاؤل، والانهيار، والمهانة؛ دوى في داخلي صوت قوي أوعز لي أن أصبر، وأتحمل..
مسكينة أمي ستبحث عني مرة أخرى في كل مكان، ستمزقها الحيرة والحزن والأسى والآلام.. لن تنام.. أكيد أنها ستفقد طعم النوم.. وقد تعمى من كثرة ما ستذرفه علي من الدموع..
طرقتْ أبواب المستشفيات، صارت تحفظ أسماءها عن ظهر قلب.. وثلاجات حفظ الموتى، روعتها مشاهد الأجزاء الآدمية المقطعة والمحروقة التي تنتظر أهلها لأخذها من ثلاجات الطب الشرعي بمستشفى منطقة عين الشق وسط الدار البيضاء.. حين غادرته أصابها الدوار وتقيأت، وغابت عن الوعي، لم تفارقها الصور المروعة.
مراكز الأمن هي الأخرى، الدار الحمراء، المعاريف، الحي الحسني، الدائرة السابعة، التاسعة، الرابعة،لم تترك كوميساريه إلا وزارتها في رحلة البحث عني الأولى.. طردها الوكيل العام للملك حين زارته للمرة الخامسة للسؤال عني شر طردة وأسمعها كلامًا جارحًا لم تستطع البوح لي به..لم تذق طعامًا ولا شرابًا ولا نومًا إلى أن خرَّت طريحة الفراش تهذي باسمي..
حكتْ لي بعد المحنة الأولى حين عدتُ ودموعها على خدها كشلال متدفق كيف كانوا يطاردونها في رحلة بحثها عني.. زارت جمعية تزعم دفاعها عن حقوق الناس دون تمييز بينهم.. وبعد تسويفٍ وذهابٍ وعودة اعتذروا لها بدعوى حساسية القضية والظرفية الزمنية وانشغالهم بمشروع الإنصاف والمصالحة وجبر ضرر ضحايا الماضي!
طرقت باب مرشح حزب (إسلامي) ما إن حدَّثته بالأمر حتى تغيَّر لون وجهه وكاد يسقط مغشيًّا عليه.. استغل عجزها وأميتها بعض النصابين أصحاب بدلة المحاماة السوداء فسلمته ثمن قطعة أرض.. نصيبها في إرث تقاتل أشقاؤها فيما بينهم على الظفر بفرصة شرائه وضمه لأرضهم بعدما ظلت لسنوات عدة ترفض التنازل عنها وفاءً لذكرى والدها الراحل.. مصائب قوم عند قوم فوائد.. كان الله في عونك أيتها الغالية.
الغرفة تفوح منها رائحة دخان السجائر الأمريكية وبعض المواد الكيماوية..
ازدادت آلام بطني وضاقت نفسي.. تركوني لدقائق.. ربما كان ينتظرون قدوم أحدهم أو يتطلعون إليَّ لقراءتي.. دخل أو دخلوا لا أدري كم كانوا..
"مرحبا بيك مرة خرى.. هذا كليان قديم.. احنا عزيز علينا لكليان ديالنا.. ما كنفرطوش فيه" (مرحبا بك مرة أخرى هذا زبون قديم ونحن نحب زبائننا لا نفرط فيهم)..
"أخيرًا وقعت في الفخ يا أبا جندل، كنت أعرف أنك ستعود مرة أخرى".. خاطبني ساخرًا بعربية الأفلام التاريخية.
"تحسب نفسك ذكيًّا.. لكنك أغبى من حمار"..
أطرقتُ وطأطأت رأسي دون كلمة أو رد.. الصمت في هذا الموطن حكمة.. هكذا علمتني التجربة السابقة في مثل هذه المواقف.. مجرد كلمة رد أو تعقيب واحدة تكلف الكثير الكثير الكثير.. صرت أعرف متى يشتد غضبهم وأي الكلمات تزعجهم.
"اسمع وكُن رجلًا.. سنبدأ معك من الأخير.. وبدون مقدمات، يعني نريد معرفة نشاطك وحركتك وعلاقاتك واتصالاتك منذ خرجت من هنا آخر مرة وإياك أن تلعب فأنت تعرفنا ونعرفك"..
صمت برهة لأستجمع شتات أفكاري..
"أنتم تعلمون عني كل شيء، ومنذ خرجت ورجالكم على مقربة مني و(الحاج) ظللت على اتصل دائم به كما أمرتموني وهو يعرف عني كل شيء.. و..
"أنت كذاب..كذاب..كذاب ومنافق.. وولد زنى.."
"أقسم بالله ال.." لم أكد أكمل قسمي حتى جاءتني الصفعات المتتالية والشتائم القبيحة النابية..
"لا تقسم..لا تقسم.. أنت لا تعرف الله حتى تقسم به يا منافق.. الذي يعرف الله لا يكون خائنًا..وأنت خائن، خنت العهد وخنت الأمانة والوطن..!"
كلمات كبيرة.. ومن يسمع أسطوانتهم المشروخة تلك يحسب أنهم يهيمون في حب هذا الوطن.
"أنا أحب الوطن وأسرتي أسرة وطنية ووالدي كان.."
قاطعني كبيرهم بكلام جارح في حق والدي ثم تابع:
"باراكا من الشعر والتمثيل؟ قديمه هاذي"
أمرهم ففكوا عصابة عيني بعد أن حوَّلوني إلى زاوية الغرفة ووجهي للحائط، وحذَّروني من الالتفات حتى لا أرى وجوههم القبيحة.. ساءلت نفسي: ترى لماذا يتحرزون حتى لا يراهم الناس؟ أيخافون لهذه الدرجة؟ مم يخافون؟ على العموم أنا أيضًا لا أرغب في رؤية وجوههم القبيحة.. يكفيني ما أكابده بسبب وجه كابيلا وزبانية العذاب الآخرين ممن تنحصر مهماتهم في تقديم وجبات الطعام ووجبات العذاب.
امتدت يدٌ من خلفي ووضعت ورقة على الطاولة أمامي.
مسحتها بسرعة بعيني.. تقرير غبي كتبه أميٌّ جاهل.. ركاكة في التعبير وأغلاط إملائية لا يرتكبها تلاميذ الثالث الابتدائي حتى.. ومن يدري فلعله كتبه مُقدم حيٍّ.. كثيرون ممن مروا من هناك أو جمعني بهم السجن لاحقًا ساقتهم وشايات المقدمين التي أضحت في هذا الزمن الغريب وفي بلد الغرائب هذا ترهن مصائر العباد وتعتمد عندهم أكثر من وحي السماء دون أدنى تبيُّن أو تمحيص وألقت بهم خلف الشمس.. وويل لمن أشارت له أصابع مقدم أو شيخ.. من هنا تبدأ السلسلة! صارت لهم قيمة وشأن أكثر بكثير مما كانت.. بعد إعلان الحرب على (الإرهاب) المزعوم زُوِّدوا بهواتف محمولة خاصة وباقة من أرقام رؤوس خفافيش الظلام، والويل كل الويل لمن غضب عليه أحد هؤلاء المنبوذين.. حتى إن بعضهم وجدها فرصة للابتزاز ومصير من يرفض يكون تقريرًا كاذبًا يلقيه داخل القبر، كما فعل بأحد من التقيتهم داخله والذي أقسم له مقدم الحي بالأيمان المغلظة أن لحيته ستحرق بالولاعة.. كان هذا بعدما تصدى له رافضًا مساوماته وابتزازه.
لم أبذل كثير جهد لعصر ذاكرتي.. تذكرت ذاك اليوم بعد قراءة السطور الأولى من التقرير المنحوس.. كانت أمي قد كلفتني أنا العاطل المكتئب بالتوجه لأداء فاتورة الماء والكهرباء التي أصبحت هي الأخرى همًّا انضاف لهموم لا تنتهي تُثقل كاهل البسطاء في هذه البلاد خصوصًا بعد تفويتها كغيرها من مؤسسات الدولة للقادمين من وراء البحار الذين ضاعفوا أثمان الفواتير في ظرف وجيز.. أجزم قاطعًا أنهم لو استطاعوا امتلاك الهواء الذي نتنفسه لجعلوا لنا عدادات على رقابنا تحصي الزفرات.. وكل من تأخر عن موعد الأداء المحدد على ظهر الفاتورة أوقفوا تزويده فورًا.. الحمد لله على نعمة الأكسجين المجاني.. وصدق من قال إن الشعب المغربي يحتل المرتبة الأولى عالميًّا في حمل الأثقال.
وقفت لثلاث ساعات في الطابور الذي بدا لي بلا نهاية لأنه آخر أيام المهلة للأداء قبل إيقاف التزويد بالماء والكهرباء.. أعرف أُسرًا عدة تخلت عن خدمات هذه الشركات الأجنبية وعادت للحياة البدائية.. الإضاءة بالشموع والقناديل وجلب الماء من الآبار والسقايات العمومية.
تعبت من الانتظار في الطابور الطويل الذي لا تضاهيه إلا طوابير السفارات والقنصليات الأجنبية طلبًا لتأشيرة الخلاص والفرار.. كثيرون كانوا يمرون دون دور أو انتظار كبقية خلق الله.. ينزل الواحد من سيارته يشهر بطاقة أو يتمتم لحارس الأمن الخاص بكلمات ثم يتوجه مباشرة إلى الشباك في عجرفة وكبرياء تغيظ المنتظرين دون أن يجرؤ أحدهم على الاحتجاج.. أشجعهم كان يتمتم بكلمات هامسة..
حلَّ دوري.. وضعت الفاتورة والمبلغ أمام الجابي الذي لا يظهر منه سوى الوجه مختفيًّا خلف واجهة زجاجية.. دفعها إليَّ بتوتر مصطنع وأمرني بالانتظار، مهللًا ومقدمًا شخصًا أنيقًا دخل لتوه..
"مرحبا.. مرحبا..زيد آلحاج.. تفضل آش حب الخاطر..؟"
غلت الدماء حينها في رأسي وبدأت يداي وشفتاي ترتعشان.. أغلقت ثقب شباك الأداء بيدي بعد أن دفعت الحاج بكتفي وأخذت مكاني الطبيعي.. ثم أقسمتُ أمام الملأ بأعلى صوتي أن لا يمر أحد قبلي لأن الدور دوري.. علا حينها اللغط والصخب في القاعة المكتظة احتجاجًا وتضامنًا معي.. ازداد الهرج حين حاول الحراس جري بالقوة للخارج فتشبثت بحديدة حاجز حديدي وأنا أصرخ مطالبًا بحقي.. إلى أن نلته.. وانصرفت مزهوًا بنصري.
كان الحدث عاديًّا تقع الآلاف مثله يوميًّا في بلاد التخلف والزبونية.
وجدت الواقعة مدونة على الورقة مع زيادات وتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان.. منها عبارات توحي بنقدي للنظام والدعاء والتسخط عليه، وغير ذلك مما لم أتفوَّه به إطلاقًا..
أحد الخبثاء من (أصحاب الحسنات) المجَّانيين يبدو أنه حضر الواقعة.. أو دبوس من الدبابيس الصدئة لم أنتبه له ذاك اليوم.
وضعت الورقة من يدي المرتعشتين: "أقسم لكم بالله أن هذا كذب وفيه زيادات كثيرة"..
أعادوا تعصيب عيني بعنف وسرعة: "تتهمنا بالكذب يا ابن الزانية سنرى من يكذب، نحن أم أنت"
أنا لا أنفي الواقعة.. لكني لم أسب أحدًا، وهذا الموقف قد يقع فيه أي إنسان.. كنت في حالة توتر وعصبية ودافعت عن دوري دون أي شيء آخر..
"لا بل لعنت المقدسات والدولة التي تطعمك وتسقيك! تأكلون الغلة وتسبون الملة يا ولاد الق.." ثم خاطب أحدهم الآخر وهو يسمعني:
"ألم أقل لك آلحاج.. أن الراقصة تتوب ولا تترك هز الكتف.."
حاولت جاهدًا تبرير موقفي ذاك والدفاع عن نفسي وردّ ما جاء في التقرير من كذب وافتراء، دون جدوى.. كنت بينهم كتائه يصيح بأعلى صوته في صحراء خالية مقفرة.
شرعوا بأسلوبهم المعتاد.. العصا والجزرة، التهديد والمساومة.. هكذا عهدتهم.
"تعلم أن هذا الكلام فقط دون ما هو قادم يساوي خمس سنوات سجنًا؟ تعلم عقوبة المس بالمقدسات كم تساوي؟"
عن أي مقدس يتحدثون؟ الله هو المقدس، ورغم ذلك يسبونه هنا ويلعنونه جميعًا دون استثناء.. إن نسيت شيئًا فلن أنسى يوم نزع كبيرهم سروالي وأنا صائم مهددًا إياي أنه سينكح ربي ويفطرني بذلك.. تعالى الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرًا.
علقت في أذني كلمة (ما هو قادم) دون غيرها من كلماتهم.. حرب أعصاب لا تنتهي.. ساءلت نفسي: ما هو هذا القادم؟ هل علموا شيئًا عن موضوع سفري؟ اللهم استر وسلم يا رب. أخشى أن أكون سببًا في سقوط غيري أما أنا فالأمر يبدو أنه قد قضي إلا أن يشاء الله.
إلى هذه الدرجة كانوا يحصون حركاتي وسكناتي في كل مكان.. حيثما يممت وجهي كنت أجدهم.. بعض أغبيائهم ألِفتُ وجوههم لكثرة ما أراها.. في البداية كان الخوف والقلق يتفشى في داخلي وتكربني رؤيتهم.. إلى أن تعودت.. مرة لا أدري أي رغبة انتابتني فقررت أن ألعب مع أحدهم لعبة القط والفأر. وجدت في ذلك بعض المتعة والتسلية الممزوجة بالتشفي.. أصعد الحافلة فيصعد، ما إن تتحرك وقبل أن تصلني جابية التذاكر، أطلب من السائق التوقف لإنزالي بدعوى أنني قد أخطأت الرقم.. أنزل فينزل خلفي يلهث ككلب أجرب.. أدخل المقهى فيدخل.. أشرب كأس ماء واقفًا أو أدخل المرحاض.. أخرج فيخرج وكأني به يريد أن يقول لي ها نحن خلفك.. أحيانًا كانوا يغيبون لأيام ثم لا يلبثون أن يعودوا..
كانوا أيضًا زبائن أسخياء ومواظبين أيام العربة المدفوعة.
أذكى أولئك الأغبياء كان إسكافيًّا بين عشية وضحاها احتل رأس الزقاق المؤدي إلى بيتنا.. موقع إستراتيجي يمكنه من مراقبة كل الاتجاهات.. لم يطرده القائد كما فعل مع غيره من سابقيه.. يتقن ترقيع النعال والأحذية.. فراستي لم تخطئه من أول يوم إلى أن حدَّثني أحد العاطلين من أبناء الجيران محذرًا باستغراب عن امتلاكه لهاتف آخر صيحة، وتدخينه المارلبورو، وتناوله لوجبة الغداء في مطعم أرخص وجباته لا تقل عن خمسين درهمًا!
في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي..
في كل زقاقٍ أجدُ الأزلامَ أمامي..
أصبحتُ أحاذرُ حتى الهاتف..
حتى الحيطان.. وحتى الأطفال..
أقيء لهذا الأسلوب الفج..
ترى ماذا كان قائلًا الشاعر مظفر النواب لو عاش بيننا؟ ماذا كان قائلًا لو زار السرداب ورأى كابيلا؟
كررتُ طلبي ورغبتي في ولوج المرحاض وزاد تعنتهم ورفضهم.. يتلذذون بآلامي وأوجاعي.. يتهكمون ويسخرون: "ديرها في سروالك"..
زادت آلام بطني ومغصه.. صرت أتلوى وأتشنج فصاح كبيرهم:
"بدأت في مسرحياتك" متهمًا إياي بالتظاهر بالوجع.. سكاكين حادة تمزق أحشائي..
في لحظة، تغامزوا ربما فيما بينهم أو تلقوا إشارة، أجلسوني أرضًا وظهري للحائط.. وبدأت العملية مصحوبة بصرخاتهم التي يرجع صداها وتهز المكان: "افتح.. افتح.. افتح.."
بدأت الفظاعة مرة أخرى.. سبق وأن جربتها هنا تسمى عند من خبروها بعملية (الفريش) بتفخيم حرف الراء؛ لأن الضحية تفرش رجلاه بقوة وعنف حتى يصير كلاعبات الجمباز المتمرنات.. كلما زاد السحب زادت آلامي وصراخي.. صرت (كبركار) مفتوح عن آخره.. في لحظة ما أحسست بسائل ساخن يغمرني، ينزل في فخذي وساقي.. عمت الرائحة المنتنة كل الفضاء.. بدأتُ أتلوى، أتمرغ كديكٍ مذبوح نصف ذبحة لم يقطع وريده كاملًا.. آلامي الفظيعة أنستني فعلتي اللاإرادية.. شرعوا يفرون تقززًا ونفورًا من رائحتي.. يتهكمون.. ويسبون ويلعنون..
عَلِقتْ كلماتُ أحدهم بأذني مرة أخرى، زادت من شكوكي ووساوسي..
"ولاد الكلاب عايشين غير بالعدس وقالك باغيين يطيحو أمريكا"..
ربما رأى بأم عينه بقايا آخر وجبة تناولتها في بيتنا.. لكن ما دخل أمريكا بموضوع العدس، طعام الفقراء عندنا.. هل علموا بموضوع سفري؟
زادت شكوكي ووساوسي السوداوية التي صارت من زمن بعيد هي خصمي الأول.. أصارعها فتصرعني في غالب الجولات.. حدثني الطبيب الثرثار يومًا أن مرضي يسمى الوسواس القهري.. اللهم استر.. اللهم استر.
لم أستطع الوقوف رغم إلحاحهم عليَّ ومحاولتهم إرغامي.. أحس وكأن العصب والغضاريف في رجلي قد مزقت تمزيقًا عن آخرها. جروني من يدي كجيفة منتنة.. ما الذي يحدث؟ أهو حلم وكابوس من كوابيسي المفزعة؟ حالة الذهول ما زالت تسيطر عليَّ.. كل شيء يجري وتتقلب الأمور بسرعة غريبة..
رموني في زنزانة هذه المرة ولم يعيدوني وسط الأجساد المنهكة.. مرة أخرى.. العزلة.. الخوف.. العذاب.. الجنون القادم..
ها هو الباب الحديدي الأسود الضخم ينتصب أمامي في تحدٍّ وجبروت مرة أخرى.. يخاطبني مستفزًا: "هيا انطحني.. انطحني.. انطحني"..
تراجعت عن فكرة نطحه في آخر لحظة مستعيذًا بالله من الشيطان الرجيم ومن همزاته ووسوسته.
رجَّة قوية تزلزل القلوب، افتعلوها كلما فتحوا الباب أو أغلقوه.. يكاد فؤادي يطير معها فزعًا.. يضع يده على أنفه ويمسك قطعة صابون بالأخرى، رماني بها بسرعة وصفق الباب بقوة وعنف قائلًا: "خذ اغسل خراك" ..
سأصير أضحوكتهم من الآن فصاعدًا لا شك في ذلك..
وهو ما كان فقد صار اسمي عندهم هو (الخراي)
اذهب بالخراي.. جئني بالخراي.. تكلم يا خراي..
7
الليلة الثالثة.. ليلة (الشيفون) بامتياز.. استفقتُ من غيبوبتي لأجدني ملقى على قفاي كسلحفاة رماها موج البحر في اليابسة وعجزت عن العودة.. أطرافي مخدرة بالكاد أحركها، تحسستُ أنفي النازف المتورم.. نوبةُ سعال رهيب صارت تنتابني، أبصق بعدها بقع الدم القاني.. وألم فظيع أحسه في حنجرتي وكأن شفرات حلاقة حادة علقت بها.. صرت أحمل همَّ السعال أكثر من هم الجلوس على المرحاض لقضاء حاجتي بعدما (فرشوني) بسحب رجلي اليمنى لأقصى اليمين واليسرى لأقصى الشمال خلال حفلة الليلة الفائتة.. وكأن أسياخ حديد تخترق كامل بدني المثخن.. ثياب نومي المبتلة بالكاد أصبحت تستر عورتي.. حاولت جهدي مقاومتهم كي لا ينزعوا سروالي الذي تمزق، ويا ليتني ما فعلت.. بعد محاولة المقاومة الفاشلة تلك لم تعد الأصفاد تفارق معصمي خلف ظهري بعد ما كنت على الأقل أقي بهما بعض لكماتهم النازلة على وجهي بعشوائية بالغة.
مبتلًا من أخمص قدمي إلى شعر رأسي، اختلطت على أنفي الروائح، رائحة (الشيفون) العفن الكريهة، ورائحة البول العطنة.. خمنت، ربما فعلها الكلب كابيلا صاحب الوجه البشع بشاعة المكان وأنا في غيبوبتي.. فقد كنت علمت من بعض إخوة المحنة أن إحدى هواياته المتعددة المفضلة عنده هي إفراغ مثانته المملوءة جعة وخمرًا على أجساد الضحايا ووجوههم خاصة.
أحمدُ الله على كل حال.. لم يفعلوها بي أمام عيون أفراد أسرتي وبحضورهم كما فعلوها بميمون البركاني في غرفة نومه حين احتج على ترهيب أبنائه ليلًا والدخول على زوجه وهي بلباس النوم فقط.. وطالب بإذن الوكيل العام لتفتيش البيت.. المسكين ربما صدَّق كلام التلفزيون وبرَّاحي (العهد الجديد) وحسب أن ذاك الزمن قد ولى ولن يعود كما يروِّجون.. وأن زوَّار الفجر وخفافيش الظلام يعترفون بشيء اسمه القانون. كلما التقيته في ساحة السجن خاطبته مازحًا مذكرًا إياه بالواقعة.. واقعة التبول عليه أمام أعين زوجته وأبنائه.. "هل تظن نفسك في السويد يا ميمون" فكان يبتسم بألم.
بل أكثر وأخطر من هذا ما حدَّثني به لحظة مداهمة بيته وبعد التبول عليه.. أيقظوا شقيقه وشقيقته الصغار وهما من ذوي الاحتياجات الخاصة (الصنف المنغولي) كان المسكين يعيلهما فانهالوا عليهما ضربًا بكل قوة.. لم يسلم من شرهم أحد في هذه البلاد في هذه الحرب المستعرة بالوكالة.. أقسموا له قائلين: "والله إن لم تدلنا على مكان تواجد صديقك فلان لنقتلنهما".
كانا يصرخان في هلع ورعب شديد.. وتبوَّلا من شدة الرعب حتى ابتلت ملابسهما بذلك.. نزلت عليهما الأيدي والأرجل الخشنة بكل قوة ولم تكف حتى وافق على كشف مكان صاحبه الذي نال برفقته حكمًا بأربعين سنة قسموها بينهما سواسية.
زحفتُ على بطني بمساعدة يدي كدودة مبعوجة الذيل داستها قدم آدمية غير مكترثة صوب صنبور الماء.. صدق الخبيث ووفَّى بما توعَّدني به بالأمس حين قال: "ما زال ما شفت والو أوليدي سير ارتاح وفكر مزيان مع راسك، وتعاون معانا راه من مصلحتك.." (إنك لم تر بعد شيئًا يا ولدي.. اذهب الآن لترتاح وفكر جيدًا وكن متعاونًا فإن ذلك من مصلحتك)
صدق الخبيث.. هذا مما لم أره وأذق طعمه من قبل.. لكني أكيد قرأت أو سمعت عنه ممن زاروا المكان من قبل أو زاروا غيره من المراكز السرية والعلنية التي تنتشر على طول هذا الوطن أكثر من المستشفيات.
الليلة الثالثة.. ليلة (الشيفون) بامتياز.. وما أدراك ما الشيفون.. أدخل قبري ولا أنساها.. اللعنة ألف مرة على من اخترع هذه الوسيلة البشعة.. لو عرفته لبصقت على قبره وربما تبولت عليه.. بعدما علَّقوني من رجلي ومعصمي وسط عمود حديدي أفقي على طريقة الديك المشوي، تدلى رأسي للخلف لتسهل العملية.. شرعوا في الضغط على أنفي بملقط خاص لم أتبين شكله مما كان يضطرني لفتح فمي، حينها يدخلون خرقة الموت المبلولة بالسائل الغريب ويعصرونها في فمي.. غلبت رائحة مادة (الكريزين) القوية على رائحتي الكلور ومياه المجاري وربما أشياء أخرى لم أعرفها.
وأنا صغير أذكر أنني كنت أفر من البيت حين تستعمل الوالدة (الكريزين) في تنظيف المرحاض هربًا من رائحته الخانقة.. وها أنا ذا أعبه عبًّا رغمًا عن أنفي. كنت أظنه قد انقرض من الأسواق وتوقف إنتاجه بعدما هزمته منتجات التنظيف الجديدة زاهية الألوان والتعليب، ولم يصمد أمام وصلاتها الإشهارية المتنوعة التي لا تتوقف على التلفزيون.. من المؤكد أن القوم ما زالوا يحتفظون بمخزون هائل من هذا (الكريزين) من عهد يزعمون أنه ولى بلا رجعة.. تبدلت بعض الوجوه والشعارات ولم تتبدل الوسائل.. تبًّا لهم.. وهذه الوسيلة بالذات أزهقت أرواح الكثير من المستضعفين في مخافر الشرطة والمعتقلات.
اندلق السطل فأمر أحدهم بملئه من جديد.. تمنيت لو تطول مدة غيابه حتى أسترجع بعضًا من أنفاسي.. لكن الخبيث عاد في رمشة عين، وكأن الوصفة الرهيبة جاهزة ولا تحتاج كبير عناء لتحضيرها.. لعلها بئر مملوءة أو خزانات ضخمة، هكذا خلتها حينئذ..
تمنيتُ الموت.. عيناي تجحظان حتى كنت أظنهما قد غادرتا محجريهما.. السائل يخرج من أنفي.. رأسي تنفجر.. حين يحسون باختناقي الشديد ودنو أجلي كانوا يوقفون العملية للحظات..
كنت أغيب عن الوعي فتوقظني الصفعات القوية والمياه الباردة على وجهي.. وربما جعة كابيلا ورفاقه المخزنة في مثانته..
رفعت سبابتي كما أمروني إذا رغبت في القول.. "ملي تبغي تكلم هز صبعك"..
أوقفوا العملية.. "قووول.. قوووول.. بسرعة قوووول.."
"مهلًا عليه أريحوه يا كلاب.. أتركوه يسترجع أنفاسه.. أنا أعرفه راجل ونصف" .. هكذا صاح فيهم أحد الممثلين.. ثم توجَّه إليَّ يمسح الزبد الخارج من فمي وهو يردد: "مالك على هاد التكرفيص أوليدي من الصباح قول لهم فين هو صاحبك خ وسير ارتاح مع راسك.. ياك هو صاحبك من الروح للروح ما يمكنش يغبر بلا ما يقول لك فين غادي؟!"
أخذت فرصة لأسترجع بعضًا من أنفاسي.. خلتهم فرحين يفركون أيديهم مبتسمين يتغامزون علي.. ألحوا علي مرة أخرى فنهرهم الممثل الغبي متظاهرًا بالتعاطف معي والإشفاق لحالي: "دعوه يرتاح قليلًا" قاطعته حينها: "قتلوني وريحوني والله ما عارف شي حاجه عليه"..
كنت طبعًا كاذبًا في قسمي لأني أعلم علم اليقين أن الأمر لن يتوقف عند معرفتهم أين ذهب، سيكون اعترافي ذاك مجرد رأس الخيط وبداية السلسلة..
حرف الألف يتبعه الباء ثم التاء ثم الثاء.. وهكذا. وإلا فلو كان الأمر يتوقف هنا لقلت لهم وأرحت نفسي.. تبًّا لهم.. فلأصبر والله معي.
ازداد غيظهم وصراخهم وحنقهم بعد جوابي، فضاعفوا لي العذاب.. آخر ما أذكره من كلامهم قبل أن أغيب عن الوعي هو:
"واش احنا قتاله باغينا نقتلوك واش احنا مجرمين أولد الق.. حيد لمه السروال..حيد لمه السروال.." (هل نحن قتلة مجرمون حتى تطلب منا قتلك يا ابن العاهرة انزع سرواله).
****
الليلة الثالثة.. وما أدراك ما الليلة الثالثة..
صوت جلبة وضوضاء تكسر سكون الممر.. زحفت صوب البوابة الضخمة.. غريبٌ أمر المكان، كل الحواس تكاد تتعطل هناك وتتبلد ما عدا حاسة السمع من شدة الخوف يصبح المرء أسمع من فرس.
وضعت خدي على الأرض بمحاذاة أسفل البوابة السوداء حيث يتسرب خيط شعاعي ضوئي خافت، علي أسمع بعض ما يجري.
ضحية جديدة تساق نحو المسلخ، بالكاد يجر قدميه.. تمتمت له بالدعاء.
عمَّ الصمت الرهيب المكان لبعض الوقت، قبل أن يصلني صوت كبيرهم في لكنته الفاسية الركيكة: "قووول.. قووول.. قووول.."
يجيبهم الضحية في إصرار غريب بصوت فيه حشرجة وبحة:
"والله ما نقول! والله مانقول!"
"قووووول أولد الق.. قووووول أحسن لك..قووووووول..."
يجيبهم في تحدٍّ: "والله ما نقوووول.. والق.. هي أمك.. أنت هو ولد الق.."
وقف شعر رأسي وساد السكون الرهيب مرة أخرى.. ربما يعدون العدة لكسر هذا التحدي الغريب الذي لا يُقدِم عليه هنا إلا مجنون فقد عقله أو إنسان من غير طينتنا.
بعد لحظات دوى صراخ المسكين.. رجعُ صداه هزَّ هدوء الليل.. وكأن جلده يسلخ عن لحمه.. كدت أخِرُّ هلعًا، تقطعت النياط في قلبي ألمًا وحزنًا وخوفًا.. في حياتي لم أسمع كتلك الصرخات التي ما تزال تدوِّي في أذني ليومي هذا مساهمة بدورها في كوابيسي التي لا تنتهي منذ غادرت المكان.
مرة أخرى.. تمنيت الموت وراودتني فكرة الانتحار الشيطانية.. قمة العذاب أن تسمع استغاثات المعذبين وصرخاتهم الرهيبة وأنت لا تملك لهم شيئًا.. قد تفوق هذه الوسيلة في التعذيب بالسماع، الطيارة والصعق والشيفون نفسه.. أعتذر.. لا..لا.. إلا الشيفون.. إلا الشيفون..
خلتهم ينزعون أظافره أو يقطعون جهازه التناسلي بشفرات حلاقة كما فعلوا مع بعض من سلمتهم لهم أمريكا من غير المغاربة لانتزاع اعترافات منهم بالوكالة عنها.
توالى صراخه وتعالى، وازداد إصراره العجيب على اللاقول.. وازداد قلبي خفقانًا وجسدي ارتعاشًا.
انفجرتُ في نوبة بكاء داخلي مرير.. ترى أي قول يريدون منه قوله؟
أهو شهادة على قصة مكذوبة وسيناريو مصطنع على نفسه يريحه من عذاب مؤقت ويطوح به في غيابات الجب العميق حيث يفني زهرة عمره وشبابه.. يصارع العذاب والموت البطيء؟!
ترى لمَ كل هذا وأي بشر هؤلاء؟ ألهم أُسَر، وأطفال؟ هل يداعبونهم؟
أيعيشون بيننا ويأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق ويركبون الحافلات وينظرون في وجوه الناس كما نفعل ويفعل بنو البشر كلهم؟
آه.. آه.. آه.. لو أني لي بهم قوة.. تخيلتني أصفهم فأجز رؤوسهم واحدًا واحدًا.. أو أرمي بهم من قمة جبل شاهق.. أو أرمي بهم في قعر فرن ملتهب.. استعذت بالله من الشيطان الرجيم.. بعد ما كنت أتردد كثيرًا قبل قتل صرصار أو طرد قط ها أنذا قد سكنني شيطان الانتقام والحقد.. هم السبب، ومن يمر من هناك ولا يسكنه شيطان الغل والحقد والانتقام؟!
إنه مصنع كبير لتفريخ وحضانة الضغينة بامتياز..!
لا أشك في أنهم سيجنون في يوم قريب، ما يستثمرونه هذه الأيام في هذه المصانع وما ينتجونه.. حينها لن ينفعهم الندم.
أسائل نفسي باستمرار: كيف برأ من هذا بعض ضحايا الماضي ممن سمعناهم مرارًا يرددون أنهم عفوا وصفحوا.. بل أكثر من هذا صافحوا جلاديهم أمام العدسات المرتقبة لالتقاط حميمية اللحظة؛ المصطنعة ربما.
أتستطيع حفنة مال أن تطمس فطرة خلقها الله فينا؟ أم هو كلام ضعيف عاجز انطبق عليه مثل القط الذي لم يتمكن من بلوغ قطعة لحم فقال إنها منتنة؟
أجاهد نفسي ليومي هذا لأقتل الشيطان الكامن في داخلي فيأبى.. أكاد أقضي عليه بالأمل واستحضار أحاديث وآيات الصفح.. يترنح ثم يعود بعودة وجوههم التي لا تكاد تفارقني.. تذر ملحًا على جراحاتي التي تأبى الاندمال.
أيقظتني من تساؤلاتي صرخات المسكين مرة أخرى.. رسمت له هو الآخر بورتريهًا سريعًا في مخيلتي معتمدًا في ذلك لكنته السوسية وصلابته وتحديه النادر.. نحيل ضعيف بنية الجسم.. عيناه واسعتان غائرتان.. قصير القامة.. فاحم الشعر..
خفتت الأصوات مرة أخرى فشحذت سمعي وأجهدت نفسي أكثر لسماع بعض ما يجري.. "سوريا..العراق.. الموصل.. أبو جابر.. أبو ضحى.. أبو فلان.. أبو علان.. الإيميل.. الباسبور.."
فهمتُ الموضوع مما وصلني بصعوبة من كلماتهم المتقطعة.. كلنا في الهوى سواء يا صاحبي السجن. ضحية أخرى ممن ابتلعهم أخدود الحرب بالوكالة، ودمغتهم مقولة وشعار هولاكو الزمان: "معي أو مع الإرهاب".
جلبة وضوضاء تقترب مني هذه المرة في الممر.. أعادوا المسكين محمولًا أو مجرورًا، رموه في زنزانته، سمعت جسده يتهاوى محدثًا دويًّا وهو يرتطم بالأرض.. أغلقوا الباب بقوة كالعادة، عادوا يلهثون.. يسبون.. ويلعنون.. انغمست في حزني وآلامي وبكائي المرير.. ما أبشع الإحساس بالضعف (والحقرة) وكزني شيطان الانتقام من جديد.. فسرحت بخيالي بعيدًا.. قطعت رؤوسهم.. سملت عيونهم..
لم أذق طعم النوم مذ ولجتُ المكان.. لا أدري أهي الصدفة التي رمت بي في زنزانة تجاور غرفة التحقيق، أم هو سبق إصرار منهم وترصد.. ارتفع صوت المكبرات.. رجع صدى المكان يزيد صوت المغني قوة.. تكاد ترج الجدران، وسيلة تعذيب رهيبة من نوع خاص، شعارها ممنوع النوم في هذا المكان.. ليلة أخرى من ليالي السهر والعذاب.. ربما يشربون نخب (النصر) في هذه اللحظة على الإيقاعات الصاخبة.. رائحة الخمور لا تبارح أفواه (حجاج العهد الجديد) هي لحظات استراحة ربما.. قبل أن تدور رحى العذاب من جديد..
حاولت جاهدًا ربط أطراف الخيوط التي تركوها لي مشبكة في جلسات العذاب الأخيرة.. لحد الساعة لم يطرحوا مسألة سفري.. مجرد رموز وكلمات وألغاز توحي لي بذلك.. على العموم ليس لي ما أخسره.. ما وقع قد وقع وقدر الله وما شاء فعل.. ولن يصيبني إلا ما كتبه الله لي في اللوح المحفوظ.
صدق حدسي هذه المرة.. هما ضحيتان.. صغيرا السن.. يسحان الدمع الغزير المصحوب بالترجي والاستغاثة: "الله يرحم الوالدين آلحاااج.."
"قلت لك يا ولد الق.. أنا ما عندي والدين.. أنا ولد الحرام لقوني مرمي قدام جامع.. أنا أبو جهل.. أنا أبو لهب.. ههههه" يقهقه بصوت جهوري.
يزيد بكاؤهما وخوفهما.. "الله يخلي ليك لوليدات آلحاج.. لوليدات آلحاج"
يصرخ فيهم أبو جهل اللقيط: "شكون فيكم الأمير.. شكون الأمير..؟"
يقسمان بأغلظ الأيمان أنهما لا يعرفان شيئًا.. أظن أن الطاحونة لم تدر بعد.. أبذل بالغ الجهد لأسمع ما يدور.
" يا لاه اللي ماشي أمير يحيد سروال الأمير" (من ليس بالأمير فلينزع سروال الأمير).. يصمتان.. فتدوي اللطمات واللكمات والصفعات وأوامر اللقيط أبو لهب بصوته المرعب المدوي:
"حيد ليه السروال آولد القح.." (انزع سرواله يا ابن العاهرة)
يسحان الدمع غزيرًا ويشرعان في نزع سروال بعضهما البعض على تشجيعات وسخرية المجرمين، للبراءة من الإمارة المزعومة.. تتعالى عبارات التشجيع والاستهزاء والتشفي..
"هاذي هي دار الحق، من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره" استعارة إبليسية خبيثة لآية عظيمة أضحت كاللازمة تردد على مسامع كل من ساقه القدر إلى المكان القذر.
دارت الرحى.. تعالت الصرخات.. اختلطت الأصوات.. وامتزجت.. صوت المغني يجلجل المكان.. زيديني عشقًا زيديني..
زيدوه ألمًا زيدوه.. حتى يقر لأمه..
تحسست خصيتيّ.. ألم فظيع يسري فيهما.. أفزعني المنظر حين كشفت، وكأن كتيبة نحل هاجمت المكان.. جذبهما الخبيث بقوة.. شعرت أن روحي ستزهق منهما، قال الخبيث: "من الآن فصاعدًا ليس لك ما تفعله بهما.. انتهت مدة صلاحيتهما ووظيفتهما.. تعرف لماذا؟ صمتت ولم أجب، لأنك لن ترى امرأة بعد اليوم.. صلِّ على نفسك صلاة الجنازة.. سنرسلك حيث تغرس شجرة وتنتظر ثلاثين سنة لتستظل بظلها.."
قهقهوا جميعهم غير مكترثين بصراخي وآلامي.
صورة والدتي الغالية ترتسم أمام ناظري ولا تكاد تفارقني.. أكاد أجنُّ حين أذكرها.. بذلت جهدًا كبيرًا لإقناعها بالسفر صوب بلاد الرافدين، كنت كلما ظهر إصدار مرئي جديد للمجاهدين هناك دعوتها لغرفتي وعرضته أمامها للمشاهدة وكنت أعمل عمل المترجم والشارح.. بكت مرات عدة لصور الأطفال الممزقة بقذائف الطائرات وقصص النساء المغتصبات.. لم أزل بها حتى نطقت يومًا موافقة على سفري مبررة امتناعها السابق بسبب خوفها من الأسر ومعاناة غوانتانامو وأبو غريب.
آه لو تعلمين أيتها الغالية عن (الشيفون).. وما أدراك ما الشيفون.. تبًّا لتلك الخرقة العفنة.. تبًّا لها ولمن اخترعها..
لهم غونتاناموهاتهم وأبو غريباتهم.. ولنا الحبس الأخضر بمدينة تمارة الصغيرة، حيث يعشعش الموت.. ولنا الشيفون. مهما ابتكروا فلن يصلوا لمثل هذه الطريقة المغربية الصرفة.. وإن وصلوا، فمن أين لهم بالخليط البشع؟ من أين لهم بسائل الكريزين العجيب؟ إلا أن يستوردوه منا في إطار هذا التعاون والتحالف الدولي على محاربة الإرهاب.
قالت لي المسكينة: أن أسمع بموتك أهون عليَّ من أن أسمع أنهم قد اعتقلوك.. كررتها علي مرارًا.. هكذا هي الأم دائمًا.
سرحتُ بخيالي بعيدًا.. بعيدًا.. بعيدًا.. سألت نفسي السؤال الملح الذي لم يفارقني: لماذا نتجشم المخاطر ونشد الرحال لآلاف الأميال لقتال الغزاة الصليبيين ونترك أذنابهم وحماتهم في عقر ديارنا يعيثون فسادًا وإفسادًا؟
شعاعُ شمسِ يومٍ جديد يتسرب من كوة الزنزانة الكئيبة.. هدأت الطاحونة إلى حين.. زئير أسد هرم يأتي من بعيد وكأني به يحتجُّ على ما يجري بجواره في زمن لا بواكيَ لحمزةَ فيه.. إنها تمارة.. إنها البشاعة.. زرت حديقة حيواناتها وأنا صغير في رحلة مدرسية.. وها أنذا أزور حديقة حيواناتها الخلفية في عز شبابي.. لكنها حيوانات من صنف آخر!
وقبل أن ينهار
زمجر الجدار
كم من أسد سجانه حمار
مع اعتذاري للحمير
8
هنا الموت.. هنا الفظاعة.. هنا الحمق.. هنا الجنون.. لكم كنت ساذجًا وأنا أتابع بعض كلمات لضحايا الماضي المزعوم دفنه.. ما أن حل (العهد الجديد) حتى ظهروا دفعة واحدة للشهادة والتكلم عن الماضي ومعاناتهم وتمنياتهم بعدم تكرار ما جرى. في الوقت الذي كانت فيه جلود الشباب تسلخ وأجسادهم تشوى وأعراضهم تنتهك، فتحت لهم كل وسائل الإعلام وأبواق الدولة أبوابها فجأة في خطة مرسومة ومدروسة مسبقًا.
كادت الحيلة تنطلي عليَّ وكدت أصدق في لحظة ما بعضًا من كلمات قادة الزفة المخزنية الجدد من (مناضلي الأمس) .. القطع مع ممارسات الماضي، ضمانة عدم التكرار، نزاهة القضاء.. وهلم شعارات وكلمات أجهدوا أنفسهم في اختيارها وتنميقها.
حين سقطتُ عرفتُ الفظاعة التي لا زالت تنتجها سراديب أجمل بلد في العالم! هكذا سموه لجلب العشرة ملايين سائح زعموا!
"الله يلعن اللي ما يحشم" (لعن الله من لا يستحيي) هكذا يقول المثل العامي
شرعتْ الوساوس تأكلني من جديد.. أحلمٌ هذا أم حقيقة هي؟ أصفع خدي بيدي لأتأكد من يقظتي.. ترى لماذا جيء بي هذه المرة؟ أكُلُّ هذا العذاب ليعرفوا أين اختفى (خ)؟ مستحيل؟
مستحيل أن يكونوا قد علموا شيئًا عن موضوع سفري.. كنت أعرف أين أضع خطواتي بحذر شديد وأنا أستعد في أيامي الأخيرة.. كان (ع) عند وعده.. وهو يحدثني كان يقرأ ما يدور في دواخلي من أسئلة واستفسارات فيطرح لها حلولًا قبل أن أتفوه بها.. ذكاؤه الشديد وصداقتنا التي امتدت منذ الطفولة علمته كيف يقرؤني..
"سأحاول الكتابة لك كل أسبوع أو كل أسبوعين حسب الظروف والإمكانيات، هذا ما دمت حيًّا أرزق بطبيعة الحال.. أعرف أنك تحب التفاصيل وتغرق فيها لا عليك، أعدك بإطلاعك على كل صغيرة وكبيرة ما عليك سوى الدعاء لي بالتوفيق والثبات"
جن جنونهم حين اختفى وأذاقوا أسرته المر والعلقم.. حرصت ألا يروه معي منذ خرجنا من السرداب في المرة الأولى.. فكنت ألتقيه خلسة بعد ترتيب اللقاء لأيام وأيام.. وكأننا نعد لانقلاب عسكري.. هكذا كان يقول مازحًا.. ناولني الشيفرة التي اتفقنا عليها في آخر لقاء لنا قائلًا:
"اسمع لا تفرط فيها، واحذر، أقسم لو وجدوها معك فسيعيدون ختانك من جديد.. ههههههه" ضحكنا حتى دمعت عيوننا.. لم يكن يكف عن المزاح، حتى في أحلك الظروف.. حتى وهو يحكي عن أيام السرداب.
وصلتني أولى رسائله حملت الأمل وزادتني حماسًا وتسريعًا لاستعدادات السفر.. كدتُ أطير حينها فرحًا.. حملتها كما اتفق وعدت مسرعًا للبيت لأسهر ليلة كاملة في فك رموزها كباحث آثار هيروغليفية مستمتعًا بذلك متعة لا توصف.
"أخي وصديقي العزيز: وصلنا بلاد العثمانيين.. مرت الأمور في المطار على ما يرام كاد حينها قلبي يتوقف عن النبض لكن الله سلم.. التقينا الشباب رفيق السفر دخل وأنا في انتظار دوري.. أنتظر الدليل الجديد لأن الذي قبله قد رحل نسأل الله أن يتقبله.
لم أخرج من البيت مذ دخلته، هكذا تقرر.. تحدوني رغبة جامحة لرؤية إسطنبول، مدينة الإسلام وعاصمة الخلافة المفقودة.. تغريني مساجدها، جسورها، ومتاحفها بمعروضاتها النادرة.. خاصة سيف الرسول عليه الصلاة والسلام وسيوف الصحابة التي حطمت صنم الجاهلية.. لكن كلمات المسؤول عنا هنا يتردد صداها في أذني كلما هممت بذلك: ".. يا شباب نحن لم نترك ديارنا وأهلينا وأبناءنا وأموالنا ونجئ هنا للسياحة والترفيه.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" ها أنتم ترون أخانا أبا الوليد المكي، جنى على نفسه وكاد يجني علينا لولا لطف الله سبحانه.."
هذا الأخ كان قد خرج من البيت للتسوق دون إذن.. أوقفوه في حاجز تفتيش روتيني وبما أنه لم يكن يحمل معه جواز سفره ولم يدلهم على البيت الذي تركه فيه حتى لا ينكشف أمرنا.. فقد رحلوه توًّا إلى بلده السعودية، والبقية تعرفها كما نعرفها.. لهم (تمارتهم) أيضًا هناك.. لا يخلو بلد من السراديب.
أخبرنا بسرعة بعد الحادثة مرافقه التركي الذي نجا فغيرنا المكان بسرعة تحسبًا واحتياطًا.. نحن الآن في ضيافة أسرة كردية كريمة، ننتظر الإشارة للعبور.. لا تنسنا من دعائك الصالح.
آه لقد نسيت أن أخبرك أنني أصبحت أكنى أبو تاشفين تيمنًا بهذا القائد المغربي المسلم.. ومرافقي أصبح أبو روضة. لا مجال هنا للأسماء الحقيقية.. انتهى دورها وعهدها.. سلامي للشباب جميعًا"
ثم توالت رسائله تباعًا.. ترى هل علموا عنها شيئًا؟ لا.. لا.. لو كانوا يعلمون لما أمهلوني.. ومن أين لهم العلم بها.. كنت أسلك مسالك معقدة لاستقبال الرسائل وأغير نوادي الإنترنت باستمرار.. من أستقبل منه مرة لا أعود له أبدًا.
وساوسي تكاد تفقدني توازني العقلي.. ونفس السؤال يلح عليَّ.. لماذا جاؤوا بي هذه المرة؟ أحاول فك الرموز وجمع الخيوط المتشابكة.. أستعيد كلماتهم وتلميحاتهم خلال الجلسات السابقة وأعطيها ألف تفسير وتفسير..
أحس أني أقرب إلى الجنون، أحوم حوله أو يحوم حولي.. على العموم لو لم يكن موضوع السفر فإنهم قادرون على اختراع وخلق ألف قضية وقضية.. من يسألهم عما يفعلون؟ ومن يجرؤ على ذلك؟ لا أحد في هذا العالم المتواطئ! وكأني بهم يتحدون الجميع.. أخالهم يقهقهون وهم يقرؤون تقارير المنظمات الحقوقية المحتشمة، ويستعملونها أوراق حمام يمسح بها (كابيلا) القذر وبقية الزبانية نكاية فيمن كتبها وهم يرددون ثملين القافلة تسير والكلاب تنبح، قولوا ما شئتم اكتبوا ما بدا لكم.. أدينوا.. احتجوا.. موتوا بغيظكم.. أمننا وأمن أصدقائنا وحلفائنا أولًا.. ولتشربوا البحار إن شئتم..!
سمعتها منهم مرارًا وتكرارًا: "هنا مكاين لا حقوق إنسان ولا.. والله يا ولد الق.. حتى ندفنو امك حي في الغابة.."
تخيلت مرارًا أني أدفن حيًّا.. ما أبشع ذلك.. أوضع في حفرة.. أصيح.. أصرخ.. أستغيث.. أترجاهم.. أستنجد.. يهيلون علي التراب.. جسدي يختفي ويختفي تدريجيًّا.. أحاول الصراخ فيخنقني الغبار.. أسعل.. أسعل.. وأسعل.. لا.. لا.. أفضِّل طلقة في الرأس على هذا.. تمنيتُ من قلبي لو يفعلون، يوم استشاط كبيرهم غضبًا وغيظًا ووضع فوهة مسدسه في ثقب أذني مهددًا بإطلاق النار إن لم أتكلم.. كان ثملًا مترنحًا.. كنت أعلم أنهم لن يفعلوا ومع ذلك تمنيت لو لعب الخمرة برأسه فيضغط الزناد ليريحني من عذاب تلك الليلة الموشومة في ذاكرتي المثقوبة وألقى الله شهيدًا.. ليلة العصا هكذا سميتها.
كتيبة نمل أسود صغير تحمل صرصارًا بعد أن قطعته أجزاء بدقة بالغة.. الأرجل، الجذع، الأجنحة.. عزيمة هذا المخلوق الصغير تهد الصخر.. تمنيت أني حينها نملة تتسلل من الشقِّ أسفل الباب وتسيح في أرض الله الواسعة.. قد تطؤني قدم بغير شعور.. لا يهم، خير لي من المكوث هنا.
وأنا أتابع مسير الكتيبة المنظم ساهيًا مستغربًا، أثارتني خربشات على الجدار.. خطوط لعد الأيام.. توجد على كل جدران الزنازن في العالم.. قسمها صاحبها مجموعات، كل واحدة تضم سبعة خطوط عمودية، عدد أيام الأسبوع، عليها خط أفقي علامة على انقضائه. ربما خطها بأظافره التي طالت بطول مقامه هنا. شرعت أعد المجموعات مقربا عيني من الجدار (38) مجموعة، تعني (38) أسبوعًا.. يا للهول أعدت العد مرات ومرات.. كم أكره الرياضيات والحساب ومعادلاته السحرية التي كانت تبدو لي كطلاسم.. لم يتجاوز معدلي فيه 5 نقاط على 20 في أحسن الحالات.. قارب مكوث المسكين هنا السنة أو أكثر.. لربما تعب من العد وتوقف أو حول لزنزانة أو معتقل سري آخر.. يستحيل..كيف قضى كل هذه المدة.. وأين هو الآن؟
في الزيارة الأولى قضيتُ ثلاثة شهور وأيام خرجت بعدها إنسانًا آخر، كأنني قضيت قرنًا.. خرجت محطمًا ومدمر النفسية والصحة.
زادت شكوكي ومخاوفي ومغص بطني.. قد يبقوني هنا لشهور أو ربما لسنوات، من يمنعهم من فعل ذلك؟
شاءت الأقدار بأن ألتقي فيما بعد بمن مكث هنالك السنة وأكثر من السنة.. منهم (ب) اعتقلوه على الحدود مع (سوريا الأسد) زار (تمارتهم) التي يطلقون عليها فرع فلسطين.. بناية ضخمة ذات طوابق تحت أرضية وسط العاصمة دمشق تنتصب كغول مرعب.. يكفي ذكر اسم المكان أمام إخواننا في الهمِّ والمعاناة من أشقائنا السوريين لترتعد فرائصهم ويبللون سراويلهم رعبًا وهلعًا.. يُحكى أن أحد المساكين بلغه استدعاء للحضور إلى فرع فلسطين لأمر عاجل، ما إن أمسك الاستدعاء وعرف مصدره والمكان المطلوب منه أو المأمور بالتوجه صوبه حتى شهق شهقة خرجت روحه على إثرها هلعًا ورعبًا.. سراديب الموت الشيطانية تنتشر كنباتِ فطرٍ سام على طول هذا المعتقل الأمريكي الكبير الذي سموه الوطن العربي، من المحيط إلى الخليج.. لم يتوحد بنو يعرب ولم (يبدعوا) إلا في هذا المجال.. يقتتلون.. يتقاطعون.. يتدابرون.. يلعن بعضهم بعضًا.. وفي نفس الوقت يتبادلون الخبرات والطرق الجديدة وآخر ابتكاراتهم التي تجعل الإنسان يتكلم بما رآه في منامه وتمناه في صحوه قبل عشر سنين..
مكث صاحبي هناك ستة أشهر.. استدعاني مرة للمبيت عنده في زنزانته وتناول وجبة العشاء برفقته ونحن بسجن الدار البيضاء.. حدثني عن مساره، سمعت العجائب والغرائب.. بكى حينها بكاءً مرًّا وبكيتُ معه.. وضحكنا أيضًا حتى دمعت أعيننا لكثرة الهمِّ الذي يضحك من كثرته.. بدت لي مأساتي حينها لا شيء أمام هول ما حكاه لي..
أذكر أن مما أضحكني وجعلني أستلقي على قفاي مقهقهًا.. حكاية شاب من تونس المكلومة بدورها، كان نزيلاً معهم بمعتقل أسد سوريا.. جرت العادة والروتين في بداية كل تحقيق أن يسألوا عن كل شيء: الاسم والأم والأب والعم والخال والجار والجد السابع.. ثم سألوه سؤالًا غريبًا: هل أنت سني أم شيعي؟
ارتأى المسكين وهداه تفكيره لحيلة المراوغة عل التقارب السوري النصيري والإيراني الرافضي وشهر العسل الذي تمر به علاقاتهما يشفعان له، فأجابهم: "كنت سنيًّا وتشيَّعت"..
فطنوا لكذبته فردوا عليه من السنة النبوية :"ألم تسمع قول النبي: من بدل دينه فاقتلوه" فصُلب بعدها عاريًا تمامًا على سرير حديد ثم ركز الصعق الكهربائي على خصيتيه حتى صارتا كخصيتي فيل أفريقي مريض.
تذكرتُ الشاب الذي أتوا به ولم تكن له أي علاقة بالالتزام الديني بتاتًا.. كانوا يعذبونه ويسألونه أسئلة كبيرة، وحين يقسم لهم أنه حتى الصلاة لا يصليها يصرخون فيه: "الذي لا يصلي كافر.. إذن فأنت كافر.. لماذا لا تصلي يا كلب يا كافر..يا.." فشرع يصلي في السرداب..
حدثني أنهم كانوا يحشرون المائة فرد وزيادة في غرفة لا تطيق أكثر من عشرين فردًا من مختلف الجنسيات يأكل أجسامهم البق والقمل والجرب والحكة وعلل أخرى لم يعرفوها إلا في ذلك المكان الرهيب في ضيافة الأسد علينا وأمام اليهود نعامة.. الله يلعن أبناء الكلب.. مع اعتذاري للكلاب فهي أوفى منهم.. اللعنة..
قتلة في الصباح وأخرى في المساء.. هذا هو البرنامج عندهم وأحيانًا يزيدون، مع كل هذا يحكى أنهم كانوا محظوظين مقارنة مع أبناء البلد وجيرانهم اللبنانيين والفلسطينيين "كنا نراهم ونحن نقاد إلى المرحاض لقضاء حاجتنا البيولوجية أو إلى غرف التحقيق.. هياكل عظمية زرعت فيها الروح كسجناء معسكرات ستالين بأضلاع بارزة يرتدون أسمالًا يبدون فيها كممثلي أفلام الرعب أو كخارجين من قبور. منهم من قضى السنوات الطوال دون محاكمة أو حتى تعلم أسرته شيئًا.. يموت الواحد منهم فيحمل في بطانية عفنة إلى وجهة مجهولة دون تغسيل أو كفن أو صلاة عليه.. كان المساكين يرفعون أصبع السبابة حين تلتقي عيوننا أن اثبتوا.
اتفق الضيوف يومًا –وهي التسمية التي يطلقونها على السجناء الأجانب– أن يُصلُّوا على أحدهم صلاة الغائب.. لم نبلغ التكبيرة الرابعة حتى هاجمونا كوحوش جائعة.. ضربونا بالعصي وأعقاب البنادق ونحن قيام نصلي.. بعدها منعونا من المرحاض والماء ليومين متتاليين.. كثرت خلالهما حالات الاختناق والإغماء.. ومن غرائب "تمارة الأسد" أن بها زنازن عائلية مخصصة للأسر يحتجزون أسر بعض المطلوبين نساءً وأطفالًا وعجائز وحتى الرضع كوسيلة ضغط على الهارب لتسليم نفسه.. حدثني صديقي أن نواح النساء وبكاء الأطفال لا يكاد يهدأ هنالك ليل نهار وأنه لوحده كان عذابًا شديد الوقع على السجناء..
"مهما أنسى.. فلن تفارقني صورة ذاك الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة بعد، أشقر بعينين زرقاوتين تنطقان بالبراءة والبؤس طالت مدة إقامته هناك برفقة أمه وإخوته الصغار.. كان هو أكبرهم.. أحدهم رضيع لم يكن يكف عن البكاء من الجوع والحر الخانق في تلك الأقبية المقيتة ورائحة الرطوبة والعفونة والقيء والصديد.. حين طالت مدة إقامة الأسرة المسكينة شرعوا يسمحون للطفل الأشقر بالخروج من زنزانة أسرته ليتدبر لشقيقه الأصغر حليبًا مجففًا من زنزانتنا.. كانت هذه الحالة الإنسانية فرصة للخبثاء للمزيد من الابتزاز.. حتى ضاعفوا ثمن علبة الحليب خمس مرات عن ثمنها الأصلي حين نجمع المبلغ اكتتابًا بيننا أو يتطوع بعض الإخوة الميسورين من أبناء الجزيرة العربية أو غيرهم لشرائها يبدأ الحارس المجرم في المساومة والتلكؤ حتى نرفع القيمة.. فطن الخبثاء لنقطة ضعفنا فصاروا يتركون الطفل الأشقر يتجول في الممرات ويطلب منا ما تحتاجه أسرته.. حليب، حفاظات الأطفال، أدوية طعام.. لم يكن لنا من حل غير الاعتناء بهم..
في يوم ما.. سأل أحدُنا أحدَ الخبثاء الذي كان يظهر ويتصنع التأسف لحالنا طمعًا في العملة الأجنبية لأنه لم يكن يقبل التعامل بالليرة السورية؛ عن سر وجود هذا الطفل هنا وأسرته فأجاب الخبيث بتشفًّ وحقد: " أحسن لهم أن يكونوا هنا حتى لا يصيروا كوالدهم الذي تعبنا"..
ومن يكون والدهم؟
"إنه أحد رؤوس الإرهابيين الشيشانيين"
بعد أن أمضى صاحبنا ما قسمه الله له ولم يستطع تدبير مبلغ 6000 أورو التي طلبها سمسار المحققين السوريين مقابل إطلاق سراحه وعدم ترحيله إلى بلده؛ أركبوه وآخرين من أمثاله في طائرة باتجاه المغرب.
"كدت حينها يغمى علي من شدة الفرح وأنا في الطريق إلى بلدي أحسست وكأني خرجت من الجحيم دون أن أدري أن سقر في انتظاري حيث سأقضي ما يقارب السنة.. أطلقوا بعدها سراحي.. لم أنعم بنسيم الحرية سوى أيام حتى أعادوني مثقلًا مرة أخرى.. فكان نصيبي من الكعكة عشر سنوات نافذة".
صيَّرته المدة التي قضاها هناك خبيرًا ومحللًا سياسيًّا لا يشق له غبار.. متخصصًا في الشأن السوري.. يضاهي ويتفوق على الكثير من معتوهي القنوات الفضائية من مدعي المعرفة والتحليل المأجورين.
مرة ونحن نناقش في باحة السجن الأزمة السياسية بين سوريا والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت في أوجها.. كان رأيه مخالفًا للجميع.. بل كان يقسم بالأيمان المغلظة ويجزم قاطعًا أن أمريكا لن تهاجم النظام السوري وأن كل ما يجري لا يعدو أن يكون مجرد مسرحية مكتملة الأدوار والفصول، كل طرف يلعب فيها دوره باحترافية وإتقان.. انتهت بعد ذلك الأزمة وشاهدنا الأسد يصافح المبعوث الأمريكي إلى المنطقة في فرح وانشراح واضح.. حينها خاطبت صاحبي: صدق من قال: من رأى ليس كمن سمع.. وأنت رأيت وسمعت وذقت.
9
مستلقيًا على ظهري أنظرُ إلى السقف الذي تعشش في زواياه عناكبُ كثيرة نسجت خيوط بيوتها آمنةً مطمئنة.. صارت لي صديقةً وجارة.. أحيانًا أصطاد لها الذباب، أمسكها من جناحها أقربها بحذر شديد من الخيوط.. الفخ.. ما إن تعلق حتى تتقدم نحوها الحشرة الغريبة تلفها وتلفها بإتقان وبراعة بخيوطها الدقيقة إلى أن تشل حركتها.. تذكرت الحكاية التي قرأتها عن هذا المخلوق.. لا أدري مدى صحتها والتي تقول إن الأنثى تظل كالأميرة بعد زواجها لا تفعل شيئًا سوى التهام ما يصطاده الذكر.. ينتفخ بطنها تضع الصغار ثم تطردهم من العش مباشرة بعد الوضع، وحين تغلظ وتسمن تلتهم بعلها المسكين.. الذي يتوقف دوره وحياته معًا، نعم الإخلاص والوفاء والجميل.. تسمرت طويلًا خلال ليالي السهاد والأرق أرقب الأعشاش علي أحظى بهذا المشهد الغريب.
سمرت نظري على الخيوط الدقيقة وسرحت بعيدًا.. أسترجع الذكريات الأثيرة بمرارتها.. حين تركوني -مؤقتًا- أول مرة.. صارت المدينة بشوارعها وعلى اتساعها تضيق علي.. تضيق.. حتى كنت أحسها أضيق من زنزانة السرداب السيئ الذِّكر والذكرى.. تغيرت ملامح الأمكنة وكأنني غبت عنها قرنًا من الزمن.
لن أنسى تلك اللحظة وذاك الشعور الذي انتابني، حين نزعوا العصابة عن عيني ورموني في طريق متفرع عن"الأتوروت" الطريق السيار بمدخل المدينة الصاخبة.. أمروني أن أمشي وأن لا ألتفت خلفي وإلا أعادوني.. لم ألتفت ومع ذلك عدت.. من هول الصدمة، لم أعرف أول الأمر أين أنا، عاملاتُ الحي الصناعي يُسرعن الخطى بسُحناتٍ عَلَتها علاماتُ الإرهاق والبؤس، وجوهٌ صفراء تعاني فقر دم تحالف على مصِّه أخطبوط الباطرونات من أصحاب البطون المنتفخة بعرق الناس.. وسوء التغذية وغول العنوسة.. أصابني الدوار كخارج من منجم أو راكب بحر لأول مرة (اللي داخ يشد الأرض).. طبقت المثل الشعبي فورًا وحرفيًّا وجلستُ على حجر ناتئ.. أتفرس الوجوه كأبله ضائع أو قادم من كوكب آخر.
لا أدري تحديدًا أي المشاعر تلك التي كنت أجد آنذاك.. رغباتٌ جامحة اجتاحتني دفعة واحدة. البكاء.. الفرح.. الصراخ.. الركض! هذه الأخيرة -الرغبة في الركض- لا زلت أحسها ليومي هذا، لم أجد لها أي تفسير.. سألني صاحبُ سجنٍ ورفيقُ محنة يومًا ونحن نحلم بيوم الفرج.. و ما أكثر أحلامنا هنا.. عن أول شيء سأفعله إن كُتب لي الخروج حيًّا من المقبرة.. أجبته دون تفكير أو تردد: سأجري! استغرب ردي ورغبتي تلك.. نعم سأجري، أجري في غابة خالية أو شاطئ فسيح.. سأركض.. سأركض إلى أن أسقط.. يغمى علي أو يتوقف قلبي عن النبض.. ساحة السجن الصغيرة لم تكبح هذه الرغبة المجنونة التي تتملكني وتسكنني رغم محاولاتي المتكررة.. ساعة من العدو وهي أقصى مدة بلغتها خلال محاولاتي، أظل أدور فيها كحمار مغمض العينين يجر رحى عتيقة؛ لم تقمع هذا الشيء الغريب الذي أجده في داخلي.. تخنقني الأسوار العالية وتجثم على صدري "كبوغطاط" الذي ألف زياراتي كل ليلة تقريبًا.. فظيع أن يلازمك هذا المارد في صحوك ونومك.. قرأت يومًا لا أذكر أين، أن العرب تسميه الجثامة.. صدقوا.. أصارع الأرق والسهاد رغم حفنة العقاقير المختلفة الألوان التي لم يعد لها مفعول أو تأثير.. وما إن تأخذني سنة من نوم حتى يجثم الخبيث على صدري وعنقي، أحاول الصراخ وطلب النجدة دون جدوى.. أحاول تحريك أطرافي دون جدوى.. يشل حركتي.. خمنت يومًا أن "كابيلا" الشرير قد يكون أحد نسله الذي لا ينقطع.. خنقني يومًا بيديه الضخمتين حتى انقطعت أنفاسي وغبت عن الوعي إلى أن أيقظتني صفعاته القوية ورجع صدى صوته المدوي.
استعدتُ بعض توازني.. آلمني نتوءُ الحجر تحتي.. ترجَّلتُ من جديد.. وكأن العالم قد وارى ذكورة التراب.. لو فعلها فلربما سيكون الوضع أفضل! ألقيت التحية على فتاتين لا أدري كيف انتقيتهما من بين هذا الخضم الزاخر من بنات حواء من مختلف الأعمار والألوان.. زادت خطواتهما سرعة بعد أن ردَّت علي أكثرهما جرأة ودمامة: "الله يسهل أخويا..".
تمنيت لو تنشق الأرض حينها وتبتلعني.. ألهذه الدرجة صار منظري بشعًا يحاكي المتسولين الذين صاروا يزاحمون الناس في كل مكان؟ قصدتُ أقرب سيارة مركونة بباب شركة نسيج محاولًا استعمال زجاج نافذتها الجانبية على يمين مقعد السائق كمرآة تعكسني عليها.. لم أتبيَّن شكلي كما رغبت.. أهتزَّ قلبي فجأة وتراجعتُ خوفًا.. قد يمسك أحدهم بتلابيبي ويتهمني بمحاولة سرقة محتويات السيارة، ثم أجد نفسي خلف القضبان مع قطاع الطرق وتجار المخدرات ومغتصبي براءة الطفولة.. من يستمع إلي أو يصدق مبرراتي.. الأفكار السوداء والخوف صار يتملكني.. أصبحت مذ ولجت القبو أعيش الرعب من المجهول، كالشاب البدوي من ضواحي مدينة خريبكة الذي جاورني يومًا على حافلة قادمة من طنجة.. قال لي ونحن نتحدث عن الوطن والغربة كلامًا لن أنساه بدا لي حينها مبالغة.. حدثني أنه منذ أن تطأ قدماه الوطن وهو خائف مرعوب وأن رهبته لا تزول حتى يصعد السفينة عائدًا إلى إيطاليا حيث يقيم.. ظننته يهرب المخدرات، فلخص أسباب خوفه في كلمات يتيمة: أخاف من الباطل!
"في هذه البلاد ساهل باش يرميو عليك الباطل"..
عشت تلك الشهور التي تركوني فيها في رعب ووسواس فظيع.. أهمُّ بفعل الشيء ثم أتراجع عنه فورًا.. أقصد المسجد للصلاة.. ما إن أنزع نعلي حتى أنتعله وأعود للصلاة في البيت.. أقرر زيارة أختي التي تلحُّ علي في ذلك أشد الإلحاح بل وتستحلفني مرارًا.. أقطع نصف المسافة الموصلة إلى بيتها أو أكثر ثم أجدني قد نزلت من الحافلة عائدًا من حيت أتيت.. قد يصنعون لزوجها سيناريو يربطونه بي ويلقون به في القبو حيث كابيلا البشع والخرقة الرهيبة (الشيفون) والطيارة وأشياء أخرى.. ييتمون أبناءه وهو حيٌّ يرزق وأكون أنا السبب في ذلك.. ألم يسألوني عنه وعن أسماء أبنائه وأعمارهم ومدارسهم؟ هكذا يوحي لي ويحدثني شيء ما بداخلي وأنا في الطريق إليها فأعود فورًا. ربما كنت محقًّا فحين ولجتُ السجن عرفت الكثيرين ممن لا ذنب ولا جريمة لهم سوى (جريمة) القرابة الدموية التي تجمعهم ببعض السجناء.. أحدهم كان شابًّا جيء به من دولة أوروبية لم يكن يكلم أحدًا إلا نادرًا، حاكموه بعشرين سنة لأنه فقط خرج من رحم واحدة مع شقيقه الذي اعتبروه عنصرًا خطيرًا فكانت النكاية فيه بهذه الوسيلة، وغير هذا الكثير.. الكثير..
كانت دبابيسهم تلاحقني منذ خرجت وتكاد تنغرز في خاصرتي، تزيد من خوفي ووساوسي.. حتى شككت في كل من يحيط بي، في نفسي، وأهل بيتي ومعارفي، والعالم أجمع.. قررت الاعتزال والاعتكاف في البيت منذ اليوم الذي هرب مني فيه (ط) كنت حينها أبحث عمن بقي من أصدقاء كغريق يلتمس حبل نجاة في ظلمة حالكة.. لم يزرني أحد بعد الإفراج (المؤقت).. ما إن لمحني قادمًا في اتجاهه حتى التفَّ عبر أول زقاق عن يمينه مغيرًا الشارع الذي جمعني به ومتظاهرًا بعدم رؤيتي.. عرفت حينها سبب ارتباك والدته التي قابلتني ببرود وارتباك غير معتاد صباح نفس اليوم الذي طرقتُ فيه الباب سائلًا عنه.. تلعثمتْ وهي تخبرني أنه لن يعود من سفره إلى البادية قبل شهر.. وفي المساء لمحته! رغم ذلك حاولت أن ألتمس له ولأمه ولغيرهما الأعذار.. الخوف والهلع أكل الأكباد هذه الأيام..لم يكن (ط) هو الأول ولا الأخير.. (أ س) كان أكثر منه جرأة ووضوحًا.. أول ما زرته في محله التجاري.. أحسست انزعاجه وتحرُّجه من تلك الزيارة الخاطفة.. اضطرب وتغير لونه.. قال لي وهو يحاول استجماع ما يمتلك من جرأة وشجاعة للتخلص مني بأدب:
"اسمع يا أخي سأكلمك بصراحة.. سأتدبر لك مبلغًا من المال تتحرك به وتزور طبيبًا نفسيًّا، بلغني أنك تعاني، أعرف واحدًا متخصصًا في شارع إدريس الأول، هذا عنوانه، لا تتأخر في زيارته، سأرسل لك المبلغ إلى البيت مع الوالدة حين تمر عليَّ للتسوق. أرجوك لا تخبر أحدًا بهذا ولا تسئ بي الظن.. فأنت تعلم الوقت "خايبة"، وأنت مراقب.. وأنا غارق في الديون.. و.. و.. وكلامًا آخر لم أعد أذكره.
صرت كالمجذوم أو المكلوب، يفر منه الناس.. ويعتبرون هروبهم منه هو صك براءتهم.. زادت غربتي وتفاقمت.. أشجعهم كان يسلم عليَّ ويهنئني على العودة وهو يتلفت يمنة ويسرة كلِصٍّ، ثم يذوب متظاهرًا بكثرة المشاغل.. أطفال الجيران وحدهم، ظلوا على وفائهم.. ما أن أطل من رأس الزقاق حتى يركضون نحوي ببراءة طفولية غير مبالين بما يجري في هذا العالم الأحمق.. أركل معهم الكرة.. وأحكي لهم نكتة أو لغزًا يناسب مستواهم وعقولهم.. كانوا أذكى مما كنت أعتقد.. بدورهم لاحظوا تغيري ولمسوه.
صدمني أذكاهم يومًا بسؤال غريب: "هل صحيح أنهم حرقوا لسانك بالكهرباء في السجن؟"
كانوا إذن يعرفون سبب اختفائي.. أجبته ضاحكًا بالنفي..
فقال: "وعلاش وليتي تمتام؟!" لم أدرِ حينها بمَ أرد..
حتى الصغار لاحظوا التأتأة اللاإرادية التي أصبحت تعرقل كلماتي.. أجهدتُ نفسي طويلًا للتخلص منها.. أضغط الحروف عند الكلام.. أرخي شفتي.. أزمهما.. تتشنج عضلات وجهي وتكسوه الحمرة الشديدة..
استصغر الطبيب الثرثار الأمر ولم يتوقف عنده كثيرًا حين حدَّثته عنه.. وطمأنني واعدًا بتحسن حالتي بعد الخروج من الصدمة والالتزام بالوصفة الطويلة والمكلفة.
أرشدني حارسُ معملِ نسيج تحيط به صبياتٌ قاصرات يبحثن عن مكان ما داخل المصنع إلى رقم ومحطة الحافلة التي تقربني من بيتنا بعد ما أكد لي أنني موجود بالحي الصناعي عين السبع.. تراجعت عن ركوب الحافلة في آخر لحظة مفضلًا دخول البيت ليلًا تحت جنح الظلام لأتفادى نظرات الفضوليين وكلمات الشامتين وضحكاتهم الصفراء.. هكذا قررت آنذاك.. فيممت وجهي غربًا.. رائحة البحر بدأت تدريجيًّا تنتصر في أنفي على ما تنفثه المصانع في تحدٍّ لأنصار البيئة ومحامي طبقة الأوزون الذي يتسع خرقه يومًا بعد آخر.
لاحت لي زرقة البحر الأطلسي.. خلوُّ المكان وشمس الصباح أغرياني بغمس جسمي، ففعلت.. مرة أخرى أوحت لي وساوسي الغريبة بوجود أسماك قرش جائعة تحوم حولي.. فقمعتها رغم إلحاحها الشديد ومحاولاتها المستميتة لإقناعي.. أستعيذ من الشيطان الرجيم وأتلو آية الكرسي متسمرًا مكاني تاركًا الأمواج تلطم ظهري.. شعرت بلذة غريبة وأنا أتمرغ مستلذًّا دفء الرمال.. تذكرت جدي حين سألته وأنا صغير عن تمرغ حماره ومسارعته لفعل ذلك كلما نزع عن ظهره (البردعة).. حدثني جدي أن فعله ذاك ينسيه تعب وعناء اليوم.. صدق جدي وصدق الحمار.. واصلت التمرغ..
استلقيتُ على ظهري متوسدًا سروالي الوسخ ومراقبًا السماء.. حركة سحابة صغيرة تزحف ببطء على شكل دب قطبي ضخم، حجبت للحظات شمس الصباح التي افتقدتها طيلة مدة تغييبي.. ترى كيف هي أمي الآن؟
كيف ستستقبلني؟ كيف ستكون اللحظة تلك؟! لا..لا.. لن أهاتفهم.. سأترك لهم المفاجأة.. هكذا قررتُ وأنا في القبو قبل مغادرته..
دخلت الزقاق متسللًا كلصٍّ خائف تحت جنح الظلام.. طرقتُ الباب.. قلبي يهتز ويدي ترتجف.. أحاول التحكم في أطرافي فلا أفلح.. انفتح الباب ببطء دون السؤال المعتاد عمن يطرقه.. فكرة مجنونة سوداء قفزت لذهني.. ماذا أفعل إن وجدتها ماتت؟ ماذا لو وجدتهم قد أهالوا عليها التراب؟ سأنتقم.. هكذا قررت حين ذاك وبسرعة دون تردد.
تسمرتْ بنت أخي للحظات تنظر إليَّ مبتسمة في خوف وخجل طفولي.. قبل أن أنحني لرفعها ارتمت عليَّ وهي تصيح: "ماما.. ماما.. عمي جا.. عمي جا.. عمي جا".. انقلب البيت رأسًا على عقب.. عيناي تدوران بحثًا عنها.. لم أستطع السؤال خوفًا من الإجابة المميتة.. لكن بعد لحظات وصلتني صرخات المسكينة..كانت في سطح البيت:
"وليدي.. وليدي.. وليدي.."
ثم دوت زغرودة قوية بصوت فيه حشرجةٌ وألمٌ وحزن..
صعدتُ الدرج المؤدي للسطح فالتقينا في منتصف الطريق.. حين لمحتني ارتمت عليَّ.. صرختْ صرخةً قوية ثم أصيبت بالخرس للحظات.. لم تصدِّق ما تراه أمامها، كنت حينها منهكًا شاحبًا، فقدتُ ربع وزني.. في ظرف شهور قلائل فقدتُ ربعَ وزني وتغيرت ملامح وجهي.. وجدتُ الحبيبة أمي قد ازداد رأسها شيبًا وجسمها ضمورًا.. صارت مجرد حفنةِ عظامٍ هزيلة.. خطت المحنةُ على وجهها السمح أخاديدَ عميقة.. هكذا بدت لي..
تذكُّرُها وذكراها كانت ولا تزال تدمي قلبي.. تقتلني في اليوم ألفَ مرة.. لا أدري سبب كل هذا الشغف.. الحب.. والشوق الذي أحسه كلما أوصدت في وجهي الأبواب الضخمة وأطبقت الجدران على صدري.. لم تلج المدرسة يومًا، ولم تمسك قلمًا قط.. لكن عيناها كانتا تشعان ذكاء ونباهة ونبلًا..
عانقتني.. ضمتني إليها بقوة، وبقيتْ متشبثةً بي كطفلة تخافُ ضياع دميتها منها.. دموعها الدافئة لم تتوقف، بللت وجنتيَّ فاختلطت بدموعي التي جاهدت طويلًا حبسها.. بصعوبة بالغة خلَّصوني منها وهم يحاولون تهدئتها.. ارتمتْ فجأة على قدمي.. نزعت نعالي وقذفت بها من النافذة خارج البيت.. بقيتُ مشدوهًا.. هل تمكَّن منها الخبل والجنون بسبب صدمة فقدي؟
بعد أيام وحين استعادتي لبعض توازني النفسي والعقلي نبأتني شقيقتي بسر التخلص من النعل.. كانت وصية إحدى جاراتنا التي زعمت أن التخلص من نعل الخارج من السجن فور ولوجه البيت وعدم الاحتفاظ بها داخله يكون سببًا في عدم عودته مرة أخرى للسجن.. عدتُ رغم وصفة الجارة التي بدورها لا يكاد أبناؤها يغادرون السجون حتى يعودوا لها من جديد.
أصرت المسكينة أن أبيتَ أيضًا في حضنها على السرير امتثالًا لتعليمات نفس الجارة الخبيرة حتى يذهبَ رَوعي ويطردَ دفؤها برودة عظامي زعمت.. رغم حيائي الشديد الذي يطبع علاقتي بها منذ زمن طويل فقد وجدتني ممتثلًا، مطيعًا، منقادًا ببلاهة واستغراب لعيون وإشارات أفراد الأسرة التي تحثني على تلبية رغباتها كطفلةٍ مدللة أو مريضة كانوا يخشون غضبها.. بدت لي من خلال تصرفاتها أنها في الطريق إلى الجنون.. ضمتني في الفراش كرضيع مقمط.. وشرعت تتحسس ساقي ورقبتي وظهري.. تبحث عن آثار وعلامات تفند بها كذبي.. تبكي بحرقة وتسألني بدقة وتفصيل عما فعلوه بي.. فضحتني آثارُ الأصفاد الملعونة على معصمي.. بكت وبللت يدي بالدموع وهي تقلبها وتعاتبني على كذبي وادعائي بأنني لم أتعرض لشيء من التعذيب.
هل صحيح أنهم صعقوكم بالكهرباء يا بني؟ حدِّثني فأنا أمك.. لماذا تخفي عني؟ الناس والجرائد يذكرون هذا.. أنفي ذلك.. وأنفي.. وأنفي.. تحاصرني بكلماتها وتفضحني عيوني.. كانت تقول لي وأنا صغير: أعرف كذبك من عيونك.. أنت لا تعرف كيف تكذب.
حدثتني طيلة الليلة عن ما كابدته في غيبتي.. تألمتُ لذلك كثيرًا.. في كل مرة كانت تقطع حديثها لتسألني: "هل تشعر بالبرد يا بني؟ هل أضيف بطانية أخرى إلى غطائنا؟"
استعد، سترافقني صباح الغد للسوق لشراء خروف.. سأقيمُ لك صدقةً للوفاء بنذر قطعته على نفسي.. تظاهرتُ بالتثاؤب والرغبة في النوم، علها تهدأ وترتاح.. باتت متشبثة بي.. لم أذق طعم النوم.. عند الفجر أخذتها سِنة من نوم.. دفنتُ وجهي في صدرها وبكيت.. دونَ شعورٍ بكيت.. ماذا أبكاني حينها؟
لا أدري.. ما أذكره هو أنني بكيت.. بكيت.. بحرقةٍ وصمتٍ بكيت.. حاولتُ كبح شلال الدموع المفاجئ فلم أفلح.. فاستسلمتُ له.. بكيتُ من القهر.. وكنت حريصًا على أن لا تراني أبكي.

http://www.gulfup.com/?pfDnFY
https://www.sendspace.com/file/n4z54b

الموقع الرسمي لنخبة الإعلام الجهادي
www.nokbah.com