JustPaste.it

الزرقاوي.. الجيل الثاني للقاعدة

بدأ قبضايا في شوارع الزرقاء وتتلمذ علي شيخ المجاهدين العرب عبدالله عزام ومنظر السلفية المقدسي
دعا عشيرته بني حسن الي استرداد القدس.. وفي سجن سواقة اكتمل الخط الجهادي عند الناشط الاردني
فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشنطن التي تطلق علي حربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صنع استراتيجياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.

شخصية الزرقاوي والابعاد الثلاثة

الزرقاوي، هو أحمد فضيل نزال الخلايلة، وكنيته أبو مصعب، والزرقاوي لقب لم يعرفه الأردنيون من قبل، وهو نسبة إلي مدينة الزرقاء التي ولد فيها في الثلاثين من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1966، معظم سكان مدينة الزرقاء التي تبعد نحو 25 كلم شرق العاصمة عمان من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
ولد الزرقاوي لأسرة فقيرة محافظة تنتمي إلي عشيرة بني حسن وهي من كبري عشائر الأردن، موطنها البادية الأردنية الممتدة من حدود الأردن مع العراق وسورية إلي مدينة الزرقاء وجرش الواقعتين في وسط الأردن والمناطق المحيطة بهما.
والابعاد الثلاثة التي شكلت شخصية الزرقاوي الحالية؛ الأول تتعلق بنشأته، والثاني يرتبط بالبعد الديني والمدرسة المذهبية التي قنع بها، والثالث الانعكاس التاريخي.

نشأة الزرقاوي

نشأة أحمد فضيل البدوية وعلاقته الخاصة بوالدته كانت الضلع الأساس في تشكيل شخصيته، تجد الطيبة فيه عفوية وحبه للآخرين عفوياً، وتجد إقباله علي مساعدته للآخرين كذلك عفويا، ولا تغيب بداوته عنه في فهمه أو علاقته مع الآخرين، وبمقدار ما هو معروف عن البدوي شهامته وشجاعته وكرمه، فقد جُبل البدوي أيضا علي تمسكه بثأره، فلا ينسي إساءة عدوه أو خصمه أو غريمه مهما طال الزمن، ويمتلك البدوي في العادة قدرة هائلة علي الصبر ليصل إلي ثأره، وما يُتداول في الموروث الشعبي عن بدوي تعجل في الآخذ بثأره بعد انتظار دام أربعين عاما، فيه دلالة عميقة علي طول صبر البدوي، هذا الصبر لا يقتصر علي الأخذ بالثأر، بل يتعداه إلي الصبر علي شظف العيش وصعوبات الحياة، وانتظار قطف الثمار!
عاش الزرقاوي طفولته في حي رمزي في الزرقاء، وهو من الأحياء الشعبية المكتظة. علي بعد عشرات الأمتار من ذلك الحي، كان الزرقاوي يلهو مع أقرانه في المقبرة الواقعة في حي معصوم، الذي يعتبر من أقدم الأحياء الشعبية في مدينة الزرقاء، التي ازدهرت نتيجة وجود أقدم معسكرات الجيش الأردني فيها، منذ بدايات تأسيس المملكة. أصبحت الزرقاء لاحقا مركز استقطاب سكاني، حتي لكثيرين ممن يعملون خارجها، لانخفاض كلف المعيشة فيها. اتسعت المدينة حتي أصبحت، ثالث أكبر مدن الأردن سكانا. غالبيتهم من الموظفين والصناع، بعد أن كانت موطنا للبدو الذين يعمل أبناؤهم في صفوف الجيش. ولأن مدينة الزرقاء اتسمت بدايات بنائها وتوسعها بالعشوائية، كانت تفتقر للخدمات العامة، فلم يكن أمام الصبية بد من اتخاذ المقبرة ـ في بدايات نشأتها ـ مكانا للهو واللعب، لافتقار المدينة إلي المتنزهات، وأماكن اللهو واللعب. والمقبرة، كونها مشاعا لجميع الصبية في تلك المدينة الصغيرة حينذاك، كان يرتادها الأشرار والطيبون، فعايش الزرقاوي منذ بواكير وعيه، الخير والشر في آن معا، وتعايش مع التناقضات، علاوة علي ما يتركه قضاء الوقت الطويل بين القبور من تصالح مع التناقض بين فكرتي الموت والحياة. في تلك المقبرة نسج الزرقاوي أهم صداقاته.
درس الزرقاوي حتي الصف الثاني الثانوي وحصل علي معدل (87 %) في نهاية العام الدراسي، لكنه لم يكمل الثانوية العامة. وعمل لمدة قصيرة لا تتعدي شهرا واحدا في بلدية الزرقاء/قسم الصيانة، لكنه ترك العمل بناء علي طلب والده.
عرف عن أبو مصعب في تلك الفترة أنه من قبضايات الحي لا يجرؤ أحد علي التعدي علي أي من أصدقائه أو أقاربه، كانت نفسه أبية لا تقبل الظلم، صاحب نخوة يلبي طلب أصدقائه ويدافع عنهم، كانت نفسه وثابة تبحث عن شيء يطفيء عطشه للرجولة، وفعل شيء نافع.
بعد أن اشتد عوده في مدينة الزرقاء التي لا يكاد يخلو شارع من شوارعها من مسجد، وغادر سن المراهقة، أصبح مسجد عبد الله بن عباس المجاور لبيته، بيته الثاني. في هذا المسجد بدأ الزرقاوي نسج صداقات جديدة، الأصدقاء الجدد جلهم ينتمي إلي جماعات إسلامية مختلفة، لكن كل تلك الجماعات علي اختلاف اجتهاداتها، تُجمع علي تحريض الشباب علي الجهاد، فأخذت أفكار الجهاد والاستشهاد تتنامي عنده، بعد أن أصبح رواد المسجد، هم الأصدقاء الأكثر قربا، مغادرا كل تفاصيل الطفولة والصبا التي بناها في المقبرة، دون أن يغادر علاقاته التي بناها فيها أيام الصبا.

هجرته الأولي إلي أفغانستان

الجهاد ضد الشيوعيين المحتلين لأفغانستان، كان الطريق المتاح في الأردن ـ مثل معظم الدول العربية حينذاك ـ لعشاق الجهاد والاستشهاد، مع أن فلسطين، كانت الأقرب للأردنيين عامة والزرقاوي خاصة، جغرافيا ووجدانيا، بحكم التركيبة الديموغرافية لسكان الأردن.
في الرسالة التي وجهها الزرقاوي إلي أبناء عشيرته (بني حسن)، والتي يدعو فيها أبناء عمومته إلي العمل من أجل رفع راية الإسلام والانخراط في الجهاد ضد كل من يحول دون مقاتلة الإسرائيليين المحتلين لفلسطين، يعلن الزرقاوي أن جذور عشيرته تعود إلي القدس:
يا قوم عودوا لدينكم فهو مجدكم وعزكم ومجد آبائكم وأجدادكم الذين نالوا شرف الانضواء تحت لواء صلاح الدين الأيوبي في حطين وشرف المشاركة في تحرير القدس مع قبائل أخري، فأقطع صلاح الدين للقبائل التي شاركت معه أراضي حول القدس من أجل حمايتها من الصليبيين وقال: هذا مسري جدكم فحافظوا عليه (يقصد النبي صلي الله عليه وسلم)، وكانت حصة بني حسن في الجزء الجنوبي الغربي من القدس حيث عاشوا وتكاثروا في قري الولجة وعين كارم والمالحة وغيرها...
يا قوم... أجدادنا يومها حافظوا علي تلك الأراضي وحموا القدس الشريف ، فعاشوا عزة الإسلام وقوته، أباة مخلصين .
لكن الزرقاوي شد الرحال كغيره من الشباب الأردني الإسلامي المتحمس إلي أفغانستان، أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، حيث عبد الله عزام وأسامة بن لادن. بعد أن استمع إلي محاضرة ألقاها عبد الرسول سياف في الأردن، هذه المحاضرة كانت النقطة الفاصلة لديه في اتخاذ قرار الالتحاق بالمجاهدين في أفغانستان.
عبد الله عزام كان من أوائل العرب الذين توجهوا إلي أفغانستان، لمشاركة المجاهدين الأفغان قتال جيوش الاتحاد السوفييتي الداعم لحكم الشيوعيين هناك، أقنعه بن لادن بالانضمام إلي المجاهدين في أفغانستان، بدل الدراسة في إحدي الجامعات السعودية، وكان يُنظر إليه في أوساط المجاهدين الأفغان علي أنه قائد وملهم كل المتطوعين العرب والمسلمين. يعتبر عبد الله عزام إلي جانب بن لادن، مؤسس ظاهرة الأفغان العرب، التي ما لبثت أن انتشرت في البلدان العربية بعد خروج جيوش الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، وتوجه إليها أصابع الاتهام بأنها وراء الكثير من تصاعد المصادمات المسلحة مع الأنظمة العربية الحاكمة. وعبد الله عزام من القيادات التاريخية الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وكانت ولا تزال تلك الجماعة تعيش حالة وفاق مع نظام الحكم منذ نشأتها، رغم حالات المد والجزر التي تعتري تلك العلاقة بين الفينة والأخري.
كانت الأنظمة العربية الحاكمة ـ التي يرتبط معظمها بشكل أو بأخر بعجلة السياسة الأمريكية ـ تشجع توجهات الشباب الالتحاق بالمجاهدين في أفغانستان، حيث كانت الحرب الباردة علي أشدها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فكان المتطوعون يغادرون الأردن إلي أفغانستان جهارا نهارا، وتجمع أموال التبرعات بشكل علني من المساجد والأماكن العامة لتمويل سفر الأعداد الكبيرة من الشبان إلي أفغانستان. في الوقت الذي كانت الأموال الخليجية والسعودية تحديدا، تتدفق علي المجاهدين الأفغان استجابة لمطالب واشنطن الحريصة علي إلحاق الهزيمة بخصمها اللدود ـ موسكو. في تلك الفترة، كان أئمة المساجد في الضفة الغربية وقطاع غزة، ممن ينتمون إلي المدرسة الفكرية القريبة من الإخوان المسلمين، يكفرون من يقومون بعمليات فدائية ويفجرون أنفسهم بأحزمة ناسفة في المناطق الفلسطينية المحتلة، فلم يكن بد أمام الزرقاوي الباحث عن فرصة للجهاد من التوجه إلي أفغانستان، للالتحاق بعبد الله عزام، أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
تلقي الزرقاوي تدريبه العسكري، ونمت ثقافته الدينية والسياسية في ظل القتال المحتدم بين المجاهدين من عرب وأفغان مع جيوش الاحتلال السوفييتي. شارك في فتح خوست عام 1991م وشهد دخول المجاهدين إلي كابل، قاتل علي أسخن الجبهات وتحديدا مع جلال الدين حقاني وقلب الدين حكمت يار، وهما الزعيمان الأفغانيان المطلوبان اليوم علي القوائم الأمريكية إلي جوار أبو مصعب الزرقاوي.

محطة افغانستان

في أفغانستان تشكل الضلع الثاني من شخصية الزرقاوي، وكان هذا الضلع هو الأساس في تشكيل نمطه الفكري، النصف الأول من هذا الضلع شكله وأسسه فكر عبد الله عزام، وأكمله لاحقا، عصام البرقاوي المعروف باسم أبو محمد المقدسي الذي التقي معه عام 1989في بيشاور بالباكستان.
قتال الزرقاوي ضمن جبهات الأفغان جاء أقرب إلي خط عبد الله عزام ـ الذي عُرف بشيخ المجاهدين العرب، وقد تأثر به كثيرا؛ كان يقرأ كتاباته، يستمع إلي محاضراته، يردد أقواله كثيرا.
بعد انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، واشتعال القتال بين الفصائل الأفغانية، لم يعد للمجاهدين العرب عدو يقاتلونه، مما قد يكون أسهم في تبخر أحلامهم الجهادية بأفغانستان، فما كان أمام المجاهدين العرب القادرين علي العودة إلي بلدانهم، دون التعرض لمخاطر أمنية إلا العودة، والبحث عن عدو جديد، ويبدو أن هذا ما دفع الزرقاوي للعودة إلي الأردن، لتأسيس تنظيم، يجسد رؤياه. فاتفق مع المقدسي ـ فلسطيني المولد، القادم من الكويت، حيث كان أهله يقيمون ـ علي ذلك منتصف عام 1993، بهدف تعبئة الشباب بالفكر الذي يؤمنون به، كمرحلة أولي نحو تجميع السلاح والقنابل، للتدريب أولا، والقيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل ثانيا.
بدأ أبو محمد المقدسي المنظر الأساس لهذا التنظيم ـ الذي أطلقوا عليه تسمية جماعة التوحيد ـ بإلقاء الدروس والمحاضرات في المساجد وأماكن تجمع الشبان، بهدف ضمهم إلي مجموعتهم الجديدة. وجلهم بما فيهم المقدسي والزرقاوي كانوا عديمي الخبرة التنظيمية، فوقعوا بشراك الأجهزة الأمنية الأردنية بعد وقت قصير من بدء العمل، فزج بهما مع بقية أفراد التنظيم بالسجن في 29 آذار (مارس) عام 1994، وقدموا للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة، بقضية أطلقت عليها السلطات الرسمية الأردنية اسم بيعة الإمام.

بيعة الإمام

كان تأسيس جماعة التوحيد مع المقدسي الذي قاده إلي سجن دام خمس سنوات الخطوة العملية الأولي في رحلة الزرقاوي اللاحقة، وكان السجن المحطة الأهم في تكوين شخصيته.
لم يكن لرحلة الزرقاوي الأولي إلي أفغانستان أهمية كبيرة في تكوين شخصيته، إذ لم يتسن له في تلك الفترة أن يكون أكثر من عنصر بين آلاف العناصر العربية التي توافدت إلي أفغانستان، في وقت بات القتال فيه بين المجاهدين وجيوش الاتحاد السوفييتي في نهاياته، فكان أن فقدت ساحات القتال ألقها، مما أفقد الجميع ـ بمن فيهم الزرقاوي ـ فرصة إظهار مهاراتهم وتمايزهم.
كانت للسجن بصمات واضحة المعالم في شخصية الزرقاوي التي تبلورت لاحقا، وأصبحت شخصية حدية لا وجود للون الرمادي فيها، إذ اصبح رجال الشرطة بكل تخصصاتهم، والقضاة بكل مراتبهم ومواقعهم وكل أركان الحكم، في نظره، أعوانا للأنظمة الحاكمة، التي هي وفق قناعاته طواغيت، يجب محاربتهم.
بعد انتهاء مرحلة التحقيق، رُحّل الزرقاوي إلي سجن سواقة الصحراوي الذي يقع علي بعد خمسة وثمانين كيلو مترا جنوب العاصمة عمان، بعد رحلة شملت عددا من السجون. ما لبث أن التحق به رفاقه المعتقلون علي ذمة القضية ذاتها، وأصبحوا كلهم معا في سجن واحد.
كان سجن سواقة في تلك الفترة يضم أكثر من ستة آلاف معتقل، الجناح السادس كان أهم أقسام السجن، إذ كان يحتضن العديد من المعتقلين السياسيين من جميع ألوان الطيف الإسلامي، كل طيف خصصت له غرفة مستقلة في ذلك الجناح الواقع في أقصي الطرف الشرقي من السجن. إذ كان في أحد تلك الغرف عطا أبو الرشته مسؤول حزب التحرير في الأردن، وهو حاليا أمير الحزب علي مستوي العالم، ومعه عدد من قادة التنظيم، وجلهم جامعيون. وكان في الغرفة المقابلة لهم النائب الأردني الإسلامي المعارض المهندس ليث شبيلات، يشاركه الغرفة أعضاء تنظيم عرف باسم الأفغان العرب، مع أن أيا منهم لم يزر أفغانستان في حياته!! ومعهم أيضا؛ ثلاثة شبان من شمال الأردن، أعتقلوا بقضية عرفت باسم الغام عجلون، وثلاثتهم جامعيون، إضافة إلي الكثيرين المتهمين بتشكيل جماعات إسلامية مختلفة. في حين أن جماعة المقدسي والزرقاوي جلهم لم يكمل دراسته باستثناء المقدسي الذي أنهي تعليمه الجامعي بإحدي الجامعات السعودية متخصصا بالعلوم الشرعية، وأبو المنتصر الحاصل علي بكالوريوس الآداب.
كان المقدسي أميرا لجماعة التوحيد (بيعة الإمام )، ذلك أن كل جماعة إسلامية سواء أكانت داخل السجن أم خارجه، لا بد لها من أن تؤمر عليها أميرا، تكون له كلمة الفصل في كل مناحي الحياة، كلامه ملزم للجميع، فهو مزود بنص ديني أن علي الجميع طاعته، ومخالفته معصية.
لم يكن المقدسي رجلا عاديا، فهو صاحب نظريات يُعتد بها، يعتبر من المنظرين الأساسيين في العالم العربي والإسلامي للمنهج السلفي الأصولي، له العشرات من الكتب والمؤلفات في هذا الجانب، من أشهرها كتابه (ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين )، وهو مكرس لفكرة التوحيد لله وحده، مكفرا كل من يحكم بغير الشريعة الإسلامية ويتخذ من القوانين الوضعية دستورا للحكم، وهذه الفكرة المبنية علي فهم محدد للتوحيد يتجاوز أداء العبادات إلي ممارسات حياتية يومية، والتشريع منها بشكل خاص، هي الركن الأساس في فكر الجماعات السلفية التي تتكئ عليها في تكفير كل الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة، علاوة علي تكفير كل ركائز هذه الأنظمة من مؤسسات وأجهزة بما فيها المجالس النيابية. والكتاب الثاني ذو الأهمية القصوي للمقدسي، هو في تكفير آل سعود حكام العربية السعودية (الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية)، وكان لهذا الكتاب أهمية قصوي في زرع بذور العنف الذي تشهده السعودية حاليا، إذ اعترف من قاموا بتفجيرات الخبر والرياض منتصف التسعينيات من القرن الماضي، أنهم تأثروا بمؤلفات المقدسي، بل أن أحد المتهمين وهو عبد العزيز المعثم، اعترف قبل إعدامه بالسعودية، أنه التقي المقدسي في الأردن وأخذ منه مؤلفاته، وخاصة مؤلفه المتعلق بآل سعود، وعمل علي نشره بالجزيرة العربية والخليج، وقناعة بما جاء به قام بتنفيذ تلك التفجيرات. ورغم محاولات إلصاق المقدسي بهذه العمليات، إلا أنه نفي بشدة في أجوبة خطية ردا علي أسئلة طرحناها عليه أن يكون قام بأكثر من البحث والتأليف والاجتهاد.
إذا كان ذاك حال من قرأ كتب المقدسي وتأثر بها، فكيف سيكون مآل أبو مصعب الذي أسس معه تنظيما وقضي معه في السجن سنين عدة.
عاش الزرقاوي الفترة الأولي من سجنه في كنف المقدسي، يتتلمذ علي كتبه وأفكاره، مستكملا ما رسخ في قناعاته من عبد الله عزام، مستمعا للحوارات التي كانت تجري بين المقدسي وبقية قادة الفكر الإسلامي في الأردن، المعتقلين معهم بذات السجن، في تلك الأثناء كان الزرقاوي يعمل علي تطوير ثقافته بالعلوم الشرعية، فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب.
هذا التشدد الذي كان يمثله المقدسي، لم يكن كافيا بنظر الزرقاوي، فاستطاع بشخصيته الكارزمية التي يمتلكها، استقطاب أعضاء التنظيم في السجن ليسلموا له راية الإمارة، وبات هو الآمر الناهي للمجموعة داخل السجن، وأخذ يفرض آراءه علي كل أعضاء المجموعة بمن فيهم المقدسي. الذي انزوي جانبا، متفرغا للكتابة والتأليف. كان ذلك في صيف عام 1996.

هكذا التقيت بالزرقاوي

في ذلك الصيف، قادتني مهنة المتاعب إلي سجن سواقة ـ حيث يوجد الزرقاوي ـ اثر مقالات صحافية كتبتها منتقدا السياسية الداخلية لرئيس الوزراء الأردني حينذاك عبد الكريم الكباريتي، خاصة لجهة الحريات العامة وسياسته الاقتصادية التي أدت إلي رفع سعر الخبز، وهو المادة الغذائية الأساسية لعامة الأردنيين، مما أدي إلي اندلاع احتجاجات عنيفة في مختلف أنحاء الأردن.
كانت حملة الاعتقالات في ذلك الصيف واسعة، شملت معظم ألوان الطيف السياسي في الأردن؛ من الماركسيين في أقصي اليسار، إلي الإسلاميين في أقصي اليمين، وطوال اكثر من شهرين قضيتها بالسجن، قبل أن يفرج عني بتدخل ملكي، لم يلفت أبو مصعب نظري داخل السجن سوي مرات محدودة، خلاف معلمه وأبيه الروحي أبو محمد المقدسي الذي كان يحتل كامل المشهد.
كان أول من استقبلني لدي وصولي سجن سواقة، النائب ليث شبيلات الذي تربطني به علاقة شخصية قوية، ومنذ اللحظة الأولي، نبهني إلي ضرورة تجنب زيارة غرفة الزرقاوي وجماعته، وقال لي: أنا نائب طروحاتي ومنطلقاتي إسلامية ولا يقبلونني، فكيف ستكون نظرتهم إليك وأنت لست إسلاميا، لكن حين أحس بفضولي الصحافي في التعرف إليهم، قال ناصحا: إذا كنت لا تريد الأخذ بنصيحتي، فكن حذرا في كلامك معهم، فان ضيفوك كوبا من الشاي، فهذا مدعاة اطمئنان، وإلا فأحسن الخروج من عندهم بسرعة كما أحسنت الدخول، زاد هذا الحديث من فضولي الصحافي، فتوجهت منذ اليوم الأول إلي غرفتهم، كان يجلس في صدرها أبو محمد المقدسي، والزرقاوي. بعد إلقاء التحية عليهما قدمت نفسي لهما قائلا: أنا صحافي متابع للقضايا السياسية، ولا أنتمي لأي من الجماعات الإسلامية، لكن لدي الرغبة في التعرف علي تفاصيل قضيتكم التي تابعتها عبر وسائل الإعلام، فهل أنتم علي استعداد لتحدثوني عنها بالتفصيل، وأعدكم بنشر روايتكم بوسائل الإعلام، رحبوا في أجمل ترحيب، ووضع الزرقاوي أمامي كوبا من الشاي، مما أثلج صدري، وأشعرني بالراحة والطمأنينة، ودامت الجلسة أكثر من ساعتين. كان النقاش خلالها محصورا مع المقدسي حول التطورات السياسية بالمنطقة، ولم يتدخل الزرقاوي بالنقاش إلا مرة واحدة، حين سألني عن المعاملة التي لقيتها أثناء فترة التحقيق قبل ترحيلي إلي سجن سواقة، بعد أن استمع أبو مصعب إلي اجابتي، حدثني بما جري معه خلال اعتقاله بزنزانة انفرادية علي مدي ثمانية أشهر ونصف الشهر، وقال أنه فقد أظافر قدميه نتيجة التقرحات التي أصابتهما جراء التعذيب الشديد. أدركت حينها أنه إذا ما تسني للزرقاوي الخروج من السجن فسيغادر الأردن فورا، بلا عودة!

الزنزانة الانفرادية

بعد أسبوع من وصولي إلي سجن سواقة، وضعت إدارة السجن الزرقاوي في زنزانة انفرادية، عقوبة له علي تلاسنه مع أحد الحراس، لكسر شوكته بين مجموعته، كونه أميرهم، حاول المقدسي ورفاقه مفاوضة إدارة السجن لاعادته إليهم، لكن انقضي أسبوع من المماطلة والتسويف، فقررت مجموعة الزرقاوي العصيان داخل السجن، وطلبوا منا نحن المعتقلين السياسيين أن نتضامن معهم، ففعلنا، فتأزم الموقف وازدادت حدة التوتر بين الإدارة من جهة، وبقية كامل المعتقلين من جهة ثانية، ولما وصلت الأمور إلي حافة الصدام، اقترح المعتقلون السياسيون أن أفاوض باسم الجميع إدارة السجن لاعادة الزرقاوي، وافق المقدسي علي المقترح، فأبلغت الضابط المناوب بضرورة التفاوض لإيجاد مخرج للازمة، قبل أن تتفاقم الأمور وتصل إلي ما لا يحمد عقباه، رافقني للتفاوض أبو المنتصر من مجموعة الزرقاوي، فالتقينا مع مدير السجن حينذاك إبراهيم خشاشنة، لكنه لم يبد مرونة، فتصاعد الموقف، وبلغ العصيان أوجه. أغلق المعتقلون كاميرات المراقبة، خلعوا الأسرة الحديدية وصنعوا منها أدوات حادة استعدادا للنزال، أغلقوا الأبواب الرئيسة للقسم مانعين رجال الأمن العام من الاقتراب للمكان، فعلم بالأمر مدير السجون الشريف أبو عصام، الذي وصل إلينا قرابة الفجر. تفاوضت معه نيابة عن المساجين لإخراج الزرقاوي من الزنزانة الانفرادية، فوافق علي أن يتم التنفيذ في اليوم التالي، حفظا لماء وجه مدير السجن. وحين عاد الزرقاوي في اليوم التالي إلي الجناح السادس، عاد لممارسة إمارته علي رفاقه، وعاد المقدسي الذي تولي الإمارة أثناء غياب الزرقاوي إلي البحث والتأليف.
كان الزرقاوي داخل السجن إنسانا بسيطا، هادئا، كثير الصمت، إذا كلمته يتكلم، وإذا لم تكلمه لا يتكلم، يقضي أوقات فراغه بحفظ القرآن والقراءات الدينية الأخري، ويهتم كثيرا بالصلاة وقيام الليل وكل ما له علاقة بتغذية البعد الروحي، أما القراءات الأدبية أو السياسية أو أية قراءات بعيدة عن المواضيع الدينية، فلا مكان لها عنده، وبعيدا عن القراءة كان الزرقاوي يهتم بممارسة التمارين الرياضية، إذ كان شديد الحرص علي بنيته الجسدية، وفي فترات الصباح كان يقوم بزيارات للمعتقلين علي قضايا مدنية أو جنائية، كان يسعي لتمتين علاقاته الشخصية معهم، تمهيدا لدعوتهم إلي العودة لله والتوبة من ذنوبهم، مطبقا لأمر مهم من أمور العقيدة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بهدف إقناعهم بأفكاره تمهيدا لضمهم إلي تنظيمه، وقد حقق نجاحا مذهلا في هذا الجانب. وبات معروفا علي نطاق واسع أن المئات من أصحاب السوابق الاجرامية في مدينتي الزرقاء والسلط في الأردن، باتوا الآن هو أكثر الشبان تشددا بدينهم، وكثيرون منهم قتلوا في معارك جرت بأفغانستان والعراق.
كان الزرقاوي داخل السجن يتعامل بشخصيتين، الأولي تلك التي يتعامل بها مع جماعته؛ كان لهم بمثابة الأب الحاني الكريم الودود اللطيف، يحرم نفسه من النقود القليلة التي هو بأمس الحاجة إليها، ويعطيها لأي من رفاقه يشعر أنه بحاجة إليها أكثر منه، يخلع ثيابه ويهديها لأي من رفاقه، إذا ما أحس أن أحدهم أبدي إعجابه بها. وفي ذات الوقت أوامره نافذة علي مجموعته دون نقاش، ويصل الأمر أحيانا إلي إنزال العقاب في أي شخص من أعضاء مجموعته إذا ما خالف الأوامر أو خرج عن رأي الجماعة. فالزرقاوي يتمتع بصفات قيادية أهلته لاحقا لبناء شبكة هي الأقوي في منطقة الشرق الأوسط.
الشخصية الأخري للزرقاوي، تلك التي يتعامل بها مع الجهات الرسمية داخل السجن، فهو جدي في غاية الجلافة، مهيب الجانب، يحصر التعامل معهم في أضيق الحدود الرسمية، لا يسمح لادارة السجن أن تتعامل مع أحد من مجموعته إلا من خلاله. مع أنه كان يميل إلي الانطواء والعزلة لدرجة أنه كان يلقب بالغريب، وهو اللقب الذي سجل اسمه به عند تطوعه للقتال مع المجاهدين في أفغانستان، كان يحب هذا اللقب ويحب أن يناديه الآخرون به، ويوقع به رسائله وبطاقاته لذويه.

الزرقاوي لم يكن علي وئام مع بن لادن.. وسيف العدل ساعده.. شارك في تورا بورا وخرج منها سالما
معظم جماعة الزرقاوي من السوريين في الشتات والامن السوري كشف عن خلاياه وابلغ الاردنيين عنها
فؤاد حسينہ
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشنطن التي تطلق علي حربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صنع استراتيجياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.


[align=center]علاقته بوالدته[/align]

كان لوالدته الأثر الكبير في استكمال الضلع الأول (نشأته)، وهو الضلع الأساس في تشكيل شخصيته، التي أثرت كثيرا في تنشئته، فقد ربته تربية محافظة في ظل ظروف اقتصادية غير مريحة لأسرة كبيرة تضم ثلاثة أولاد وسبع بنات.
كان الزرقاوي في السجن، يترقب بشوق زيارات والدته اليه لحظة بلحظة، فلم يكن العالم المحيط به بالسجن من رفاق وامارة، كافيا لاشباع الجانب العاطفي من شخصيته، فكان اليوم المقرر لزيارة والدته اليه، يوما استثنائيا، اذ كان يلبس أفضل ما لديه لملاقاتها، وحين يسأله زملاؤه عن تأنقه غير المعتاد واهتمامه البالغ بهندامه، يقول: انها أمي.
هذه الأم كانت تحظي بمكانة كبيرة في ذاكرته ووجدانه، كتب اليها أرق وأعذب البطاقات التي كان يرسلها في المناسبات والأعياد الدينية، لكن جنوح مشاعره تجاهها لم يكن حائلا دون الالحاح عليها ضرورة الالتزام الصارم بالسلوك الديني القويم _ من وجهة نظره. وشوقه الي ملاقاتها الذي لا حدود له، دون أن يتمكن من تحقيقه بسبب ظروف اعتقاله، كان يستعيض عنه بالتمني بملاقاتها بالجنة في الدار الآخرة.
حبيبتي الغالية ان سألت عني فاني والحمد لله بخير ولا ينقصني سوي رؤية وجهك الطاهر ويعلم الله ما أحنُّ لشيء في هذه الدنيا أكثر مما أحن اليك يا ست الحبايب ولو بقيت العمر عند قدميك ما أوفيتك شيئا من حقك .
ولم تكن رسائل الزرقاوي وبطاقاته الي والدته، تعكس مشاعره تجاهها فحسب، بل كانت تعكس أيضا قناعاته الدينية، فرغم السن المتقدمة التي بلغتها والدته، مع ذلك كان يذكرها بضرورة عدم مجالسة الرجال والسلام عليهم، حبا بها، لتدخل الجنة، ويلقاها هناك:
فكم كنت أتمني أن أكون عندك في رمضان لأدخل السرور علي قلبك وأعوضك ما فات من سنين سجني ولكن قضاء الله نافذ لا محالة والحمد لله علي نعمه الظاهرة والباطنة وهذا يا أمي دين الله غالي يحتاج الي بذل الغالي والرخيص فأصبري يا حنونة فان لم نجتمع في الدنيا فالملتقي عند الله الكريم الجواد الرحيم ولكن احرصي يا حنونتي أن تطيعي الله في كل شيء وأكثري من فعل الخيرات في رمضان واياك ومجالسة الرجال ومصافحتهم فهذا رجائي عندك لأنني يا أمي لا أحب لك الا طاعة الله والبعد عن سخطه .
لم يكتف الزرقاوي برسائله وبطاقاته التي كان يرسلها من سجنه الي والدته وذويه، بما تتدفق به قريحته من أشعار وخواطر، بل كانت شدة الشوق والوجد اليهم تحيله فنانا يرسم من الكلمات لوحات فنية، تارة بالتفنن بالتخطيط، وتارة أخري بالرسومات المعبرة عما يجول في خاطره، بما تدلل عن عمق ارتباطه الأسري بوالدته وبقية أفراد عائلته. وحين غادر الي الباكستان بعد خروجه من السجن أرسل وراء والدته وزوجته للحاق به هناك، بيد أن والدته مكثت عنده بعض الوقت وعادت الي الأردن.
الزرقاوي متزوج من سيدتين له من الأولي أربعة أطفال أكبرهم الطفلة آمنة وعمرها (14) سنة، روضة وعمرها (11) سنوات، محمد وهو الولد الذكر وعمره (9) سنوات، والصغير مصعب وعمره (7) سنوات.
الضلع الثالث لشخصية الزرقاوي له بعد تاريخي، فلا يمكن فهم شخصية الزرقاوي ومحاولة استشراف مستقبل تنظيمه والخطوات التي يمكن أن يقدم عليها ما لم ندرس شخصية نور الدين زنكي. الذي يستحوذ علي اعجاب الزرقاوي بشكل كبير.
فأينما حل الزرقاوي أو ارتحل يبحث عن الكتب التي تتحدث عن نور الدين، وأفضل الهدايا التي كان يتلقاها ممن عرفوه كانت كتب التاريخ التي تفصل الحديث عن جهاد وفتوحات نور الدين زنكي ضد الصليبيين.
من هنا يمكننا الاجابة علي السؤال المهم: لماذا اختار الزرقاوي دون قادة القاعدة العراق مستقرا له بعد احتلال الجيوش الأمريكية لأفغانستان؟ هل يريد أن ينطلق من الموصل لتحرير العراق وتوحيد بلاد الشام وشمال العراق مع مصر تمهيدا لتحرير بيت المقدس؟ وهل يمكننا أن نأخذ ببعض النظريات التي تذهب الي حد القول أن صناع التاريخ يتقمصون شخصية بطلهم ويسيرون علي خطاه لاعادة كتابة التاريخ؟
من خلال قراءة سيرة نور الدين زنكي أمكننا فهم سبب اعتماد الزرقاوي في بداياته علي عناصر من شمال سورية (حلب، حماة، اللاذقية)، ومن هنا يمكننا فهم اتخاذه شمال العراق ومنطقة الجزيرة علي ضفاف الفرات قاعدة أولي له لمنازلة قوات الاحتلال الأمريكي في العراق.


أدبيات الزرقاوي السياسية في السجن

الكلمات العذبة، والرقة البالغة التي نلمسها في مراسلات الزرقاوي الي والدته وذويه، كان النقيض لها في مرافعته التي قدمها أمام محكمة أمن الدولة في الأردن، أثناء النظر بالقضية المتهم بها (الانتساب الي جماعة بيعة الامام). هذه المرافعة التي جري العرف أن تكون دفاعية تفند ما وُجه اليه من تهم، كانت لائحة اتهام ضد القضاة ونظام الحكم السياسي الذي يتبعون اليه، تهمتهم أنهم يحكمون بالقوانين والدساتير الوضعية، وليس بما تمليه الشريعة الاسلامية، وما أنزل به الله:

أيها القاضي بغير ما أنزل الله:

اذا عرفت هذا، وظهر لك أن الكفر البواح والشرك الصراح اتخاذ غير الله مشرعا ـ سواء كان هذا المشرع عالما أو حاكما أو نائبا أو شيخ عشيرة ـ وعلمتم أن الله قد حكم علي الشرك في كتابه، فقال: ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

ثم علمتم أن المادة 26 من دستوركم الوضعي تنص علي:

أـ السلطة التشريعية تناط بالملك وأعضاء مجلس الأمة.
ب ـ تمارس السلطة التشريعية وغيرها صلاحياتها ومهامها وفقا لمواد الدستور.
عرفتم أن كل من قبل بهذا الدين المحدث والكفر البواح المناقض لدين الله تعالي وتوحيده، أنه قد اتخذ هؤلاء المشرعين أربابا من دون الله تعالي، يشركهم مع الله في عبادته .
خرج الزرقاوي من السجن في شهر آذار (مارس) عام 1999 نتيجة عفو ملكي عام أصدره العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بمناسبة توليه الحكم، بعد وفاة والده الملك حسين، في محاولة لتبييض السجون، مزيحا عن كاهله ارث والده السياسي، من خصوم ومريدين، لكن يبدو أن الزرقاوي قد عُرض عليه خياران لا ثالث لهما، أما مغادرة الأردن ليريح ويستريح، واما العودة الي السجن ثانية. قرر الزرقاوي الذي كان تواقا للحرية، مغادرة الأردن بعد ستة أشهر من الافراج عنه، خلاف معلمه أبو محمد المقدسي الذي كان يعتبر دوره محصورا بالمجال الدعوي والتنظيري، في حين كان الزرقاوي يري أنه خُلق للعمل الميداني.
الأفكار التي تشربها الزرقاوي خلال فترة الاعتقال، حملها معه حين غادر السجن.


محاولة السفر للشيشان

توجه الزرقاوي فور مغادرته الأردن الي باكستان، محطة مؤقتة، للسفر الي الشيشان التي كان يري أنها اكثر حاجة من غيرها للمجاهدين العرب، خاصة وأن الساحة الأفغانية كانت حينذاك ملتهبة بمعارك داخلية طاحنة بين حلفاء الأمس. رغب الزرقاوي أن ينأي بنفسه عن تلك الصراعات الداخلية، لكن السلطات الباكستانية اعتقلته بسبب انتهاء مدة الاقامة الممنوحة له، قبل أن يكمل ترتيب اجراءات سفره الي الشيشان، وبعد اعتقال دام ثمانية أيام في مدينة بيشاور، قررت السلطات الباكستانية ابعاده، فلم يكن في تفكيره قط العودة الي الأردن، مما اضطره لاختيار أفغانستان مكرها.
رحبت القاعدة بعودة الزرقاوي اليها، بيد أن أبو مصعب لم يكن علي توافق تام مع بن لادن، وهذا حال دون انخراطه مجددا في تنظيم القاعدة، فما كان من الزرقاوي الا الاعتذار عن مواصلة مشواره مع القاعدة. لكنه اتفق معها علي التدريب في معسكراتها، لحين الاتفاق علي ترتيبات جديدة.
محمد مكاوي المعروف باسم سيف العدل، وهو الرجل الثالث في تنظيم القاعدة، عرض علي الزرقاوي مساعدته بكل ما يحتاج اليه، اذا ما قرر البدء بعمل جديد، بعد أن اتفق مع بن لادن علي ضرورة استيعاب الحالات التي لا تتفق مع القاعدة بشكل كامل، مثل حالة الزرقاوي، كما سيأتي تفصيله لاحقا. لاقي هذا العرض هوي في نفس الزرقاوي الذي قرر بناء معسكر خاص به في مدينة هيرات الواقعة غرب أفغانستان علي الحدود الايرانية، وبدأ مرحلة جديدة من مسيرته في أواخر عام 1999. حيث بدأ اتباعه الذين يعرفون باسم جند الشام في التوافد اليه في نهاية ذلك العام، الي معسكر هيرات، حيث تلقي دعما كاملا من تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
استقلال الزرقاوي عن تنظيم القاعدة تكرس بشكل كامل قبل الحرب الأمريكية علي أفغانستان فلم يكن راضيا تماما عن أسلوب عملها، حيث كان يأخذ عليها عدم قسوتها في ضرب أعدائها، وأن العمليات ينبغي أن تكون أكثر دموية وايلاما، فأي نذير يوحي أبو مصعب بقدومه لأعدائه. لكن هذا الخلاف لم يؤد الي قطع صلات الود مع قادة القاعدة.
كان الساعد الأيمن للزرقاوي في بناء معسكره الخاصة في هيرات، عبد الهادي دغلس وخالد العاروري (أبو القسام)، وكانا من رفاقه المخلصين في السجن وقبله، ولم يمكث العاروري طويلا في الاعتقال، بسبب عجز السلطات الأمنية في الأردن عن توفير الأدلة المادية اللازمة لادانته أمام المحاكم، وكان العاروري الشخص الوحيد الذي غادر الأردن برفقة الزرقاوي الي باكستان، استمر هذان الشخصان في اخلاصهما للزرقاوي أثناء تأسيس شبكته الخاصة، حيث عملا علي استقطاب المتطوعين العرب الباحثين عن الجهاد في أفغانستان الي هذه الشبكة وخاصة الأردنيين منهم والفلسطينيين.
لم يكن التغيير في رحلة الزرقاوي الثانية الي أفغانستان مقتصرا علي العامل الذاتي، المتعلق بتأسيس شبكته الخاصة فحسب، بل كان التغيير أيضا متعلقا بالعامل الموضوعي، فقد ذهب الي أفغانستان في المرة الأولي لمقاتلة السوفييت الذين يحتلون أرض المسلمين، لكن في المرة الثانية قصد أفغانستان، بعد أن حل الأمريكيون في موقع العداء والخصومة، محل السوفييت الذين اندثرت امبراطوريتهم، بسبب عوامل كثيرة، كان الغوص في الوحل الأفغاني من أهم أسبابها. لكن بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) الضربة الأكبر في تاريخ الصراع والتحول في المنطقة، والتي غيرت كل شيء، اصبح ثمة مفهوم جديد للصراع.
لقد طورت الولايات المتحدة استراتيجيتها من سياسة الاحتواء والردع الي سياسة الضربة الاستباقية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسيطرة المحافظين الجدد علي البيت الأبيض. التنظيمات السلفية الجهادية وعلي رأسها القاعدة، هي الأخري كانت قد حزمت أمرها بشكل أبكر من النقاشات التي كانت تدور في واشنطن، فقد انتهجت هذه التيارات وأعلنت وأظهرت بأنها سوف تعمد الي أسلوب الحرب الاستباقية، أي الحرب الهجومية، بشكل ظاهر قبل واشنطن بوقت طويل، فبدأت بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، وأتبعت ذلك بمهاجمة المدمرة الأمريكية يو أس أس كول في اليمن، وتوجتها بهجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). فالسلفية الجهادية والادارة الأمريكية كلاهما يتبني الاستراتيجية ذاتها وبالتالي كلاهما يشترك في نفس النقطة.
وقع الاجتياح الأمريكي لأفغانستان أواخر عام ألفين وواحد، بهدف القضاء علي حكم طالبان عامة بزعامة الملا عمر، وتنظيم القاعدة خاصة، بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ولم يلتفت أحد ـ حينذاك ـ الي الزرقاوي كقائد خطر يشكل تهديداً. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 غادر الزرقاوي ومجموعته معسكر هيرات، بعد حصارهم من قبل الأفغان الموالين لقوات التحالف، القادمة من مناطق الحدود المتاخمة لايران. توجه الزرقاوي الي قندهار علي رأس قافلة سيارة ضخمة، تحمل عائلات مقاتليه من نساء وأطفال، علاوة علي الأفغان ممن كانوا ضمن شبكته، كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر والصعاب في ظل اشتداد القصف الجوي، وتقدم المعارضة الأفغانية المتحالفة مع أمريكا، مما زاد صعوبات الحركة والانتقال حيث استغرقت الرحلة ثلاثة أيام.
شارك الزرقاوي ومجموعته الي جانب طالبان والقاعدة في المعارك العنيفة التي دارت في قندهار وتورا بورا، حيث أصيب الزرقاوي في معارك قندهار بكسر في أحد أضلاعه اليسري، جراء سقوط أجزاء من بناء كان بداخله، تعرض لقصف جوي، ولم يصب الزرقاوي في رجله ولم يفقدها، خلاف ما يشاع علي نطاق واسع.
رغم شدة المعارك في تورا بورا، استطاع الزرقاوي الانسحاب مع مجموعته سالما من القصف الأمريكي والطوق الذي فرض علي المنطقة، ويري اتباعه في ذلك دلالة علي حنكته العسكرية.
مغادرة أفغانستان كان الخيار الوحيد المتاح أمام الزرقاوي بعد سقوط قندهار وقصف تورا بورا، اذ بات واضحا أن عهد طالبان قد انتهي. عمل الزرقاوي قبل مغادرة أفغانستان، علي تأمين سلامة زوجات وأبناء رفاقه، فتأكد من اخراجهم الي الباكستان قبل مغادرتهم النهائية لأفغانستان.


في طهران

لم يكن أمام الزرقاوي خيارات متعددة، فباكستان كان اعتقل بها، وتم ابعاده منها بسبب مخالفته قوانين الاقامة، علاوة علي أن تحالفها مع الولايات المتحدة في الحرب علي أفغانستان، يجعلها مكانا غير آمن، والأردن لا يمكنه العودة اليه بسبب حكم غيابي بالاعدام كان صدر بحقه، فقرر التوجه الي ايران.
وضع الزرقاوي الترتيبات المناسبة لتسهيل نقل أفراد شبكته من أفغانستان الي ايران، عبر باكستان، فعين عبد الهادي دغلس قائدا لمجموعته، قبل توجهه منفردا الي ايران، حيث رتب اقامة قاعدة لوجستية في مدينة زاهدان الايرانية الواقعة قرب الحدود مع باكستان، بمساعدة ايرانيين من السنة، كان علي علاقة طيبة معهم حين كان له معسكر في هيرات، ثم أقام مركزا آخر في طهران، بمزرعة يملكها القائد الأفغاني حكمت يار، اتخذ منها مقرا للقيادة، وهناك عقد الزرقاوي مجلس شوري لقادة شبكته ابلغهم فيه أنه قرر التوجه الي العراق، لاعتقاده أنها ستكون ساحة المعركة المقبلة مع الأمريكيين. قرار الزرقاوي التوجه الي العراق، كان اتخذه بسرية مطلقة، فلم يكن أحد من أفراد مجموعته يعرفون وجهتهم حين غادروا الي باكستان، ومن ثم الي ايران.
وزع الزرقاوي أفراد شبكته علي عدد من الفنادق المنتشرة في طهران، خاصة من يملكون وثائق سفر رسمية، ووضع في بيوت خاصة البعض الأخر من أعضاء شبكته، ممن لا يملكون وثائق اثبات الشخصية.
عمل الزرقاوي في طهران بداية علي نقل عائلات أفراد شبكته جوا الي تركيا، تمهيدا لنقلهم لاحقا الي العراق، وطلب ممن يملكون وثائقهم الرسمية من مقاتليه التوجه جوا الي تركيا، ومن هناك الي العراق، في حين قام بترتيب نقل من لا يملكون وثائق سفر رسمية الي شمال العراق بشكل غير رسمي، وفي أثناء تنفيذ هذه الخطة، داهمت المخابرات الايرانية عددا من الفنادق التي يقيم بها أفراد مجموعته، وذلك عشية استعدادهم للسفر الي تركيا، حيث تم اعتقال قرابة ثلاثة وعشرين شخصا، وفي المقدمة منهم ساعده الأيمن خالد العاروري، مما حمل الزرقاوي الي سرعة التوجه مع من تبقي من أفراد شبكته الي شمال العراق. بعد أن اتفق الزرقاوي مع العراقي الكردي (وريا صالح) الملقب أبو عبد الله الشافعي، من قادة تنظيم أنصار الاسلام، علي تولي التدريب والدعم العسكري لشبكته لحين استكمال بنائها والاعتماد علي نفسها.


كردستان

أسس الزرقاوي في كردستان العراق قاعدتين لوجستيتين: الأولي في دارغايش خان، الثانية كانت في سرغات. نصب الفلسطيني عبد الهادي دغلس رفيق طفولته وصباه في مدينة الزرقاء، أميرا عليها، وكلفه مسؤولية تنسيق العلاقة بين شبكته وجماعة أنصار الاسلام الكردية، وقد قتل دغلس مع بداية الهجوم الأمريكي علي العراق في شهر آذار (مارس) عام 2003. وقــــــد رثاه الزرقاوي بنفسه في أول خطبة ألقاها من العراق، وكانت باســم الحق بالقافلة :
فكم من الأحباب يا رب اصطفيتهم واتخذتهم من بيننا وحرمتنا من ذلك بذنوبنا اللهم فلا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم وألحقنا بهم.
وان كنت أنسي.. فلا أنسي في هذا المقام اخواننا الشهداء ـ رحمهم الله ـ الذين كانوا معنا في السراء والضراء وصبروا معنا علي لأواء الطريق وعلي رأسهم الأخ الحبيب الغالي الشهيد الحي ـ نحسبه كذلك والله حسيبه ـ أبو عبيدة عبد الهادي دغلس فوالله ما رزئت بمصيبة ـ بعد أن هداني الله ـ بمثل فقد هذا الأخ، هذا الأخ الذي كنت استصغر نفسي أمامه لفرط شجاعته واقدامه وصبره وحسن خلقه.
فعلي مثل عبد الهادي فلتــبـكِ العيون.
فعلي مثل عبد الهادي فلتــبـكِ العيون.
فكلما تذكرته تذكرت حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أحمد وابن حيان، عن ابن مسعود أنه قال:
عجب ربنا من رجلين... وذكر منهما رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع، فرجع حتي يهرق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا الي عبدي رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتي يهرق دمه .
فيوم أن اضطر المجاهدون الي أن يخلوا مواقعهم نتيجة القصف الشديد والمتواصل أبي أن يرجع، وتبايع علي الموت هو وثلة من اخوانه وانغمسوا في العدو نسأل الله أن يتقبلهم.
ماتوا وغُـيّـب في التراب شخوصهم
فالنســـر مسك والعظام رميم
فوالله لقد كان جبلاً من الجبال، وأسداً من الأسود، وعابداً من العباد، وزاهداً من الزهاد، تري الصلاح في وجهه، مسعّـر حرب لو كان معه رجال، لا تأخذه في الله لومة لائم، شديدا ً علي أعداء الله، رحيماً وبراً باخوانه.
رحمك الله يا عبد الهادي رحمة واسعة، لقد كنت ـ والله ـ الأخ الحبيب والصديق الشفيق، وكنت السمع والبصر.
فوالله ان مكانك مازال شاغراً.. لا يستطيع أن يملأه أحد، وبفقدك فقدت عضواً من أعضائي.
وان كنت أنسي فلن أنس ذلك اليوم الذي قلت لي فيه: اني لأدعو لك أكثر مما أدعو لوالدي.
فأي خسارة بعد هذه الخسارة، وأي رزية بعد هذه الرزية، فقدتك في وقت كنت أحوج ما أكون اليك فيه.
نسأل الله عز وجل أن يرفعك في عليين، وأن يلحقنا بك غير مفتونين شهداء صالحين مع النبيين والصديقين وحَسُن أولئك رفيقا، أنت واخوانك الذين لم أذكرهم لضيق المقام.
لُيسق عهدكم عهد الســرور فما
كنـــتم لأرواحــنا الا رياحينَ
بعد أسر خالد العاروري في ايران، ومقتل عبد الهادي دغلس في شمال العراق، اتخذ الزرقاوي من منطقة الجزيرة غرب الأنبار مقرا رئيسا لتنظيمه. وأوكل الي طبيب الأسنان السوري سليمان خالد درويش المعروف بلقب أبو الغادية، مهام الاثنين،كما أوكل اليه مسؤولية تدريب اتباعه علي صناعة المتفجرات، بعد أن استقرت زوجته الثانية ـ وهي فلسطينية ـ وابنهما خالد في الأردن، حتي أصبح أبو الغادية من أهم عناصر شبكة الزرقاوي التي قررت الانتقام من أمريكا.
اعتمد الزرقاوي في بناء شبكته علي أسس تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بن لادن والظواهري، اللذان ركزا علي متطوعين من الجزيرة العربية ومصر بشكل كبير، وعلي تمويل يعتمد علي أموال متدفقة من الجزيرة العربية، في حين اعتمد الزرقاوي في بناء شبكته علي أهل بلاد الشام (الأردن، فلسطين وسورية)، ولاحقا علي العراقيين وبقية العرب، حتي بات أعضاؤها يسمون بجند الشام، وقد استثمر الزرقاوي شتات السوريين الموزعين في دول مختلفة من العالم، بصفتهم لاجئين سياسيين، جراء البطش الذي تعرضت له جماعة الاخوان المسلمين وبقية الجماعات الاسلامية في المدن السورية، مثل حلب وحماة، أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وباتوا علي ما يبدو يميلون الي الأفكار الأكثر تشددا وعنفا، بعد أن كانوا حركة دعوية، كرد فعل علي العنف الذي مورس ضدهم وفق ما هو معتقد، فالتحق قسم غير قليل من هؤلاء وأبنائهم بالمجاهدين في أفغانستان، محملين بمبالغ طائلة من الأموال، جمعوها أثناء عملهم في أوروبا والأمريكيتين وبقية بلدان العالم، فتلقفهم الزرقاوي واستقطبهم، من خلال مساعده السوري أبو الغادية، بعد أن وضع استراتيجية خاصة لادارة المعركة في العراق.
العارفون بهيكلية شبكة الزرقاوي، يشكون في جدوي تخصيص جوائز مالية لاعتقال أميرها أبو مصعب، لأنه عمد وهو في هيرات الي بناء مجتمع اسلامي مصغر يحتضن شبكته، لحمايتها من الاختراق، فعلي سبيل المثال فقد أقدم علي الزواج من ابنة الشيخ ياسين الذي قاد سيارة اسعاف مفخخة، اغتال فيها الزعيم الشيعي باقر الحكيم، وزوج شقيقته الي خالد العاروري، وتزوج أبو الغادية من ابنة أبي محمد أحد مقاتلي الشبكة. وهكذا أصبحت علاقة المصاهرة تربط معظم القادة الرئيسيين بشبكة الزرقاوي مع بعضهم البعض.
رغم تلك الأحداث الجسام التي مر بها الزرقاوي، الا أنه بقي شخصا بعيدا عن الأضواء، الي أن سلط الأردن الكشافات الساطعة عليه، حين اتهمه بالوقوف وراء اغتيال الدبلوماسي الأمريكي لورنس فولي، الذي وقع بالعاصمة الأردنية عمان، في الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 2002، وقد تبني عملية الاغتيال آنذاك، تنظيم أطلق علي نفسه اسم شرفاء الأردن، في بيان حمل رقم اثنين، وكان البيان رقم واحد، قد صدر عن هذا التنظيم في السادس من أب (أغسطس) عام ألفين وواحد، حين تبني مسؤولية اغتيال اسحاق سنير، الذي وصفه البيان بأنه عميل للموساد الاسرائيلي، كان يسكن في العاصمة الأردنية بجوار فولي حينذاك.
لم يحظ الزرقاوي أيضاً باهتمام أحد قبل عامين من اغتيال فولي، حين أصدرت محكمة أمن الدولة في الأردن، حكما غيابيا بحقه مع أحد عشر شخصا أخرين، بالسجن خمسة عشر عاما، في أيلول (سبتمبر) عام 2000، بتهمة التخطيط لهجمات علي مواقع سياحية ودينية في الأردن، في مطلع الألفية الثالثة، تنفيذا لتعليمات تنظيم القاعدة وفق قرار الحكم.
اتهام الزرقاوي بعلاقته في اغتيال الدبلوماسي الأمريكي فولي، كان له هذه المرة وقعه الخاص، فالقتيل أمريكي، ورئيس الحكومة الأردنية حينذاك علي أبو الراغب، أضفي علي هذه الحادثة بعدا دوليا، ليس لأن القتيل دبلوماسي أمريكي فحسب، بل لأن أبو الراغب، أطلق أول اشارة تربط العراق بالقاعدة، بترجيحه وجود الزرقاوي في شمال العراق، وأنه علي صلة بتنظيم أنصار الاسلام.
لكن اللافت في مجريات المحاكمة، أن الدليل الذي قدمه الادعاء العام لاثبات علاقة الزرقاوي بالمجموعة المتهمة بتنفيذ العملية، اتصالات هاتفية قال أنها جرت بينهم عبر أحد مساعديه يدعي أبو الغادية، ودخول الزرقاوي الأردن في شهر أيلول (سبتمبر) من العام ذاته، أي قبل شهر واحد من الاغتيال، والتقائه بالمتهمين وفق لائحة الاتهام. فكيف دخل الزرقاوي للأردن وخرج منه وهو محكوم غيابيا بالسجن خمسة عشر عاما، دون أن تدري السلطات الأردنية؟!
اهتمت الوكالات الأمنية الأمريكية بالتحقيقات الخاصة باغتيال فولي، حيث قامت الـ (I.B.F) بجمع الأدلة التي تدين مشاركة الزرقاوي بعملية الاغتيال، رغم أن هذه المشاركة الأمريكية مخالفة للقوانين الأردنية، مما دفع محامي الدفاع الي تسجيل اعتراضاته علي نتيجة التحقيقات المبنية علي تلك المشاركة.
اهتمام الادارة الأمريكية بقضية اغتيال فولي، والسعي لتأكيد ربطها بالزرقاوي، تزامن مع سعي الولايات المتحدة الي تحشيد دول العالم والرأي العام العالمي، استعدادا لاجتياح العراق، بدعوي امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، ودعمه للارهاب العالمي.
في السادس من نيسان (ابريل) عام 2004، أصدرت محكمة أمن الدولة في الأردن، الأحكام بحق المتهمين باغتيال لورانس فولي، بمن فيهم أبو مصعب الزرقاوي.
بعد أسبوعين من اصدار هذا الحكم باعدام الزرقاوي، أعلنت السلطات الأردنية، أنها أحبطت مخططا أعده الزرقاوي للقيام بهجوم قالت أنه كيماوي، كان سيستهدف مقر المخابرات العامة، والسفارة الأمريكية، ومقر رئاسة الوزراء، وكان سيؤدي ـ وفق البيان الرسمي الحكومي ـ الي مقتل واصابة قرابة سبعين ألف شخص. قائد المجموعة المكلفة بهذا الهجوم عزمي الجيوسي، ألقت قوي الأمن الأردنية القبض عليه، مع عدد من أفراد مجموعته، حين داهمت منزله في أطراف مدينة اربد شمال الأردن، واعتقلت بقية أفراد المجموعة، وطاردت آخرين وحاصرتهم في منزل شرق العاصمة عمان، فقتلت أربعة منهم قيل أنهم رفضوا الاستسلام، واعتقلت البقية، نشرت السلطات الأردنية اعترافات منسوبة اليهم، قالوا فيها أن الزرقاوي خطط لهذه العملية ومولها، ودرب عناصرها علي صنع المتفجرات الكيماوية.
هذا العمل العسكري، كان يدار بسرية مطلقة، فقد كان الجيوسي قد وصل الي الأردن قبل ستة أشهر من اعتقاله، الا أن اكتشاف أجهزة الأمن السورية أن مجموعة الزرقاوي تتخذ من سورية قاعدة لوجستية لعمل يعد له في الأردن، وابلاغ الأردن بالتفاصيل، أسهم في احباط الخطة. وأفقد الزرقاوي قاعدة لوجستية مهمة له في سورية.
لكن بعد تسعة أيام من نشر السلطات الأردنية لهذه الاعترافات كانت المفاجأة، حيث أصدر تنظيم (شرفاء الأردن) الذي كان تبني المسؤولية عن اغتيال فولي في حينه، بيانه الثالث يجدد فيه تبنيه لعملية الاغتيال، وأرفق مع البيان الذي أرسله الي محامي الدفاع عن المتهمين بالاغتيال، مظروفي طلقتين للمسدس الذي استخدم بعمليتي اغتيال فولي، ومن قبله الاسرائيلي، نافيا أن يكون للمحكوم عليهم علاقة بهذه القضية.
تهمة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل أُسندت لمفتشي الأمم المتحدة، لكنهم لم يعطوا الادارة الأمريكية ما سعت اليه، من تأكيدات امتلاك العـراق لها، كما أن تصريحات كولن باول وزير الخارجـية الأمريكية في الرابع من نيسان (ابريل) عام 2004، من أن الأدلة التي قدمها في كلمته بمجلس الأمن في الرابع من شباط (فبراير) عام 2003، لم تكن مؤكدة ليعتد بها، وأسهم علي ما يبدو في اغلاق هذا الملف، فواصلت واشنطن التركيز علي ما بدأته في مسألة علاقة العراق بالارهاب العالمي، وتحديدا مع تنظيم القاعدة، وقد تكون وجدت في الزرقاوي الشخص المناسب، لتتهمه بصلة الوصل بين نظام حكم صدام حسين العلماني، وتنظيم الــــقاعدة الأصولي، بعد أن قالت أن الزرقاوي تلقي العلاج في أحد مستشفيات العاصمة العراقية بغداد.

 

مشايخ الصحوة السعودية حرروا السلفية من ربقة الاتصال بالسلطة الرسمية.. وتحولت سلاحاً في يد الجهاديين
استراتيجية القاعدة في العراق ترمي الي تعويق ولادة سلطة محلية.. وجعل البلاد ساحة للمواجهة مع الامريكيين
فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشنطن التي تطلق علي حربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صنع استراتيجياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.


العراق الاحتلال وتفجير سفارة

فجر العشرين من آذار (مارس) 2003 بدأ الهجوم الأمريكي علي العراق، وكنت قد وصلت الي بغداد لتغطية هذه الحرب قبل ذلك بثلاثة أيام، وقد رتبت أموري وفريقي التلفزيوني، علي أن المعركة ستطول أشهراً عدة، وأكثر ما كان يقلق الصحافيين في بغداد استخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل العراقيين، عندما يخسرون المعركة. هاجس الموت منها كان أكبر من هاجس الموت من القصف الأمريكي العنيف علي بغداد.
السابع والثامن من نيسان (ابريل) عام 2003 كانا الأطول في أيام الحرب، فقد بات واضحا أن نظام الحكم في العراق قد انتهي، والكل بانتظار أن يستخدم ذلك النظام أخر طلقة في جعبته، لكن القوات الأمريكية دخلت بغداد في التاسع من نيسان (ابريل) عام 2003 دون مقاومة تذكر، حينها الكل أدرك أن لا وجود لأخر طلقة.. لا وجود لأسلحة دمار شامل، فقررت مغادرة بغداد مع جثامين زملائنا الصحافيين الذين قتلوا في مكتب الجزيرة وفندق فلسطين، وطوال قرابة ألف كيلو متر، وهي المسافة بين بغداد وعمان، وأنا مستغرق بالتفكير بحقيقة وجود صلة بين الزرقاوي ونظام صدام حسين، بعد أن رجحت مجريات الحرب أن لا وجود لأسلحة الدمار الشامل.
بعد دخول القوات الأمريكية بغداد، لم تقدم الادارة الأمريكية أدلة تثبت امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. كما أنها لم تفلح في اثبات علاقة النظام العراقي السابق بالارهاب الدولي عامة، وبالقاعدة خاصة. وهما التهمتان اللتان أعلنتهما واشنطن سببا لاحتلال العراق، واسقاط نظام حكمه، علاوة علي تبشيرها بنشر الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
حين غادرت بغداد في التاسع من نيسان (ابريل)، كان الشعور السائد أن العراق سيرزح تحت احتلال طويل دون أية مقاومة، ذلك الشعور تولد نتيجة احتلال بغداد دون قتال، علاوة علي النقاشات التي كانت تدور أثناء الحرب مع بعض العراقيين من صحافيين وأكاديميين، كانت خلاصتها، أنهم يأملون أن تساعدهم الولايات المتحدة في اعادة بناء بلدهم التي أنهكها الحصار الطويل، لكن بعد شهرين من احتلال القوات الأمريكية للعراق، بدأت عمليات المقاومة العسكرية تستهدف هذا الوجود، ومرة أخري، حمّلت الادارة الأمريكية الزرقاوي مسؤولية هذه العمليات.
شاهدت بأم عيني تدفق المتطوعين العرب الي العراق أثناء الحرب، لمقاتلة الأمريكيين، وزرتهم في مواقع تجمعاتهم، واستمعت الي شهاداتهم، سواء في المستشفيات بعد أصابتهم نتيجة القصف الأمريكي، أو بعد هروبهم من مناطق عراقية رفضت استقبالهم. لكن ذلك كان أثناء الحرب، ربما تكون الصورة اختلفت بعد ذلك. لكن لم يذكر أي من هؤلاء المتطوعين شيئا عن الزرقاوي حينذاك.
في الثامن من آب (أغسطس) عام 2003 تعرضت السفارة الأردنية في بغداد لعملية تفجيرية، كما تعرض مقر الأمم المتحدة في بغداد، في التاسع عشر من الشهر ذاته لعملية مماثلة، أصابع الاتهام أشارت مرة أخري الي وقوف الزرقاوي وراء هاتين العمليتين. الا أن الزرقاوي تبني المسؤولية عن التفجير الثاني دون الأول، وعن عمليات أخري، وفق تسجيل صوتي له، صدر بعد ثمانية أشهر، من نسف مقر الأمم المتحدة:
فقد أكرمنا اللهُ فقطفنا رؤوسهم، ومزَّقنا أجسادهم في مواطنَ عديدة، فالأمم المتحدة في بغداد وقوات التحالفِ في كَربلاء، والطِّليان في الناصرية، والقواتُ الأمريكية علي جسرِ الخالدية، والمخابراتُ الأمريكيةُ في فندقِ الشاهين، والقصرُ الجمهوريُ في بغداد، والسي آي ايه في فُندقِ الرشيد، والقوات البولنديةِ في الحلة، وقد أُحيطت هذه العمليةُ المباركة، بتكتيمٍ اعلاميٍ غيرِ مسبوقٍ في العراق وأظهرَ الاعلامُ الخبيث، أنَّ المتضررَ من هذه العملية هم الابرياءُ وحدهم، ولم يذكروا أن أربعاً من الطائراتِ المروحية، هبطت الي الموقعِ لنقلِ الجُـثثِ النجسة، من قواتِ التحالفِ الصليبي، وأن قتلاهم يزيد علي مئتين جندي، أخيرا وليس آخرا الموساد الاسرائيلي في فندق جبل لبنان، وغيرُها وغيرُها في قائمةٍ طويلة، مضتْ بعضُ فصولها،والقادِمُ أدهي وأمرُّ بعونِ الله.
وَنحنُ نَتحدَّي الاِعلامَ الأمريكي الكاذب، بأن يُبينَ حقيقةَ الدَّمار، وحجمَ الخسائِر التي حلَّت بقواتِه، فَرامبُو هوليوود لا مكانَ له بَينَ أُسودِ الاِسلامِ وأبطاله، ولنَا معهم باِذنِ اللهِ صولاتٌ وَجَولات واذا كَانَ جُون أبي زيد قَد نجا هذِه المرَّةَ مِنْ سُيوفِنا، فَنَحنُ له ولبريمر وَلِجنرالاتِهم وَجُنودِهم وَأعوانِهم بالمِرصادِ، نتخطَّفُهم كالطيرِ، ونقطعُ عليهم كُلَّ طَريقٍ، ونُشرِّدُ بهم من خَلفَهم.
بعد شهر من تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد، أعلنت وزارة المالية الأمريكية في 24 أيلول (سبتمبر) عام 2003، تجميد أموال ابو مصعب الزرقاوي، ضمن ستة أشخاص صنفتهم ارهابيين دوليين. وفي الشهر التالي أعلنت السلطات الأمريكية في العراق، تخصيص خمسة ملايين دولار، مكافأة لمن يدلي بمعلومات تؤدي الي الزرقاوي.
لم يتوقف أمر اتهام الزرقاوي بالوقوف وراء العمليات التي تقع داخل العراق، بل تعداه الي أوروبا، حين وُجهت أصابع الاتهام الي الزرقاوي مجددا، في الوقوف وراء تفجيرات استنبول، في العشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2003.
في الثاني من شباط (فبراير) عام 2004 تعرضت كربلاء والكاظمية الي عمليات تفجير ضخمة، كان من الصعب توجيه الاتهام الي الزرقاوي بالوقوف ورائهما دون دليل، نظرا لأهميتها وضخامتها، فكانت الرسالة التي كشفت السلطات الأمريكية عنها، وقالت أن الزرقاوي كتبها الي قادة القاعدة، وأنها ضبطتها علي قرص مدمج مع أحد أعوان أسامة بن لادن.
السلطات الأمريكية في العراق كانت قد أعلنت قبل أسبوع من ذلك، أي في الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير)، أنه تم اعتقال الباكستاني حسن جهل في العراق. وعليه تم الربط، بين هذا الاعتقال، وضبط الرسالة. لكن الجديد هنا في مضمون هذه الرسالة: أن الزرقاوي استكمل بناء شبكته الخاصة في العراق.
تلك الرسالة ذات المصدر الأمريكي، اذا ما سلمنا بصحة نسبتها الي الزرقاوي، تثير تساؤلات كبيرة، فهل تتوافق مع ما يؤمن به الزرقاوي من فكر وقناعات، والي أي حد تعكس هذه القناعات، فكر مدرسته المذهبية التي باتت تسمي السلفية الجهادية، خاصة ما يتعلق منها، بنظرتهم الي الشيعة، وفي أي خانة يضعونهم، مع المسلمين أو مع غيرهم.
بعد ثمانية أيام من تفجيرات كربلاء والكاظمية، أعلنت السلطات الأمريكية بالعراق، في الحادي عشر من ذات الشهر شباط (فبراير)، مضاعفة المكافأة المرصودة لمن يدلي بمعلومات عن الزرقاوي، وأصبحت عشرة ملايين دولار. في محاولة من السلطات الأمريكية لاضفاء الصدقية علي أن الرسالة التي ضبطتها، كتبها الزرقاوي بنفسه.
لم يكتف الزرقاوي بالتوعد بمقاتلة الشيعة، بل أعلن صراحة مسؤوليته عن اغتيال محمد باقر الحكيم، رئيس المجلس الأعلي للثورة الاسلامية في العراق، في الانفجار الذي استهدفه بالنجف في التاسع والعشرين من آب (أغسطس) عام 2003. وقد كلف الزرقاوي والد زوجته الثانية، الشيخ ياسين، لتنفيذ عملية اغتيال محمد باقر الحكيم.
اذا ما تفحصنا طبيعة تفجيرات كربلاء والكاظمية، نري انها استهدفت الشيعة، في مناسبة هي الأعظم دينيا لديهم، فهل باتت مقاتلة الشيعة، أولوية لدي الزرقاوي، علي مقاتلة الأمريكان، في ظل التحالفات الناشئة، بعد تصاعد المقاومة للوجود الأمريكي في العراق، في المناطق التي أصطلح علي تسميتها بالمثلث السني؟ مواقف الزرقاوي المتشددة لم تقتصر علي الشيعة وحدهم، بل شملت مسلمين سنة أيضا، عربا وأكرادا، معتبرا أن التخوف من حرب طائفية، ما هي الا دعوات للسكوت علي الاحتلال.
البيان الذي نفي فيه تنظيم القاعدة مسؤوليته عن تفجيرات كربلاء والكاظمية. يؤكد ما جاء في ذيل رسالة الزرقاوي، التي ضبطتها الأجهزة الأمريكية في العراق، من أنه ليس جزءا من تنظيم القاعدة، وأن لكل منهما موقفه الخاص تجاه التعامل مع الشيعة في العراق، رغم اتفاقهما العقائدي علي الموقف منهم.
شهد النصف الأول من عام 2004، نقلة نوعية في عمل الزرقاوي وشبكته المسماة التوحيد والجهاد، فبعد الاعلان عن ولادة الشبكة عبر البيان العسكري رقم واحد، الخاص بالهجوم البحري علي ميناء البصرة، والذي حمل توقيع الزرقاوي شخصيا، توالي صدور البيانات العسكرية، لكن بتوقيع الجناح العسكري، وأصبح لديهم مكتبا اعلاميا خاصا بشبكة التوحيد والجهاد، مما يوحي أن شبكة الزرقاوي، باتت تعتمد العمل المؤسسي المنظم. وامعانا من الزرقاوي في تأكيد حضوره القوي بالعراق، وتقديم الدليل المادي أنه وراء التفجيرات الكبيرة التي حدثت في العراق، والتي أعلن مسؤوليته عنها في بيانات خطية، وأنه وراء عمليات اغتيال كبار المسؤولين من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق وغيرهم، وزع الزرقاوي شريطا مصورا عبر شبكة الانترنت يظهره وهو يقوم شخصيا بقطع رأس المواطن الأمريكي نيكولاس بيرغ، بعد أن تلا بيانا بصوته، يبرر فيه هذا التصرف بأنه انتقام لما جري من انتهاكات بحق السجناء في معتقل أبو غريب وغيره، متوعدا بالمزيد، وبذات الأسلوب الذي كرره مع المختطف الكوري.
البيان الذي أصدره الزرقاوي متبنيا مسؤولية الهجوم البحري علي ميناء البصرة جنوب العراق، في الخامس والعشرين من نيسان (ابريل) عام 2004، يؤكد بشكل قاطع، أنه لم تعد هناك أية صلة للزرقاوي بتنظيم القاعدة، فقد وُقع البيان باسم أبو مصعب الزرقاوي أمير جماعة التوحيد والجهاد ، مما يعني أنه قرر الاعلان عن شبكته الخاصة التي بدأ في انشائها، حين أسس معسكره الخاص في هيرات. حمل بيان البصرة الرقم واحد، مما يعني أن الزرقاوي وصل الي طريق مسدود مع قادة القاعدة، في أن يوافقوه علي رأيه الخاص بالموقف من الشيعة، ذلك الموقف الذي ضمنه الرسالة التي ضبطتها السلطات الأمريكية في العراق، شرطا للعمل بامرتهم، وفي اشارة البيان الي أن عملية البصرة جاءت تأسيا بما فعله اخوانهم ليوث القاعدة بالمدمرة كول ، هي تأكيد علني صريح مباشر، أنه لا يتبع للقاعدة، وأنه قادر أن يفعل مثلهم وأكثر.
هذا الوضع يعني أن شبكتي الزرقاوي وبن لادن ستتنافسان في ايقاع الضربات الأكثر ايلاما في خصمهما المشترك، ليثبت كل منهما، أنه الأجدر في أن يُقدم له الجميع الولاء والطاعة. ليكون رمزا لكل الجماعات الاسلامية المسلحة في العالم، التي تنتمي الي ما أصطلح علي تسميته بالسلفية الجهادية.

التغطية الاعلامية الامريكية للزرقاوي

لكن أسلوب ادارة الولايات المتحدة للأمور في العراق، أدي الي سكب زيت بن لادن علي نار الزرقاوي، ليزيد اشتعال العراق عليهم لهيبا، فالتغطية الاعلامية الهائلة الذي حظيت بها أنشطة الزرقاوي في العراق، والتضخيم الاعلامي الأمريكي المقصود للزرقاوي في العراق، بهدف تعليق جميع العمليات العسكرية والمقاومة المشتعلة بالعراق، علي شماعة الزرقاوي، للايحاء بأن العراقيين قابلون بتواجد القوات الأجنبية علي أراضيهم، وأن قلة من المقاتلين العرب، هم الذين يفتعلون تلك الأحداث بالعراق، لتأكيد وجود ارهابيين في العراق، قبيل الغزو الأمريكي له. خدم الزرقاوي كثيرا، دون أن تقصد أو تعي واشنطن ذلك، فهذا التضخيم أسهم في خلق صورة البطل في أذهان العرب الباحثين عن قائد يتوجهون اليه، ليخوضوا معه جهادهم التواقين اليه، فبات كل عربي ومسلم راغب في الذهاب للجهاد في العراق، يتوجهون الي الزرقاوي للانضواء تحت قيادته. فالذهنية في المشرق اعتادت أن تخلق بطلا ان لم يكن موجودا، تصنع منه رمزا لتتحلق حوله في صنع التاريخ. الذهنية الأمريكية الهوليوودية، تلتقي مع ذهنية المشرق في ذلك، فخلقت من الزرقاوي بطلا ورمزا، مع أنه في تلك الأثناء لم يكن قد فعل الكثير ليشار اليه بالبنان. وكان مجموع من يأتمرون بالزرقاوي حينذاك لا يتعدون ثلاثين شخصا. لكن بفضل (العبقرية) الاعلامية الأمريكية، بات عدد أتباع الزرقاوي الآن يعدون بالآلاف.
كذلك أدي اعلان السلطات الأمريكية وضع يدها علي رسالة، قالت أن الزرقاوي كتبها لقادة القاعدة، ونشرت نصها الكامل، الي منح فرصة لقيادة القاعدة وكوادرها للعمل علي توحيد الصفوف مع الزرقاوي، لأن نص الرسالة يؤكد أن لدي الزرقاوي الاستعداد ليكون جزءا من تنظيم القاعدة، وفق رؤية طرحها، فسارع المقاتلون العرب والمسلمون ممن يدينون بالولاء لفكر القاعدة، الي الالتحاق بشبكة الزرقاوي، حتي قبل أن تتم عملية التوحد، كما بادر الأثرياء من العرب والمسلمين، بعد نشر تلك الرسالة، الي السعي لايصال أموالهم الي الزرقاوي، مما قوي من شبكته بشريا وماليا في العراق. أما أسامة بن لادن، فقد تلقف ذلك أيضا، وبادر الي الاتصال بالزرقاوي لتتم عملية انضواء تنظيمه تحت راية القاعدة، والتي بات الزرقاوي أميرها في العراق. حتي أصبحت القاعدة الآن، اللاعب الرئيسي في الساحة العراقية.
توحد الزرقاوي مع القاعدة علي الصعيد التكتيكي والاستراتيجي، يخدم الطرفين، بن لادن والزرقاوي. أما لبن لادن فهو الفرصة التاريخية ليضع اصبعه في عيون واشنطن ليقول لها أن اجتياح أفغانستان لم ينه القاعدة، علي قاعدة أن الطلقة التي لا تقتلني تقويني، وأن العراق باتت ساحة أكثر أهمية للقاعدة، فطبيعة الأرض والشعب توفر حاضنة أكثر ملائمة للقاعدة من أفغانستان. أما بالنسبة للزرقاوي، فالمخزون البشري الذي يمده بالمقاتلين، غالبيتهم متطوعون قصدوا العراق للوصول الي الزرقاوي حبا بالجهاد، وتدفق هذا المخزون مرتبط ارتباطا طرديا مع القبضة الأمنية علي الحدود، بينما اتحاده مع القاعدة يؤمن له تواصل هذا التدفق البشري بشكل دائم ومنظم.
وما ينطبق علي العامل البشري ينطبق علي العامل المادي واللوجستي.
استراتيجية الزرقاوي السياسية في العراق، أصبحت أكثر وضوحا بعد كلمته التي هدد فيها أياد علاوي رئيس الحكومة المؤقتة في العراق بالقتل، هذه الاستراتيجية باتت تركز علي استهداف الشرطة العراقية، وهو انعكاس لموقفه الثابت من الشرطة مذ كان سجينا في الأردن، وقتله للرهينة الكوري، يوضح حدود استراتيجيته العسكرية، الاستفراد بالأمريكيين وحدهم بعد أن يدفع الآخرين الي مغادرة العراق، مكررا ما قام به تجاه الأمم المتحدة، ليصل في النهاية الي عرقلة الخطط الأمريكية في ايجاد واجهة عراقية محلية لادارة أمور البلاد، لتبقي الحرب مفتوحة بين قوات احتلال أميركية، ومجاهدين يقاتلون لاخراج القوات الصليبية من أرض المسلمين، مما يبقي تجربة الجهاد في أفغانستان حية، لكن هذه المرة بأنماط متطورة تتيح لكرة الثلج الجهادية أن تكبر ليصل تدحرجها الي دول الجوار العراقي، وصولا الي القضية الأكثر قدسية واشتعالا في رؤوس المسلمين؛ قضية فلسطين.

أفكار الزرقاوي وعقيدته

أولا: مدرسته المذهبية
بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، أصبح الغرب أكثر اهتماما بالاسلام، لكن دون أن يعرف الفرق بين المذاهب والفرق الاسلامية، وصب جل اهتماماته علي السلفية، أو ما يسمونه بـ(الوهابية)، لوجود خمسة عشر سعودياً متهماً بالاشتراك في الهجمات علي نيويورك وواشنطن.
والوهابية تطلق مجازا علي المدرسة السلفية وذلك نسبة الي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي تُصنف أفكاره علي أنها دعوة سلفية. وهو المنهج الديني الذي يسيطر علي التوجه الديني في السعودية.

نشأة المدرسة السلفية

لم تكن السلفية وليدة الأحداث الراهنة، ولا الفهم المعاصر للاسلام وانما تمتد ـ حسب ما يري بعض الباحثين ـ الي شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية. ترتكز الدعوة الوهابية علي مبادئ أساسية، أهمها الرجوع الي الكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة، واتباع سبيل السلف الصالح، ونبذ الفلاسفة والمتكلمين ورجال التصوف، لكونهم يتعارضون وروح الدعوة الاسلامية. بينما يري الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الاسلامية في السياسة والعقائد، أن نسبة السلفية ترجع الي الامام أحمد بن حنبل، بظهور جماعة في القرن العاشر الميلادي، وكانوا من الحنابلة، ويقولون بنسبة آرائهم الي الامام أحمد الذي أحيا عقيدة السلف وناهض ما دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن الخامس عشر، حيث أحياه شيخ الاسلام ابن تيمية، ثم ظهرت تلك الآراء في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر, بانشاء المدرسة الاصلاحية السلفية، التي انتشرت في العالم الاسلامي علي يد محمد بن عبد الوهاب. الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي في الجزيرة العربية، ركز جهوده في محاربة البدع التي تنحرف بعقيدة التوحيد الاسلامية، وتنسب الي غير الله، ما لا يجوز أن ينسب اليه، من أمور تحمل سمات الشرك بالله، مثل زيارة القبور والأضرحة، للتبرك والتوسل بمن دفن فيها.. الخ.
كان لانتصار الحركة الوهابية المسلحة وسيطرتها علي مكة والمدينة وهما المدينتان المقدستان اللتان يحج اليهما ملايين المسلمين كل سنة أثره الفعال والمهم في انتشار الفكر الوهابي خارج الجزيرة العربية.
وعليه فقد غدا موسم الحج السنوي الفرصة الأكثر حيوية لدعاة الوهابية، لنشر مذهبهم في التوحيد ومحاربة البدع.
فالي جانب الخطب المنبرية والجلسات التفقيهية والوعظية المنظمة بمناسبة الحج، اهتم القائمون علي الدعوة الوهابية، بنشر كتب الشيخين ابن عبد الوهاب وابن تيمية. بالاضافة الي عدد كبير من الكراسات والمحاضرات التي تشرح أصول المذهب الوهابي التوحيدي الجديد، وتوزيعها مجانا علي الحجاج.
كما أن التصرفات الغريبة التي كانت تصدر من بعض دعاة الوهابية أو القائمين علي رعاية الأماكن المقدسة، كانت تثير ردود فعل مختلفة من قبل الحجاج، وخاصة عندما كان الوهابيون يمنعونهم من الاقتراب من ضريح الرسول (ص)، بحجة أن ذلك شرك ، وان من تمسح بالقبر أو وضع يده علي الشباك المحيط بالقبر الشريف، فقد أشرك. وينادون علي من يفعل ذلك يا مشرك. كل هذه التصرفات كانت تثير لدي الحجاج تساؤلات عدة، تدفع المتعلمين منهم للسؤال والبحث. وقد تعرف الكثير منهم علي العقائد الوهابية من جراء ذلك.
أما انتشار الوهابية في دول العالم الاسلامي، فيعزي الي طائفة من العلماء والفقهاء زاروا مكة والمدينة للحج، فتعرفوا علي عقائد الوهابية والتقوا معها، في مسألة محاربة البدع والخرافات العقائدية التي كانت منتشرة، ومن ثم شكلوا النواة الأولي للدعوة الوهابية في بلدانهم، لما رجعوا من حجهم. بالاضافة الي مجموعة كبيرة من الطلبة الذين استوعبتهم الجامعات الدينية الوهابية، المؤسسة لتعليم المذهب الحنبلي وعقائده.
ولقد كانوا فعلا رسل المذهب وسفراءه في بلدانهم، ومن ثم بدأت أفكار الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب تعرف طريقها نحو العالمية.
علاوة علي ما سبق، فان الحكم في السعودية وبحكم تعلقه بالشرعية الدينية السياسية وارتباطه بالدعوة الوهابية، قد بذل جهودا كبيرة لدعم هذا المذهب ونشره داخل الجزيرة وخارجها. وقد خصص لهذا الغرض ميزانية ضخمة تصرف علي طباعة الكتب الخاصة بالعقيدة الحنبلية بصيغتها الوهابية . منذ الملك عبد العزيز، وكتب السلف تطبع وتنشر وتوزع مجانا، فهذه مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، والدرر السنية، ومجموعة فتاوي ابن تيمية وكتب ابن القيم وكتب الفقه والتفسير والحديث. وهذا النشر والطباعة لتراث الحنابلة وتوزيعه مجانا، ولم يقتصر فيه علي السعودية نشرا وتوزيعا. وانما تمت الاستفادة من أغلب دور النشر في مصر وبيروت ودمشق وبغداد والهند. وبذلك اتسعت رقعة التوزيع لتحيط بالسوق العربية والاسلامية للكتاب.
وبما أن الكتاب السلفي الوهابي لا يشكل أية مشكلة بالنسبة لجهات المراقبة علي الكتاب الاسلامي في الوطن العربي بالخصوص، فقد أُغرقت الأسواق بهذا الكم الهائل من هذه الكتب. والتي أصبح من المتعذر عدم وجود بعضها ضمن مكتبات أبناء الصحوة الاسلامية. كما أن المراكز الثقافية التابعة للحكومة السعودية والمنتشرة في جميع الدول الاسلامية، تقوم بدور فعال في هذا المجال، خصوصا تزويد الطلبة بفتاوي شيخ الاسلام ابن تيمية. علاوة علي المراكز الاسلامية التي دأبت السعودية علي افتتاحها في العواصم الدولية، وتزويدها بالكتب السلفية والخطباء والعلماء الوهابيين.
واذا أضفنا الي ذلك ظهور تيارات حركية سلفية داخل العالم الاسلامي، تابعة للمؤسسة الدينية السعودية. تكون الصورة قد اكتملت حول حجم ظاهرة الدعوة السلفية التي واكب ظهورها وانتصارها وسيطرتها علي الحجاز والمدينتين المقدستين بروز وتشكل الصحوة الاسلامية العالمية.
بعد ذلك أخذت السلفية اتجاهات مختلفة، حيث باتت تركز علي التربية والاصلاح الاجتماعي، خاصة في المغرب العربي، متأثرة بدعوة الشيخ محمد عبده الذي عرَّف هو نفسه بحركته التجديدية فقال: ارتفع صوتي بالدعوة الي أمرين عظيمين: تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين علي طريقة سلف الأمة.
هذه الدعوة الي الاصلاح السياسي والاجتماعي، كانت الاستجابة لها في المغرب العربي قوية. واتجهت السلفية في المغرب نحو الاندماج في الحركة الوطنية وتبني أهدافها التحديثية، وانتهت بالذوبان فيها، خصوصا عندما جند المستعمرون بعض الجماعات الدينية والقوي المختلفة المتعاملة معهم، ضد الوطنية والسلفية. بل يمكن القول ان الحركة الوطنية التحررية انما خرجت من جوف السلفية، تماما مثلما أن السلفية انتشرت في جسم المجتمع المغربي وتغلبت علي المذاهب الأخري وخاصة الصوفية، خصمها الديني، باندماجها في الحركة الوطنية، ورفعها راية الجهاد ضد المستعمر وأعوانه وعملائه.كل ذلك جعل مفهوم السلفي يتوسع ليشمل في آن واحد: محاربة الاستعمار، ومحاربة البدع والتقاليد الاجتماعية الشعبية، والدعوة الي التجديد والتحديث في كل مجال في الفكر والسياسة والاجتماع... الخ.
تعتبر الحركات السلفية ــ في عالم اليوم ــ من أهم الحركات الاسلامية الاصلاحية. ولهذه الحركات صوتها الجهوري الداعي الي تحرير الدين من شوائب العرف وبدع الخلَف.
وقد تمظهرت الحركة السلفية المعاصرة بمظاهر شتي خلال القرن العشرين، من ليبرالية، الي عقلانية، الي جهادية. لكن ما تبلور في النهاية تحت مسمي السلفية هو المدرسة النجدية ذات الجذور الحنبلية. وهي التي نركز عليها بالتحليل هنا نظرا لأن صوتها تجاوز حدود مواطنها الأصلية كثيرا، وأثرها امتد الي كل الآفاق، فغدتْ ظاهرة اسلامية عالمية.
لقد ظلت الحركة السلفية حتي وقت قريب تمثل مخزونا احتياطيا ورصيدا استراتيجيا للحركات الاسلامية السياسية والجهادية، دون أن تتحمل بنفسها عبئا في الجهاد السياسي يتناسب مع حجمها وأثرها العلمي والاجتماعي. فكان أغلب السياسيين والحركيين الاسلاميين يتخذون من علماء السلفية ومنشوراتها مرجعا في كثير من رؤاهم التأصيلية، ويستمدون من الحركة السلفية جانبا مهما من مددهم البشري، دون أن يعولوا كثيرا علي الحركة نفسها في الجهاد السياسي، نظرا للموقف المتوجس الذي عبر عنه علماء السلفية وقادتها تجاه العمل السياسي، بسبب هاجس الخوف من الفتنة. لكن يبدو أن الحركة السلفية تمر اليوم بمرحلة مخاض بدأت تغير هذه المعادلة، وتخرج بالفكر السلفي من الطوق الذي وضع فيه نفسه.
لكن المخاض الفكري والسياسي الذي تعيشه الحركة السلفية الآن، جعل المساوئ المنهجية تضمحل تدريجيا، باستثناء جيوب معزولة هنا وهناك. وأخذ الفكر السلفي يقترب من هموم الأمة، والتحرر من أسر التاريخ، والخروج من عباءة بعض الأنظمة، التي طالما ركبت الموجة السلفية لتحقيق مآربها. ويلاحظ أن السلفيين بدأوا يتخففون من الجدل التاريخي والكلامي، مع بدء الجهاد في أفغانستان، وأخذوا يركزون علي شؤون العصر، وتحديات الحياة المعاشة، وتعطشهم الي الاستفادة من ثقافة العصر في مجال الفكر السياسي والتنظيمي.

وتعود أسباب هذه التطورات علي الساحة السلفية الي عدة عوامل منها:

أولا: تضاعف أعداد المتطوعين للجهاد في أفغانستان، خاصة من علماء الدين الذين أخذوا علي عاتقهم التأصيل للجهاد، وفق المذهب السلفي، من أن القتال في أفغانستان هو جهاد دفع، لا يحتاج الي تطبيق الاشتراطات الصعبة التي يتطلبها أنواع الجهاد الأخري.
ثانيا: تمرد بعض العلماء والدعاة مطلع التسعينيات من القرن الماضي علي السلطات السياسية، فحرروا الخطاب السلفي لأول مرة من عباءة الأنظمة التي تجعل الشريعة خادمة للسلطة ـ لا العكس المفترض ـ وهذا دفع الشباب السلفي الي دراسة الواقع واستيعاب مقتضيات الدين في العصر الحاضر.
ثالثا: امساك بعض الوجوه السلفية بزمام المبادرة السياسية داخل بعض الدول المسلمة، وتعاونهم مع الجماعات الاسلامية الأخري ومع عامة الشعب بحكمة واستيعاب. وقد برزت هذه الظاهرة أوضح ما تكون في تجربة الجبهة الاسلامية للانقاذ بالجزائر مطلع التسعينيات من القرن الماضي.
رابعا: ما قامت به الجماعات السلفية المغتربة في أوربا وأمريكا من دور تنويري أسهم في تطوير خطاب سلفي جديد، يتسم بالوعي والنضج. وربما كان للثقافة العملية السائدة في الغرب أثر ايجابي هنا، حيث لا تقاس قيمة المبدأ بصحته النظرية، بل بصلاحيته العملية. مما أسهم في أن يدرك السلفيون ـ وان كان في وقت متأخر من القرن الماضي ـ أن أمامهم وأمام الاسلام تحديات أكبر من منازلة الشيعة والمرجئة والأشاعرة والمتصوفة. فقد وعوا أن ما تحتاجه الصحوة الاسلامية اليوم، هو أمة تعيش تحديات عصرها، لا تستعبدها مقولات الماضي ومصطلحاته، وحروبه التي أضاعت علي القوي الاسلامية ــ فيما مضي ــ الكثير من الوقت والجهد.
هذه الاستراتيجية الجديدة للحركات السلفية، أعطتها قوة تنظيمية وحركية، وباتت تتمتع بمرونة غير مسبوقة. ظهرت أكبر تجلياتها في استيعاب القاعدة عام 1999 لأبو مصعب الزرقاوي، رغم عدم اتفاقه التام مع منهج بن لادن، بسبب الفهم المتعدد لبعض جوانب العقيدة فيما يتعلق بالولاء والبراءة، وما يترتب عليه من مواضيع التكفير والارجاء، وهي مسألة تعتبر من المسائل العقائدية الدينية الأساسية، وأقصد هنا الموقف من آل سعود حكام السعودية، ان كانوا كفرة أم لا، واذا كانوا، ما هو الموقف الذي ينبغي أن يكون. كل هذا الخلاف لم يحل دون أن تتنازل القاعدة، وهي الطرف الأقوي في أفغانستان، أن تتنازل عن بيعة كاملة من الزرقاوي، بل تدعمه في تأسيس معسكر خاص له، علي أساس التنسيق والتكامل، وهو ما سيطلعنا عليه بالتفصيل الرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) في الشهادة التي بعث بها الينا.
هذه المرونة باتت تشكل خطرا علي كل خصوم وأعداء الحركة السلفية، فأخذ هؤلاء الأعداء يعملون علي توسعة الفجوة بين الحركات السلفية وغيرها من الحركات الاسلامية، منعا من تشكيل جبهة اسلامية عريضة في وجه التحديات التي تواجه الأمة الاسلامية، بعد أن بدأ السلفيون يتحررون من داء التنظير المجرد ومتاهات علم الكلام، ويفتحون أعينهم علي تحديات الواقع المعاصر وتعقيداته، وبدأ الاسلاميون الحركيون ــ مثلما يجري حاليا في العراق ــ يتحررون من الروح الحزبية ويفتحون صدورهم لكل عامل ولو من خارج التنظيم، حتي وان ابتعد قليلا عن الأصول العلمية للسلفية.
فما هي هذه الأصول ؟

امريكا جاءت باساطيلها الي أرض الاسلام بعد أن أفزعها المد الاسلامي المتصاعد ولتنهب ثروات الامة
خطاب الزرقاوي سلفي التوجه.. يتسم بالتحريض ضد الشيعة.. والعداء لاسرائيل والانظمة العربية
فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشنطن التي تطلق علي حربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صنع استراتيجياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.


الأصول العلمية للدعوة السلفية

تقوم السلفية علي ثلاثة أصول علمية أساسية: هي التوحيد، والاتباع، والتزكية.
فالتوحيد هو عماد الدين، وهو الذي من أجله بعث الله رسله الي العالمين .
وهو يعني عبادة الله وحده لا شريك له، بكل أنواع العبادة التي شرعها، الظاهرة: كالصلاة والصوم والحج، والنذر والذبح، والطواف ومفردات ذلك، والباطنة: كالخوف والرجاء، والحب والتوكل والانابة.. الخ .
وأصول التوحيد في المعتقد السلفي هي:
أولاً: الايمان بصفات الله سبحانه وأسمائه علي الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالي دون تحريف أو تأويل. فالسلفي يؤمن بصفات الله وأسمائه سبحانه وتعالي؛ كما جاءت في كتابه، وعلي لسان رسوله صلي الله عليه وسلم.
ثانياً: افراد الله سبحانه وتعالي وحده بالعبادة. وعندما نقول: افراده بالعبادة؛ فلا نعني الصلاة والزكاة والصوم والحج فقط، بل نعني كل ما يندرج تحت هذه اللفظة من معانيها، وعلي رأس ذلك الدعاء. فالدعاء هو العبادة، فلا دعاء لغير الله كائناً من كان؛ رسولاً أو ولياً حقاً أو ولياً مزعوماً.
ويأتي بعد الدعاء: السجود، وأنواع من الحب، والتعظيم، والخشية، والخوف، وكذلك الذبح والنذر، والرغبة.
وكل هذه الأمور من حق الله سبحانه وتعالي، بعض الناس الذين يؤمون القبور المشيدة للطلب من أصحابها ما لا يجوز أن يطلب الا من الله؛ كشفاء المرضي والانتصار علي الأعداء، والشفاعة عند الله، والمدد، واعطاء الأولاد، وخير الدنيا..
ثالثاً: الايمان بأن لله وحده سبحانه وتعالي وليس لأحد سواه حق التشريع للبشر في شؤون دنياهم.
فالتشريع حق لله جل وعلا؛ فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين والمنهج والطريق والصبغة هو ما شرعه الله فقط.
ويري السلفيون أن أكثر سلاطين الأرض اليوم وزعمائها قد تجرأوا علي هذا الحق، وتجرأوا علي الخالق، فأحلوا ما حرم، وحرموا ما أحل، وشرعوا للناس بغير شرعه؛ زاعمين تارة أن تشريعه لا يوافق العصر والزمن، وتارة أنه لا يحقق العدل والمساواة والحرية، وأخري بأنه لا يحقق العزة والسيادة.
رابعاً: يؤمن المنهج السلفي أن قضايا التوحيد الثلاثة السالفة قضايا لا تتجزأ ولا تقبل المساومة؛ لأنها أركان في فهم العقيدة السليمة وفي معني لا اله الا الله.
فمن آمن باله واحد؛ يجب أن يعتقد أنه هو الموصوف سبحانه في كتابه وعلي لسان رسوله صلي الله عليه وسلم، وأنه يجب الايمان به وفق هذه الصفات.
وكذلك يجب دعاؤه سبحانه وتعالي وحده، وافراده بسائر أصناف العبادة؛ من ذبح، ونذر، وخوف، وخشية، وانابة، وتوكل، وحلف، وتعظيم، وتطهير القلب مما يخدش هذا التوحيد أو يلغيه.
وكذلك يجب الايمان والعمل ليكون شرعه هو الأعلي وهو المحكم في حياة الناس جميعها؛ فلا دين الا ما شرع، ولا طاعة الا لله أو ما يقتضي أن تكون طاعة الله؛ أعني: لا طاعة لمخلوق الا بما يوفق طاعته سبحانه، فان خالف طاعته؛ فلا طاعة.
والمنهج السلفي يأخذ هذه القضايا جملة، ويطهر قلوب أتباعه من الشرك فيها جميعاً؛ لأنه وفق معتقدهم أن من مات وهو يدعو غير الله؛ لم يكن من أهل الجنة، وأن بعض التحريف لمعاني الصفات والأسماء؛ شرك بالله وكفر به، وان كان بعضه لا يبلغ ذلك، وأن من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر، ومن اعتقد أن لأحد من البشر أن يشرع للناس في شؤون معاشهم ودنياهم دون الرجوع الي شرع الله والالتزام به والسير بمقتضاه؛ فقد عبد غير الله وأشرك به شركاً جلياً. هذه القضايا الثلاث السالفة هي الأركان التي يقوم عليها الأصل الأول من الأصول العلمية للدعوة السلفية.
انها قضايا التوحيد الثلاثة التي اذا اختل شرط منها؛ اختل أصل التوحيد.
وهذا الأصل هو بمثابة المدخل للمعتقد السلفي؛ لأن التوحيد هو أهم قضايا الدين، بل رأسه، وبدونه لا يكون المسلم مسلماً.
الاتباع: بعد أن يعلم السائر في المنهج السلفي توحيد الله سبحانه وتعالي حسب أركانه السالفة؛ فانه يتوجب عليه افراد الرسول صلي الله عليه وسلم بالاتباع، فلا تشريع الا بما جاء به، ولا دين الا ما قرره وأقره، وذلك تحقيقاً لقوله: أشهد أن محمداً رسول الله .
وهذه الشهادة لا تكون كاملة الا بالأمور الآتية:
أولا: أن يعلم أن محمداً صلي الله عليه وسلم رسول مبلغ عن ربه جل وعلا، وأنه قد جاء بوحيين: الأول كتاب الله القرآن. الثاني: سنته صلي الله عليه وسلم.
فكلام رسول الله صلي الله عليه وسلم مثل كلام الله تعالي؛ سواء في الاعتقاد والعمل والقبول؛ لأن هذا وهذا من الله سبحانه وتعالي، والرسول لا يأمر ولا ينهي ولا يحرم ولا يحل في أمور الدين بشيء من عند نفسه، بل بأمر الله سبحانه وتعالي، ولا يخبر بشيء من الغيب الا بوحي منه جل وعلا.
ثانياً: الدين هو المنهج والطريق والحكم والصبغة العامة، وليس هو التقرب فقط؛ كالمفهوم الشائع بين الناس اليوم.
ومعني هذا أن الرسول صلي الله عليه وسلم هو المشرع بأمر الله لجميع شؤون الحياة التي له فيها أمر ونهي وحكم، وليس للطاعات والقربات فقط؛ فمعصية أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم في شؤون البيع والتجارة والزواج والطلاق والحكم والسياسة والحدود؛ كمعصيته في شؤون العبادة؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها.
ثالثاً: للأمرين السابقين تصبح منزلة الرسول صلي الله عليه وسلم في الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر. ولذلك، فلا يقبل قول أحد؛ سواء كان: اماماً فقيهاً، أو زعيماً سياسياً، أو مفكراً أو مصلحاً؛ يخالف قولاً للرسول صلي الله عليه وسلم، ومن قدم قولاً لأحد علي قول الرسول صلي الله عليه وسلم فقد أساء وتعدي وظلم وخالف اجماع الأمة وكتاب الله وأحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم.
التزكية وهي عند السلفيين اصلاح النفس وفق المنهج الرباني ولا يكون ذلك الا بأداء الفرائض ، ثم الاكثار من النوافل والتزام طاعة الله ورسوله في ذلك، فلا عبادة الا بما شرع الله، ولا تقرب الا بما رسم رسول الله صلي الله عليه وسلم.
فالتزكية احدي المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلي الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها. فالله امتن علينا في هاتين الآيتين ببعثه النبي صلي الله عليه وسلم الذي من مهماته قراءة آيات الله، وهذه نعمة كبري؛ اذ نسمع كلام الله علي لسان بشر منا. ثم انه يزكي هـذه الأمة؛ بما يقرأ عليها، وبما يوحي اليه. ثم هو يخرج هذه الأمة من ظلمات الجهالة، وذلك بتعليم الكتاب:وهو القرآن، والحكمة وهي: العلم النافع .

أهداف الدعوة السلفية

ليست الدعوة السلفية ــ وفق فهمهم ــ دعوة الي شعبة من شعب الايمان، ولا لقضية واحدة من قضايا الاسلام، وليست هي دعوة اصلاحية اجتماعية، ولا دعوة سياسية حزبية، وانما هي دعوة الاسلام.. الاسلام بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني العزة والسيادة والاصلاح والعدل والفلاح في الدنيا والآخرة. والاسلام عندهم دين الله للعالمين؛ فليس هو دين وطن بعينه، ولا شعب بالذات، وانما هو دين الأرض كلها والناس جميعا. ولذلك؛ فالدعوة السلفية عندهم ليست دعوة وطن بعينه، ولا شعب بعينه، وانما هي المنهج المنضبط لفهم الاسلام والعمل به.
اذا، أهداف الدعوة السلفية هي أهداف دعوة الاسلام، وذلك أنها ليست حزباً دينياً بمفهوم العصر، ولا حزباً سياسياً.. انها منهج ودعوة وطريق لفهم الاسلام والعمل به. وعليه فان أهداف الدعوة السلفية تتلخص بما يلي:
أولا ايجاد المسلم الحقيقي، فصناعة الرجال ــ عندهم ــ هي مهمة الدعوة الاسلامية.. الرجال بمفهوم الرجولة الكامل..والانسان بمفهوم الانسان الكامل.. والمرأة المسلمة بالمفهوم الصحيح أيضا..
والمسلم الحق والمسلمة الحق يشترط فيهما هذه الشروط، وهي: التوحيد، والامتثال، والتزكية. بعيدا عن الشرك والتعصب والخرافة والجهل.
والمهمة الأولي للدعوة السلفية هي مهمة التعليم والتربية والصناعة بعد التعريف والبيان بالمفهوم الحقيقي للاسلام.
الهدف الثاني للدعوة السلفية هو توحيد المسلمين تحت عقيدة واحدة. ومنهج تشريعي واحد وذلك حتي يسهل اقامة الأمة الواحدة التي تنضوي تحت علم واحد وامام واحد. تكون كلمة الله فيه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلي. وايجاد المجتمع المسلم الذي يقوم بتآلف تلك اللبنات التي ربيت علي أساس الاسلام عقيدة ومنهجاً. من خلال تنقية المجتمع الاسلامي من الشرك والبدع والخرافات والخلاعة والمجون، وذلك بايجاد البيئة المناسبة لتربية أجيال المسلمين.
ثالثا اقامة الحجة لله. يري السلفيون أن من أهداف بعثة الرسل أن ينذروا الكافرين والمعاندين حتي لا يكون لهم عذر عند الله يوم القيامة؛ وأتباع الرسل يقومون بهذه المهمة بعد أن التحق الرسل بربهم، وهي أن يبشروا الناس وينذروهم حتي لا يكون للمعاندين منهم حجة أمام الله يوم القيامة، فأتباع الرسول صلي الله عليه وسلم هم خلفاؤه في مهماته ــ الا النبوة والرسالة ــ؛ فجهاد الكافرين، وتنفيذ أحكام الله، والدعوة اليه، والتبشير، والانذار؛ كل هذه من مهمات الرسل وأعمالهم، وهي واجبة أيضاً في حق أتباعهم والسائرين علي منهاجهم.
والمدعو اما أن يستجيب للدعوة، فيهتدي، فيتحقق بذلك الهدف الأول من أهداف الدعوة، وهو بذلك الهدف الثالث للدعوة، وهو ما نحن بصدده الآن؛ أي: تقوم عليه الحجة، وينقطع عذره عند الله تبارك وتعالي.
ولذلك؛ فالمنهج السلفي يري أن كل هذه الفرعيات تلتقي مع الأصل الأصيل، وهو ابراز الاسلام دائماً في صورته الكاملة النقية علي مدار العصور، وذلك لتبقي شخصية المسلمين واضحة جلية مميزة حتي يرث الله الأرض ومن عليها.
والدعوة السلفية تسعي فيما تسعي اليه الي اصلاح السياسة والحكم، ولكنها تعتقد أنه جزئية تنزل منزلته من أوامر الدين من حيث الأهمية والأولوية، ويسعي اليه بالقدر السليم الصحيح الذي يتناسب مع القائمين بالدعوة وجهودهم، وهي تدعو الله لكل سلطان صالح يريد الخير للناس، وتدعو جميع السلاطين القائمين الي تحكيم شرع الله في أنفسهم وما خولهم الله اياه. من أجل تخليص العالم الاسلامي من أعداء الاسلام الذين غزوا دياره، ومزقوا شمله، وفرقوا أوطانه لتقوم للمسلمين أمتهم ودولتهم العزيزة.
ولذلك كان المنطلق السلفي في اخلاص الدين لله أولاً، وتحقيق التوحيد، ثم انزال جميع تكاليف الاسلام منازلها بعد ذلك؛ من اصلاح الحكم والسياسة والقضاء، واقامة الحدود، وتطهير المجتمعات من الفساد، وتربية الرجال والنساء علي الدين الحق من عبادات ومعاملات وأخلاق.

أفكار الزرقاوي ومدي تطابقها مع السلفية كما في رسائله وخطبه:

كتب الزرقاوي العديد من الرسائل والخطب بين عامي 1994 و2005، كان أولها مرافعته التي قدمها أمام محكمة أمن الدولة في الأردن عام 1994، وهي الوحيدة التي صدرت عنه في الأردن، في حين أن بقية رسائله وخطبه، كلها صدرت عنه من العراق، ولا توجد له أية خطب أو رسائل صدرت عنه أثناء تواجده في أفغانستان. بعد مرافعته بالمحكمة بسبع سنوات ألقي خطبة أسماها (إلحق بالقافلة)، وكان ذلك عام 2003. وهي أول شيء يصدر عنه من العراق، توالت بعدها خطاباته ورسائله.
وللوقوف علي عقيدة الزرقاوي من خلال خطبه ورسائله انتقينا ستا منها: رسالتان خطيتان وأربع خطب تغطي كامل الفترة الزمنية، وتتضمن تنوعا في المضمون يسمح بالقاء الضوء علي طريقة تفكيره وعقيدته من خلالها. والخط البياني لتطور أفكاره واهتماماته .
وتحليل أدبيات الزرقاوي الخطية والخطب الصوتية، هي محاولة لفهم طبيعة خطابه الاسلامي والسياسي، ومن ثم محاولة الوصول الي عقيدته التي يبني مواقفه وفقا لها، يتبـــــين أن ثمة قواسم مشتركة بين جميع رسائله وخطبه، تضيء بشكل ساطع أهدافه واستراتيجيته عقائديا وسياسيا وعسكريا، وفيما يلي أبرز ملامحها:

أولا ـ استشهاده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأراء علماء الدين:

لا تخلو رسالة من رسائل الزرقاوي أو خطاب من خطاباته، من عدد كبير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، التي عادة ما يستشهد بها لاثبات صحة نهجه وصواب توجهاته وأفكاره، مكرسا مجموعته تنظيما دينيا يسترشد بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فهو يكثر من استخدامها مع كل فكرة أو عبارة أو رأي يحاول ايصاله الي من يستهدفهم في تلك الرسائل والخطب، محاولة منه في الاقناع والتأثير علي المتلقي باعتباره ينطلق من القرآن والسنة النبوية في تبرير كل ما يقوم به، هذا فضلا عن كونه رجلا اسلاميا لا يختلف عن الكثير من أقرانه أو من سبقه في استخدام الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لاسناد آرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم، لذا كانت جميع رسائله وخطبه غزيرة متدفقة ومسندة بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم وكبار علماء الدين، ممن يعتقد أنهم أكثر أهلية ودراية بما يرضي الله في مختلف الأزمان والعصور.
كثرة الاستشهاد بالنصوص الدينية، أراد منه الزرقاوي الوصول الي حتمية قيام الدولة الاسلامية أو الخلافة الاسلامية، فمن خلال وصايا الزرقاوي الي المجاهدين يتضح لنا أنه يؤمن أن قيامها وعد ألهي مؤكد، ويحث أتباعه علي عدم الاكتراث بما يقوله المنافقون وقطاع الطريق الي الله بأنه لا يمكن لهم تحقيق شيء مما يريدون، وأن الخلافة الاسلامية أو حتي الدولة الاسلامية لا يمكن أن تقوم. لأن ذلك الأمر قد يكون أقرب الي الخيال. فهو يذكرهم بقوله تعالي: اذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض عز هؤلاء دينهم ومن يتوكل علي الله فان الله عزيز حكيم . ويقول لأتباعه أن الله سيفتح علي المسلمين روما كما بشر رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. وأنه يرجو من الله نصراً أبعد من ذلك بمقولة اننا نرجو من الله أن يفتح البيت الأبيض والكرملين ولندن ومعنا وعد الله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما أستخلف الذين من قبلهم .
بيد أن الزرقاوي لا يري امكانية لتحديد موعد اقامة الخلافة أو الدولة الاسلامية، لأنها ليست مهمته، وانما مهمته العمل للدين والذود عن الشريعة وبذل أقصي الجهد، أما النتائج فهي الي الله عز وجل ـ كما يقول ـ اذ يؤكد أن المسلم باع نفسه لله عز وجل وليس أمامه الا (خيار واحد هو تسليم البيع لمن اشتراه .. واذا استلم المشتري البيع فليصنع به ما يشاء، وليضعه حيث يشاء، فان شاء وضعه في سجن، وان شاء البسه أحسن الثياب وان شاء جعله عاريا الا ما يستر به عورته، وان شاء جعله غنيا، وان شاء جعله فقيرا معوزا، وان شاء علقه علي عود مشنقة أو سلط عليه عدوه فقتله أو مثل به).
الدولة الاسلامية التي يبشر بها الزرقاوي تستمد تشريعاتها من كتاب الله، فالزرقاوي لا يعترف بغير الله مشرعا سواء كان هذا المشرع عالما أو حاكما أو نائبا برلمانيا أو شيخ عشيرة، ويعتبر كل من يعمل بغير شرع الله ويعمل وفق القوانين المدنية شرك بالله، (كما ورد في افادته خلال محاكمته)، ويستدل الزرقاوي علي قرب قيام الدولة الاسلامية، استشعار الأعداء بذلك كما يشير الزرقاوي في رسالته الي أمته أن الولايات المتحدة الأمريكية جاءت بأساطيلها الي أرض الاسلام بعد أن أفزعها المد الاسلامي المتصاعد والذي يدعو الي الجهاد من أجل اعلاء كلمة الاسلام.

ثانيا ـ دعواته للتوحيد والتمسك بقيم الدين الاسلامي:

ولأن الزرقاوي يؤمن بحتمية قيام الدولة الاسلامية، فالعنصر الأساس لذلك عقديا هو مبدأ التوحيد، اذ يؤكد الزرقاوي في جميع خطبه ورسائله علي أهمية التوحيد والتمسك بقيم الدين الاسلامي، باعتبارها العروة الوثقي وطوق النجاة لكل انسان.
والتوحيد كما يؤكد الزرقاوي في جميع رسائله وخطبه ليس أداء فرائض الاسلام من صلاة وصوم وزكاة فحسب، بل عدم الاعتراف والوثوق بكل ما هو دون الخالق من حكام ومسؤولين وولاة، فكل أولئك ـ كما يقول الزرقاوي ـ ليسوا أكثر من طواغيت، يحضون الانسان علي كل ما هو مخالف للشرائع الاسلامية، ويحرضون الناس علي مجانبة الحق واعلاء شأن الظلم والباطل والفجور، ومن هذا المنطلق فان التوحيد ــ عنده ــ يجب أن يقوم أولا علي قول الحق في (طواغيت الأمة) وسلاطينها وحكامها مهما كان الثمن، وأيا كانت النتيجة، طالما أنه سيرضي الله في نهاية الأمر. وعلي هذا الأساس فالزرقاوي لا يعترف بمجمل القوانين والدساتير المدنية التي تضعها الحكومات، ويري في الشرع الاسلامي مثالا لا بديل له، في معالجة كل ما في هذه الدنيا،

ثالثا: الدعوات التحريضية:

تحقيق قيام الدولة الاسلامية، يحتاج الي عمل دؤوب ـ وفق قناعات الزرقاوي ـ لذلك تضمنت جميع خطب ورسائل الزرقاوي دعوات تحريضية صريحة وواضحة، موجهة لاتباعه علي وجه التحديد، وللأمة الاسلامية بشكل عام، لتأخذ دورها الثوري في رسم ملامح المرحلة الحالية، التي تواجه فيها الأمة الاسلامية تحديات جساما، من قبل الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني، أو كما يسميهم في بعض رسائله أعداء الاسلام، فهو يعتقد أن المواجهة القائمة بين الغرب والاسلام لها أهداف كبيرة يسعي العدو الي تحقيقها، بعد أن أفزعه المد الاسلامي المتصاعد والذي يدعو الي الجهاد من أجل اعلاء كلمة الاسلام، كما أنها (جاءت تحمل ارثا من الحقد الدفين والعداوة التاريخية والتعصب الديني الذي تغذيه النبوءات التوراتية علي المسلمين).
لا تقتصر الدعوات التحريضية للزرقاوي علي أعداء الأمة والاسلام، وانما تشمل الحكومات العربية والأنظمة التي يري أنها لم تكن أكثر من أداة طيعة للغرب، وبعضها كان مناصرا ومواليا لليهود والنصاري وأعانها علي اغتصاب مقدسات المسلمين وأراضيهم.
شملت دعوات الزرقاوي التحريضية الشيعة في العراق، وهدد في أكثر من مرة أنه لن يكف عن الشيعة حتي يرفعوا أيديهم عن المساجد ويقبضوا أيديهم عن دماء أهل السنة، فالزرقاوي لا يعترف بأن الشيعة هم طائفة من طوائف الاسلام المتعددة، بل يعتبر التشيع دينا لا علاقة له بالاسلام أبدا، هذه القناعة، ترجمها الزرقاوي أيضا الي فعل علي أرض الواقع، حيث تبني عملية اغتيال محمد باقر الحكيم زعيم المجلس الأعلي للثورة الاسلامية في العراق بتفجير سيارة اسعاف مفخخة قادها والد زوجته الثانية الشيخ ياسين، قرب مرقد الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النجف. كما تبني الزرقاوي عمليات أخري ضد الشيعة في كربلاء وبغداد.

رابعا: دعوته للجهاد

التحريض حالة تعبوية، أعقبها الزرقاوي بخطوة عملية، وهي الدعوة الي الجهاد. ففي وصاياه الي المجاهدين كثف الزرقاوي من تحريض اتباعه علي الجهاد حتي الشهادة من أجل الاسلام، لأنه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة للدنيا والآخرة، ويشير الي قوله تعالي: قل هل تتربصون بنا الا احدي الحسنيين ، يعني اما النصر أو الشهادة، فمن عاش من المجاهدين كان كريما له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ومن مات أو قتل فالي الجنة. ويُذكر الزرقاوي بقول النبي محمد صلي الله عليه وسلم: يعطي الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويري مقعده في الجنة، ويكسي حلة من الايمان، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقي فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر . وقول الرسول صلي الله عليه وسلم ان في الجنة لمئة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد.
ومن هنا فانه يعتبر نفسه وأتباعه محظوظين لأن الله أكرمهم قتال الكفار في أرض العراق، ومنحهم فرصة الدفاع عن الاسلام، ورد كيد الأعداء، لأن الدين لا يقوم الا علي أولي العزم من الرجال ولا يقوم أبدا علي أكتاف المترخصين والمترفين ـ كما يقول ـ لأن الدين العظيم لا يقوم الا علي أكتاف العظام من الرجال.

خامسا: ايمانه بحتمية النصر

يبشر الزرقاوي في وصاياه الي المجاهدين أن النصر قادم للمسلمين ويقول أن تلك سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ، ويستدرك الزرقاوي قائلا: الا أن نصر الله قد يتأخر الي أمد غير معلوم وترافقه هزائم وجراحات في صفوف المسلمين، وبذلك يري أن الخسائر التي يقدمها المجاهدون طبيعية ولا بد منها لتحقيق النصر مهما كان الثمن غاليا. وأنه لا بد من الصبر عند الشدائد لأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرا، وهو متيقن ـ كما يقول ـ من النصر في النهاية لأن الله منجز وعده، وناصر جنده ولو بعد حين.
ويري الزرقاوي أن النصر لن يتحقق ما لم يقترن بالايمان والاخلاص والعمل الصالح وعد الله لا يخلف الله الميعاد . لذا لا بد علي المسلمين أن يؤمنوا بارادة الله وامتحانه لعباده وأن لا يظنوا به السوء، وأن لا ينظروا الي عدد العدو وعدتهم وينسوا وعد الله مستشهدا ببعض الآيات القرآنية ومنها: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون ،
وكان حقا علينا نصر المؤمنين ، وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا .

سادسا: انتقاده لعلماء الدين

يأخذ الزرقاوي علي الكثير من علماء الدين تخاذلهم أو تخليهم عن دورهم القيادي في الاسلام الذي يحتم عليهم تحريض المسلمين علي محاربة الكفار، وتنويرهم بما يحيط بهم من مخاطر تحتم علي الجميع حمل راية الجهاد في سبيل الله، والجهاد ضد أعداء الله. ويقول أن العلماء تركوا الميدان وانسحبوا من قيادة الركب وشق عليهم أن يبذلوا المهج من أجل الله. بل أن العلماء لم يكتفوا بذلك ـ كما يري الزرقاوي ـ بل قاموا برمي المجاهدين بكل نقيصة، ولا تسمع صوتهم الا في مناوئة المجاهدين تحت ذرائع عديدة كالسياسة والكياسة، وذلك هو (فقه الهزيمة) ويشير الزرقاوي الي أن علماء الأمة ارتضعوا لبان الهوان من ثدي أمهاتهم فسري في أعماقهم، فأني لهم أن يغيروا أو يبدلوا الا أنهم يغطون هذه الحقيقة برداء الفقه ويقدمونها موشاة بلباس الحكمة.
ويستهجن الزرقاوي موقف بعض علماء الدين الذين استنكروا عملية ذبح الرهينة الأمريكي (بيرغ) ــ التي نفذها الزرقاوي بيده ــ بدعوي أنها عملية تشوه صورة الاسلام في الغرب، ويقول أن بعض الوسطاء سعوا الي استنقاذ هذا العلج وبذلوا لنا ما شئنا من الأموال ـ مع حاجتنا الماسة الي المال نضخه في عجلة الجهاد، ولكننا آثرنا أن نثأر لاخواننا وأن ننتقم لأمتنا . ويري أن عملية الذبح ما هي الا احياء للأمر العتيق والتزام بسنن الراشدين، ويشــــير الي قول الرسول صلي الله عليه وسلم ـ وهو الرحيم الشفوق: لقد جئتكم بالذبح فوجلت منها قلوب العتاة القســــاة من ملأ قريش فهابوه وخافوه وأقبلوا يسترضــــونه ويستعطفونه، وقد كانوا قبل ذلك يسخرون منـــــه ويهزؤون. ومن هنا يمكن القول أن الزرقاوي يخالف جميع الآراء المناقضة لقناعاته حتي وان أعلنها أغلبية علماء الدين في العالم الاسلامي، طالما أنهم لم يحركوا ساكنا تجاه ما حل ببلاد الاسلام في العراق وفلسطين وأفغانستان واندونيسيا والشيشان وغيرهم، ولم ينتهجوا طريقا غير البكاء والنحيب والمظاهرات السلمية، والشجب والتنديد.

سابعا: موقفه العدائي من الحكومات والأنظمة العربية والاسلامية

يحدد الزرقاوي في رسائله وخطبه الأعداء المستهدفين في الجهاد، مقدما بعض الأعداء علي بعض وفق أولويات تمليها عليه الظروف الموضوعية والذاتية، وفي المقدمة من هذه القائمة من الأعداء الأنظمة الحاكمة. يستند أبو مصعب الزرقاوي في معاداته للأنظمة والحكومات العربية والاسلامية لعدد من الحيثيات؛ أبرزها، ابتعادها عن تطبيق شرع الله وتسليم أمرها ومصيرها الي قوي الكفر، لا لشيء الا لأنها تُؤثر دينها علي أخرتها. ففي الوقت الذي هاجم الزرقاوي حكومة بلاده في الأردن لأنها تقتل الناس باسم الديمقراطية وتبيح الخمرة والزنا والفساد باسم الديمقراطية وتعتبر كلاً من يصرح بكلمة الحق معاديا للدولة ، هاجم الزرقاوي (في خطبته المعنونة الموقف من حكومة كرزاي العراق) حكومة أياد علاوي المؤقتة في العراق، التي شكلتها قوات الاحتلال لأن تلك الحكومة ـ حسبما قال ـ جاءت لأجل أن توهم العالم والناخب الأمريكي علي وجه التحديد، بنجاح التجربة في العراق، من خلال تمكن سلطات الاحتلال من تشكيل حكومة عراقية ممثلة للشعب العراقي، تعمل علي اعادة فرض النظام واعادة الأعمار والتهيئة لانتخابات حرة ديمقراطية في العراق مطلع عام 2005.
ولأن حكومة علاوي أو حكومة (كرزاي العراق) كما أسماها الزرقاوي ـ في اشارة الي التشابه بينها وبين حكومة حامد كرزاي التي شكلتها قوات الاحتلال في أفغانستان ـ ليست سوي أداة بيد المحتل لاستلاب الأمة ونهب ثرواتها. فانه لا يفرق بينها وبين المحتل بقوله لن نفرق بعد الآن بين أجنبي كافر أو مرتد عربي حتي تعود الخلافة الي الأرض أو نموت دون ذلك .
ويتوعد الزرقاوي رئيس الوزراء العراقي أياد علاوي بالموت، وأنه سيُسقي من ذات الكأس التي سُقي منها عز الدين سليم رئيس مجلس الحكم الانتقالي العراقي، الذي سبق أن اغتاله أتباع الزرقاوي، عندما استهدفوا موكبه عند مدخل المنطقة الخضراء بسيارة مفخخة.

ثامنا: عداؤه للشيعة


أما عداؤه لأمريكا واسرائيل فلا يتردد الزرقاوي في اعلانه، باعتبارهما تمثلان قوي الكفر والطغيان التي تصارع الحق. وأنه لا يخاف من كثرتها ولا عظم أسلحتها ولا تحزب قوي الشر واجتماعها علي المسلمين، بقدر خشيته علي المسلمين من أنفسهم بعد أن يصيبهم الوهن والضعف والفشل وكثرة المعاصي.
في خطبته حول الموقف من حكومة (كرزاي العراق) يشير الزرقاوي الي أن الولايات المتحدة الامريكية نصبت حكومة عميلة لها لتنهب ثروات الأمة، وتستلب خيراتها علي أيدي المنافقين، لأن التجربة أثبتت لهم أن الاستعمار غير المباشر هو السلاح الأجدي مع هذه الأمة. ويتهم الزرقاوي الولايات المتحدة بأنها اختزلت قضايا الأمة الاسلامية لتصبح أوراقا انتخابية، للسباق الي البيت الأبيض.

شهادة ابو المنتصر:

2005/05/17


ابو محمد المقدسي احضر كيس قنابل من الكويت.. وابو مصعب كان متعجلا ويريد تحقيق كل شيء في شهر
بعد تجربة السجن في زنازين المخابرات الاردنية طلب الزرقاوي العمل معي فرفضت لنرجسيته وخرج ولم يعد
فؤاد حسينہ
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.


الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشنطن التي تطلق علي حربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صنع استراتيجياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.



مر أبو مصعب الزرقاوي بمحطات مهمة محددة، عاصره خلالها أشخاص ما زالوا علي قيد الحياة، قسم منهم اختلف معه وفارقه بلا عودة فتخلفوا عن اللحاق به، وأخرون عملوا معه بل وتتلمذ عليهم، لكنه تجاوزهم، وفاقهم، وأخرون عملوا معه وما يزالون يؤمنون بما يؤمن، لكن التطورات التي تلت الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) باعدت بينهم. تواصلنا مع العديدين منهم، لرسم الصورة الأقرب لتطور شخصية الزرقاوي عبر محطاته المختلفة، سجلنا انطباعاتهم، واستكتبنا بعضهم حول انطباعاتهم عن تجربتهم معه، فجمعنا ثلاث شهادات، كل واحدة منها تؤرخ لفترة زمنية مختلفة، وضعناها في ترتيبها الزمني لتلقي الضوء علي تطور شخصية أبو مصعب الزرقاوي، الأول (أبو المنتصر) طليق ينعم بالحرية، يستذكر تجربته مع الزرقاوي كذكري عابرة مرت في حياته، وان ما زالت تترك ندوبها عليه. والثاني (أبو محمد المقدسي) عرف الزرقاوي في ساحات القتال بأفغانستان، وفي السجن، وبعد السجن، لكنه لا يزال قابعا في سجنه بالأردن قانعا بدوره الفكري. أما الثالث محمد مكاوي (سيف العدل)، فلولاه لما كان الزرقاوي في يوم من الأيام من القاعدة، بسبب خلافه مع أسامه بن لادن، لكن حنكة سيف العدل وبعد نظره، أهلته لينسج عام 1999، علاقة ذات طابع خاص بين القاعدة والزرقاوي، ولدت لاحقا في عام 2005 تحالفا بين الرجلين، ستكون آثاره علي تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط والعالم، بلا شك كبيرة. هذه الشهادات الثلاث نضعها بين يدي القراء، دون تدخل في مضامينها، وحتي بدون تعليق أو شرح أو توضيح، باعتبارها شهادات تاريخية، كاتبوها وحدهم يتحملون مسؤولية ما جاء فيها.

شهادة محمد أبو المنتصر

في شهر آب (اغسطس) من صيف 1993، حضر لزيارتي سليمان حمزة، وهو من الأشخاص الذين كانوا معنا في جماعة الدعوة والجهاد، ومعه أيضا شريف عبد الفتاح جمعة، وهو أيضا كان في نفس الجماعة. اخبراني أن أخا قدم من أفغانستان يرغب بزيارتي ولقائي والتعرف علي لما سمعه من الأخوة عني، رحبت بذلك، حضرا في اليوم التالي وبرفقتهما احمد فضيل نزال الخلايلة (أبو مصعب) وخالد مصطفي العاروري (أبو القسام). تجاذبنا أطراف الحديث ساعة من الزمن، ثم استأذن أبو مصعب فاستأذنت معه البقية، وفي أثناء التوديع اسرّ لي بأنه سيعود في الغد ان شاء الله.
حضر أبو مصعب مساء اليوم التالي وبرفقته خالد العاروري (أبو القسام)، تحدثنا حول بعض التجارب والأحداث السابقة، وغالباً ما كان أبو مصعب هو المتحدث، ويستشهد في ما يقول بأبو القسام الذي كان يوافق أبو مصعب علي ما يقوله اما بالايماء بالرأس مع الهمس بنعم أو بعض الكلمات التي ينطق بها تأييداً، وأحيانا قليلة يسهب بالحديث مستشهدا بموقف أو موقفين لتأكيد ما يتكلم به أبو مصعب، وبعد اخذ وعطاء وانسجام في الحديث قطع أبو مصعب الكلام بقوله، موجهاً الحديث لي:
أخي حضرت لطرفك اليوم مع أخي أبو القسام لنعرض عليك أن نلتقي سوياً من اجل دعوة التوحيد، وأنت تعلم أن الساحة خالية من هذا المنهج وهي بأمس الحاجة اليه، واننا نتمني عليك العمل سوياً من اجل دين الله وكلمة التوحيد.
أجبت: انه لمن دواعي سروري أن التقي معك من اجل دين الله في الأرض لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلي.
أبو مصعب: اذن فنحن معك وهناك الكثير من الأخوة الذين يحبون أن يلتقوا معنا علي طاعة الله، وانشاء الله تسير الأمور علي ما يرام، وستكون طبيعة دعوتنا مختلفة عن الآخرين، وسوف نركز علي دعوة التوحيد، وهناك أخ صاحب علم سأعرفك عليه وله كتابات في التوحيد وهو يود أن يلتقي معنا في الدعوة.
أجبت قائلاً: من هو هذا الأخ؟
أبو مصعب: هو الأخ أبو محمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي).
فما أن سمعت باسم المذكور حتي بادرت قائلاً: لقد تعرفت عليه من خلال كتيب صغير له كنا نوزعه أيام العمل مع أبو همام اسمه (ملة ابراهيم).

أبو مصعب: نعم هو صاحب كتيب ملة ابراهيم.
كان أبو مصعب متحمساً ومتعجلاً بشدة، فقلت له:
يا أخ احمد الساحة هنا ليست الساحة في أفغانستان، وهي تختلف اختلافاً كلياً عن هناك، وبالتأكيد طريقة الدعوة ستختلف أيضا، ومن خلال تجربتي السابقة في قضية جيش محمد فان الأمر يحتاج الي فهم عميق ودقيق ودراسة موسعة للوضع هنا، وكذلك الصبر والتأني وقدرة فائقة علي انتقاء الأخوة، مخافة السقوط في الشرك (المصيدة).
أبو مصعب: انشاء الله كل شيء محسوب حسابه وسوف نستخير انشاء الله. ما رأيك يا أبو القسام؟
أبو القسام: نحن انشاء الله جاهزون، والذي يقوله لك الأخ أبو مصعب هو الصحيح.
كان أبو القسام شديد الارتباط بأحمد فضيل، لا يخالفه في رأي مهما كانت نتائجه، (وفك الله أسره).
قلت: يا أبو مصعب هل من الممكن تحديد أهداف العمل والأطر التي يمكن السير بها.
أبو مصعب: أهم الأهداف التي نسعي اليها نشر دعوة التوحيد. والتوحيد عند أبو مصعب يعني: نظام الحاكمية في الاسلام والذي يُعتبر أخص خصائص توحيد الألوهية، فدعوة التوحيد التي نسعي لنشرها هي المطالبة بتحكيم شرع الله والكفر بالأنظمة والقوانين والدساتير والشرائع الوضعية، سواء كانت أنظمة ديمقراطية أو غير ديمقراطية.
ثم أردف أبو مصعب قائلاً: لدينا مجموعة من الرسائل الشرعية الخاصة بدعوتنا، ويجب علينا أن ننشط في هذه الدعوة للحيلولة دون مشاركة الناس في الانتخابات النيابية القادمة، خاصة أن الحركة الاسلامية (الاخوان المسلمون) ينتهجون الخط السياسي المشارك في هذه الانتخابات الكفرية، وانشاء الله نرد كيدهم في نحورهم.
قلت: هل تذكر لي بعض هذه الرسائل.
أبو مصعب: هناك كتيب ملة ابراهيم، بالاضافة لشريط تسجيل ورسالة مطبوعة في حرمة الانتخابات الديمقراطية لأبو طلال القاسمي، وهو أحد أعضاء الحركة الاسلامية في الجزائر، علاوة علي دروس في التوحيد تقوم أنت والأخ أبو محمد المقدسي باعطائها للاخوة.
قلت: أبو مصعب هل هناك شيء آخر؟
أبو مصعب: نعم وقام بطرح بعض الآراء والأفكار، الا أنني تحفظت عليها وقلت له: نحن في بداية الطريق وتلزمنا الأناة ويلزمنا الصبر حتي يتم لنا التمكين وانشاء الله بعد ذلك لكل حادث حديث.
أبو مصعب: ان شاء الله نأخذ بالأسباب ونتوكل علي الله.
أبو القسام: لا تخف، ان شاء الله الأمر مثل ما قال أبو مصعب نأخذ بالأسباب ونتوكل علي الله.
قلت:وكنت أريد أن اختبر شخصية الاثنين معاً ـ يا اخوة الأمر ليس كما تظنون فمن يقع في قبضة المخابرات الأردنية وخبرهم ليس كمن لا يعرف عنهم سوي الكلام الذي يسمعه من الآخرين، وكما قيل ليس المخبر كالمعاين، ويجب أن نكون علي جانب عظيم من الحذر والحرص، فمن وقع في أيديهم فلن يخلصه منهم الا الله عز وجل.

أبو مصعب: يا أخي الأمر بسيط انشاء الله وهم أهون عند الله من الذر.
أبو القسام: نعم والله انهم كما قال أبو مصعب أهون عند الله من الذر.
أبو مصعب: يا أخي هل أنت مستعد أن تلتقي معنا علي ذلك.
قلت: نعم وبالله التوفيق.
أبو مصعب: مدّ يدك لنبايعك أميرا فأنت انشاء الله أهل لذلك.
أبو القسام: نعم مدّ يدك علي بركة الله.
قلت: مهلاً يا اخوة وان كانت الامارة سنة واجبة الا أنني لا رغبة لدّي في هذا الأمر اجعلوا لها غيري.
أبو مصعب: لا بل أنت انشاء الله الأمير.
أبو القسام: نعم.. أنت الأمير.
قلت: لا والله لا ابتغيها، ورجائي أن تكفوني هذا الأمر، واقتراحي أن لا تكون هناك مسميات من هذا النوع لان الأمر لا يحتمل ذلك، ولا يوجد لدينا شيء حتي الان، والا فليكن أبو مصعب مبدئياً هو الأمير.
الا أن أبو مصعب أصر علي مسألة الامارة، فاتفقنا علي أن نذهب في اليوم التالي الي أبو محمد المقدسي.
في صبيحة اليوم التالي حضر أبو مصعب وأبو القسام واصطحباني الي منزل أبو محمد المقدسي الكائن في حي الرشيد في الرصيفة. شرح أبو مصعب ما دار بيننا في اليوم السابق ثم قال: نحن الآن معاً ونود أن نبين أمر الأمير، فانتهي الأمر علي الاتفاق بان يكون عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) أميرا للجناح الدعوي، وأبو مصعب أميرا للجماعة، علي أن نكون أنا وأبو القسام حسب رأيهم من أهل الشوري والحل والعقد للجماعة. في هذه الجلسة تمت اعادة توزيع أدوار العمل الدعوي من جديد وارساء حجر الأساس لما سنستقبله في الأيام القادمة، وكانت ابرز خطوة تم الاتفاق عليها هي الاسراع في طباعة ونشر كافة الرسائل الشرعية التي تتحدث عن تحريم الديمقراطية والانتخابات النيابية والبرلمانية، وذلك لتغطية استحقاقات الفترة الانتخابية القادمة 1993 بعد اشهر قليلة، وتمت مضاعفة الجهود الفردية وبالتالي الجماعية بنشاط ملحوظ في سبيل بيان الحكم الشرعي الخاص بعملية الحكم بغير ما انزل الله لعامة الناس ومحاربة كل من يفتي بخلاف ذلك.
بعد عدة أيام من ذلك اللقاء، زارني احمد فضيل (أبو مصعب) وخالد العاروري (أبو القسام) ومعهما كيس من الخيش، فقال أبو مصعب: أخي أحضرت في هذا الكيس بضع قنابل يدوية هي للأخ أبو محمد المقدسي، أحضرها معه من الكويت بعد دخول صدام حسين اليها، قام بتهريبها في الشاحنة التي نقلت أثاثه، وهو يخفيها منذ ذلك الوقت في بيته، وقد أعطاني اياها لأتدبر أمرها في مكان آمن.
أدهشني هذا الأمر غير المتوقع وبهذه السرعة والكيفية معاً، وقد كنت أدرك تماماً أن امتلاك مثل هذه الأشياء وفي هذا الوقت مقتل للدعوة وللأشخاص وتسرع وتهور، وكنت اعلم يقين العلم، أن الدولة لا يضيرها أي أمر مهما كان بالغ الخطورة بقدر هذه الأمور، فأي أمر مهما بلغ حجمه وبلغت خطورته هو في نظر النظام تافه اذا ما قورن بأمر الأسلحة والمتفجرات والقنابل، والدولة تتحين مثل هذه الفرص للايقاع بالدعاة، لذلك كان موقفي منها موقفاً حازماً، وبعد نقاش في المسألة رجع أبو مصعب عن الأمر، واخذ الكيس وانطلق هو وأبو القسام.
استمر العمل الدعوي للتوحيد أياما وشهوراً دون تحديد هيكلية واضحة المعالم للجماعة، أو حتي تحديد اسم لها، وكان ممن التقي معنا علي هذا الفكر الكثير من الشباب الذين كانوا معنا في جماعة الدعوة والجهاد، مع أن تلك الجماعة التي انتهت كانت واضحة المعالم والأهداف اكثر من هذه.
ومن الشباب الذين انضموا الي العمل طلال البدوي (أبو البراء) الذي انفصل عن الجماعة بعد الخروج من السجن، وانشأ جماعة شديدة الغلو في الدعوة.
المشكلة التي كانت تواجهني هي تسرع الأخ أبو مصعب، فهو يريد كل شيء بسرعة وكأنه يريد تحقيق كل ما يطمح اليه في ظرف شهور، ان لم يكن في ظرف ساعة من الزمن، وهذه السرعة كانت من أهم عوامل الخطر المحدق بدعوتنا، وكان ينفرد بالقرارات في جل الأوقات ويأتي بالأمور في غير وقتها ولا مكانها المناسبين، ولكن المصيبة الافدح أن اكثر الأخوة كانوا يوافقونه علي ذلك.


مجلس مخترق

كنت أحب فيه اخلاصه في عمله ولهفته وشوقه، لكن في نفس الوقت أخشي من كل هذه الأمور، فاخبرته ان العملية علي الساحة الأردنية تكاد تكون معدومة، وكنت اكثر ما أخافه عليه سهولة الاختراق من المخابرات. جاءني يوما ليعلمني بمسألة دروس أبو محمد المقدسي في أماكن مجتمعة، كان أبو محمد يعطي درساً في العقيدة الواسطية في منزل نافز فايز، فذهبت لأري، هالني ما رأيت، كان المقدسي وحوله ما يزيد عن خمسة عشر شخصاً، فما أن رأيت ما رأيت خرجت من حيث دخلت، ولم اجلس ولم يعجبني الحال ولا بعض الأشخاص، بدا لي أن المجلس مخترق، ومن خلال تجربتي السابقة في قضية الدعوة والجهاد فانه من الأجدي اعطاء مثل هذه الدروس في المسجد، وعدم اعطائها بالكيفية آنفة الذكر حتي لا تأخذ طابعاً أمنيا تكون عواقبه غير محمودة، ولكن قد حصل ما توقعت، ومن مأمنه يؤتي الحذر، ولقد أوتينا من هذه الدروس ومن ثم كشف العمل عن طريقها.
ونتيجة لخروجي من ذلك المجلس بتلك الطريقة، وقيام بعض المفسدين بالايقاع بيني وبين أبو مصعب، انقطعت العلاقة بيننا ما يقرب من شهرين أو يزيد، وفجأة عاد أبو مصعب اليّ، أحسنت استقباله، وبعد أن هدأ واطمأن اخبرني بأنه مطارد هو ومجموعة من الأخوة منهم أبو القسام والمقدسي وعبد الهادي وسليمان حمزة، نعم اصبحوا مطاردين من المخابرات ولم يعد يجد ملاذاً آمناً اكثر من بيتي، رحبت به وكنت مستعداً أن أتناسي ما حدث واقف الي جانبهم. كان برفقة أبو مصعب نصري عز الدين الطحاينة ، سألت أبو مصعب عن مدي ثقته به، فأشار لي بأنه من الأخوة الثقاة الذين تضعهم علي يمينك، قلت ولكنني أخشي من عدم قدرته علي التحمل عند المخابرات، فاشار انه علي العكس من ذلك، وبقوا مختبئين في منزلي ما يزيد عن أربعة اشهر.


الاعتقال

في أواخر رمضان 1414هـ الموافق بداية شهر آذار (مارس) 1994 ذهبت في رحلة عمرة مع صديقين لي، حصلت مشاجرة بينهما وبين أحد ضباط المخابرات، مما أدي الي اعتقالنا علي الحدود أثناء عودتنا من العمرة، وتم احتجازنا في دائرة المخابرات العامة ـ العبدلي ـ في عمان. في المساء استدعيت من قبل أحد المحققين واخبرني بأنني موقوف بسبب مشكلة الأخوة مع رجل المخابرات في العمرة وعلي الحدود، فأخبرته بان الأمر لم يتعد كونه مشاجرة بين شخصين، بعد ذلك سألني المحقق عن احمد فضيل الخلايلة، كما سألني عن عصام طاهر البرقاوي، فأنكرت معرفتي بهما. استمر التحقيق معي بهذا الشأن مدة 12 يوماً، في اليوم الخامس من الاعتقال، زارني مندوب الصليب الأحمر، فأرسلت معه رسالة الي زوجتي وأهلي أعلمهم بأنني معتقل في دائرة المخابرات العامة. حين علم الأخوة أبو مصعب وأبو محمد والجميع بالنبأ تركوا البيت وغادروه الي أماكن أخري آمنة.
في الليلة الأخيرة من شهر آذار (مارس)، بعد الساعة الثامنة ليلاً، استدعاني المحقق واخذ افادتي الأخيرة، وابلغني انه سيفرج عني صباح اليوم التالي، عدت الي زنزانتي مسروراً بموعد خروجي.
كانت زنزانتي قبالة بوابة السجن الرئيسة، تتيح لي رؤية الداخل والخارج، فوجئت برؤية احمد فضيل (أبو مصعب) محمولاً في أحضان رجل ضخم من حرس المخابرات، وحوله مجموعة من الرجال، كان نصري الطحاينة مع أبو مصعب، وهذا ما لم يكن بالحسبان فانقلبت الحسابات، فبعدما كنت أتمني الخروج صرت أتمني أن يثبت أبو مصعب ونصري، ولا يذكرا شيئاً عني لحين اخرج من المخابرات. وما هي الا دقائق لم تزد عن ثلث ساعة حتي حدثت الصاعقة الكبري، جاءني أحد الحرس ممن يتولون التعذيب في الساحة، يركض تجاه الزنزانة يسأل عني، ثم جذبني من يدي وسار بي الي ساحة التعذيب، وعلي باب الساحة وجدت نصري الطحاينة يقف ويبدو انه ضُرب بعض الشيء، الا أن آثار الضرب غير واضحة عليه، فَسُئل: أهو هذا؟ فقال: نعم. فالتف الجميع حولي، ثم أدخلوني الي ساحة التعذيب، والله اعلم بما جري. بعد ذلك وضعوا القيد في يدي وتمت تغطية عيوني ثم أخذوني الي بيتي للتأكد من وجود المقدسي فيه، وعندما لم يجدوا أحدا أعادوني الي المخابرات العامة. وتم وضعنا أنا واحمد فضيل وأبو القسام في زنازين انفرادية في مبني آخر تحت الأرض، ومنعنا من النوم 15 يوماً بلياليها، كانوا يريدون مني أن اعترف عن المتفجرات التي كانت بحوزة الأخوة، فأخبرتهم بأنني ضد هذه الأمور، وحين عرضت علي رفضتها. اقتنعوا بعد ذلك بحقيقة الأمر وقد اعتقل أبو محمد المقدسي بعد عدة أيام، وفيما بعد علمت أن اعتقال أبو مصعب تم عن طريق شخص مقرب منه استأجر له شقة في عمان، سكنها هو ونصري، أما بالنسبة لاعتقال أبو محمد المقدسي، فقد تم بعد أن أُعتقل اخوته، فسلم نفسه لأجل الافراج عنهم.
واذكر أيضا أننا وأثناء التعذيب جاء موعد زيارة الصليب الأحمر لسجن المخابرات فقاموا باخفائنا عن عيون الصليب الأحمر فوق عمارة من عمارات دائرة المخابرات العامة من صبيحة ذلك اليوم وحتي نهاية الدوام عصراً، ثم قاموا باعادتنا الي زنازيننا واتمام مشوار التعذيب، كنا يومها أنا وأبو مصعب وأبو القسام وبقية الأخوة.
بعد ذلك تم ترحيلنا من سجن المخابرات العامة في المبني القديم في العبدلي الي سجن المخابرات العامة في المبني الحديث في الجندويل ـ بيادر وادي السير. واستمر اعتقالنا الي شهر أيلول (سبتمبر) 1994، كنا خلال هذه الفترة نسمع أصوات بعضنا البعض بالتكبير وباطلاق بعض العبارات مثل الله مولانا ولا مولي لكم، وكان الكل يطلق مثل هذه العبارات أبو محمد وأبو مصعب وأنا وعبد الهادي والجميع كما كنا نراقب بعضنا البعض عند الخروج الي ساحة التشميس وبقي الأمر علي ما هو عليه الي نهاية الشهر تقريباً حيث افرج عن الجميع ولم يبق الا أربعة عشر رأت دائرة المخابرات العامة تقديمهم الي المدعي العام ومن ثم ترحيلهم الي السجون وتقديمهم للمحاكمة وهم : المتهم الأول عصام محمد طاهر محمد (أبو محمد المقدسي)، المتهم الثاني احمد فضيل نزال (أبو مصعب)، المتهم الثالث مصطفي حسن موسي، خالد مصطفي العاروري (أبو القسام )، سليمان طالب احمد حمزة (أبو المعتصم )، محمد وصفي عمر أبو خليل، نصري عز الدين محمد الطحاينة (أبو العز)، نبيل يوسف احمد أبو حارثيه (أبو مجاهد)، شريف ابراهيم عبد الفتاح جمعة، احمد عبد الله يوسف الزيتاوي، محمد عبد الكريم احمد الرواشدة، المتهم محمد فخري موسي الصالح، علاء الدين عاطف، سعادات عبد الجواد، طلال كايد البدوي، وعبد المجيد المجالي (أبو قتيبة).


قدرات هائلة وتخطيط ضعيف

تظهر فترتا الاعتقال لدي المخابرات وما قبلها من دعوة ومطاردة، قدرات الأخوة المتواضعة جداً في العمل، وضعف التخطيط وسهولة الاختراق، وكنت أتمني أن تطول فترة الدعوة لصقل الشباب صقلاً فكرياً وعقائدياً مناسباً لكون أكثرهم من الشباب غير المتعلم أو ضعيفي التعليم، ناهيك عن ضرورة ترسيخ الدعوة وايجاد القاعدة المناسبة لها لحمايتها، أو للوقوف الي جانبها لكن قدّر الله وما شاء فعل.
بعد فترة الاعتقال لدي المخابرات العامة، وشدة التعذيب التي تعرض لها بعض الأخوة اكسبتهم صلابة فيما بعد، واستعداداً أكيدا للمواجهة، الا أن سلبيات العمل قبل الاعتقال كانت درساً كبيراً فيما بعد.
في اليوم الأخير من وجودنا داخل زنازين المخابرات ـ بعد أن مكثنا اقلنا فيها سبعة اشهر ومنا من مكث تسعة اشهر حسب تاريخ الاعتقال ـ نقلونا الي سجن سواقة الذي يقع جنوب عمان بمسافة تزيد عن 80 كم. طلب أحد كبار ضباط السجن خلع ملابسنا قبل ادخالنا الي غرفنا، نظرنا الي بعضنا البعض، فما كان مني الا أن قلت له لا لن نخلع ملابسنا ولن يري أحدا منكم عوراتنا، وتشجع الأخوة لقولي وآزروني في القول، وبالفعل رفضنا أن نخلع ملابسنا أو كشف عوراتنا، كنت اعلم انهم يحاولون كسر شوكتنا، لذلك رفضنا، فلم اصرارهم علي تفتيشنا، ونحن قادمون من اخطر المراكز الأمنية واشدها علي الاطلاق ـ دائرة المخابرات العامة ـ فما الذي يمكننا أن نخفيه في أجسادنا ونحن قادمون من هناك. وفي النهاية تم تفتيشنا من فوق الملابس. وأُدخلنا الي السجن، ووضعنا بغرفة تتسع للمجموعة كاملة كان رقمها علي ما اذكر 204. ولم يكن بيننا أبو مصعب ولا المقدسي.
كانت أول خطوة خطوناها في هذه الغرفة أن تداولنا فيما بيننا مسألة امارة الجماعة، حيث من السنة وضع أمير لنا يقوم بمراعاة شؤوننا مع الادارة، اقترح بعض الأخوة أن أكون أميرا والبعض الآخر اقترح أبو قتيبة الا انه رفض ووقع الاختيار أخيرا علي الأخ نبيل أبو حارثية (أبو مجاهد) كونه أمضي في السجن سنين في قضية جيش محمد، ووقع الاختيار علي كناطق رسمي باسم الجماعة أقوم بمخاطبة ادارة السجن في جميع شؤونهم مع الأمير أو بدونه، وهكذا بدأت رحلة شاقة وصعبة استطعنا خلالها أن نفرض واقعاً جديداً داخل السجن وفرضنا هيبتنا علي ادارة السجن وعساكره بتضحيات جسام. في هذه الأثناء كنا نتتبع أخبار بقية الأخوة الموزعين علي سجون مختلفة، حتي الشهر الأول من عام 95 حيث بدأت المرحلة الثانية للجماعة والفكر، حين وصل أبو مصعب الي سجن سواقة ومعه شخص آخر من الاسلاميين اعتقل وحده في قضية حيازة متفجرات واطلاق النار علي رجل مخابرات، واسمه محمود خريوش (أبو عبيدة) ووضعتهما ادارة السجن في مهجع بعيد عنا، الا أنهما جلسا عندنا بقية ذلك اليوم، وفي اليوم التالي عاد الينا أبو مصعب دون أبو عبيدة بسبب منعه من قبل ادارة السجن، وبعد نضال مرير اجتمع الشمل مجددا، خاصة بعد قدوم أبو محمد المقدسي. لكن مع تفاقم المشاكل مع ادارة السجن، جري بعد شهر من تجمعنا توزيعنا علي سجون المملكة من جديد: أنا وأبو محمد المقدسي ومصطفي حسن ونبيل أبو حارثية ومحمد صالح موسي نقلنا الي سجن معان، ويقع أقصي جنوب الأردن علي بعد 220 كم من العاصمة عمان. وأبو مصعب ومجموعة الي سجن قفقفا، ومجموعة أخري الي بيرين والجويدة، وبدلاً من أن تكون مشكلتنا في سجن واحد فقد اصبحت في كل سجن من هذه السجون مشكلة لا يمكن أن تحل بالنسبة لهم، فالكل يجتهد حيث هو بدعوته، وبعد أربعة اشهر من التفريق في السجون تمت اعادتنا الي سجن سواقة في شهر نيسان (ابريل) سنة 1995، وتم تخصيص مهجع لنا مع الاسلاميين بشكل عام في شبك واحد. وهنا بدأت مرحلة أخري للجماعة والفكر.


جماعة التكفير

كانت ادارة السجن تطلق علينا جماعة التكفير، حتي أن بعض الأخوة جاء يقول لي أن ادارة السجن تقول عنا جماعة التكفير فبما نجيبهم، فقلت لهم: قولوا لهم نحن لسنا جماعة التكفير بل نحن جماعة التوحيد، ليس هذا فقط بل نحن جماعة التوحيد والجهاد، ومن هنا أصبحت التسمية لهذه الجماعة فيما بعد جماعة التوحيد والجهاد.
كنا نحن وجماعة حزب التحرير في جناح واحد من السجن، يقابلنا في الجناح الآخر من بقي من جماعة الأفغان الأردنيين، لأن بعضهم قد انضوي تحت لوائنا مع بعض الاسلاميين الذين جاءوا بقضايا منفردة، وجماعة جديدة وجدناها أمامنا هم جماعة التجديد الاسلامي.
بدأت مسألة الامارة تطفو علي السطح من جديد، وتم تأمير عصام البرقاوي علي الجماعة، الا أن سياسته في التعامل مع الادارة في قضايانا، لم تعجب الكثير من الأخوة ومنهم أنا واحمد فضيل وعبد الله حشايكة، الي أن آلت الامارة الي احمد فضيل بعد عدة أشهر.
شعرت أن أحمد فضيل يتصرف لامارته، كما شعرت أن المقدسي يتصرف لمشيخته ليصل علي الأكتاف، حتي أن ما يكتبه ـ شعرت انه لم يكن خالصاً لله، بل ليقال بأن الشيخ كتب كذا وفعل كذا، فيما تبينه الحوادث التي أدت الي انفصالي عنهما، وبالتالي عن الجماعة، رغم استمراري معهم في كل الاجراءات التي كنا نتخذها في المحكمة لحين صدور الأحكام، سواء من اظهار العداء لهيئة المحكمة أو غير ذلك.
أثناء فترة السجن التي قضيناها، حدثت في فلسطين مجموعة من العمليات الاستشهادية التي كان ينفذها الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية حماس، استفتي بعض الأخوة الموجودين داخل السجن وخارجه المقدسي حول شرعية تلك العمليات أو حرمتها، وقد كان رد المقدسي أن هذه العمليات محرمة لكونها انتحارا، فوقفت في وجهه، ناقشته بالدليل الشرعي، وأرد عليه بشرعية هذه العمليات، الا انه رفض ما أقوله وناصره في ذلك احمد فضيل أبو مصعب لأنه يعتبر أبو محمد المقدسي شيخه وعالمه ومفتيه، واخرج أبو محمد فتوي بتحريم هذه العمليات، عند ذلك تصدي له الكثير من الداخل مثل المهندس عطا أبو الرشتة الناطق الرسمي باسم حزب التحرير آنذاك وجماعة التجديد وآخرين، فاصبح محتاراً بين فتواه بالتحريم أو الفتوي الشرعية فاخرج فتوي جديدة مفادها (لعم) نعم بصيغة لعم ليست بلا وليست بنعم.
عند ذلك قمت بتفنيد فتواه ضمن رسالة شرعية حبرتها بالدليل الشرعي ومبيناً شرعية هذه العمليات، وأشرت فيها أن صاحب هذه العملية خير شهيد بعد رجل قام الي أمام جائر فأمره ونهاه فقتله، فهو سيد الشهداء ثم يأتي من بعده صاحب العملية الاستشهادية والله اعلم، نشرت تلك الفتوي داخل السجن وخارجه رداً علي ما وقع من المقدسي.
بعد أسبوع من اعلان البراءة جاءت اللحظة الحاسمة التي كنت انتظرها منذ أربعة أعوام، فبعد أربع سنوات سجن جاء الحكم بالبراءة فأية عدالة كاذبة هذه؟! وأين ثمن هذه الأربع سنوات، نعم اسأل الله عز وجل أن تكون في ميزان حسناتي يوم القيامة يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله .
وصل كتاب الافراج وطلبت ادارة السجن مني ومن نصري الطحاينة الاستعداد للعودة من حيث أتينا، فخرج معنا أبو مصعب ليودعنا وقال لي: لننس ما فات ولنرجع كما كنا والأيام القادمة معاً انشاء الله، فقلت انشاء الله.
بعد سنتين من الافراج عني توفي الملك الحسين بن طلال وخرج بقية الأخوة من السجن بعفو عام أصدره الملك عبد الله الثاني بن الحسين، ولما خرج أبو مصعب زارني في البيت وطلب مني أن نفتح صفحة جديدة ونعود للعمل معاً وربما السفر الي أفغانستان، فرحبت به ضيفاً لكنني رفضت أن أعود للعمل معه مطلقاً، بسبب نرجسيته ناهيك عن أسباب شخصيته الأخري، وخرج أبو مصعب من عندي ولم يعد مرة أخري وكان ذلك آخر العهد بيننا.

علي الزرقاوي التحرز من سفك دماء المسلمين ولو كانوا فجاراً وان ينتبه للفرق بين الكفر الاصلي والاصطلاحي
لم يعجبني سفر أبو مصعب لأفغانستان بعد خروجنا من السجن وكنت أتألم من السطحية العجيبة في التنظيم

فؤاد حسين

الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشـــــنطن التي تطلق علي حــربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صـــنع استراتيجــــياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.


شهادة ابو محمد المقدسي

بين أيدينا وثيقة كتبها في شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2004 عصام طاهر البرقاوي المعروف باسم (أبو محمد المقدسي) عن معرفته بالزرقاوي ورأيه في ما يقوم به حاليا في العراق ننشرها بحرفيتها دون أي تدخل وهي بعنوان:

الزرقاوي؛ مناصرة ومناصحة آمال وآلام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي قائد المجاهدين وعلي آله وأصحابه الغر الميامين.. وبعد:
فقد لقيت أبا مصعب لأول مرة في بيشاور لقاءاً عابراً في بيت الأخ أبي الوليد الأنصاري حفظه الله.. وكان ذلك في أوائل التسعينيات ولم أكن أعرفه من قبل فقد كان قدومي للأردن حديثا، ثم لما عاد من أفغانستان زارني في بيتي يتشوق لنصرة التوحيد والدعوة إلي الله؛ وكان أبو الوليد هو الذي أعطاه عنواني في الأردن ونصحه بالاتصال بي إن أراد العمل لدين الله في الأردن، كان هذا قبل قرابة الأربعة عشر عاماً..
فتعاونا سوياً في هذا المجال ورتبت دروساً في مناطق شتي من البلد، وقمنا بطباعة بعض كتاباتي ونشرها بين الناس، وبدأ الشباب بالالتفاف حول هذه الدعوة وتداولوا كتاباتها ورسائلها، وتنبهت الأجهزة الأمنية لذلك فداهمت منازلنا في أوقات متفاوتة وبدأت عملية المطاردة والاعتقال، فاعتقلنا تباعاً ومكثنا في زنازن دائرة المخابرات فترات أقلها ستة شهور، كانت بالنسبة لأكثرنا التجربة الأولي في وجه أعداء الله في هذا البلد، فاخترت الصدع بعقيدتي وعدم الأخذ بالتقية فواجهتهم وصارحتهم بكفرهم وكفر أسيادهم وطواغيتهم في الزنازين ومكاتب التحقيق ابتداء، وبعد ذلك في المحاكم والسجون، جنباً إلي جنب مع أبي مصعب وطائفة من الشباب ممن تأثروا بدعوتي وكتاباتي.
وكان أن نُقلنا من الزنازن الانفرادية إلي السجون العامة لبدء المحاكمات، فعزلوني ـ كوني صنفت المتهم الأول ـ في سجن في شمال البلاد، ووضع أبو مصعب كونه كان المتهم الثاني في سجن في وسطها، ووضع باقي إخواننا جميعاً في سجن في جنوبها.. ثم كان أن جمعونا بعد أشهر في سجن الجنوب (سجن سواقة)، واختارني الإخوة للإمارة، فمكثت أميراً علي كره مني قرابة السنة، رأيت أنها مشغلة لي، وآثرت التفرغ لطلب العلم والكتابة والتدريس، خصوصاً وأن نوعية تلك المجموعة من الشباب التي كانت تشاركنا الحبس والبلاء كانت من حديثي العهد بالدعوة وأحوج ما يكونوا إلي العلم والفهم والفقه.. فاتخذت قراراً ـ بعد أن أقنعت عموم الشباب ـ اخترت فيه بنفسي أن أترك الإمارة وأن أستخلف أبا مصعب عليها، وليس الأمر كما حاول بعض الكتّاب السخفاء إظهاره علي أنه كان خصومة أو نزاعاً علي الإمارة! وكأنها كانت إمارة دولة! فقد كانت إمارة سجن قاصرة محدودة لتصريف أمور الإخوة والتأليف بينهم وترتيب أحوالهم وتوحيد سياسة التعامل مع إدارة السجن.. ولم يكن يتجاوز عدد أفراد تلك الإمارة في أقصي حد بلغوه الثلاثين. وكانوا في غالب مدة سجننا لا يتعدون نصف هذا العدد.. وعندما وليته أمر الإمارة لم أتخل عنه بل وقفت إلي جنبه في وجه أعداء الله وتوليت أمر خطابة الجمعة والأعياد وتدريس الشباب، ولم أكن أبخل عليه بالمشورة والوقوف في صفه في وجه بعض المخالفين له أو الشاذين الطاعنين في إمرته، ولم آل جهداً في بذل المعونة والنصح له، فهذا كان ما اشترطه علي يوم قبل أن يخلفني في الإمارة..
ووقف هو إلي جنبي في الدعوة إلي الله صادعاً محتسباً متحمساً لكل ما أكتب في نصرة التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد، ولم يكن بيننا أي خلاف في الاعتقاد أو التأصيل الشرعي فقد كان يصدر عن ذات المشكاة التي أصدر عنها ويحب كتاباتي ويفرح بها وينصرها ويدعو من يعرف من الشباب في السجن وخارجه إلي نسخها وقراءتها ونشرها وتوزيعها..
مضت فترة المحاكمات بفضل الله طيبة نجحنا في توظيفها بتوفيق الله في إظهار دعوتنا وإعلان تكفيرنا للنظام وبراءتنا من قوانينه، فكنا نعلن ذلك صراحة في قفص المحكمة أمام الصحافيين وغيرهم من الحضور من خلال خطب نصدع بها وكلمات نعلنها، وأعددت لائحة اتهام خاطبت بها رئيس المحكمة وطواغيته ودولته؛ سلمتها له يوم أن سألني:


أمذنب أم لا؟

فأجبته أنا وإخواني بقولنا: أنتم المذنبون؛ عطلتم شرع الله وحكمتم بغير ما أنزل الله وواليتم اليهود وحاربتم المجاهدين والموحدين.. وبينت له في لائحة اتهامه هو ونظامه التي سميتها (محاكمة محكمة أمن الدولة وقضاتها إلي شرع الله) بينت له بعض الأدلة علي كفره وكفر نظامه وصرحت ببراءتي أنا وإخواني من محاكمهم وقوانينهم وطواغيتهم ودولتهم.. وكان أبو مصعب وسائر إخواننا المتهمين بالقضية حاضرين مشاركين في ذلك كله، تقر أعينهم به وترتفع معنوياتهم له، ويستشعرون بركات هذا البلاء علي دعوتنا وتسعدهم الثمرات التي كنا نقطفها كل يوم في حبسنا الذي أراد أعداء الله من خلاله كتم هذه الدعوة وإخراسها، فانقلب السحر علي الساحر، وصار السجن والمحاكمات بفضل الله وتوفيقه منبراً وأداة لنشر الدعوة وإعلانها وإظهارها، وانقلبت المحنة إلي منحة..

وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين

كانت أياماً مباركة اشتغلنا فيها بطلب العلم والدعوة إلي الله في السجن بين العساكر والضباط والمسؤولين الذين كانوا يزورون السجن في بعض الأحيان، ومع سائر النزلاء والمسجونين الذين كانوا يتداولون ما أكتب وينسخونه، ويصلون معنا ويحضرون خطب الجمعة والأعياد التي كنت غالباً ما أتولاها، ويسر الله لي فكتبت خلال فترة سجني الكثير من الكتابات والمؤلفات التي أثمرت بفضل الله تعالي هذا الخير المبثوث هنا وهناك، أسأل الله تعالي الإخلاص والقبول وحسن الختام..
وشعر النظام بخطر انتشار هذه الدعوة بين عموم السجناء وخطر نفوذها من وراء القضبان إلي خارج السجن وانتشار كتاباتي وطباعتها وأنا لا زلت أرسف في قيودي، فحاولوا عزلنا أولا عن سائر السجناء فضيقوا عليهم ومنعوهم من الصلاة معنا وعوقب كل من يتصل بنا أو حتي يسلم علينا، ثم عزلونا عنهم كلياً في مهاجع مخصصة لنا لا يدخلها علينا أحد، ثم قاموا بتنقيلنا بين سجون مختلفة مخصصة لنا، كان آخرها سجن الجفر الصحراوي الحدودي الذي حاولوا فيه عزلنا عن العالم كله، ولم يفلحوا في ذلك ؛ فقد كانوا في كل مرة يقربوننا ويسهلون اتصالنا بطائفة من إخواننا؛ كما حصل حين نقلونا إلي سجن السلط فقد سهّلوا علي إخواننا من شباب السلط زيارتنا بعد أن كانوا يتجشمون المسافة إلي سجن سواقة، فسهّل ذلك الانتقال اتصالنا بهم، وحين نقلونا إلي سجن الجفر قربونا إلي مدينة معان وسهّلوا علينا الاتصال بإخواننا هناك والتعرف بأناس جدد من أهالي معان.. وهكذا كلما سدوا باباً فتح الله لنا أبواباً.. هذا غير ما كان الله ييسره لنا في كل سجن جديد من وسائل إخراج الرسائل والمؤلفات وإدخال بعض الكتب والمراجع التي تتيسر لنا.. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين وهكذا حالنا معهم دوما هم يضيقون والله يوسع وهم لا يشعرون..
وكما هو جار بفضل الله معي إلي الساعة ؛ فإنهم يودعونني السجن كل مدة سنة أو سنتين بغير جريرة إلا إظهاري لديني وتوحيدي ودعوتي التي من أهم أركانها إعلاني تكفير الطواغيت وبراءتي منهم ومن أسيادهم والتحريض علي ذلك، وانحيازي ونصرتي للمجاهدين المقارعين لأسيادهم الأمريكان في كل مكان.. هذه هي جريمتي التي أسجن عليها بين الحين والحين..
يفعلون ذلك ظناً منهم أن السجن سيوهن هذه الدعوة أو سيطفئ وهجها، وما دروا ـ لغبائهم ـ أن السجن والبلاء لا يزيدها إلا توهجاً وانتشاراً، وقد جعله الله سبحانه محطات استفادة وإفادة لإخواني في السجن وخارجه، وفتح لنا فيه فتوحات لو يعلمها أعداء الله ما سجنونا للحظة، فالحمد لله علي كرمه وإنعامه..
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون
ثم فرج الله عنا بمنه وكرمه، فآثرت أنا البقاء في البلد لمتابعة ورعاية الدعوة التي بدأناها، وكلي أمل أن أنقلها غرباً عبر النهر فلي هناك آمال وطموحات.


ابو مصعب والسفر لافغانستان

وآثر أبو مصعب قطع ذلك والسفر إلي أفغانستان، ولم يكن ذلك ليعجبني خصوصاً مع تحفظاتي آنذاك علي الأوضاع هناك، أما هو فقد كان متحمساً لذلك ويحث كل من يتعرف عليه، وإن يك آلمني العمل علي تفريغ الساحة من الشباب الموحد، فلم يؤلمني صنيع أبي مصعب بقدر ما آلمني صنيع أبي عبد الرحمن ـ رائد خريسات ـ حين خرج هو الآخر مع طائفة أخري من إخواننا من شباب السلط إلي أفغانستان فكردستان حيث قضي نحبه هناك هو وطائفة من إخواننا في قتالهم لتحالف الشمال الكردي وذلك بعد أن قطع شوطاً في الدعوة وإنشاء معسكرات تدريب وإعداد..
آلمني صنيع رائد رحمه الله لأنه كان رائداً أو رأساً في الدعوة إلي الله في بلده وشعلة متوقدة بين الشباب وشوكة وشجي في حلوق أهل البدع.
أما أخونا أبو مصعب فكان يقول لمن يعتب عليه الهجرة من البلد: انه رجل يحب الجهاد ولا صبر له علي طلب العلم وتدريسه والدعوة إلي الله، فاستنفر هو الآخر طائفة من إخواننا معه إلي أفغانستان حيث استفادوا من ظروف البلد ومعسكراتها..
ولكنها كانت استفادة مكشوفة لمخابرات بلادنا لاختلالات تنظيمية قاتلة كانت تبلغني وأتألم لها وأحاول جاهداً مناصحتهم ما استطعت إلي ذلك سبيلا.


الامتناع عن مساعدة طالبان

وبلغني أن أبا مصعب ومن معه من الشباب امتنعوا عن القتال مع الطالبان لما عاينوا أشياء كنت أتحفظ بسبب بعضها علي الأوضاع هناك ولا أتحمس للسفر الذي تحمس له غيري، فعاينت تلك الأشياء بعين البصيرة في وقت مبكر دون أن أتجشم تلك المسافات التي قطعوها كي يعاينوها بعين البصر، مع أنها أشياء كانت معلومة تتناقلها وكالات الأنباء والصحافة وسمعنا بعضها من خلال جهاز الراديو قبل أن يفرج عنا، ومع ذلك فقد كان الحماس والخروج من تحت ضغط أعداء الله هو المحفز الذي أعان علي غض الطرف عن تلكم الأشياء أولاً، ولا أدري ما الذي ضخمها وجعلها موانع للقتال في صفهم فيما بعد، مع أن الأصول تقتضي غير ذلك....
وكانت تبلغني أخبار الإخوة تباعاً من اعتقال أو تقلب وانتقال أو رجوع إلي الأردن وغير ذلك مما كان يبلغني فأتحسر معه علي تبعثر جهد إخواني وتفرقهم وتشتت طاقاتهم في الأقطار بين أفغانستان وكردستان ثم باكستان وإيران فالعراق.. واعتقال طائفة منهم في الباكستان وطائفة أخري في إيران وطائفة ثالثة في كردستان والعراق.. وأتألم علي ما آل حالهم إليه بسبب العمل من غير برنامج واضح، والتنطط من جهة إلي جهة بحسب الظروف وتقلبها لا بحسب استراتيجية واضحة وخطة مسبقة..
وكنت أتابع تلقف المخابرات في الأردن للعائدين منهم كمصادر غزيرة للمعلومات كانت تغنيهم حقيقة عن تكلف بث العيون والجواسيس هنا وهناك..
كانوا يتابعون من خلالها التفاصيل الدقيقة لأخبار الشباب بصورة مفصلة في أفغانستان وكردستان وتفاصيل نشاطاتهم ومعسكراتهم ومساكنهم وعناوين إقامتهم وكناهم الجديدة، ولقد كنت أصدم بهذه المعلومات المفصلة وأتألم لها عندما كنت أواجه بها من المخابرات حين كنت أحاول التمويه علي إخواني قدر الإمكان فكنت أعرف من تحقيقاتهم معلومات مفصلة عن الشباب أسمعها لأول مرة، فإذا تَثَبَّتُ منها بعد الإفراج عني وجدتها كما قيلت لي، وليس ذلك قطعاً من فطنة أعداء الله ولا من ذكائهم، وخسئوا من أن يعلموا الغيب، ولكنه من تهلهل أوضاع الشباب التنظيمية وتفريطهم الأمني القاتل.
وناصحت بعضهم في أشياء من ذلك، وراسلتهم، وكلفني ذلك من أذي أعداء الله وغيرهم ما أحتسبه عند الله، وتحملته شفقة وحرصاً علي إخواني وجهودهم وطاقاتهم أن يتسلط عليها أعداء الله ويحبطوها، وكنت أتألم من السطحية العجيبة في تعاملهم مع المسائل التنظيمية والعسكرية وضحالة التجارب وتخبطها والتي تسببت بإحباط عدة محاولات لأبي مصعب من العمل التنظيمي الذي سعي في إقامته في الأردن، وما ترتب علي تلك المحاولات (غير الناجحة) من جرجرة مجموعات من الشباب إلي السجون في ثلاث محاولات حتي الآن بلغت أحكام بعضهم إلي الإعدام علي (لا شيء) عملوه، هذا غير ما غنمه أعداء الله في التجربتين الأخيرتين من أموال طائلة؛ المسلمون ودعوتهم وجهادهم في أمس الحاجة إليها.. كنت أتابع هذا وأناصح أهله أحياناً ولكن..


بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوي فلم يستبينوا الرشد إلا ضحي الغد

وكنت أتألم لذلك وأتوجع لانتقال الاختلالات التنظيمية والتهلهل الأمني من أفغانستان إلي التجارب المحلية عندنا من خلال اختيارات لأبي مصعب لم تكن موفقة؛ وذلك باختيار أشخاص يفتقرون إلي أدني شروط العمل التنظيمي وخبراته، ورغم وفرة الإمكانات المالية التي كنا نتألم ونصدم بمصادرة أعداء الله لها بعد إحباط كل عمل ؛ فلم يستثمرها المعنيون في عمل مفيد للأمة والجهاد بل ولا حتي في الأخذ بالاحتياطات الأمنية التي تتناسب مع الطموحات والآمال، وهذه أمور لا أتكلم عنها رجماً بالغيب؛ فقد عاينتها بنفسي عند إحباط تلك التجارب والأعمال القصيرة وعاينت أحوال أهلها وتفاصيل تخليطهم حين سجنت معهم وكنت قد ناصحتهم بأشياء من قبل كنت غير مطلع علي تفاصيلها ولكني كنت أتفرسها وأتوسمها فتقع بعد ذلك كما كنت أتوقع وأتخوف..
وغالبا ما كنت أجر معهم إلي السجن بسبب تلك المناصحة أو بسبب حيازة أولئك الشباب لكتاباتي أو معرفة بعضهم بي واعترافهم بذلك دون أن يربطني بهم رابط تنظيمي ودون أن يطلعوني علي شيء من ذلك، ولكنني كنت أري وأتفرس نتائجها بمقدماتها من خلال خبرتي وتجاربي في مجال العمل الدعوي والتنظيمي والتي لم يستفيدوا منها حين ناصحت بعضهم، نعم استفادوا من كتاباتي وأيضاً من اسمي واستظلوا بمشيختي وأشياء أخري يحزن ذكر تفاصيلها ويؤلم المؤمنين ويقر أعين أعداء الدين، ما كنت لأنزعج منها أو أتألم لها لو كان عملهم سديداً كيسا متقناً.. أعرض عن ذكرها هاهنا..


سقوط افغانستان

بعد سقوط أفغانستان تبعثر الإخوة بين باكستان وإيران واعتقلت طائفة منهم في الباكستان وأخري في إيران بينما قتل بعضهم في أفغانستان علي أيدي تحالف الشمال العميل، وتوجه أبو مصعب إلي كردستان التي لم تكن يوماً في برنامجه ولم يتوافق مع الشيخ رائد خريسات رحمه الله عليه وكان أبو عبد الرحمن قد استقر به المقام بها مدة وأنشأ معسكرات وأعد وربي هناك رجالا وترك أثراً ظاهراً للعيان ثم قتل هو ومجموعة من إخواننا هناك رحمهم الله وأسكنهم الفردوس الأعلي في مواجهات مع تحالف الشمال الكردي العميل..
فالتفت طائفة ممن تبقي من هؤلاء الرجال حول أبي مصعب وكان بعضهم قد اكتسب خبرات طيبة في فنون عسكرية كثيرة خصوصاً في مجال المتفجرات.. فكان هؤلاء الشباب عونا وسنداً لأبي مصعب في العراق بعد أن تبعثر أكثر الشباب الذين كانوا معه في أفغانستان ما بين قتيل ومعتقل وطريد بين باكستان وإيران والأردن..
ثم ما لبث أن لحق به آخرون من الأردن وغيرها، والتحق به أبو أنس الشامي ففرحت بذلك لمعرفتي بحاجة أبي مصعب الماسة إلي طالب علم يقف إلي جنبه، وحاجته إلي التذكير والمناصحة مع المناصرة والتأييد علي بصيرة وسط هذه الأحوال المعقدة في العراق ووسط الحرب المعلنة عليه وعلي كل مجاهد، وذلك من الأسباب التي دعتني إلي المبادرة بكتابة هذه الكلمات..
ولكني رجل بفضل الله قد نجذتني التجارب وعلمتني الأيام والابتلاءات فلا أهجم متحمساً ولا أتكعكع متلكئاً، وأحافظ علي توازني ما استطعت إلي ذلك سبيلا.. الشيء الذي يجعلني أضمّن هذه الكلمات إضافة إلي صريح وقوفي إلي جنب أخي أبي مصعب ضد كل من عاداه وناوأه من الطواغيت وأسيادهم وعلماء السوء وأذنابهم؛ أضمنها إضافة إلي ذلك مناصحة وتذكيراً لا بد منها له ولغيره من المجاهدين.. فإن أخذ بها فإن ذلك يسعدني ويقر عيني وينعش آمالي.. وإن رفضها وردها فذلك وإن كان يحزنني ويؤلمني إلا أنه واجبي له وللأخوة المجاهدين أكون قد أسديته..


وأبدأ ذلك بتأكيد ما ذكرته في هذه الشجون والذكريات..

فأبو مصعب الزرقاوي علي ما نعتقده من عقيدة أهل السنة والجماعة، وما ننتهجه في دعوتنا إلي التوحيد من إظهار وإعلان ملة إبراهيم والبراءة من الطواغيت وأنصارهم وتكفيرهم..
وهو يفرّق كما نفرق بين من نكفرهم من أنصارهم الذين يتولونهم علي شركهم أو يظاهرونهم علي الموحدين، وبين غيرهم ممن قد يعينونهم علي منكر أو يداهنونهم علي باطل لا يصل إلي حد الكفر فلا يكفر أمثال هؤلاء كما لا نكفرهم، فضلا عن سائر الناس المنتسبين للإسلام؛ فإن عقيدته وعقيدتنا فيهم هي عقيدة أهل السنة والجماعة لا نكفر مسلماً بذنب غير مكفر ما لم يستحله، وهو يحرص دوما إن شاء الله علي التزام ذلك هو ومن معه من الشباب .
ومن ثم فأبو مصعب يعتقد ما نعتقده تجاه عوام المنتسبين للإسلام في سائر بلاد المسلمين من العصمة لدمائهم وأعراضهم وأموالهم، ولا أتخيل بحال أن يتقصد أو يتعمد أن يلحق الأذي بنفس مسلم أو ماله أو عرضه؛ بل أعرف أنه علي الاستعداد لأن يبذل روحه ودمه وماله ومهجته في سبيل نصرة إخوانه المسلمين وإخراجهم من ظلم وظلمات الطواغيت إلي نور وعدل الإسلام.. والأمر ليس كما حاول أعداء الله تصويره كذبا وزوراً في إعلامهم من أنه استهدف آلاف المدنيين في بلده بسلاح كيماوي.. فذلك كله محض كذب وزور مكشوف لا ينفق ولا يروج علي أحد، دفعهم إليه حقدهم الأسود علي كل مجاهد غيور علي دينه وأمته، كما دفعهم إليه إخلاصهم لأوليائهم الأمريكان الذين يتغيظون من كل مجاهد يشمخ بهامته أمام جبروتهم ويأبي الانبطاح لسياساتهم والانسحاق تحت أحذيتهم كما يفعل أذنابهم..
وحتي من الناحية الفقهية العملية فأنا أعلم أن الرجل ـ وإن لم يكن ذلك الطالب المتقدم في العلم ـ إلا أنه قد أتم حفظ كتاب الله في السجن و يتحري الحق وهو ضالته يبحث عنه ويتبناه حيث وجده لينصره بالغالي والنفيس، ولذلك كان دوما يوم كنا في السجن لثقته في عقيدتي وكتاباتي واختياراتي لا يصدر في غالب أمره إلا عن مشورتي واستفتائي حباً لهذه الدعوة وولاء للتوحيد وملة إبراهيم التي ننصرها وندعو إليها..
ولذلك ولغيره لم أفاجأ كثيراً حين بلغني أنه سمي جماعته المقاتلة في العراق ـ دون أدني تنسيق معي أو مراجعة لي ـ (بجماعة التوحيد والجهاد) وذلك مضاهاةً والتصاقاً بموقعي علي الإنترنت المسمي بمنبر التوحيد والجهاد منذ سنين.. فأسأل الله تعالي أن يحمل المسمي بصورته المشرقة كما حمل الاسم..
لقد فرحت وانتعشت آمالي بقدر حين علمت بتقريبه لأبي أنس رغم أن الرجل لم يكن يتبني اختياراتنا بحذافيرها وهي مرونة من أبي مصعب أفرحتني بعد أن كان افتقاره إليها من قبل قد حرمه الاندماج في القاعدة والنزول تحت إمرة الشيخ أسامة حفظه الله تعالي.. فأرجو أن يكون ذلك منه تصحيحاً لهذا الأمر ووسطية لا حاجة واضطراراً، فإن من المقرر عند أهل السنة والجماعة جواز القتال والتعاون مع الأمراء الفجار فكيف بما هو دون ذلك مما يسع فيه الاختلاف والاجتهاد..
وأعطف علي هذا بشيء يقابله وهو أن لا يكون ميزان التقريب والإقصاء علي قدر وكمية الولاء والتعلق به أو الموالفة والموافقة وعدم المخالفة والمراجعة.. فهذا ميزان متأرجح مضطرب غير متزن وكم قرب هذا الميزان أناساً جهالا لا يصلحون لكثير من الأعمال والمهمات التي أوكلت إليهم، وغض الطرف عن شذوذاتهم وانحرافاتهم التي عايناها وصدمنا بها مراراً.. وأقصي في الوقت نفسه أخياراً أكياساً يعدل الواحد منهم العشيرة والقبيلة فوا أسفاه علي عدم الاستفادة منهم .ان سذاجة ومحدودية تجربة قيادة مجموعة صغيرة في السجن لا يجوز أن تنتقل بسطحيتها وسذاجتها إلي العمل التنظيمي المسلح، فقد عاينا الثمن الباهظ لذلك في فقد إخوة أعزة سواء بالقتل أو التأبيد في السجن، هذا غير الخسائر المادية الطائلة التي أهدرت في تلك التجارب المتعجلة..
فصدق النية وحب الدين والورع والإخلاص والعاطفة والحماس كل ذلك لا يكفي وحده لإثراء التجربة والارتقاء بالعمل التنظيمي، ولا يغني بحال عن الاستعانة بذوي الخبرة والفطنة والتجربة والمعرفة، فحذار من الاغترار أو الاكتفاء بالتجربة الهزيلة أو القصيرة، والزهد بخبراتهم لمجرد أن لا يكونوا من أهل الموالفة والموافقة علي كل شيء. كما أنني أعرف من أبي مصعب أنه لا يتنازل عن شيء من عقيدته أو توحيده الذي يدين الله به، ولا يفرّط في شيء منه ولا تأخذه فيه لومة لائم ولا يتضرر في هذا الأمر بضغط أو مخالفة أحد؛ فأرجو أيضاً وأسأل الله تعالي أن لا يتضرر أيضا في اختياراته الجهادية والقتالية، بسبب ضغط الأعداء وبسبب بطشهم وإجرامهم.. فيبقي علي الجادة في أعماله واختياراته لا يضره من خالفه ولا من خذله فلا يميل إلي إفراط أو تفريط..
فما دام لا يكفّر الناس بالعموم ولا يكفرهم بالمعاصي ولله الحمد، ويعلم أن جمهور الناس في هذه البلاد التي نعيش فيها ينتسبون إلي الإسلام، فيجب عليه مراعاة ذلك في اختياراته القتالية، ويجب عليه التشدد في التحرز من سفك دماء المسلمين ولو كانوا فجاراً أو عصاة وأن يتنبه إلي الفوارق الظاهرة بين القتال في دار الكفر الأصلية التي جمهور أهلها كفار، والقتال في دار الكفر الاصطلاحية الحادثة التي جمهور أهلها من المنتسبين للإسلام ومراعاة تلك الفوارق.. وحذار من التساهل فيما اعتدنا علي التشديد فيه من عصمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولو كانوا عصاة أو فجاراً فإن دماء المعصومين ورطة من الورطات يوم القيامة.. وقد درسنا ودرّسنا في أبواب الاعتقاد أن استباحة دماء المسلمين خطر عظيم والخطأ في ترك ألف كافر، أهون من الخطأ في سفك قطرات من دم مسلم واحد..
فيجب التنبه لهذا وحــــذار من إغفاله طرفة عين.. 

شهادة سيف العدل(7):

2005/05/19



المقدسي: حذار من تشتيت الصراع.. وتحويله عن المحتل واذنابه... واستهداف عموم الشيعة ومساجدهم
مكاوي: معلوماته عن الاردن جيدة.. وضعيفة عن فلسطين.. واخبار الاردنيين الافغان قرأناها من مجلة ابو قتادة
فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.

الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشـــــنطن التي تطلق علي حــربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صـــنع استراتيجــــياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.



تتمة شهادة المقدسي

أقول هذا وأؤكد عليه وأنا أسمع وأتابع الفوضي العارمة الحاصلة اليوم في العراق والتي يراد بها تشويه الجهاد وصورته المشرقة من تفجير السيارات أو وضع العبوات الناسفة في طرقات العامة وقذف قذائف الهاون ونحوها في الشوارع والأسواق وغيرها من تجمعات عوام المسلمين فيجب المحافظة علي أيدي المجاهدين المتوضئة من أن تتلطخ بشيء من دماء المعصومين ولو كانوا عصاة أو فجاراً وإذا كانت الجماعة المقاتلة نظيفة من ذلك وبمنأي عنه فالواجب عليها إن كانت تحترم جهادها وجهود أتباعها وتحرص علي قطف ثمرات من وراء تلك الجهود وذلك الجهاد أن لا ترضي بنسبة شيء من ذلك إليها، وأن يواكب جهادها دوماً لسان ناضج ناطق يذب عن المجاهدين ويبرئ ساحتهم من هذه الأعمال المشوهة أولاً بأول..
ومما يجدر التحذير منه في باب التضرر بالواقع؛ التورط في اختيار وسائل غير مشروعة أو وسائل وأدوات مخالفة للاختيارات الصحيحة الراجحة عند المجاهد، أو التوسع بها كردود أفعال علي إجرام الطواغيت.. كأن يتجاوز المقاتل الحدود الشرعية بتقصد خطف أو قتل بعض المنتسبين للإسلام بمسوغات غير شرعية كدعاوي العمل عند الكفار أعمالاً لا تصل إلي المناصرة علي الكفر أو المظاهرة علي المسلمين.. أو التجاوز والتعدي بتقصد قتل أو خطف من لا يحل قتله من نساء وأطفال بعض الأعداء، سواء لعصمة أولئك النساء والأطفال بالإسلام، أو عصمتهم بالأنوثة والطفولة..ومثل ذلك التساهل بالأعمال التي يسميها الناس انتحارية ويسميها البعض استشهادية ونسميها نحن بضوابط علمائنا المحققين جهادية، فلا ينبغي غض الطرف عما اشترطه علماؤنا المحققون من شروط مهمة قد اعتمدوا في تجويزها وقايسوها علي مسألة الترس، ومعلوم ما قرروه لهذه المسألة من ضوابط وقيود لا يجوز التحرّر منها أو التساهل فيها سواء لوفرة من يقدم علي تنفيذها، أو لوفرة المتفجرات من مخلفات النظام البائد أو لظروف البلد المواتية لمثل هذا العمل أو ذاك.. أو غير ذلك من الأسباب.. فمعلوم أنها وسيلة إنما يلجأ إليها المجاهد عند الضرورات فحذار من أن يتوسع فيها وتنقلب إلي وسيلة قتالية تقليدية، فضلا عن أن تنقلب إلي غاية وهدف..
إن دعوة التوحيد وملة إبراهيم التي ندعو إليها ليست كأي دعوة إصلاحية؛ ترقيعية، بل هي دعوة تغييرية استئصالية للطواغيت وشركهم، حرب علي أوليائهم، تقوم علي تجريد الولاء والبراء والحب والبغض والموالاة والمعاداة وهي لهذه الأركان لا تربي بغاثاً أو تخرّج دراويشاً بل تربي صقوراً وتخرج أسوداً وسباعاً إن لم يضبطوا بضوابط الشرع ويربّوا علي تعظيم حرمات المسلمين ودمائهم ويقيّدوا بقيود العلم والفقه في السياسة الشرعية لمراعاة أعظم المصالح ومدافعة أعظم المفاسد واختيار أنفع وأصلح الأعمال ومراعاة واقع الأمة وإمكانات أبنائها وطبيعة المرحلة، أقول، إن لم يراع ذلك كله فيهم، فسيثبون إلي القتال دون ضوابط وسيخرجون علي الأمة لا يميزون بين برها وفاجرها ولا يوازنون بين مصالحها ومفاسدها . وتجارب بعض الجماعات المتطرفة المغالية ما زالت ماثلةً للعيان، فحذار من اجترارها.. فليتذكر كل مجاهد أننا أبناء دين عظيم؛ جهاده وغاياته ووسائله أنظف وأطهر وأعلي وأجل من أن تضاهي أو تحاكي أعمال عصابات المافيا التي تبرر الغايات عندهم الوسائل، ولا يزعهم وازع من إيمان أو يضبطهم ضابط من شرع.
لأن رأس المال قليل شحيح ؛ سواء في المجاهدين المخلصين الناضجين أو في الأموال والإمكانات ؛ فلا يحل لمن يحترم إمكانات المجاهدين ويراعي ظروف الأمة وأحوال المسلمين والدعاة والمجاهدين في شتي أقطار الأرض الأحرار منهم والمعتقلون، لا يحل له أن يقامر أو يتساهل في هدر تلكم الإمكانات، فسيسأل عنها بين يدي الله، كيف وهو موقوف مسؤول عن عمره فيما أفناه وشبابه فيما أبلاه وماله فيما أنفقه، فالسؤال سيكون أشد عن عمر وشباب وأموال المجاهدين والمسلمين إن تولي أمرهم.. ولذلك يتعين عليه أن لا يختار من الأعمال إلا الأنفع لدين الله والأحظي للمسلمين وعزهم وتمكينهم والأنكي في أعداء الله والأقطع لكفرهم وباطلهم.. ولا مجال للتجريب والمقامرة في دماء المجاهدين وأموال المسلمين..
ولذلك فحذار أيضاً من تشتيت دائرة الصراع والخروج بها عن المحتل وأذنابه الموالين له.. وحذار من توسيع تلك الدائرة أيضا فيما لا طائل من ورائه وتضييع جهد المجاهدين بذلك .
ـ سواء بالتورط بمشاريع غير ناجحة في بلدان خارج نطاق تواجد المجاهدين وإمكاناتهم لا ثمرة آنية منها غير الأعمال الثأرية أو النكائية تذعر الناس بل والعالم كله علي المجاهدين وتدفعه إلي المزيد من التألب والتكالب عليهم وتستغل في خلط الأوراق وتشويه المجاهدين..
ـ أو باستهداف غير المقاتلين من أبناء الشعب ولو كانوا كفاراً أو من النصاري فضلاً عن التورط في استهداف كنائسهم وأماكن عبادتهم ونحوها..
ـ أو الإنجرار وراء استهداف عموم الشيعة وحرف المعركة عن المحتل وأذنابه وصرفها إلي مساجد الشيعة ونحوهم مهما كان تاريخهم وعداوتهم لأهل السنة وأذاهم لهم، فلا يجوز أن يجعلوا جميعاً في كفة واحدة؛ عوامهم مع خواصهم المحاربين...وعلي كل حال فإن اعلان الحرب علي هذه الطوائف المحسوبة علي الإسلام والمسلمين في ظل احتلال صليبي مجرم لا يفرق بين سني وشيعي ليس من السياسة الشرعية في شيء.
أو ببث التهديدات الجوفاء لدول العالم كافة هنا وهناك الأمر الذي يزيد الحرب علي الإسلام توحّداً وعالمية، ويفقد المجاهدين مصداقيتهم بتكرارها عبثا..
ولذلك فلا بد مع الجهاد من خطاب إعلامي واع ناضج يخاطب الناس علي قدر عقولهم ويحدثهم بما يعرفون ولا يتبني شيئا من الأعمال التي لا يستوعبها الناس أو الأعمال غير الناجحة.. وينأي بنفسه وقيادته عما يُستبشع أو يشوه صورة الجهاد وينفّر عنها خصوصاً مع انتشار الجهل وقلة العلم وعدم إحاطة الناس بما عند خواص المجاهدين من اختيارات فقهية فرعية.. فمراعاة ذلك من الفقه في الدين الذي من أهمله ولم يرفع به رأساً فوت علي الجهاد والمجاهدين خيراً عظيماً، وبما جرّ عليهم من المفاسد ما الله به عليم، وسيرة نبينا محمد صلي الله عليه وسلم في هذا الباب وهديه شاف كاف فليتأمل..
حذار من تقزيم الجهاد وتحجيمه في القتال النكائي وحسب، أو اختزاله في ردود الأفعال الثأرية فقط، وفصمه أو فصله عن مبناه العام الذي يبني الأمة ويعمل علي تمكينها، وذلك بالانشغال بالوسائل وقلبها إلي أهداف، أو بعزله عن أهل الخبرة والتجربة أو فصمه عن الدعوة ومخاصمته لأهلها.
العراق بإجرام صدام وحزبه تأخرت فيه الصحوة الإسلامية واستؤصلت في مراحل شتي؛ فأحسن ما يقدم المجاهدون لهذا البلد المنكوب إن لم تتيسر الآمال الكبيرة التي دونها ما دونها؛ أقول إن أحسن ما يقدم له من خلال جهاد نقي صافٍ واختيارات موفقة وخطاب إعلامي واع وناضج راشد ؛ أن يربي ويخرج من خلاله طائفة من أبناء البلد والعشائر تحمل راية التوحيد وتجاهد من حولها.. فأهل مكة كما يقال أدري بشعابها.. وأبناء البلد عند عموم الناس أولي بالتصدر لأمورها والحديث عن همومها والبروز لتحمل مسؤولياتها.. وعدم التفات المجاهدين إلي هذا الأمر وعدم اعتبارهم له وعدم اهتمامهم بموازين القوي في البلد وطبيعتها وطبيعة أهلها ووضع الغريب عنها أولا وآخراً وإغفال ذلك يعد إهمالاً لسنن الواقع، وإعراضاً عن تجارب إخواننا المجاهدين في شتي البلاد..
ولذلك قلت مراراً لا بد من تصدير العراقيين في واجهة المقاومة ولا بد من اختيار قيادة إسلامية عراقية راشدة تعرف هموم الشعب العراقي وتعرف كيف تخاطبه بخطاب واع ناضج يجعلها منارة للناس يلتفون من حولها، وتتجنب كل ما يشوهها من أعمال مرجوحة أو اختيارات منفرة أو مفضولة..
هذا إذا كان المجاهدون هناك يتطلعون إلي ثمرة تمكين لجهادهم ولو علي المدي البعيد.. أسأل الله تعالي أن ينصر جنده ويمكن لعباده..
أخيراً.. قد قمت في سجني هذه المرة بكتابة (وقفات حول ثمرات الجهاد بين الجهل في الشرع والجهل في الواقع) ضمنتها خلاصة نصحي للدعاة والمجاهدين، أتمني وأدعو الله أن يستفيد منها كل مجاهد، وأن لا يفسد استفادته منها بتتبع من يقصد الشيخ بكذا أو من يريد بكذا..
فالأمر أعظم من تتبع هذا، ولم أجعل يوما من همي الاشتغال في الطعن بأهل الإسلام فضلا عن الطعن في المجاهدين الذين نحسب فيهم الصدق والإخلاص، ومن يتدبر تلك الوقفات يري أن كلامي فيها عام متشعب ذو شجون يتناول كثيراً من البلدان والميادين والتجارب ولا يتركز كله علي شخص واحد بعينه..
بل يتناول أحداثاً وتجارب مرت بالشباب أو بالمجاهدين هنا وهناك أو طفت علي السطح ولفتت أنظار الناس؛ أدليت فيها بدلوي نصحاً لإخواني المجاهدين وحرصاً علي جهدهم وجهادهم أن يكون في أشرق صورة وأحسن حال، وهذا من أعظم النصرة لهم بل هو لو فقهوا أعظم من نصرهم بالنفس والمال، وقد قيل: نفاذ الرأي في الحرب أنفذ من الطعن والضرب .
أما هذه الورقات فهي وإن كنت أرجو النفع فيها لكل من يقرأها؛ إلا أنها جاءت مناصرة ومناصحة لأخي أبي مصعب حفظه الله تعالي وسدد علي طريق الحق خطاه..
ووفقه ومن معه لنصرة التوحيد والدين الحق، وجعلهم وإيانا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه..
ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز
وصلي الله وسلم علي نبينا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين.


أبو محمد المقدسي سجن قفقفا ـ جمادي الثاني 1425

شهادة سيف العدل مكاوي

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم[/align]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيد المرسلين إمام المتقين وقائد المجاهدين وزعيم الغر الميامين وعلي آله وصحابته وعلي من سار علي نهجه إلي يوم الدين وبعد.

لم أكن في يوم من الأيام من هواة القراءة أو الكتابة، ولا من عشاق كثرة الكلام، لكن الظروف التي أمر بها الآن، أوجدت لدي أوقات فراغ طويلة، قمت باستثمارها بالذكر وحفظ القرآن الكريم وممارسة بعض الحركات الرياضية، وفي ظل هذا البرنامج اليومي وصلتني رغبتكم في الكتابة عن تجربتي مع الأخ الحبيب أبو مصعب (أحمد فضيل). ترددت في ذلك كثيراً في البداية، ولكن وبعد الاستخارة وجدت أن قلبي قد انشرح لهذا الأمر، ولذلك بدأت الذكريات والأفكار بالتوارد علي ذهني تباعاً، وإني لأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل جهدي هذا في ميزان حسناتي، وأن يفيد به اخوتي المجاهدين الأحرار في كل مكان، والذين أتابع أخبار جهادهم وانتصاراتهم بكل شوق وفخار، فهم اسود وأبطال هذه الأمه، وأملها وخيارها الصحيح، وروادها علي طريق العزة والكرامة والنصر والتمكين القريب بأذن الله، وإني لأحسب أن أخي أبو مصعب من خيرة هؤلاء الأسود الأبطال ولا نزكي علي الله أحداً.
وبعد أن منَّ الله علي المجاهدين المسلمين في أفغانستان بالنصر المبين علي الكفرة والمشركين من المرتدين والروس، وبعد الخلافات التي أخذت بالبروز بين فصائل المجاهدين الأفغان، بدأ الكثير من اخوتنا العرب التفكير بالعودة إلي أوطانهم الأصلية، لا سيما الاخوة السعوديون واليمنيون والأردنيون، الذين لم تكن لديهم مشاكل أمنية في أوطانهم، علي عكسنا نحن المصريين، وإخواننا السوريين والجزائريين والليبيين، فلم يكن لدينا خيار سوي البقاء في أفغانستان، أو التحول إلي ساحات جهاد ساخنة، أو الذهاب إلي مناطق أمنة بالنسبة لنا، لا توجد فيها حكومات مركزية قوية، وتوجد لنا فيها تحالفات قوية علي الأرض.
من هنا كان اختيارنا للسودان والصومال، وبعض دول إفريقيا الضعيفة، وذهب بعض الاخوة مبكرين إلي الدول التي استقلت عن دولة الاتحاد السوفييتي المنهار، وبعض الاخوة ساح في بقاع الأرض، وكان هناك رأي من بعض الاخوة المخلصين الواعين؛ أن ما حصل ويحصل هو خسارة كبيرة لا بد من اتخاذ خطوات سريعة وعملية لإيقافها، واستدراك ما فات، فهذه الطاقات والخبرات التي تحملها هذه النفوس العظيمة المخلصة، لا بد من تجميعها وتأطيرها واستخدامها في إحداث التغير المنشود، فكانت فكرة قاعدة الجهاد المباركة كخطوة أولي علي هذا الطريق.


مرحلة الاعداد

بدأنا بتجميع المعلومات التي نحن بحاجة لها لإعادة ترتيب عملنا، وكان من أوليات هذا العمل هو تحصيل المعلومات القديمة والجديدة عن كل رواد الجهاد، الذين شاركوا في الجهاد علي الساحة الأفغانية، وكان من هؤلاء الرواد اخوتنا الأردنيون والفلسطينيون علي رأس القائمة التي لابد من إعادة دراستها، وتجديد المعلومات عن شخوصها.
ولذلك كنا نتابع المحاكمات العسكرية التي تعقدها محكمة أمن الدولة الأردنية، لإخواننا من الأفغان الأردنيين العائدين، وكذلك للمجموعات الإسلامية الصغيرة المتعددة، التي كانت تحاول القيام ببعض الأعمال الجهادية ضد دولة العدو الصهيوني في فلسطين الحبيبة، انطلاقا من الأراضي الأردنية وكان الأبرز ظهوراً من الناحية الإعلامية من بين هؤلاء الاخوة (الأخ أبو محمد المقدسي) و(الأخ أبو مصعب) من خلال متابعة وقائع محاكمتهما في قضية التوحيد (بيعة الإمام).
وكان أخونا عمر أبو عمر (أبو قتادة) يركز علي نشر إنتاج هؤلاء الأخوة في مجلته (المنهاج) التي كان يصدرها في لندن. فقرأنا رسائل الأخ أبو محمد المقدسي، ورسائل الأخ أبو مصعب ومرافعتهما التاريخية أمام هيئة المحكمة، وكان الأخ أبو قتادة الفلسطيني، لا يفتأ يبشرنا بأن لنا اخوة جيدين، ينشطون في الأردن، وأن لهم مستقبلا واعدا علي طريق الدعوة المباركة.
فرحنا كثيراً عندما سمعنا عن اطلاق سراحهم أوائل عام 1999، ولم نفاجأ عندما وصلتنا معلومات أن الأخ أبو مصعب وبعض اخوته، قد وصلوا إلي الباكستان.
وأقول لم نفاجأ بهم؛ لان فكرة الانحياز إلي جماعة المسلمين المجاهدة ومناصرتها أينما كانت، هي واجب علي كل من يفهم الإسلام وعقيدته فهماً سليماً.
كانت المعلومات المتوفرة لدينا تشير إلي أن أبو مصعب كان يقصد الذهاب إلي الشيشان، فقد كانت الساحة الإسلامية الأكثر سخونة، والأكثر توجهاً في ذلك الوقت، وإذا ما حاولنا تحليل هذه المعلومات، فهي تشير إلي أن الأخ أبو مصعب علي درجة عالية من الوعي والصدق في توجهاته.
فالذهاب إلي الشيشان يعني الاستعداد التام للتضحية والعطاء في سبيل ما يؤمن به ويدعو له، فالتغير المنشود في واقع الأمة لا يمكن تحقيقه بالأماني والتبشير والتنظير بحتمية النصر، والتمكين النظري فقط، وانما هو بحاجة إلي ممارسة فعلية عملية صادقة من قبل من ينظّر، فجماهير الأمة لم تعد بلهاء تركض خلف كل ناعق، وانما أصبحت من الوعي بحيث لا تقتنع إلا بما تلمسه واقعاً في حياتها، من هنا جاءت نظريتنا في القاعدة للتعامل مع جماهير الأمة والتي سوف أعود إليها بالشرح والتوضيح إن شاء الله.
وحدث أن حصلت مع أبو مصعب ورفيقيه مشاكل مع الأمن الباكستاني تتعلق بأمور الإقامة، أدت إلي توقيفهم، وتم الاتفاق علي إطلاق سراحهم بشرط مغادرة الباكستان، لم يكن أمام أبو مصعب ورفيقيه إلا اختيار الدخول إلي أفغانستان.


ملامح شبه بيني ابو مصعب

وصلتني أخبار عن وصول مجموعة من الأردنيين إلي قندهار، كنت مشغولاً بأمور تتعلق بعملي خارج المنطقة، وعدت إلي قندهار بعد وصول أبو مصعب بحوالي أسبوعين، وبعد ذلك توجهت للقائه في بيت الضيافة المخصص لإقامة الضيوف والقادمين الجدد.
أبو مصعب وأبو محمد المقدسي لم يكونا بحاجة إلي تزكية مسبقة لدينا، فأخبارهما ووقائع المحاكمات العسكرية التي عقدت لهما في الأردن، وما طرحاه من أفكار علنية في هذه المحاكمات كانت كما أسلفنا، كفيلة بتزكيته وأبو قتادة وأحد مشايخ الجهاد الأردنيين كانوا قد أوصوا بهما خيراً.
ولا بد لي أن اذكر هنا أنني قمت بلقاء الأخ المسؤول لدينا عن متابعة أبو مصعب ورفيقيه، لأخذ صورة عما جري بين الاخوة وبين أبي مصعب، وكانت النتيجة المحصلة تقول: أن أبو مصعب لديه أراء متشددة في بعض القضايا والأمور، لم يتم الاتفاق عليها بينه وبين الاخوة.
هذا الأمر أثار حفيظتي، وفتح لدي باباً واسعاً من الذكريات الشخصية جعلتني أستعيد معظم المحطات المهمة في تاريخي وعلاقاتي، بعد أن هداني الله لفهم الإسلام السليم والصحيح في بداية الثمانينيات.
هذه الذكريات أوجدت لدي تبريراً وعذراً مسبقاً لأبو مصعب قبل أن التقي به. وصلت إلي المكان الذي كان يقيم فيه أبو مصعب، بعد انتهاء صلاة العشاء، وكان برفقتي أحد الاخوة المصريين الذي تعود أصوله إلي الجماعة الإسلامية في مصر، وهو من تلاميذ الشيخ عبد الآخر، والذي لم يكن علي وفاق تام مع الاخوة الشيوخ، بسبب بعض الاجتهادات الحركية والعملية.
دخلنا المضافة، فوجدنا الأخ أبو مصعب ورفيقيه علي الباب في استقبالنا، فقد كنت بعثت بخبر قدومي قبل ساعتين من ذلك، تعانقنا مع الاخوة وقدمنا لهم التهاني بالسلامة والفرج ودخلنا إلي المضافة.
للوهلة الأولي تستنتج انك تجلس مع أشخاص عاديين جداً من حيث البساطة والتواضع، قمنا بالتعريف عن أنفسنا بشكل مبدئي، وبدأنا بالحديث. وجدت أنني اقف أمام رجل يتطابق معي في كثير من الصفات الشخصية، رجل صلب البنية لا يتقن فن الكلام كثيراً، يعبر عما يجول في نفسه وفكره بكلام مقتضب، لا يتنازل عن أي شيء مقتنع فيه، لا يهادن ولا يساوم، لديه هدف واضح يسعي لتحقيقه، وهو إعادة الإسلام إلي واقع الحياة البشرية، ليست لديه تفاصيل كثيرة عن الطريقة والأسلوب والوسائل لذلك، سوي تحقيق التوحيد وفهم العقيدة السليمة وجهاد أعداء الأمة.
تجربته الشخصية في الحياة والعمل ليست واسعة، لكن طموحه كبير، وأهدافه واضحة، أسهبتُ في الاستفسار منه عن واقع الأردن وفلسطين. معلوماته عن الأردن كانت جيدة أما عن فلسطين فكانت ضعيفة جداً.
بعد ذلك انتقلنا لموضوع النقاط الخلافية مع الاخوة، سمعنا منه ولم نناقشــــه في ذلك، فقد كان هدفنا كسبه إلي جانبنا ابتداء، استمرت جلســـــتنا حوالي خمــــــس ساعات متواصــلة وسمعنا منه كل ما لديه، وتركناهم متواعدين علي اللقاء بعد يومين.
وفي صبيحة اليوم التالي كان لي ترتيب مسبق للاجتماع بالشيخين، (أسامة بن لادن) والشيخ (أيمن الظواهري) حفظهما الله، وكان لدينا جدول أعمال متفق عليه للمناقشة وبعد الانتهاء من جدول الاجتماع، طرحت موضوع الأخ أبو مصعب للنقاش، حيث أن الأخوة كان لديهم تصور مسبق وواع للموضوع، فالنقاط الخلافية مع أبو مصعب لم تكن جديدة علينا ولم تكن وحيدة، فمئات الاخوة الذين يأتونا من مناطق متعددة من العالم كنا نختلف معهم في بعض الأمور والقضايا، وكل هذا كان مصدره الفهم المتعدد لبعض جوانب العقيدة فيما يتعلق بالولاء والبراءة، وما يترتب عليهما من مواضيع التكفير والإرجاء، والقضية الثانية هي أساليب العمل، والتعامل مع الواقع المعاش، كلٌ في محيطه وموطنه الأصلي، وكانت النقطة الأهم مع أبو مصعب هي الموقف من الحكم السعودي، وطريقة التعامل والتعاطي معه، في ظل الاحكام الشرعية المتعلقة بالكفر والإيمان.
قمت بتقديم اقتراح للاخوة يقضي بتفويضي بالتعامل مع هذه الحالات، أي حالة أبو مصعب وما يشابهها، لأنه ليس من العدل فقهياً، ولا من الصحيح حركياً، ترك أو عدم التعاطي مع كل أخ أو مجموعة قد نختلف معها علي جزئيات محدودة أو تفاصيل صغيرة.


تفويض بن لادن والظواهري

المعلومات التي كانت لدينا تقول، أنه لا يوجد للقاعدة أو لفكرها في فلسطين والأردن، أنصار كثر، وكانت الخطة المتفق عليها بين الاخوة تعطي أهمية للتواجد والانتشار في الأردن وفلسطين، فالقضية الفلسطينية هي قلب الأمة الجريح النابض، ومن يكن في عمله علي تماس معها يكون قريباً من مشاعر الأمة. وضرب الإسرائيليين والقضاء علي دولتهم مرتبط بالتغير والتحرير في واقع الأمة، ولا تغير ولا تحرير إذا لم تضعف إسرائيل ويقضي عليها. فالنظام الإقليمي المرسوم بالمنطقة يرتبط استمراره بوجود دولة إسرائيل وهو موجود لخدمة أهدافها وتمهيد الطريق أمامها للتوسع والانتشار، والارتباط بين النظام العربي القائم حالياً ووجود دولة إسرائيل هو ارتباط جدلي، والمتفق عليه لدينا في هذا الخصوص أنه لا تحرير بدون تغير ولا تغير إذا لم تضعف إسرائيل ولا ضعف لإسرائيل إذا لم تضعف الأنظمة العربية الخادمة لها من ناحية، وإذا لم ترفع حبال الدعم الغربي عنها وعن الأنظمة. لذلك فالنتيجة المنطقية تقول لابد لنا من أن نتواجد في كل مكان علي هذه الأرض، فكيف نترك هذه الفرصة السانحة للتواجد في فلسطين والأردن، وكيف نضيع فرصة التعامل مع أبو مصعب واخوته وأمثاله من سائر البلدان الأخري.
وأخيراً، وافق الاخوة بعد ساعتين من النقاش المتواصل علي تفويضي في التعامل مع هذا الموضوع، مع توفير ما يلزم لذلك.
حمدت ُالله سبحانه وتعالي علي هذا التوفيق الذي كان يؤرقني منذ أكثر من عشر سنوات، فأنا كذلك لم أكن علي وفاق مع الجميع، وخصوصاً في النواحي العملية الإجرائية التكتيكية والاستراتيجية منها، فقد بدأت هذه المشكلة معي منذ اليوم الأول لاعتقالي بمصر في 6/5/1987 علي قضية إعادة تشكيل تنظيم الجهاد، والإعداد لمحاولة قلب نظام الحكم، والتي سجلت بقضية الجهاد (401) والتي اعتقل في ظروفها ما يقارب ستة آلاف اخ بقي منهم للمحكمة (417) أخا وارتبطت القضية، بمحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري الأسبق حسن أبو باشا، والكاتب الصحافي مكرم محمد احمد. كنت حينها ضابطاً في القوات الخاصة المصرية برتبة مقدم، وكان معي من القوات الخاصة والحرس الخاص الأخ الرائد محمد البرم حفظه الله وسدد خطاه.
أقول اني وجدت أن الاخوة في تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية، لم يكونوا يمتلكون من الخبرات العملية ما يمكنهم من إحداث التغير المنشود، ويعود ذلك برأيي ورأي بعض الاخوة إلي الحماس الزائد جداً، الذي يدفع إلي التسرع الشديد دائماً، والي التهور في بعض الأحيان، وكذلك إلي عدم امتلاك الخبرات اللازمة في العمل، وكذلك إلي عدم وجود خطة مسبقة علي المدي القصير والبعيد، وعدم وجود رؤية لاستخدام طاقات الأمة وتفعيلها لأعلي المستوي البشري وليس المادي، فالتغير بحاجة إلي فكر وإنسان ومادة وقيادة مخلصة مجربة واعية، تمتلك رؤية وخطة تحدد من خلالها أهدافها ووسائلها، وتكون رايتها واضحة سليمة لا لبس فيها.
أما عن الأسباب التي دفعتني للخروج من مصر بعد انتهاء القضية المذكورة، فتتشابه هذه الأسباب كثيراً مع الأسباب التي دفعت أبو مصعب للخروج من الأردن، بل تكاد أن تتطابق لشدة تشابهها، ومن هذه الأسباب:
1ـ الأجهزة الأمنية في مصر والأردن أصبحت تري أن التهديد الرئيس الذي يواجه النظام، هو الجماعات الإسلامية العقائدية، التي لا تري حلولاً وسطا، وتدعو إلي التغير الجذري الانقلابي الشامل، علي كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وبناء علي ذلك، فهي تتابع العمل الإسلامي ليل نهار، وتحاول أن توجه له ضربات استباقية لحرمانه من فرصة النجاح في عملية البناء الهادئ الهادف المنتج.
2 ـ أصبحت الأجهزة الأمنية في هذين البلدين تقوم بمحاولات تجنيد عملاء ومخبرين لها في صفوف هذه الجماعات، وقد نجحت في هذا المجال أيما نجاح لعدة أسباب، لا مجال لذكرها هنا، مما ولد لدينا شعوراً بضرورة أن تكون قيادة هذا العمل بعيدة عن الضربات، حتي يتسني لها التخطيط الجيد والتنفيذ الجيد.
3 ـ الإمكانات الداخلية المادية في هذين البلدين اللازمة لإنجاح التغير الإسلامي المنشود غير متوفرة، ولا بد من طرق الأبواب الخارجية، والبحث عن تمويل كبير.
4 ـ التواصل والتوحد مع الأفراد والجماعات الإسلامية المخلصة، لا يمكن أن يتم في ظل التواجد تحت رحمة وطول اليد للأجهزة الأمنية في هذه الدول، فكان لا بد من الخروج.
5 ـ مناصرة القضايا الإسلامية الساخنة، فالحر الكريم لا يقبل الضيم والذل لأهله وأمته.
هذه بعض الأسباب التي دفعتني ودفعت الأخ أبو مصعب لترك بلادنا والتوجه إلي ساحات الجهاد المفتوحة في العالم الإسلامي.
بعد أن أخذت موافقة الشيخين حفظهما الله علي تفويضي بالتعامل مع حالة الأخ أبو مصعب وأمثالها، قمت بالاتصال ببعض الاخوة الذين أثق بقدرتهم الفكرية والنظرية، وبتجربتهم العلمية الواسعة، وعقدنا اجتماعا طارئا وسريعا، ناقشنا فيه الموضوع من كل جوانبه، وخرجنا بقرارات مهمة، بعد أن استمر اجتماعنا حوالي 9 ساعات، تخللها توقفنا لأداء الصلاة وتناول وجبة طعام.
أصبح لدي تصور واضح وكامل عن مشروع جديد وكبير، نجاحه المبدئي يرتبط بموافقة الأخ أبو مصعب، وتوجهت إلي الله تعالي بالدعاء الصادق في أن يوفقني في اقناع أبو مصعب ورفاقه بهذا المشروع الجزئي في أهميته بالنسبة للمشروع الإسلامي الكبير، الذي نعمل من اجل انجاحه و انجازه.
في اليوم التالي كان موعدنا مع الأخ أبو مصعب في الساعة التاسعة صباحاً، توجهت أنا والأخ المصري الذي أشرت إليه في المرة السابقة، واصطحبنا معنا أحد الاخوة المنحدرين من جزيرة العرب، وهو حجازي الأصل، ومن الذين كان لهم باعٌ طويل في قضايا الجهاد والعمل الإسلامي في ساحات متعددة، وكان علي وفاق وتوافق معي في معظم القضايا.
لم ندخل هذه المرة إلي المضافة وانما طلبنا من أبو مصعب أن يرافقنا منفرداً، صعد معنا إلي السيارة، وتوجهنا إلي بيت الأخ الحجازي، وقمنا بتعريف أبو مصعب علي هذا الأخ، وشعرت أن ابو مصعب قد تقبله وانشرح صدره له.
بدأت أنا بالحديث، فقد كنت صاحب المشروع الذي يمتلك التصور الكامل عن جوانبه وأهدافه.
النقطة الأساسية في المشروع، تستند إلي ضرورة إيجاد منطقة في أفغانستان، يتم فيها إنشاء معسكر بسيط للتدريب اليومي، بحيث يقوم الأخ أبو مصعب بالإشراف عليه، وتهدف إلي استقطاب أخوة من الأردن وفلسطين وسورية ولبنان والعراق وتركيا، لأهمية هذه المناطق بالنسبة لنا، وبسبب تقديرنا أننا ضعفاء فيها.
النقطة الثانية والتي كنا قد ناقشناها مع بعض الخبراء من الاخوة، أن المنطقة التي سيتم اختيارها يجب أن تكون بعيدة عن تواجدنا الرئيسي من ناحية، وان تقع علي الحدود الغربية لأفغانستان، والمحاذية لإيران، ويرجع ذلك إلي أن طريق الاخوة الآمن، كان قد اصبح عن طــــــــريق إيران، بعد أن بدأت السلطات الباكستانية بالتشـــــــديد علينا وعلي حركتنا، بحيث اصــــــبح وصول الاخوة العرب والآخرين إلي أفغانستان عن طريق الباكستان صعب جداً، في حين أن الاخوة كانوا يستخدمون طريق تركيا ـ إيران ـ أفغانستان بسهولة ويسر.
المدينة المناسبة التي تم اختيارها كانت مدينة هيرات، وهي اقرب مدينه أفغانية إلي الحدود الإيرانية، وبذلك فهي بعيدة نوعاً ما عنا، والوصول إليها والخروج منها اكثر يسراً، أما ما يخص الإمكانيات المادية، تكفل الأخ الحجازي وبعض رفاقه بتوفيرها بما يتناسب مع الحجم البشري الذي سيتواجد في هيرات، وكذلك بما يتناسب مع مقتضيات العمل.
7

 

الزرقاوي وضع خطة مفصلة لمواجهة الاحتلال الامريكي.. و القاعدة لا تسعي لخروج امريكي سريع من العراق
اعتمد المتشدد الاردني منذ البداية علي العنصر العربي السني.. وانتقل من كردستان الي بغداد للمواجهة الحتمية
فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشـــــنطن التي تطلق علي حــربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صـــنع استراتيجــــياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.

في كردستان

وصل أبو مصعب إلي العراق أوائل عام 2002، إلي مناطق الأكراد الشمالية، حيث استضافه هناك تنظيم أنصار الإسلام، وهو تنظيم إسلامي جهادي الفكر والتوجه، كان يخوض حرباً ضد التنظيمات الكردية العلمانية واليسارية المرتبطة بالغرب والشرق، له قواعد منتشرة في جبال كردستان العراقية، التقي هناك أبو مصعب ببعض الشباب الأردنيين الذين كانوا يقاتلون مع أنصار الإسلام، من مثل رائد خريسات ونضال عربيات، طلب هؤلاء من أبو مصعب البقاء معهم، إلا أنه كان يجيبهم: الأمريكان قادمون ولا بد من الاستعداد لمواجهتهم، ولا بد أن تعتمد المواجهة علي العنصر العربي السني الذي يمتلك الإمكانات والقدرات الأوسع والأفضل فكان اختيار أبو مصعب هو الانتقال إلي بغداد، والي وسط العراق، من اجل القيام بمهمة الإعداد للمواجهة الحتمية القادمة.
كان أبو مصعب متيقنا أن الهجوم الأمريكي البريطاني القادم يستهدف اسقاط النظام، وان الخطة التي
سوف تتبع في هذا الهجوم قد تكون شبيهة بخطة مهاجمة أفغانستان، فبدأ أبو مصعب بوضع خطته الخاصة بالتعاون مع اخوته الذين بقوا معه. وكانت خطته ترتكز علي النقاط التالية:
1 ـ جمع المعلومات السريعة عن كل العراقيين الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني في الداخل والخارج العراقي من مثل عمر حديد الذي قتل في معارك الفلوجة الأخيرة، وتقييم أوضاعهم والاتصال بهم وبذل الجهد لاقناعهم بالتصورات المتعلقة بالمرحلة والتعامل معها بوعي.
2 ـ اتخاذ منطقة الجزيرة الفراتية قاعدة لقيادة المجموعة، ويرجع سبب هذا الاختيار إلي أن الجزيرة الفراتية مثلث جغرافي متجانس سكانياً، فمعظم سكانه من السنة العرب، وهم من أبناء القبائل العربية المعروفة ويوجد بها أيضا بعض التركمان السنة. لهجة أبو مصعب الأصلية بدوية، قريبة من لهجة سكان هذه المنطقة، وهي تشكل معبراً سهلاً للتنقل ما بين العراق وسورية، وكان لدي أبو مصعب مجموعة جيدة من السوريين يقف علي رأسهم رفيقه أبو الغادية (سليمان خالد درويش)، كانت وظيفة أبو الغادية ومهماته متعددة الجوانب، منها الدخول إلي سورية لينشط في منطقته الأصلية حلب وحمص وحماه باتجاه تجنيد الشباب وتنظيمهم، وكذلك لإعادة الاتصال مع إخوانه السوريين المنتشرين في أوروبا بهدف الحصول علي أموال من اجل تمويل عمل التنظيم.
3 ـ إعادة الاتصال مع بعض الخليجيين من سعوديين وكويتيين من اجل ضمان استمرار الإمداد بالمال والرجال، وفتح قنوات اتصال مع قيادة القاعدة في مناطق أخري.
4 ـ إعادة العلاقات مع عدد من رفاقه في الأردن.
5 ـ البدء بجمع السلاح وتخزينه.
نجح أبو مصعب ورفاقه نجاحا جيدا في النقاط الخمس سالفة الذكر. وكان هذا الجهد الذي بذل قبل الهجوم الأمريكي هو الذي مكن أبو مصعب ومجموعته من البدء السريع بالمقاومة، فالعراقيون الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني اقتنعوا بفكرة أبو مصعب. وأبو الغادية نجح أيضا في إعداد حوالي 400 شاب سوري، شكلوا جيشاً من الاستشهاديين فيما بعد، وكذلك نجح في الاتصال بمن هم في أوروبا وبدأوا يمدوه بالمال والرجال. كما اقتنع الخليجيون بالفكرة، وأخذ خالد الدوسري الكويتي الجنسية بلعب دور محوري في إمداد أبو مصعب بالمال والرجال والمعلومات، وبفتح خطوات اتصال مع مجموعات القاعدة المنتشرة في العالم، للمشاركة في مشروع أبو مصعب، كما نجح أبو مصعب في إعادة الاتصال باخوته ورفاقه في الأردن، حتي انه غامر بالدخول إلي الأردن سراً، والتقي مع العديد من رفاقه وأطلعهم علي ملامح المرحلة القادمة.


اهداف الغزو الامريكي

إذا كان أبو مصعب يمتلك خطة نجح في تنفيذ معظم بنودها قبل بداية الحرب، وهذا مكنه من البدء بخوض المعركة مبكراً، مما دفع آخرين للانخراط السريع فيها بعدما نجح نموذج أبو مصعب، وهذا الأمر أربك الأمريكيين وحلفاءهم العراقيين لأن الأمريكيين لم يكونوا يتوقعون هذه المقاومة، ولم تكن مدرجة في حساباتهم، كانت هذه هي البداية التي كان لأبو مصعب سبق التهيئة لها وقيادة انطلاقتها. فقد ذكر في خطابه الذي وجهه إلي الأمة الإسلامية في شهر نيسان (ابريل) 2004 أن الغزو الأمريكي يهدف إلي تحقيق ثلاث نقاط: ـ
1 ـ إبقاء الأمة الإسلامية في حالة ضعف دائم وحرمانها من أي محاولة ناجحة تسعي لامتلاك القوة المادية التي قد تساعدها علي الخروج من دائرة الهيمنة والتبعية التي يترتب عليها الاستمرار بواقع التجزئة ونهب الثروات واستلاب الأوطان، حتي أن القوي الغربية لم تعد راضية عن النتائج التي آلت إليها نتائج التجزئة والتقسيم التي ترتبت علي اتفاقية سايكس بيكو قبل حوالي 90 عاماً من الآن. ولنأخذ مثالاً وشرحاً لهذه النظرية وليكن العراق المثال.
كانت أهداف التقسيم الذي سعي له الغرب بعد الحرب العالمية الأولي وبعد اسقاط دولة الخلافة الإسلامية تتمحور في تجزئة العالم العربي والإسلامي جغرافياً مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والديمغرافية من خلال إنشاء كيانات سياسية تدور في فلكه بما يخدم مصالحه، فالعراق مثلاً مساحته حوالي 280 ألف كيلو متر مربع وكان عدد سكانه في مطلع الأربعينات عندما استقل ذاك الاستقلال
الشكلي لا يزيد عن أربعة ملايين نسمة وكان دخله القومي في حدود 35 مليون جنيه إسترليني. والعراق اليوم يبلغ عدد سكانه نحو 26 مليون نسمة. لو عادت أموره إلي حالتها الطبيعية كما كانت عليه قبيل حرب الخليج الأولي لبلغ دخله القومي في حدود 40 مليار دولار أمريكي. لم يكن في العراق إلا عدة مئات ممن يحملون الشهادة الجامعية الأولي، واليوم يوجد في العراق حوالي خمسة ملايين يحملون الشهادة الجامعية الأولي، ومئات الألوف ممن يحملون شهادات الدراسة العليا (الماجستير والدكتوراه)، والخلاصة من هذا المثال تقول أن العراق الذي أريد له أن يكون ويبقي ضعيفاً حسب تقسيم سايكس بيكو لم يعد ضعيفاً لا من الناحية الاقتصادية ولا من الناحية البشرية ونوعيتها. وحاولت القيادة السياسية في العراق الخروج من دائرة الهيمنة عندما أعلنت أن بترول العرب للعرب، إذا اصبحت في العراق قوة اقتصادية مع توفر طاقة بشرية مؤهلة والقيادة السياسية في العراق طرأ عليها بعض التغير في نظرتها للأمور السياسية التي تحكم العالم. اجتماع هذه البنود الثلاثة يؤهل العراق في حال ما ترك له الحبل علي غاربه من قبل القوي العالمية لأن يصبح قوة عظمي قادرة علي التأثير علي مجريات الأمور في الإقليم وفي العالم. وهذا يتناقض مع المعادلة التي تحكم الأمور الحالية في هذا العالم، فكان لا بد من التدخل لقطع الطريق علي كل من يحاول الخروج من الدائرة.
2 ـ الهدف الثاني لغزو العراق ـ وفق قناعة أبو مصعب ـ كان الاستمرار في الحفاظ علي أمن اسرائيل، فالعراق القوي الذي تسعي قيادته للخروج من دائرة الهيمنة سوف يشكل خطراً حقيقياً علي أمن إسرائيل طال الزمن أو قصر، وأمن اسرائيل لا ينبغي التهاون في التعامل معه بالتأجيل أو عدم الحسم السريع.
3 ـ الهدف الثالث: نهب البترول العربي، فالقوة الاقتصادية للأمريكان والتي تدعم الدولار نابعة من عائدات حوالي 25 مليون برميل نفط عربي تصب 75 % من عائداتها في محصلة الاقتصاد الأمريكي يومياً، فإذا ما فقد الاقتصاد الأمريكي هذه العائدات فماذا ستكون النتيجة؟ الخبراء الأمريكان يدركون هذه النتائج والإدارة الأمريكية لا يمكن لها أن تتواني من اتخاذ خطوات عملية سريعة لمواجهة أي تحد بهذا الاتجاه. إذا كان نفط العراق والسيطرة عليه ونهبه من أهم الأهداف التي دفعت الإدارة الأمريكية لمهاجمة العراق واحتلاله.
هذه هي النقاط الثلاث التي تمحورت حولها الدوافع الأمريكية لغزو العراق حسب رأي أبو مصعب ورأي الإسلاميين الجهاديين في العالم.

أما عن رد أبو مصعب والتيار الجهادي العالمي لإفشال الاعتداء الأمريكي ومنعه من تحقيق أهدافه فيتمحور في النقاط التالية: ـ1 ـ جاء الأمريكان وحلفاؤهم لكي يفشلوا مشروع صدام في محاولة امتلاك قوة تمكنه من الخروج من دائرة الهيمنة والتبعية. رد أبو مصعب والتيار الجهادي كان بقرارهما اتخاذ العراق مركزا محوريا للعمل الإسلامي الجهادي، فحالة الخلخلة الأمنية التي نتجت عن انهيار نظام صدام حسين وعدم قدرة الأمريكان علي الضبط والربط المطلوب والناتج عن عدم وجود خطة مسبقة كاملة متكاملة لما بعد سقوط النظام العراقي. أوجدت بيئة خصبة ومواتية للتيار الإسلامي الجهادي للعمل علي تنفيذ برنامج متكامل يسعي لإعداد وامتلاك امكانيات بشرية ومادية يعتمدون عليها في بناء جيش إسلامي يطمحون من خلاله إنجاز عملية التغيير والتحرير بالمنطقة، علي طريق تهيئة الظروف المناسبة لاعلان دولة الإسلام دولة الخلافة الراشدة، التي بشر بها الرسول محمد صلي الله عليه وسلم. والمراقب والمتابع لما يجري في العراق يري أن الإسلاميين يتقدمون شيئاً فشيئاً باتجاه هذا الجيش وامتلاك القوة القادرة علي التحرير والتغير في واقع العرب والمسلمين.
2 ـ الهدف الثاني الذي سعي له الأمريكان من وراء اسقاط نظام صدام هو المحافظة علي أمن إسرائيل، وعدم السماح بوجود احتمال ضعيف لتهديد أمنها. وادعوا أن النظام السابق كان يشكل تهديداً لأمن إسرائيل، لكن البديل كان رجالا يضعون نصب أعينهم دوماً ضرورة إزالة إسرائيل من الوجود، تنفيذا للأمر الرباني. ويعتقدون أن إسرائيل تشكل عقبة رئيسة تحول ما بينهم وبين الوصول إلي هدفهم الرئيس وهو إقامة دولة الإسلام. ولذلك يواصل العمل ليل نهار لإزالة هذه العقبة، لذلك قررت القاعدة أن تضع علي رأس أولوياتها السعي الحثيث للاشتباك المباشر مع اليهود في فلسطين في القريب
العاجل. وهم يتصورون أنهم عندما ينجحون فسوف يستميلون جميع أفئدة العرب والمسلمين وقلوبهم، فلا أحد من العرب والمسلمين يختلف علي من يناجز إسرائيل ويحاربها. فالذي يقوم بهذا العمل هو الذي يمتلك الأولوية في قيادة الأمة، وهذا الأمر ـ في حال تحققه ـ سيوفر لهذا التيار مزيداً من الدعم والمادي والمعنوي، مما سيقود إلي افشال الهدف الثاني من أهداف غزو العراق. البشري
3 ـ جاء الأمريكيون ليحافظوا علي وضعهم الاقتصادي المتغلغل ومنعه من الانهيار عبر السيطرة علي نفط العراق، فكانت الاستجابة لهذا الأمر من قبل التيار الجهادي هو قرارهم بحرق النفط العربي كله إضافة إلي نفط نيجيريا، وبات هذا التيار مقتنعاً أن إضعاف أمريكا اقتصادياً وبالتالي عسكرياً لن يتم إلا بحرمان الأمريكان من عائدات النفط العربي كله، وتقوم خطتهم المستقبلية للثلاث سنوات القادمة علي حرق النفط لإضعاف الأمريكان مما يسهم في تقويض الأنظمة العربية التابعة لها في المنطقة، ويجعلها غير قادرة علي مواجهة أي تحد حقيقي قد يواجهها. إذا ما تحقق لابو مصعب وللقاعدة الوصول إلي هذه الأهداف، فان مشروعهم الكبير الذي يسعون لتحقيقه، سيصبح قاب قوسين أو أدني من التحقيق إذا ما نجحوا في تنفيذ استراتيجيتهم التي تقوم علي اخراج القوات الأمريكية من العراق علي المدي الطويل، فهم لا يحبذون الانسحاب الأمريكي السريع من العراق، لأن هذا الانسحاب قد يحرمهم من البيئة الجيدة التي يحسنون استغلالها في تحريض الأمة واستفزازها واستنهاض هممها وبعث طاقاتها الكامنة وتفعيلها باتجاه تحقيق أهدافها في الخلاص والانعتاق تحت قيادة اسلامية.

استراتيجية القاعدة

تقوم استراتيجية القاعدة علي اقناع الشعوب العربية والإسلامية أن ثمة قيادة إسلامية حقيقية قد خرجت إلي الواقع، وأن هذه القيادة استطاعت برؤيتها الاستراتيجية وبخطواتها التكتيكية تحقيق انتصارات قتالية في ساحات الصراع الدائرة، ولديمومة هذه الانتصارات تخطط القاعدة إلي جر الامريكيين لفتح جبهات جديدة تهدف الي خروج (الأفعي من جحرها) وبذلك يسهل توجيه الضربات من أجل استنزاف القوة الأمريكية، مما يزيد من تخبطها بأعمال تفضح بشكل جلي أهدافها بالسيطرة علي الثروات العربية والنفط منه خاصة، وعلاقتها العضوية بإسرائيل. مما يتيح لقيادة القاعدة اقناع المسلمين باستراتيجيتها التي تقوم علي توجيه الضربات المتلاحقة للإنكليز والأمريكان في كل مكان، لإجبارهم علي رفع أيديهم عن دولة إسرائيل، لتبقي وحدها في الساحة في مواجهة الأمة التي تتوق شوقاً للانتقام والثأر منها علي ما اقترفته أيديهم بحق المستضعفين من الفلسطينيين واللبنانيين والعرب أجمعين. تنفيذا للرؤية الشمولية لأبو مصعب والتيار الجهادي العالمي تجاه دولة إسرائيل في فلسطين وهي تقوم علي المرتكزات التالية:
1 ـ لقد تواكب قيام دولة إسرائيل مع المؤامرة الأوروبية اليهودية التي هدفت إلي إسقاط دولة الخلافة الإسلامية التي كانت تتمثل بالإمبراطورية العثمانية، ففلسطين كانت جزءا مهماً من هذه الدولة، ولم يكن لليهود أو الأوروبيين أن ينجحوا في إقامة دولة إسرائيل لا من جهة القانون الدولي ولا من جبهة المنطق، لو بقيت الدولة العثمانية قائمة. فقد تحالف الغرب مع اليهود، ووضعوا خطة محكمة تولي اليهود تنفيذ بنودها المتعلقة بهدم الدولة العثمانية من الداخل من خلال الاختراق والتآمر، وتولي الغرب عملية الهدم والتقويض الخارجي، وبناءً عليه فان النتيجة تقول أنه كان يتعذر علي الغرب وكل اليهود أن يقيموا دولتهم ابتداء، وكان يتعذر عليهم الاستمرار كذلك لو بقيت دولة الإسلام. إذا القوي العالمية بالتحالف مع اليهود هي التي نجحت في إقامة دولة إسرائيل. ولا يمكن للعرب والمسلمين أن يهزموا دولة إسرائيل، إلا إذ أقاموا دولتهم، وكذلك فان التيار الإسلامي الجهادي يسعي جاداً لإقامة دولة الإسلام التي ستكون قادرة علي بناء قوة متكاملة مكافئة لقوة الغرب الداعم لإسرائيل، أو قوة قادرة علي ردع الغرب واجباره علي العدول عن سياسة الاستمرار في دعم إسرائيل وإمدادها بكل ما يلزم، وهذا الأمر كان واضحاً وجلياً في معظم الرسائل التي وجهها أسامة بن لادن وكذلك ايمن الظواهري.
2 ـ تواكب قيام دولة إسرائيل مع قيام واقع التجزئة العربية والإسلامية، فما كان لإسرائيل أن تقوم وتستمر حسب رأي هذا التيار لولا وجود هذه الدول العربية المتعددة التي تحيط بها، وكذلك دول الإقليم جميعها، فكان من أهم الوظائف التي أنيطت بهذه الدول هو التهيئة لقيام دولة إسرائيل والحفاظ علي أمنها الخارجي بعد قيامها، وهذا ما حصل؛ ففور الإعلان عن نية الانتداب البريطاني بالانسحاب من فلسطين، دخلت جيوش عربية إلي فلسطين، كان الهدف المعلن لدخولها هو تحرير فلسطين، لكن الهدف الحقيقي كان حفظ أمن محيط إسرائيل الخارجي، فاليهود في تلك الفترة لم يكونوا قادرين علي السيطرة علي كل فلسطين. فلا إمكانياتهم البشرية ولا المادية المتوفرة كانت تؤهلهم لذلك، فكان لا بد من دخول هذه الجيوش حتي يوفروا لإسرائيل الأمن الخارجي ويمنعوا عرب فلسطين وشعوب المنطقة من الاستمرار في المقاومة التي كانت كفيلة بتقويض هذه الدولة الوليدة في تلك الآونة، وكذلك كان من أهداف هذه الجــــيوش إبقــــاء الفلسطينيين في حالة ضعف لا تمكنهم من التحضير لاسترداد ما اغتصب من أرضهم، بل وحتي عدم تمكينهم من الاستعداد الكافي للدفاع عن ما تبقي من أرضهم، وهذا ما حصل في حرب حزيران (يونيو) عام 1967 حيث سقط ما تبقي من أرض فلسطين بأيدي القوات الإسرائيلية خلال ساعات معدودة، ودون أدني مقاومة تذكر من الجيوش التي بقيت، لأن الأوامر كانت تنص علي الانسحاب، والشعب الفلسطيني لم يستطع المقاومة لأنه لم يكن يسمح له بامتلاك أي نوع من السلاح يمكنه من الدفاع عن أرضه.
أبو مصعب وتيار القاعدة والجهاد الإسلامي في العالم يربط قوة إسرائيل بقوة الدعم الغربي الممدود لليهود، استنادا إلي قول الله سبحانه وتعالي في القرآن الكريم واصفا حالة اليهود ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس (آل عمران 111)، والناس هم القوي الغربية ودول التجزئة العربية. ولا يمكن لهذه الدولة أن تزول إلا إذا قطعت عنها حبال الغــــرب، ولا يمكن لحبال الغرب أن تنقطع إلا بقيام دولة الإسلام، ولقــــيام دولة الإسلام لا بد من ضرب الغرب الداعم للأنظمة ولإسرائيل حتي يقطــــع دعمه هذا، أو يجبر علي التخفيف منه، وعند ذلك يســـهل الانفراد بهذه الأنظمة ويسهل كذلك تقــــويض دعائم دولة إسرائيل. وتري القاعدة أن هنــــاك ارتباطا جدليا بين هذه الأنظمة وبين دولة إسرائيل. إذا ما ضربوا دولة إسرائيل وأضعفوها فان هذا سوف يضعف الأنظمة وإذا ما قضوا علي الأنظمة فان أمر القضاء علي دولة إسرائيل في فلسطين سوف يصبح أمراً سهلاً.
مقاومة إسرائيل سوف تكسب تيار القاعدة مصداقية لدي جماهير الأمة، ويثبت أحقيتها بالقيادة. وهذا سوف يهيئ لها مداً بشرياً ودعماً مادياً ومعنوياً يساعدها في الوصول إلي الأهداف التي تسعي لتحقيقها.
3 ـ يعتقد هذا التيار أن دولة إسرائيل ما هي إلا عبارة عن رأس حربة وجهها وزرعها الغرب في قلب العالم الإسلامي، وأن واقع المسلمين سيبقي نازفاً طالما بقيت هذه الحربة في القلب، ويقولون إن القضية الفلسطينية من أهم القضايا المركزية للامة والتي يجب بذل أقصي الجهود، وقد سموا الجبهة التي تم الاتفاق علي تشكيلها في سنة 1998 بـ الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والأمريكان هذه التسمية لها دلالاتها المهمة والتي تربط ما بين اليهود والأمريكان وهذا الربط يعتبر من وجهة نظرهم ربطاً سليماً من الناحية الاستراتيجية والتكتيكية لادارة الحرب والصراع الدائر حالياً في العالم.

بيعة أبو مصعب للقاعدة وأهميتها

أدرك أبو مصعب منذ البداية أن المخاطر التي تحيط بالأمة ليست بالقليلة ولا بالسهلة، ولا يمكن لفرد أو جماعة أو حزب مهما بلغ من التنظيم والإعداد أن يبلغ القوة القادرة علي إحداث التغير المنشود منفرداً، و إنما يمكن للتنظيم إذا ما امتلك رؤية صحيحة أن يسعي لاستغلال جميع طاقات الأمة من اجل الوصول إلي هذا الهدف، فالتحدي ليس سهلاً ولا بسيطاً، والاستجابة لهذا التحدي يجب أن تكون بمستواه، فمعسكر أعداء وخصوم الأمة الإسلامية يمتلك من الإمكانيات البشرية والمادية والمعرفية والخبرة العملية ما لم يتوفر لأي حلف أو معسكر علي مدار تاريخ البشرية. وانطلاقاً من هذا الفهم فان الخطوة التي اقدم عليها ابو مصعب ابتداءً بفتح قنوات اتصال وحوار مع القاعدة بعد وصوله إلي العراق، أوصل الزرقاوي إلي وضع البيعة التامة لقيادة القاعدة، هذه البيعة أعطت القاعدة نوعاً جديداً من المصداقية، وأضاف إليها أبعادا جديدة من الناحية النظرية والعملية. فأبو مصعب اصبح الآن يمتلك جيشاً لا يقل تعداده عن خمسة آلاف مقاتل متفرغ، يحيط بهم أنصار فاعلون لا يقلون عن عشرين ألف رجل، فهذا الكم من الرجال أضيف إلي تيار القاعدة فمنحها قوة جديدة، أصبحت معه عصية علي الكسر أو التصفية والإنهاء، وأضافت إليها مصداقية عالية لدي أبناء الأمة الإسلامية، فهذا الفعل الجهادي الذي يقوم به أبو مصعب وجماعته في العراق، وهذه الإنجازات التي يحققها، تصب في رصيد القاعدة وانجازاتها، ويكرسها قيادة حقيقية للامة، تقول ما تعتقد وتفعل ما تقول.
إن توحد أبو مصعب وجماعته مع القاعدة أعطتهم مصداقية عالية، وأضافت للطرفين عناصر قوة جديدة؛ فالقاعدة وبعد سقوط الإمارة الإسلامية في أفغانستان أصبحت بحاجة إلي مواقع مركزية جديدة، وبيعة أبو مصعب لها أعطتها مركزاً إقليمياً وعالمياً جديداً، وهذا الأمر له من الأهمية الشيء الكثير، منها:
كانت أعمال القاعدة ونشاطاتها العسكرية متباعدة زمنياً، أما الآن وبعد مبايعة أبو مصعب وجماعته لها بات فعلها يومياً وحاضراً في كل ساعة، والأمة وجماهيرها تتابعه بشغف واعجاب شديد، يزيد شيئاً فشيئاً من رصيدها الذي يلزمها لانتزاع الشرعية من أيدي الأنظمة، وباتت الانتصارات التي يحققها أبومصعب في العراق ضد الأمريكان من أهم الأوراق الرابحة في أيدي القاعدة.
للقاعدة تيار واسع في الجزيرة العربية، وهذه المنطقة محاذية وقريبة للعراق. لذلك وفرت مبايعة أبو مصعب للقاعدة، إمكانيات بشرية ومادية لا حدود لها، تمكن الزرقاوي من الاستمرار في مواجهة الأمريكيين، وتعطيه فرصة التصعيد الدائم والمستمر والمرتبط بالاحتمالية الدائمة لزيادة الإمكانيات المادية والبشرية المتوفرة، وإضافة إلي الخبرات الجديدة المكتسبة تباعاً كلما طالت المواجهة وتصاعدت زادت إمكانيات المجاهدين وتعاظمت قدراتهم، وكل هذا يتطابق مع الخطة الاستراتيجية التي وضعتها القاعدة.
إذاً كانت مكاسب أبو مصعب التي ترتبت علي مبايعته للقاعدة عديدة، وعلي كل المستويات المادية والبشرية والمعنوية، وسيكون لها الدور الأكبر في نتيجة المعركة الدائرة ضد الأمريكان وحلفائهم في العراق والمنطقة. فالعراق ليس دولة هامشية في المنطقة وعبر التاريخ، فقد كان مهداً لحضارات الإنسان عبر التاريخ، قامت دولة الإسلام الأولي في المدينة المنورة من أرض الجزيرة العربية، وكانت الشام هي المحطة الثانية لهذه الدولة وانتقل مقر هذه الدولة إلي العراق في زمن العباسيين، وهناك بدأت معالم الحضارة الإسلامية بالبروز والظهور والتشكل، والسبب يعود علي ما يمتلكه العراق من إمكانيات، فإذا ما تمكن أبو مصعب من هزيمة الأمريكان ونجح في اخراجهم من العراق، فان ذلك سيكون بداية لقيام دولة اسلامية قادرة علي القيام بكل التبعات التي ستلقي علي عاتقها.

استراتيجية القاعدة في مرحلة ما بعد افغانستان تقوم علي توسيع مساحة المواجهة الجغرافية مع العدو
الترابي وجماعته لم يكونا مستعدين لتحمل أعباء وجود بن لادن وتنظيمه في السودان


فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشـــــنطن التي تطلق علي حــربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صـــنع استراتيجــــياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.

استراتيجية المستقبل

تقوم استراتيجية أبو مصعب الزرقاوي المستقبلية علي توسيع قاعدة الصراع مع أمريكا وإسرائيل، وادخال أطراف جديدة في هذا الصراع، مع العمل بالتزامن علي خلق التيار الإسلامي الجهادي العريض الذي سيأخذ علي عاتقه تغيير القواعد السائدة والثابتة في المنطقة منذ أمد بعيد، وصولا إلي إقامة دولة الخلافة الإسلامية التي سيكون مركزها العراق وفق الرؤية التالية:
تركيا التي تقع إلي الشمال من العراق، تعتبر حاليا من أهم الدول الإسلامية، أهمية تركيا الآن تنبع من الإمكانيات المادية الجيدة المتوفرة لها، فقد استطاعت تحقيق إنجازات كبيرة علي جميع المستويات المادية. فقطاع الصناعة حقق قفزات كبيرة، والقطاع الزراعي اصبح متقدماً، وقطاع التعليم شهد تطوراً ملحوظاً، والدخل القومي التركي يتقدم بخطي متسارعة. تركيا إذاً تمتلك إضافة إلي إمكانياتها المادية والبشرية المتنامية موقعاً استراتيجياً مهماً، أبو مصعب الآن في العراق يدرك هذا الأمر ويتعاطي مع حيثياته بحكمة. في البداية كانت الخطة ارتجالية وكانت تعطي الأولوية للضربات السريعة ذات الأهداف التكتيكية، أما الآن فان أبو مصعب والقاعدة قد ادخلا تركيا ضمن الخطة الاستراتيجية، إذ ينظرون إليها علي أنها مسلوبة الإرادة والحرية، وأن يهود الدونما هم الذين ما زالوا يسيطرون علي القرارات والقضايا المهمة في تركيا ـ قيادة الجيش ما زالت في أيديهم، والمفاصل الأساسية في الاقتصاد التركي ما زال تحت سيطرتهم، لذلك فان خلاص تركيا وعودتها إلي صف الأمة بإمكانياتها الهائلة لن يتم إلا بتوجيه ضربة قوية واسعة إلي التواجد اليهودي في تركيا، وتقوم خطتهم علي إبقاء الوضع الآن فيها هادئاً، لأن الضربات الصغيرة تفتح أعين الأجهزة الأمنية وتجعلها متيقظة، فالتغلغل البطيء المدروس هو نهج القاعدة المتبع حالياً في تركيا، بانتظار تحقيق نصر ملموس في العراق، يتم حينها تنفيذ ضربة قاسمة للنفوذ الصهيوني في تركيا، تأمل القاعدة معها أن تفقدهم السيطرة علي الجيش وعلي مفاصل الاقتصاد الحيوية.
إيران ستكون الهدف الثاني للقاعدة لإدخالها في الصراع، هذه الخطة دخلت حيز التنفيذ لدي أبو مصعب والقاعدة وفق المعلومات المتوفرة لدينا، بل أن هذه الخطة قطعت شوطاً مهماً يقوم علي استخدام إيران في تنفيذ هذه المهمة،كرد فعل علي أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي عليها، فإيران تمتلك معلومات جيدة عن النفوذ الصهيوني في تركيا، وأذرعها السرية الضاربة قادرة علي تحقيق إنجازات عالية في هذا المجال، إذا مفتاح التغيير في تركيا اصبح في متناول يدي ابو مصعب والقاعدة، الإيرانيون قد يشكلون أدوات مساعدة في هذا الاتجاه.
استراتيجية أبو مصعب والقاعدة في الاعتماد علي إيران لتحقيق التغيير المستقبلي في تركيا، تستند علي المعلومات التي توصلت إليها أجهزتهم الاستخبارية التي تؤكد أن الإيرانيين نجحوا في امتلاك مكونات القنبلة الذرية، وهم الآن يتوقعون أن تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية قوية ومفاجئة لكثير من المنشآت النووية الصناعية والاستراتيجية الإيرانية، وبناءً علي ذلك فالإيرانيون يعدون العدة جادين للرد علي هذه الضربة أو محاولة إجهاضها بإبراز عناصر القوة والأوراق التي يمتلكونها، والتي قد تشكل رادعاً للأمريكان والإسرائيليين قد يثنيهم عن توجيه ضربتهم، أو التفكير ملياً قبل توجيهها، أو العمل علي الخلاص منها قبل تمكن طهران من استخدامها، وقد بدأ الأميركيون العمل علي سحب هذه الأوراق من يد الإيرانيين، وهذه الأوراق هي:
1 ـ الإيرانيون أعدو العدد لضرب نفط الخليج كاملا، وكذلك اغلاق مضائق هرمز، باب المندب، والبسفور. بهدف قطع 60 % من امدادات النفط العالمية من أجل حرمان الأمريكيين من استغلال عائداتها، وكذلك من أجل ايقاع الضرر بمعظم الدول العالمة لدفعها إلي تحميل الأمريكيين والإسرائيليين المسؤولية عن هذا الوضع الشائك.
لم تبادر واشنطن حتي الآن إلي أي مبادرة علنية لضمان عدم استخدام هذه الورقة.
2 ـ الإيرانيون ومنذ حوالي خمس عشرة سنة أي بعيد حرب الخليج الأولي، وهم منهمكون في بناء جيش سري عالمي يمتلك إمكانيات بشرية مدربة تدريباً عالياً، ويتوفر لها ما يلزم من الإمكانيات المادية والتقنية التي تمكنهم من النجاح في تنفيذ أي مهمة قد تطلب منهم، وتم رصد أهداف مدروسة للأمريكان واليهود عبر العالم، يقود هذا الجيش السري اثنان من اللبنانيين المحترفين في هذه الأعمال، يدينان بالولاء التام لإيران ويمتلكون قدراً كافياً من الحقد والكراهية للأمريكان، ما يؤهلهم لإحداث دماراً يلحق بمصالح اليهود والأمريكان عبر العالم.
4 ـ المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة: نجح الإيرانيون في بناء علاقات واسعة وجيدة مع أذرع المقاومة الفلسطينية، منها حركة الجهاد الإسلامي، بعض مجموعات كتائب شهداء الأقصي التابعة لفتح، لجان المقاومة الشعبية وذراعها العسكري، ألوية الناصر صلاح الدين في غزة، وبعض أطراف حركة حماس. إيران تعتبر هذه المجموعات اذرعا ضاربة لها في فلسطين المحتلة، والخطة الأمريكية الإسرائيلية كانت واضحة بهذا الاتجاه، فمؤتمر شرم الشيخ الذي عقد في نهاية شهر كانون الثاني (يناير) 2005 شكل بداية هذه الخطة التي تقضي بإعلان الهدنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين والالتفاف علي الفلسطينيين بإعطائهم الكثير من الوعود. والهدف تبريد هذه الساحة، لسحب الورقة الإيرانية. وكانت هذه الخطوة الأولي ـ وفق تحليلات القاعدة ـ نحو توجيه ضربة لإيران.
3 ـ حزب الله اللبناني هو أحدي الأذرع التنفيذية الرادعة للإيرانيين، وهو يربض علي الحدود الشمالية لدولة إسرائيل ويمتلك من الطاقات البشرية المدربة، والأجهزة والمعدات العسكرية ما يمكنه من إلحاق ضرر بالغ بدولة إسرائيل، إذا ما تلقي الأوامر بهذا الاتجاه، وثأره مع إسرائيل وحقده عليها له جذور ضاربة. يدرك الأميركيون والإسرائيليون أهمية هذه الذراع في لبنان، وهم مصممون علي إنهائها قبل بداية المعركة مع الإيرانيين، وما الخطة التي اتفق عليها الأمريكيون والإسرائيليون والفرنسيون وبعض الأطراف اللبنانية، والتي نتج عنها قرار مجلس الأمن رقم 1559 وما تلاه من خطوات عملية تنفيذية، ابتدأت باغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق لتكون أول خطوة عملية تساعد في تنفذ بنود القرار الذي ينص علي خروج القوات السورية من لبنان وتجريد المقاومة المتمثلة في حزب الله من سلاحها، بهدف اضعاف سورية حليفة إيران، والقضاء علي حزب الله ذراع إيران العسكرية في لبنان، الذي يقف علي خطوط المواجهة المباشرة مع إسرائيل.وكانت هذه الخطوة الثانية.
بعد أن ينجح الأمريكيون والإسرائيليون في عملية إنهاء المظاهر العسكرية لحزب الله ستبدأ الحملة العسكرية علي إيران.
5 ـ الوضع العراقي والمقاومة. يعتقد الإيرانيون انهم الرابح الأكبر من حملة الأمريكان وحلفائهم علي العراق، فقد زال عدوهم اللدود صدام حسين ونظامه، و حصل الشيعة الموالون لهم علي نصيب الأسد في الانتخابات، والمخابرات الإيرانية تمتلك حوالي 30 ألف عنصر في العراق. والأمريكان لم ينجحوا في القضاء علي مقاومة أهل السنة منفردين، فكيف سيكون الحال إذا ما انضم الشيعة لهذه المقاومة.
الإيرانيون يخططون لدفع اتباعهم في العراق باتجاه الانخراط في مقاومة الأمريكان في حال ما اقدم الأمريكيون أو الإسرائيليون علي توجيه ضربة لإيران مهما كان نوعها. وكذلك يخططون لفتح حدودهم للمقاومة ودعمها بما يلزمها لتحقيق نصر سريع وكبير علي الأمريكان.
هذه بعض الأوراق الرادعة التي يمتلكها الإيرانيون والتي لم تعد سراً لدي أجهزة القاعدة في العراق. وأبو مصعب بصدد وضع الخطة المناسبة التي سوف تؤدي إلي استغلال الظروف علي أحسن وجه في حال ما أقدم الأمريكان واليهود علي توجيه ضربة إلي ايران.


إذن نحن الآن علي أبواب مرحلة دقيقة، نتائجها تبدو واضحة المعالم في ظل معرفتنا بأساليب التفكير الأمريكي الإسرائيلي ومنطلقاته التي تقول أن المواجهة مع إيران حتمية. نريد هنا كذلك ومن خلال معرفتنا بأساليب تفكير أبو مصعب والقاعدة أن نتوقع خطتهما المفترضة لمواجهة هذه المرحلة المقبلة:1 ـ أحد نظريات القاعدة في التفكير تقوم علي توسيع مساحة المواجهة الجغرافية مع العدو حتي تتم عملية تشتيت قواه، وبذلك تزداد الفرص المتاحة لضربه وايقاع خسائر به لتستمر عملية استنزافه.
إذا ما اقدم الأمريكيون والإسرائيليون علي ضرب إيران، فان مساحة المعركة سوف تتسع، وأفقها سوف ينفتح، وحلفاء الأمريكان من الشيعة في العراق وأفغانستان سيحرجون حرجاً شديداً قد يدفعهم لاعادة النظر بهذه التحالفات، وقد يستطيع الأمريكان والإسرائيليون تحقيق إنجازات عالية علي مستوي تدمير البنية التحتية الإيرانية، مما سيربك النظام ويفقده القدرة علي السيطرة، وفقدان السيطرة سيتيح للقاعدة إمكانيات افضل وأوسع للحركة في منطقة حيوية جداً لنشاطها. حيث ستقوم القاعدة بنقل آلاف من اتباعها واتباع طالبان إلي العراق ليسارعوا في حسم المعركة مع الأمريكان، عبور هؤلاء لا يمكن أن يتم من إيران في ظل الظروف الحالية، لكن إذا ما ضعفت السيطرة الحكومية الإيرانية فان عبور هؤلاء سوف يصبح سهلاً. إن لم يكن محميا ومسكوتا عليه إيرانيا. ويستند تنظيم القاعدة في هذا التوقع علي حديث الرسول صلي الله عليه وسلم عن الرايات السود التي تنطلق من أفغانستان وتستقر في بيت المقدس.
2 ـ سورية أحدي حلفاء إيران الرئيسيين في المنطقة، هذا التحالف والتنسيق الإيراني السوري نشأ منذ بداية نجاح ثورة الخميني الإسلامية، وما زالت عراه وثيقة ومتينة، إضعاف سورية ومحاصرتها سيتواكب، وقد يسبق توجيه الضربة لإيران. إضعاف النظام السوري سوف يصب في مصلحة القاعدة وأبو مصعب في العراق، فالحدود السورية العراقية تمتد علي طول 800 كيلو متر تقريباً، ولأبو مصعب بضعة آلاف من الاتباع في سورية، الضعف الذي سيلحق بالنظام السوري سيتيح للقاعدة حرية ومساحة أكبر للتحرك عبر الحدود، وسوف يتيح لهم فرصة افضل للتغلغل في لبنان. وإذا ما حصل ذلك فان دولة إسرائيل ستصبح مرمي الحصي لرجال القاعدة، والقاعدة ستغتنم هذا الأمر الذي سيعطيها مصداقية عند الأمة لم تعط لأي تنظيم أو حزب ثوري قبلها، عند ذلك سوف تتوج القاعدة قيادة شرعية حقيقية للامة الإسلامية.
إذا القاعدة تمتلك من الرؤية والإمكانيات ما سيمكنها من التغلغل في سورية ولبنان في حال ما ضُربت إيران، لأن أوضاع لبنان لن تبقي مستقرة ولن تبقي علي ما هي عليه الآن، وشباب أهل السنة في لبنان وسورية باتوا أقرب إلي فكر تيار القاعدة منها إلي أي فكر آخر.
3 ـ عندما يبدأ الإيرانيون بالرد علي الضربة سيكون الدونما في تركيا ونفوذهم أحد أهداف الإيرانيين، هذا الأمر يصب في مصلحة تيار القاعدة وقد يخلط الأوراق في تركيا ويخلصها من سيطرتهم التي قاربت علي المئة عام. هذا الأمر وفق منظور القاعدة، قد يخلص الأمة من شر خطير قد ابتليت به وهو الاختراق الداخلي الذي أحدثه يهود الدونما في جسدها، والخلاص منه سوف يعيد تركيا والأتراك إلي حظيرة الأمة المتحفزة للانعتاق والتحرر من جديد، والقاعدة لن تكون بعيدة عن هذه التطورات وهذه الفرص المتاحة.
4 ـ الإيرانيون يخططون لضرب نفط الخليج، والقاعدة سبقتهم بالتصريح بذلك والتخطيط له. وإمكانيات الإيرانيين في تحقيق ذلك وفرصهم عالية جداً إذا ما قورنت بإمكانيات القاعدة المتاحة، إذاً هذا الأمر إذا ما تحقق سوف يدخل في صلب خطة القاعدة لإضعاف الأمريكان وإحراجهم في العالم أجمع.
5 ـ القاعدة تنتظر بشغف حدوث المواجهة الإيرانية مع الأمريكان واليهود لأن العمل السري الإيراني العالمي ضد الأمريكان واليهود سوف يخلط الأوراق ويخلق ظروف عمل أسهل للقاعدة ويوسع دائرة التركيز بحيث يضعفها ويتيح لها مجال عمل أسهل والقاعدة بالضرورة تخطط لهذه المرحلة القادمة وتتشوق لحدوثها.
القاعدة من أين إلي أين

يطلق العرب تسمية القاعدة، علي المكان الذي يتم فيه إعداد المقاتلين وتدريبهم، وعلي المكان الذي ينطلقون منه بإتجاه أهدافهم.
شاءت الأقدار أن ينجح الشيوعيون في أفغانستان، بقلب نظام الحكم من خلال حركة عسكرية، في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، إلا أنهم لم ينجحوا في تثبيت أقدامهم في حكم البلاد، نتيجة المعارضة التي واجهوها من حركات وتنظيمات اسلامية أفغانية، والتي سرعان ما تحولت إلي مقاومة مسلحة، مما دفع أسيادهم في موسكو إلي التدخل المباشر، الذي وجدوا فيه فرصة للتوسع بإتجاه الجنوب، نحو المياه الدافئة، حيث منابع النفط في منطقة الخليج العربي.
دخول السوفييت إلي أفغانستان، زاد من حجم المقاومة الإسلامية هناك، وأخذ يثير ويؤجج المشاعر الإسلامية علي امتداد العالم. بدأ الإسلاميون بالتعبير عن مشاعرهم المثارة بخطوات عملية، تركزت في ثلاثة محاور لدعم الحركات الجهادية الأفغانية:
المحور الأول كان الدعم المعنوي، وتمثل بالخطب النارية والضخ الاعلامي الذي وجه الكثير من المسلمين وخصوصاً في دول الخليج العربي الغنية.
المحور الثاني كان البدء بارسال الأموال والمساعدات المادية لدعم إخوانهم المجاهدين في أفغانستان، بعض هؤلاء الخليجيين الأغنياء قصد الباكستان راغباً في التأكد والحرص علي ايصال أموالهم بأنفسهم، وكان من هؤلاء الأغنياء الشاب أسامة بن لادن السعودي الجنسية. عندما وصل أسامة بن لادن إلي هناك، والتقي قادة المجاهدين المتواجدين في بيشاور، علي الحدود الباكستانية الأفغانية، وعايش جزءاً من معاناة المهجرين الأفغان. وصل إلي قناعة إلي أن المساعدة المالية وحدها غير كافية، لتأدية الغرض المطلوب من المسلمين وفق قناعاته الدينية، فالقاعدة الشرعية عنده ما أجمع عليها علماء المسلمين العاملين عبر التاريخ الإسلامي القائلة : إذا ما أُغتصب شبر من أرض المسلمين، فالجهاد فرض عين علي كل مسلم ومسلمة، تخرج المرأة دون إذن زوجها والصبي دون إذن أبيه والعبد دون إذن سيده وبناءً علي ذلك عاد بن لادن إلي السعودية، وبدأ بالدعوة إلي ضرورة مشاركة الشباب المسلم إخوانهم الأفغان المسلمين في عملية الجهاد ضد السوفييت المعتدين، وبذلك بدأ المحور الثالث وأخذ الشباب بالتدفق علي الباكستان فرادي وجماعات، وكان هدفهم دعم إخوانهم المسلمين، ورد العدوان والدفاع عن الدين والأوطان.


الافغان العرب عددهم ومصيرهم

تجمع المصادر الغربية علي أن عدد المشاركين في الجهاد الأفغاني ممن وصلوا إلي الباكستان بلغ حوالي 80 ألف رجل، جاءوا من كل أنحاء العالم.
في حين أن أبو مصعب السوري (مصطفي بن عبد القادر نصار) المعروف باسم (عمر عبد الحكيم) يقول في كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) أما الأشد أسفا من ذلك فهو أن تقوم دار الإسلام في أفغانستان أيام طالبان، وتفتح علي مصراعيها لمدة ست سنوات، وتـنشأ فيها المعسكرات وخطوط القتال، وتفتح فرصة الجهاد تحت رايات الشريعة، ولم يزيد عدد من دخلها للهجرة والجهاد علي 1500 مجاهد، منهم نحو 300 مجاهد بأسرهم.. أي نسبة واحد في المليون من الأمة!! ولم تستفيد من فرصة الإعداد والتدريب وحضور ميدان الجهاد إلا أعداد محدودة منهم ممن أنعم الله عليهم! بل الأنكي من ذلك، أنه لم يهاجر إليها عالم واحد من علماء المسلمين ولاسيما مشاهيرهم، ولا من ورموز الدعوة الذين ملأوا الدنيا زعيقا فارغا عن الهجرة والجهاد.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد الذين نفروا للجهاد لغوث إخوانهم الذين وقعوا تحت بطش الاحتلال الصارخ في أفغانستان سابقا أيام الروس، أوفي البوسنة أو الشيشان أو فلسطين أو غيرها من بلاد المسلمين التي تعرضت للاحتلال المعاصر.. نجد أن النسبة تبقي في خانة الآحاد للمليون، رغم ما طبل الاعلام وزمر من أجل تضخيم ظاهرة الجهاد المسلح أو ما يسمونه بـ(الإرهاب) من أجل تبرير أهدافهم العدوانية.. ودع عنك الأرقام الخيالية التي نشرتها استخبارات أمريكا عبر وسائل اعلامها من أرقام ادخلتها تحت مسمي القاعدة من أجل تحقيق أهدافها. وأنا أؤكد ما ذكرته من أرقام وبصفتي أحد الذين خبروا هذه المرحلة ميدانيا والحمد لله .
كان من بين ممن وصلوا للمشاركين في الجهاد الأفغاني، الطيب والمهندس والعسكري والإعلامي، أعمار مختلفة وثقافات متعددة وخبرات واسعة في كل مناحي الحياة ومجالاتها، توفر لهؤلاء المجاهدين الوقت الكافي لتعلم العلوم الشرعية علي أيدي علماء عاملين مخلصين، وخاضوا حرباً أدركوا من خلالها أن الأمة في حال ما رجعت إلي الإسلام ووقفت علي أرضيته في مواجهة التحديات المفروضة عليها، فإنها ستكون قادرة علي رد كل معتد.
استطاع هؤلاء الشباب أن يكتسبوا خبرات قتالية وفنية عملية اكسبتهم ثقة عالية بأنفسهم. وجاء الإنتصار الكبير الذي استطاعوا أن يحققوه علي السوفييت، ليرفع من معنوياتهم ويعطيهم الأمل بأن كل الأماني والطموحات المرجوة يمكن أن تتحقق، فليس من السهل أن تستطيع هزيمة دولة مثل الاتحاد السوفييتي السابق، ولا تكتسب ثقة عالية بالنفس.
لكن شاءت الأقدار أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فدب الخلاف والاختلاف بين فصائل المجاهدين الأفغان، مما أدي إلي تنافرهم ووقوع الفتنة فيما بينهم. المجاهدون العرب آثروا أن لا ينخرطوا في هذه الفتنة، الكثير منهم عاد إلي بلده الأصلي، واختار البعض منهم الذهاب إلي ساحات جهاد ساخنة، والبعض الآخر اختار الذهاب إلي دول لم تكن فيها سيطرة حكومية عالية، فرأينا اليمنيين والأردنيين ممن لم تكن لهم مشاكل مع حكومات بلادهم قد عادوا إلي أوطانهم، أما المصريون والسعوديون والليبيون فقد انتشروا وساحوا في كل بلاد الدنيا.
ساحات الجهاد صنعت من هؤلاء رجالاً واعين مدركين أصحاب طموح وهمم عالية.
الرجال الذين التحقوا بساحات الجهاد الجديدة حققوا نجاحاتٍ وانتصاراتٍ باهرة، فرأيناهم يحققون انتصارات في البوسنة والهرسك، وكان الانتصار الأكبر بهزيمة الأمريكان في الصومال، كذلك حاول هؤلاء الرجال دعم حكومة الترابي في السودان، بيد أن الترابي وجماعته لم يكونوا مستعدين لتحمل أعباء وجود هؤلاء الرجال بين ظهرانيهم، فبدأ الأمريكيون وبعض الحكومات الإقليمية يمارسون ضغوطاً علي الحكومة السودانية لدفعها إلي اخراج هؤلاء من السودان، حتي أن الأمريكيين قاموا بضرب مصنع الشفاء للأدوية بدعوي أنه مصنع يعد لتحضير أسلحة كيماوية، رؤية منظري القاعدة كانت تتجه إلي دعم السودان الذي يمتلك مقومات إقتصادية وبشرية مهمة، ليصبح قاعدة نهوض وتقدم عربي واسلامي في المنطقة. استجابة الحكومة السودانية لم تكن بمستوي طموح القاعدة، فلم تستطع مقاومة الضغوط، فطلبت من هؤلاء الرجال مغادرة أراضيها. وفي المقدمة منهم أسامة بن لادن والحلقة الضيقة المحيطة به. البحث عن منطقة آمنة جديدة لم يطل، فقد كانت حركة طالبان قد بدأت بالتقدم شيئاً فشيئاً في أفغانستان، وكانت هذه الحركة تتألف من طلبة العلوم الشرعية الذين كانوا يدرسون في المدارس الدينية التي كانت منتشرة علي الحدود الباكستانية في مناطق تواجد اللاجئين والأفغان، حركة طالبان كانت واضحة منذ البداية، عقيدتها، تصوراتها، وكان لديها مشروع مستقبلي لبناء دولة إسلامية. هذه الأمور شجعت الشباب العرب الذين كانوا قد تركوا أفغانستان بالبدء بالتفكير في العودة إليها.
عودة هؤلاء الشباب أعطي حركة طالبان زخماً جديدا، ومصداقية أكبر علي الأرض، وساعدها في تحقيق انتصارات كبيرة فيما بعد، مكنها من إقامة إمارة إسلامية علي معظم أراضي أفغانستان.

 

الزرقاوي.. الجيل الثاني للقاعدة (14):
2005/05/27

فكر القاعدة جاء نتاجاً لتطور الفكر الجهادي الذي فرض نفسه في منتصف القرن العشرين
تنظيم بن لادن وضع خطة عملية مقسمة إلي سبع مراحل.. مدتها عشرون عاما بدأت عام 2000
فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشـــــنطن التي تطلق علي حــربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صـــنع استراتيجــــياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.



الافغان العرب عددهم ومصيرهم


تجمع المصادر الغربية علي أن عدد المشاركين في الجهاد الأفغاني ممن وصلوا إلي الباكستان بلغ حوالي 80 ألف رجل، جاءوا من كل أنحاء العالم.
في حين أن أبو مصعب السوري (مصطفي بن عبد القادر نصار) المعروف باسم (عمر عبد الحكيم) يقول في كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) أما الأشد أسفا من ذلك فهو أن تقوم دار الإسلام في أفغانستان أيام طالبان، وتفتح علي مصراعيها لمدة ست سنوات، وتـنشأ فيها المعسكرات وخطوط القتال، وتفتح فرصة الجهاد تحت رايات الشريعة، ولم يزيد عدد من دخلها للهجرة والجهاد علي 1500 مجاهد، منهم نحو 300 مجاهد بأسرهم.. أي نسبة واحد في المليون من الأمة!! ولم تستفيد من فرصة الإعداد والتدريب وحضور ميدان الجهاد إلا أعداد محدودة منهم ممن أنعم الله عليهم! بل الأنكي من ذلك، أنه لم يهاجر إليها عالم واحد من علماء المسلمين ولاسيما مشاهيرهم، ولا من ورموز الدعوة الذين ملأوا الدنيا زعيقا فارغا عن الهجرة والجهاد.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد الذين نفروا للجهاد لغوث إخوانهم الذين وقعوا تحت بطش الاحتلال الصارخ في أفغانستان سابقا أيام الروس، أوفي البوسنة أو الشيشان أو فلسطين أو غيرها من بلاد المسلمين التي تعرضت للاحتلال المعاصر.. نجد أن النسبة تبقي في خانة الآحاد للمليون، رغم ما طبل الاعلام وزمر من أجل تضخيم ظاهرة الجهاد المسلح أو ما يسمونه بـ(الإرهاب) من أجل تبرير أهدافهم العدوانية.. ودع عنك الأرقام الخيالية التي نشرتها استخبارات أمريكا عبر وسائل اعلامها من أرقام ادخلتها تحت مسمي القاعدة من أجل تحقيق أهدافها. وأنا أؤكد ما ذكرته من أرقام وبصفتي أحد الذين خبروا هذه المرحلة ميدانيا والحمد لله .
كان من بين ممن وصلوا للمشاركين في الجهاد الأفغاني، الطيب والمهندس والعسكري والإعلامي، أعمار مختلفة وثقافات متعددة وخبرات واسعة في كل مناحي الحياة ومجالاتها، توفر لهؤلاء المجاهدين الوقت الكافي لتعلم العلوم الشرعية علي أيدي علماء عاملين مخلصين، وخاضوا حرباً أدركوا من خلالها أن الأمة في حال ما رجعت إلي الإسلام ووقفت علي أرضيته في مواجهة التحديات المفروضة عليها، فإنها ستكون قادرة علي رد كل معتد.
استطاع هؤلاء الشباب أن يكتسبوا خبرات قتالية وفنية عملية اكسبتهم ثقة عالية بأنفسهم. وجاء الإنتصار الكبير الذي استطاعوا أن يحققوه علي السوفييت، ليرفع من معنوياتهم ويعطيهم الأمل بأن كل الأماني والطموحات المرجوة يمكن أن تتحقق، فليس من السهل أن تستطيع هزيمة دولة مثل الاتحاد السوفييتي السابق، ولا تكتسب ثقة عالية بالنفس.
لكن شاءت الأقدار أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فدب الخلاف والاختلاف بين فصائل المجاهدين الأفغان، مما أدي إلي تنافرهم ووقوع الفتنة فيما بينهم. المجاهدون العرب آثروا أن لا ينخرطوا في هذه الفتنة، الكثير منهم عاد إلي بلده الأصلي، واختار البعض منهم الذهاب إلي ساحات جهاد ساخنة، والبعض الآخر اختار الذهاب إلي دول لم تكن فيها سيطرة حكومية عالية، فرأينا اليمنيين والأردنيين ممن لم تكن لهم مشاكل مع حكومات بلادهم قد عادوا إلي أوطانهم، أما المصريون والسعوديون والليبيون فقد انتشروا وساحوا في كل بلاد الدنيا.
ساحات الجهاد صنعت من هؤلاء رجالاً واعين مدركين أصحاب طموح وهمم عالية.
الرجال الذين التحقوا بساحات الجهاد الجديدة حققوا نجاحاتٍ وانتصاراتٍ باهرة، فرأيناهم يحققون انتصارات في البوسنة والهرسك، وكان الانتصار الأكبر بهزيمة الأمريكان في الصومال، كذلك حاول هؤلاء الرجال دعم حكومة الترابي في السودان، بيد أن الترابي وجماعته لم يكونوا مستعدين لتحمل أعباء وجود هؤلاء الرجال بين ظهرانيهم، فبدأ الأمريكيون وبعض الحكومات الإقليمية يمارسون ضغوطاً علي الحكومة السودانية لدفعها إلي اخراج هؤلاء من السودان، حتي أن الأمريكيين قاموا بضرب مصنع الشفاء للأدوية بدعوي أنه مصنع يعد لتحضير أسلحة كيماوية، رؤية منظري القاعدة كانت تتجه إلي دعم السودان الذي يمتلك مقومات إقتصادية وبشرية مهمة، ليصبح قاعدة نهوض وتقدم عربي واسلامي في المنطقة. استجابة الحكومة السودانية لم تكن بمستوي طموح القاعدة، فلم تستطع مقاومة الضغوط، فطلبت من هؤلاء الرجال مغادرة أراضيها. وفي المقدمة منهم أسامة بن لادن والحلقة الضيقة المحيطة به. البحث عن منطقة آمنة جديدة لم يطل، فقد كانت حركة طالبان قد بدأت بالتقدم شيئاً فشيئاً في أفغانستان، وكانت هذه الحركة تتألف من طلبة العلوم الشرعية الذين كانوا يدرسون في المدارس الدينية التي كانت منتشرة علي الحدود الباكستانية في مناطق تواجد اللاجئين والأفغان، حركة طالبان كانت واضحة منذ البداية، عقيدتها، تصوراتها، وكان لديها مشروع مستقبلي لبناء دولة إسلامية. هذه الأمور شجعت الشباب العرب الذين كانوا قد تركوا أفغانستان بالبدء بالتفكير في العودة إليها.
عودة هؤلاء الشباب أعطي حركة طالبان زخماً جديدا، ومصداقية أكبر علي الأرض، وساعدها في تحقيق انتصارات كبيرة فيما بعد، مكنها من إقامة إمارة إسلامية علي معظم أراضي أفغانستان.


الافغان العرب وطالبان

تحالف المجاهدين العرب مع طالبان، واسهامهم في الانتصارات الكبيرة التي حققتها طالبان، أعطي المجاهدين العرب فرصة التواجد علي أرض وساحة آمنة، مكنتهم من إعادة تجميع صفوفهم وإمكانياتهم وقواهم البشرية من جديد. عاد الآلاف منهم، ووضعوا نصب أعينهم السؤال الكبير: ما العمل لإخراج الأمة من الحال التي وصلت إليها؟
كانوا مدركين أن بداية أي مشروع للعلاج يجب أن تبدأ بالتشخيص السريع، تشخيصهم الأولي أوصلهم إلي أن التدخل الغربي في شؤون العرب والمسلمين، أدي إلي هذه السيطرة علي الأمة ومقدراتها، وهذه السيطرة ـ وفق قناعاتهم ـ هي سبب البلاء الرئيس، فهي التي أدت إلي اغتصاب سلطة الأمة ونهب ثرواتها وحجب الحقيقة عن شعوبها؛ جاء الإستعمار الغربي واحتل البلاد وأذل العباد، وهيأ الأمور ورتبها لاتباع اصطنعهم، فقلدهم حكم البلاد ضمن خطط رسمها وأحكم تفاصيلها، فخرجت هذه الأنظمة إلي الواقع المعاش، أنظمة ليست لها علاقة بالأمة الإسلامية، لا من قريب ولا من بعيد، أنظمة لا تطبق الإسلام ولا تعمل به، أنظمة تعادي الإسلام والمسلمين، وتقف علي صف أعدائهم ضد قضاياهم، وتساعد أعداء الأمة علي نهب ثرواتها وإهدار كرامتها، أنظمة تمارس الظلم الصارخ علي أبناء شعوبها، ولا تتيح لهم مجالاً أو سبيلاً إلي التقدم والإزدهار.


إذا كان تشخيص هؤلاء الشباب يوضح ما يلي :

واقع الأمة الإسلامية واقع غير سليم يتعارض مع الشرع ويتعارض مع مبادئ الإنسانية.
قيادة الأمة الإسلامية قيادة غير شرعية، اغتصبت السلطة بالتآمر مع العدو الأجنبي.
ثروات الأمة منهوبة لصالح أعدائها ولصالح المتنفذين من الحكام الفاسقين والفاسدين.
قضايا الأمة النازفة لا تجد من يسعي لحلها وتضميد جراحاتها.
ثمة مؤامرة تسعي لإبقاء الأمة في جو من التخلف العلمي والتقني والإقتصادي، لإبقائها ضعيفة غير قادرة علي المواجهة والاستجابة للتحدي المفروض عليها.
الأحزاب والتنظيمات والجماعات المتواجدة علي الساحة، والتي طرحت نفسها كأطر للتغيير والتحرير، فشلت في كل شيء ولم تحقق أي تقدم ملموس.
الأعداء زاد تكالبهم وازدادت اطماعهم.
كان هذا هو التشخيص الذي وصل إليه مؤسسو القاعدة.


بعد هذا التشخيص بدأوا بالبحث عن العلاج ...؟

السؤال المنطقي الذي طرحوه، من الذي تسبب بكل هذا للأمة ومن الذي يقف خلف هذه المآسي والمظالم والأحزان؟

الجواب كان عندهم سهلاً: إنه التحالف الصهيوني البروتستانتي الإنكلوسكسوني الذي بدأت ملامحه تلوح في الأفق، مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والذي أصبح جلياً واضحاً للعيان عملياً مع إعلان وزير خارجية بريطانيا الشهير عام 1917، والذي سمي بوعد بلفور، ذلك الوعد الذي نص في حينه علي تعاطف الحكومة البريطانية مع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وما تلا الوعد من اسقاط للخلافة الإسلامية التي كانت متمثلة في الدولة العثمانية عام 1922، واحتلال لأراضيها التي كانت منها فلسطين، واستصدار قرار الانتداب من عصبة الأمم عام 1920، بهدف تهيئة الأمور في فلسطين لإقامة دولة يهودية علي أراضيها، وما رافق ذلك زمنياً من قرارات مؤتمر الصلح عام 1919، وقرارات سايكس بيكو التي نصت علي تقسيم أملاك دولة الخلافة وتوزيعها علي الحلفاء المنتصرين.
كان واضحا لدي مؤسسي القاعدة أن الدعم الأمريكي لليهود، والذي أصبح واضحاً بعد مؤتمر بالتيمور عام 1942، لا يخرج عن إطار التحالف الصهيوني البروتستانتي الإنجلوسكسوني، ذلك أن الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية هي من البروتستانت الأنكلوسكسون، وأن التحالف الصهيوني البروتستانتي يقوم علي مفاهيم اعتقادية مشتركة نابعة من فهم محرف للعهد القديم التوراة ، يتناسب مع مقتضيات الأمور التي تخدم الصهاينة ومصالحهم .

إذا العدو المسبب لمآسي الأمة الإسلامية أصبح واضحاً لدي مؤسسي القاعدة، وتم تحديده بدقة
هذا العدو لا يمكن استمالته فكرياً، وفق قناعاتهم الدينية المستندة إلي القرآن الكريم الذي قال سبحانه وتعالي فيه ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، هذا العدو ــ وفق قناعاتهم أيضا ـ لا يمكن دفعه لتغيير مواقفه نتيجة الضغط عليه في حرمانه من امتيازاته ونفوذه في بلاد المسلمين، لان مقدرات الأمور ليست بيد أبناء الأمة وإنما في أيدي أناس من جلدتنا، لكنهم عبارة عن أدوات طيعة في أيدي أعدائنا
إذاً لا بد من امتلاك القوة واعلان الحرب علي هذا العدو، والبدء بتوجيه ضــــــربات متوالية له لإجباره علي تغيير مواقفه والتراجع عنها. القوة لا بد لها من إطار، فكان الاعلان عن ولادة تنظيم جديد أطلق عليه الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والأمريكان .

هذه التسمية جاءت نتيجة منطقية للتشخيص سالف الذكـــر للواقع، ومعرفة المتسبب بفساده وخرابه
الخطوات الأولي لهذا التنظيم كانت جمع المعلومات والبيانات عن الأفراد والجماعات الذين يحملون أفكاراً تتطابق أو تتشابه معهم، وبدأ رجوع الشباب المجاهد من جديد إلي أفغانستان، وأعيد افتتاح معسكرات العرب من جديد. لكن أولئك الشباب لم يأتوا هذه المرة ليقيموا إقامة دائمة، وإنما جاءوا ليتم إعدادهم وتجهيزهم بكل ما يلزم، وإعادة نشرهم من جديد في كل أنحاء العالم، فأمريكا واليهود لم يكونوا موجودين بوضوح في أفغانستان، ومن هنا جاءت تسمية القاعدة قاعدة الجهاد المبارك ، وكنا قد أشرنا إلي أن العرب يطلقون علي المكان الذي يتم فيه تدريب المقاتلين والمجاهدين وإعدادهم بما يلزم إسم القاعدة، وكذلك علي المكان الذي ينطلقون منه بإتجاه أهدافهم. إذا مرحلة الجهاد الأولي في أفغانستان والتي استمرت من مطلع الثمانينيات وحتي بداية التسعينيات، كانت الحاضنة الأولي التي انتجت فكر القاعدة ورجالاتها.


تطور الفكر الجهادي
فكر القاعدة جاء نتاجاً طبيعياً لتطور الفكر الإسلامي الجهادي الذي بدأ يطرح نفسه في منتصف القرن العشرين تقريباً، والذي استند أساساً علي فهم محدد للعقيدة الإسلامية، هذا الفهم يستند أساساً علي مفهوم لا إله إلا الله؛ أي أن لا معبود بحق في هذا الكون إلا الله، الله الخالق، الله البارئ، الله الرازق، الله المحيي، الله المميت، الله المعيد، الله مقدر وميسر كل الأمور الذي بيده الخير وهو علي كل شيء قدير. لا إله إلا الله منهاج حياة يطرح تصوراً شاملاً لحياة الإنسان علي هذه البسيطة.
لا إله إلا الله التي تنفي الألوهية عن البشر، وثبتها لله وحده، الألوهية التي من أهم خصائصها الربوبية والحاكمية.
حاكمية الله التي لا تظلم ولا تغفل ولا تماري ولا تحابي أحداً علي حساب أحد، الحاكمية التي تنتظم حياة البشرية إلا في ظلها. الحاكمية الآلهية التي تنتج المساواة والعدل والحرية الحقيقية.
العقيدة بهذا الفهم، تعني إذا ترجمناها إلي لغة سياسية، أن هذه الأنظمة والحكومات التي تحكم البشرية الآن، قد اغتصبت أهم خصائص الألوهية، وهي الحاكمية، وأسندتها للبشر. حاكمية البشر ـ وفق فكر القاعدة ـ انتجت كل هذا الظلم الذي يسود عالم البشرية كله، منذ أن انقطع الحكم الإسلامي الذي يسند الحاكمية لله سبحانه وتعالي.
إذاً رجال القاعدة اختاروا مهمة صعبة وهدفاً أصعب ...
هدفهم إعادة البشرية إلي جادة الصواب ـ وفق رؤياهم ـ والذي لن يتم إلا بتحكيم شرع الله، وشرع الله لا يمكن أن يسود ويطبـــق إلا في ظل دولة إسلامية.
إذا هدف القاعدة الإستراتيجي هو استئناف الحياة الإسلامية من خلال إعادة دولة الإسلام إلي الوجود. وهذا الأمر يوصلنا إلي السؤال الكبير عن استراتيجية القاعدة وخطتها المرسومة للوصول إلي هذا الهدف الرئيسي.


القاعدة والحركات الاسلامية الاخري

منظرو القاعدة الكبار، أتيحت لهم فرصة الإطلاع علي تجربة الحركة الإسلامية الواسعة والممتدة عبر قرنين من الزمن، التي ابتدأت بحركات التصحيح الكبري التي تمثلت بالحركة الوهابية في نجد والحجاز، الحركة السنوسية في ليبيا، الحركة المهدية في السودان، حركات تجارب الجهاد الإسلامي الحديث التي تصدت لقوي الإستعمار في المغرب العربي وكذلك في مشرقه، وصولاً إلي الحركات الإسلامية المعاصـــــرة، كحركة الأخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، وتجـــــربة الجماعة الإسلامية في الهند والباكستان، علاوة علي إطلاعهم علي تجربة جمال الدين الأفـــــغاني وتلميذه محمد عبده التي تمثلت بفكرة الجماعة الإســــــلامية، وصولاً إلي تجارب الجهاد الإسلامي وحركات التغيير المنبثقة عنها في مصر وفلسطين وأفغانستان ومناطق أخري.
هذا الإطلاع لم يكن إطلاعاً أكاديمياً مجرداً، وإنما إطلاع حي ومباشر، فرجالات القاعدة وقادتها ومفكروها ينتمون إلي العديد من الجنسيات والأعراق المختلفة والمتنوعة، فمنهم العربي ومنهم التركي، الأفغاني، الباكستاني، الهندي، والقوقازي. وقد جاءوا من حواضن ومشارب فكرية وحركية متعددة ومتنوعة، فمنهم السلفي، ومنهم من كان ينتمي إلي جماعة الأخوان المسلمين، ومنهم من كان قريباً من فكر حزب التحرير، والبعض منهم كان قد خرج مع جماعة الدعوة والتبليغ. ومن هؤلاء من عاش في الشرق ومنهم من ولد وأقام في الغرب، وهذا التنوع في الجنسيات والمشارب والتجارب أعطي القاعدة، وسيعطيها في المستقبل القريب، قوة متجددة منتجة قادرة علي التعايش مع كل الظروف والأحوال.
منظرو القاعدة وصلوا إلي نتيجة مفادها أن الفشل الذي لحق بالحركات الإسلامية المتعددة يعود إلي الأسباب التالية:
اختلاف الحركات الإسلامية في عملية التشخيص السليم لواقع الأمة المعاش، أنتج أخطاء في الحكم عليه، أدت إلي بذل جهود كبيرة لم تؤد إلي نتائج حاسمة.
عدم وجود خطط لدي تلك الحركات، تتحدد في ظلها الأهداف والأدوات والوسائل.
لم تتجرأ الحركات الإسلامية علي طرح نفسها كقيادة أصلية للأمة، وبديلة عن تلك القيادات الضعيفة المصطنعة، التي تعمل لغير صالح الأمة.
عدم قدرة الحركات الإسلامية علي استغلال طاقات الأمة البشرية والمادية، وانطلاقاً من هذا الفهم فقد طرحت القاعدة تصورا محددا يحدد معالم مسيرتها المستقبلية:
ـ مجاهدو الأمة الذين يدافعون عن أرضها ومقدساتها وحرياتها، هم القادة الشرعيون للأمة الإسلامية، وما دونهم من حكام هذه الدول والأنظمة، ما هم إلا مغتصبون للسلطة، متآمرون مع العدو الأجنبي.
ـ واقع العالم، لا يختلف عن واقع العالم الإسلامي في تعارضه مع الشرع والدين، ولذلك فهو واقع جاهلي، جاهليته نابعة من إسناد البشر للبشر حق التشريع ووضع القوانين وتطبيقها، وهذا ما يتعارض مع توجيهات رب العالمين. إذا هذا الواقع الجاهلي قد أنتج ظلما واعتداء فاضحا، وفسقاً وفساداً طال كل مناحي الحياة الإنسانية، وأنتاج كل هذه المآسي التي أصبحت حياة البشرية معها حياة منحرفة عن الجادة والفطرة السليمة.
ـ لا بد من وجود خطة مرسومة واضحة المعالم والأهداف والمقاصد، محددة الوسائل والأدوات، في إطار مراحل زمنية مدروسة بعناية ودقة، يراعي في ظلها التنظيم، وظروف الأمة الذاتية والموضوعية.
ـ الأصل في التغيير المنشود في واقع البشرية، يجب أن ينطلق من تغيير واقع الإنسان الفكري والنظري والإعتقادي، لكن الأنظمة والقوي الجاهلية المسيطرة علي العالم لا تسمح ولن تسمح ـ وفق رؤية القاعدة ـ بأي نشاط فكري هادف، وأنها تقف عقبة كأداء حيال ذلك، ولا بد من إزالتها. وإزالتها لن تتم إلا بالجهاد ـ الذي يفسرونه علي أنه بذل النفس والجهد والمال ـ لإزالة كل العقبات والحواجز المادية والطواغيت الأرضية. والجهاد عندهم كفيل بإزالة هذه العقبات، والقوة التي يحتاجها هذا المشروع الجهادي تنمو وتكبر وتتعاظم مع الحركة والعمل المدروس المنظم.


خطة القاعدة

[size=3]وضعت القاعدة خطة نظرية واقعية قابلة للتطبيق ضمن جدول وبرنامج زمني مدروس ومحكم. هذه الخطة تقوم علي تطوير العمل الجهادي الإسلامي كماً ونوعاً، وتوسيع رقعته ليشمل العالم كله. ويرون أن الجهاد سيساهم في تعاظم قوة الأمة التي سترهب بها أعداءها، وتجبرهم في النهاية علي رفع اليد عن مقدراتها وثرواتها، لتتراجع في النهاية، مخلية ما بين الأمة وبين سلطتها وسيادتها، وعندما تعود السلطة للأمة، وتصبح السيادة لشرع الله، فإن كل المشاكل الداخلية والخارجية ستحل وتنتهي سريعاً وبشكل طبيعي.
خطة القاعدة العملية مقسمة إلي مراحل مرتبطة بجدول زمني، وهي مقسمة إلي سبع مراحل، مدتها عشرون عاما. بدأت عام 2000 بضربات نيويورك وستنتهي مع عام 2020
. [color=#FF0000]وفق التتابع التالي:[/[/

size]color]1 ـ مرحلة الإفاقة: يري منظرو القاعدة، أن الأمة الإسلامية مرت بمرحلة سبات عميق لم يحدث مثله عبر تاريخها الطويل، هذا السبات بدأ مع بداية القرن التاسع عشر، وامتد عبر القرن العشرين. ومن مظاهر هذا السبات ما حل في الأمة من مصائب ونكبات، نتيجة التحدي الذي فرضه أعداؤها عليها دون أن تستجيب الأمة الإستجابة المطلوبة لهذا التحدي، هذا السبات لم تنجح معه وصفات وخطط البعث التي وضعت له سابقا. مما حدا بقادة القاعدة وضع وصفة تقوم علي فكرة تسديد ضربة قوية إلي رأس الأفعي الملتوية ليفقدها رشدها، ويدفعها بإتجاه ردود أفعال ارتجالية سريعة غير مدروسة بحق من ضربها، وهذا يتوج من قام بضرب الأفعي لقيادة الأمة الإسلامية. إذا ما وجهت الولايات المتحدة الضربات القوية للأمة الإسلامية، وأعلنت الحرب الصريحة عليها، بدل محاربتها بشكل خفي، فكانت هجمات القاعدة في 11 أيلول/سبتمبر، لإجبار الأميركيين علي كشف حقيقة أفعالهم ونواياهم، فكان إعلان بوش الإبن أن حربه صليبية، ودعوته لقيام تحالف دولي لمكافحة الإرهاب والقضاء عليه. فبدأ بغزو أفغانستان ومن ثم العراق. وهذا من وجهة نظر قادة القاعدة نجاح للمرحلة الأولي في خطتهم الهادفة إلي استدراج واشنطن لضرب الأمة الإسلامية لتفيق من نومها وسباتها، ويري قادة القاعدة أن استجابة الولايات المتحدة لاستفزازها، كان خطأ استراتيجياً ارتكبه التحالف الصهيوني الإنكلوسكسوني بقيادة الأمريكان.
إذاً تحقق هدف القاعدة الأساسي من ضربه 11 أيلول (سبتمبر)، ونجحت الوصفة، وبلع الأمريكيون الطعم.
بدأت هـــذه المرحلة ـ مرحلة الإفاقة ـ مع بداية الإعداد والتحضير لضربة 11 أيلول (سبتمبر) في بداية سنة 2000 م وانتهت بدخول الأمريكان بغداد 9/4/2003 .
نتيجة المرحلة الأولي ـ وفق تقديرات مفكري القاعدة الاستراتيجيين ـ كانت جيدة جداً، فقد أجبرت الأمريكان علي الخروج من قواعدهم التقليدية، مما أدي إلي توسيع ساحة المعركة، وبذلك أصبح الأمريكيون وحلفاؤهم أهدافا قريبة وسهلة، وهذا فتح باب معركة تتواصل فصولها علي مدار الساعة. وبدأت مرحلة استنزاف متنامية ومتزايدة لهذه القوة الكبري.
وتعتقد القاعدة أن النقطة الثانية والمهمة التي حققتها في هذه المرحلة، أن خطابها أصبح مسموعاً ومنتشراً في كل مكان، هذا الأمر حول القاعدة من إطار تنظيمي محدود الإمكانيات والقدرات، إلي تيار واسع الإنتشار متنامي الإمكانيات، تتعاظم قدراته البشرية والمادية يوماً بعد يوم، وكانت كلمة أيمن الظواهري، قبل شهر من هجوم طابا، التي طالب فيها أنصاره ومؤيديه بالبدء بتشكيل أطر قيادية ومراكز سيطرة في كل مكان يتواجدون فيه وكل حسب ظروفه وقدراته، دليلا واضحا علي ذلك ـ وفق قناعات قادة القاعدة ـ ويعتقدون أن الأمة الإسلامية وشعوبها بدأت تستيقظ وتفيق من سباتها شيئاً فشيئاً، وبدأ تقف علي الحقيقة المرة التي تعيشها.

القاعدة وضعت جدولا زمنيا مدروسا لتنفيذ استراتيجيتها واجتياح أفغانستان حولها من تنظيم إلي تيار
جند الشام فكرة طُرحت منذ أمد بعيد في أفغانستان.. والقائمون عليها عادوا إلي لبنان وسورية والعراق
فؤاد حسين
الشخصية التي يتناولها هذا الكتاب فرضت أنماطا مختلفة من صنوف التصنيف، تارة أسلوب البحث العلمي المعتمد علي القراءة والبحث والتمحيص والتلخيص، وقد أخذ هذا الأسلوب نصيبه في فصول هذا الكتاب، وتارة أخري الاستماع إلي شهادات العشرات ممن عرفوا الزرقاوي أو رافقوه في مختلف محطات حياته، وهذا أخذ وقتا طويلا بين تدوين تلك الشهادات، ومن ثم تدقيقها، وتمحيصها، ومقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوقوف علي المعلومة الدقيقة لاستخدامها بعد التحقق من صحتها، وطرح المعلومة الضعيفة واستبعادها، ما لم نستطع التثبت منها، وتارة أخري الطلب من أشخاص بعينهم أن يكتبوا بأنفسهم إجاباتهم علي أسئلة طرحناها عليهم، لكن الشاق في هذا الجانب كان الوصول إلي هؤلاء الأشخاص ممن لهم بصمات واضحة، سواء في تشكيل فكر الزرقاوي أو تشكيل منهجه واستراتيجيته، وكانت هذه المرحلة الأصعب من الكتاب، إذ باتت إمكانية الاتصال مع هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن شبه مستحيلة، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، فغالبيتهم إما في السجون أو مطاردون أو مختفون، لكن دون تدوين شهاداتهم، لن يكون للكتاب إضافة معتبرة، فآثرنا تأخير الكتاب شهورا عدة إلي أن وصلنا إلي مبتغانا، وضمنا الكتاب ثلاث شهادات تغطي مراحل تطور مسيرة الزرقاوي.
الشهادة الأولي كانت لأبي المنتصر بالله محمد، وهو الشخص الأول الذي بدأ الزرقاوي معه بناء التنظيم الأول الذي أسسه أبو مصعب عام 1993، وهو تنظيم التوحيد، الذي عُرف لاحقا باسم (بيعة الأمام)، مسجلا بالتواريخ والأسماء والأحداث كل ما تم حتي عام 1999. فآثرنا تلخيص هذه الشهادة دون التدخل في مضمونها، ذلك أن الكثير مما ذكره لم يعد سرا يحمل صفة الجدة، إن لم أقل أنه سبق أن نشر مضمونه بعموميته، لذلك أبقينا علي المعلومات التي طرحت للمرة الأولي، وعلي الانطباع الشخصي لصاحب الشهادة وموقفه من تلك الأحداث التي دونها.
الشهادة الثانية كانت للأب الروحي للزرقاوي عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) الذي التقاه في الباكستان عام 1989، واتفق معه هناك علي تشكيل تنظيم ديني في الأردن، وبقي معه في السجن، بادئا معه كرفيق درب وصديق، ثم شيخه الذي ينظر لفكرة التنظيم ويضع أدبياتها، ثم كتابع له بعد أن أصبح الزرقاوي أميرا للمجموعة داخل السجن، ثم منتقدا له وناصحا عن بعد، هو في سجنه بالأردن والزرقاوي في العراق.
الشهادة الثالثة، وهي الأهم كانت للرجل الثالث في القاعدة محمد مكاوي (سيف العدل) الذي يلقي من خلال شهادته الضوء علي القدوم الثاني للزرقاوي إلي أفغانستان عام 1999، وأسباب الخلاف بين الزرقاوي وبن لادن، وكيف تم إنشاء معسكر خاص للزرقاوي في هيرات، مبينا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في تلك الفترة بين قيادة القاعدة والزرقاوي، وصولا إلي ضربة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأهداف القاعدة من وراء هذه الضربة، موضحا كم تحقق من تلك الأهداف، مرورا باحتلال أفغانستان والخروج إلي باكستان وإيران، كاشفا طبيعة الدور الذي لعبته طهران حينذاك، وبعد ذلك قرار إدخال الزرقاوي إلي العراق والتحضيرات التي سبقت ذلك.
وفي محاولة لاستشراف مستقبل القاعدة في العراق من خلال تطور تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين تتبع الكتاب محطات تطور عمل، وشخصية الزرقاوي، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. معتمدين معلومات دقيقة تطلب الوصول إليها استقصاء دقيقا وحثيثا، لكل من كان علي تماس مع الزرقاوي خلال تلك السنين.
وللوقوف علي مستقبل الحرب المفتوحة بين القاعدة، وواشـــــنطن التي تطلق علي حــربها تلك مصطلح محاربة الإرهاب الدولي، حاورنا العديد من منظري القاعدة سواء ممن ساهموا في صـــنع استراتيجــــياتها في وقت سابق أو من باتوا من صناع قراراتها لاحقا، واستمعنا إلي كل ما يجول بخاطرهم، لنرسم للقراء استراتيجية القاعدة حتي عام 2020، والوسائل التي أتبعوها، والخطط التي وضعوها للوصول إلي تحقيق هذه الاستراتيجية.



2 ـ مرحلة فتح العيون

يعتقد مفكرو القاعدة أن مرحلة فتح العيون علي الواقع بدأت مع احتلال بغداد في التاسع من نيسان (إبريل) عام 2003، بعد أن استفاقت الأمة علي واقع مرير قاسٍ يرسم منظرو القاعدة صورته بأوطان محتلة، وعدو صائل، ثروات منهوبة، حكام لا ينتمون إلي الأمة بشيء، انخرطوا في التآمر عليها حتي لم يعودوا مهتمين بالإبقاء علي ورقة التوت التي كانت تستر عوراتهم. حرائر الأمة تغتصب وتنتهك حرماتها علي مرأي ومسمع العالم كله، دم الأمة يسيل ويراق علي أيدي مجرمين حاقدين متوحشين ولا يوجد من يرد عليهم أو يوقفهم عند حدهم. وعاظ السلاطين من علماء الإرتزاق والإنزلاق يسبحون بحمد أسيادهم ليل نهار، باذلين الجهد الجهيد للإبقاء علي حالة التلبيس التي شكلوها في المراحل السابقة. حكومات فاسدة مفسدة أطلقت العنان لزبانية التحقيق والتعذيب في أجهزتها الأمنية للتمادي في قمع وإذلال شرفاء الأمة وطليعتها الخيرة. فقر وعوز ناتج عن الفساد والسرقة وسوء الإدارة والتآمر مع الأجنبي، قاد إلي الانحراف والسقوط.
مرحلة فتح العيون هذه حسب تخطيط وتقدير مفكري القاعدة ستكون مدتها ثلاث سنوات، ستنتهي مع نهاية 2006 تقريباً، هذه المرحلة سوف تتيح للأمة الوقوف علي الحقيقة، وكشف المستور واكتشاف الألاعيب والمؤامرات.
وتقوم خطة القاعدة في هذه المرحلة علي ادامة حالة الاشتباك مع العدو. ويرون أن الاشتباك مع العدو مهما كانت نتائجه يعد انتصاراً، انطلاقا من قناعتهم أن كل المعارك السابقة مع أعداء الأمة كانت مفبركة، رُسمت سيناريوهاتها ونفذت بدقة، ونتيجتها كانت هزائم متوالية، مما أدي إلي إفقاد الأمة الثقة بالنفس، وبات الحكام المنهزمون يطرحون الأفكار المريضة في ظلها، فالسلام مع اليهود بات خيارهم الاستراتيجي الوحيد الذي لا مجال للتراجع عنه، والاستمرار في عملية الخضوع والركوع للغرب والأمريكان أمر يجب أن يتجذر ولا مناص للانفكاك أو الخلاص منه. كل هذه الأمور مجتمعة أدت بشباب الأمة المخلص إلي محاولة الالتحاق بالقادم الجديد، الذي يسعي للخروج من هذه الدائرة.
القاعدة وقيادتها ونهجها مثلت القادم الجديد المنتظر.

إذا مرحلة فتح العيون أعطت زخماً جديداً للقاعدة، وحولتها من تنظيم إلي تيار يصعب القضاء عليه، ولا يمكن الإحاطة بكل امتداداته وانتشاره، وتوسعه أصبح شبيهاً بالمتواليات العددية، والمتضاعفة دوماً .
القاعدة في هذه المرحلة تخطط وتعد للوصول إلي الآتي :
الإشتباك المباشر مع دولة اسرائيل في فلسطين.
حرق النفط العربي وحرمان الغرب والأنظمة العميلة من الاستفادة من خيراته.
الإعداد لمرحلة الجهاد الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت، وإعطائها أهمية عالية ليبدأ تأثيرها مع بداية المرحلة الثالثة من الخطة المرسومة.
مواصلة البناء الهادئ والهادف في مناطق مهمة من العالم العربي والإسلامي يتولي قيادته الجيل الثاني من القادة الذي دخل في إطار التيار.
اتخاذ العراق قاعدة لبناء جيش من الشباب القادم إلي الجهاد سيعاد نشره مع بداية المرحلة الثالثة في دول الجوار، للبدء بالعمل ضمن أجندة محددة، وغير عشوائية.
إعداد دراسات شرعية سيتم العمل علي توزيعها قريباً، توجه المسلمين نحو دفع أموال الزكاة والصدقات للمجاهدين من أجل مساعدتهم علي امتلاك الأدوات والأسلحة اللازمة لإنجاح مشروعهم، رداً علي سياسة الأمريكان بتجفيف مصادر تمويل (الإرهاب).
إذا تفتحت العيون وإزداد التيار توسعاً وانتشاراً وقوة بدأ الاشتباك المباشر مع اسرائيل في فلسطين، كل هذا يأتي مقدمات لبداية المرحلة الثالثة.

3 ـ مرحلة النهوض والوقوف علي القدمين

منظرو القاعدة ومُنظّروها يعطون أنفسهم مساحة من الوقت تقدر بثلاث سنوات أيضاً لتنفيذ هذه المرحلة، تبدأ مطلع عام 2007 وتنتهي مع بداية 2010.
الوقوف علي القدمين عندهم، يعني القدرة علي الحركة الفاعلة المنتجة، معالم هذه المرحلة وأهدافها المرحلية ستحدث نقلة نوعية مهمة في عملية التغيير في المنطقة المحيطة بالعراق، في البداية سيتم التركيز علي الشام. اختيار الشام لم يكن عشوائياً بالنسبة لهم، فهم يستندون إلي الأحاديث النبوية الصحيحة التي وردت عن الرسول صلي الله عليه وسلم، تتحدث عن حصار الشام بعد العراق، تؤيد هذه الرؤية لديهم المخططات الإسروأمريكية لتقسيم الشام ـ سورية الحالية ولبنان وشمال الأردن ـ إلي دويلات طائفية، وكذلك الهجمة الأمريكية الأوروبية علي النظام السوري الحالي، بهدف تفكيك أي قوة محيطة بدولة إسرائيل مهما كان نوعها وتركيبتها، لإعادة ترتيب المنطقة من جديد بما يخدم أماني وتطلعات دولة إسرائيل. هذه الهجمة ـ وفق رؤية القاعدة ـ سوف تضعف النظام السوري وتفقده القدرة علي الإستمرار في السيطرة الداخلية الفاعلة.
نظرية العمل الإسلامي الجهادي الذي تتبناه القاعدة تقوم علي استغلال أي حالة لفقدان السيطرة الأمنية، فكرة جند الشام طرحت منذ أمد بعيد في أفغانستان ولم تكتمل بسبب الغزو الأمريكي، الشباب الذين عملوا علي الفكرة عادوا إلي سورية ولبنان وبعضهم الآن موجود في العراق. وقد أعدوا أنفسهم لاستثمار فرصة ما قد يحدث في لبنان حاليا،ً وفي سورية قريباً، وإذا صحت بعض التحليلات التي تشير إلي أن الإسلاميين هم الذين قاموا بإغتيال الحريري، بسبب علاقته بأياد علاوي المدعوم أميركيا وسعوديا، فهذا يعني أنهم يعملون علي حرق المسافات للوصول إلي هذه المرحلة بفترة زمنية أسرع.
في نهاية هذه المرحلة سيكون تيار القاعدة قد أنهي استعداده للبدء بالإشتباك المباشر داخل فلسطين وعلي حدود إسرائيل، وفي حالة ما حصل ذلك، ستُكرس القاعدة قيادة شرعية للأمة الإسلامية دون منازع، سيترتب علي ذلك مد بشري هائل لتيار القاعدة، مع زيادة الإمكانات المادية والمالية.
ضرب الإسرائيليين ـ وفق مخططهم ـ لن يقتصر علي فلسطين فقط، وإنما سيمتد ليصل بعض المناطق التي يوجد فيها لليهود نفوذ قوي في بلاد المسلمين، المقصود هنا تركيا، كما أشرنا سابقاً في هذا الكتاب، فإنهاء حالة سيطرة يهود الدونما علي الجيش ومفاصل الاقتصاد التركي، ستعيد للأمة الإسلامية القدرة علي امتلاك قوة عسكرية ومادية لا يستهان بها. إنها القوة التركية المتنامية.
تيار القاعدة في هذه المرحلة سيكسب مداً هائلاً من الشباب المتعلم المعد جيدا، والذي لم يعد متأثراً بعقد الهزائم والنكبات، هؤلاء الشباب سيعطون القاعدة قوة دفع عالية جداً. وهذا المد وهذه القوة المكتسبة سيمكنان القاعدة من الانتقال إلي المرحلة الرابعة من خطتها.

4 ـ مرحلة استعادة العافية وامتلاك القوة القادرة علي التغيير

هذه المرحلة مخطط لها أن تبدأ عام 2010، وتنتهي مع بداية 2013. في هذه المرحلة سيتم التركيز علي اسقاط الأنظمة عبر الاشتباك المباشر والقوي معها.
يري مخططو القاعدة أن النهج الأمريكي الحالي في التعامل مع المنطقة العربية، سوف يؤدي إلي كشف كل أوراق الأنظمة الحاكمة، هذا الكشف سوف يؤدي إلي تعريتها وبيان عوارها للقاصي والداني من أبناء الأمة. الأنظمة سوف تفقد مبررات وجودها شيئاً فشيئاً بضعف تدريجي للأنظمة وتنامي مستمر لتيار القاعدة والجهاد الإسلامي، إضافة إلي استنزاف مستمر للقوة الأمريكية عبر توسيع دائرة الإشتباك والمناورة، مما سيجعلها غير قادرة علي الاستمرار في دعم جميع الأنظمة علي النمط القائم حالياً، إضافة إلي أن تيار الجهاد في هذه الفترة سيكون قادراً علي ضرب النفط العربي وإحراقه، مما سيحرم الأمريكان من أهم الدعائم الإقتصادية، وهذا سيزيد في اضعاف الأنظمة التي لم تستطع حتي الآن بناء قدرات اقتصادية بغير الإعتماد علي النفط، إضافة لذلك ستكون امكانيات تيار القاعدة الإلكترونية قد اكتملت، وسيكون هذا وقت استخدامها في شن هجمات إلكترونية علي الاقتصاد الأمريكي، مما سيؤدي إلي إضعافه، وإمعانا في اضعاف الاقتصاد الأمريكي بدأ مفكرو القاعدة بالعمل علي تنفيذ فكرة طرحها حزب التحرير الإسلامي منذ فترة تقوم علي ضرورة العودة إلي استخدام الذهب كمقياس وكأداة للتعامل النقدي الدولي، ونشر هذه الفكرة بقوة في العالم، وعمل الدراسات اللازمة التي تدعمها وتؤيدها، سوف يضعف الدولار الأمريكي شيئاً فشيئاً، وسيؤدي إلي كشفه وانهياره السريع في النهاية. هذا الأمر جندت القاعدة له العلماء المتخصصين والباحثين الجادين، ليعلموا علي دحض الفكرة والنظرية الإقتصادية التي روجها علماء الإقتصاد اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تنص علي عدم وجود ضرورة لدعم العملات بالمعادن النفيسة مثل الذهب والفضة، وإنما يكفي لتقييم قيمة العملة حساب الناتج القومي للدولة، هذه النظرية جعلت الأمريكيين يطبعون عملتهم دون مراعاة أي قيود وشروط. عندما تبطل هذه النظرية، وعندما يحرم الأمريكان من استغلال النفط العربي، مع ازدياد الاستنزاف الدائم للإقتصاد من خلال المعركة المستمرة المتنامية، حينها سيأخذ الشك في القدرات الإقتصادية الأمريكية طريقه إلي المستثمرين اليابانيين والصينيين والأجانب، مما يدفعهم إلي سحب استثماراتهم المهددة من السوق الأمريكي العملاق ، عند ذلك سيبدأ هذا العملاق بالتخبط، وسيقوم بتحطيم ما حوله. حينها سيقوم الاقتصاديون الإسرائيليون الأمريكيون المتنفذون في الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيه الضربة القاضية للإقتصاد الأمريكي، فمعلومات القاعدة تشير إلي أنهم ومنذ فترة بدأوا بشراء الذهب والمعادن النفيسة، تحوطاً من أي نكسة تصيب الإقتصاد الأمريكي، وتؤثر علي الدولار، ويري منظرو القاعدة أنه عندما ينكشف ما يقومون به، يكون الدولار قد أصبح في مهب الريح، مما سيؤدي الي أن يصب الشعب الأمريكي جام غضبهم عليهم ، وسوف يبدأ التحول الكبير في عملية دعم الأمريكان لدولة إسرائيل رويداً رويداً، إلي أن ينقطع هذا الدعم تحت الضغط الشعبي الأمريكي نتيجة المآسي التي قام الإسرائيليون بجر الأمريكان إليها.
انقطاع هذا الدعم أو تخفيفه سيؤدي إلي اضعاف دولة إسرائيل في المنطقة، وتؤمن القاعدة أن إضعاف إسرائيل سوف يخل بمعادلة الإرتباط الجدلي بين قوة الأنظمة وأهمية وجودها، وبين دولة إسرائيل وقوتها ونفوذها في العالم.
حينها.. النتائج كلها سوف تصب في مصلحة تيار القاعدة:
الأمريكيون ضعاف مستنزفون، غير قادرين علي الاستمرار في تحمل كل هذه الأعباء الملقاة علي عاتقهم في منظومة النظام العالمي الحالي، وإسرائيل التي سوف يدب فيها الضعف شيئاً فشيئاً بسبب الاشتباك القتالي معها من قبل تيار الجهاد في المنطقة، وبسبب التحول والضعف الأمريكي الحاصل، تكون الأنظمة الحاكمة حينها فقدت أهليتها ومقدرتها علي الدفاع عن نفسها مع إرتفاع الغطاء الأمريكي الغربي عنها، كل هذه الأمور مجتمعة، سوف يؤهل تيار القاعدة والجهاد الإسلامي إلي الإنتقال إلي المرحلة الخامسة.

5 ـ مرحلة اعلان الدولة

ستكون بداية هذه المرحلة ـ وفق استراتيجية القاعدة ـ مع بداية سنة 2013، وستنتهي مع بداية 2016. في هذه المرحلة سوف تكون القبضة الغربية الأجنبية قد تراخت كثيراً في المنطقة العربية، وستكون اسرائيل غير قادرة علي القيام بضربات استباقية وقائية، والمعادلة الدولية ستكون معالمها قد تغيرت؛ فالصين إذا ما قدر لها الإستمرار في حالة النمو التي هي عليها الآن ستكون قوة عظمي حقيقية، وكذلك الهند، وأوروبا لا يمكن أن تستمر علي حالة الوفاق التي هي عليه الآن، ـ فوفق تحليل القاعدة ـ لن يسمح الإنكليز باستمرار حالة الوحدة المتنامية في أوروبا، لأنهم يعتقدون أن هذا الأمر لن يكون في صالح التفرد الإنكلوسكسوني في حكم العالم عبر ثلاثة قرون تقريباً، وبالتالي لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون البساط يسحب من تحت أقدامهم. ويرد منظرو القاعدة علي من يقولون ـ معترضين علي نظريتهم هذه ـ كيف إذا سمحوا بالتفرد الأمريكي، بالقول أن حكام أمريكا كانوا وما زالوا من الإنكلوسكسون، والتنازل البريطاني في منتصف القرن الماضي، لم يكن إلا خدعة انطلت علي الشعوب الأوروبية وعلي العالم.
يؤمن منظرو القاعدة أن متغيرات مستقبلية ستحدث، نتائجها ستصب في مصلحة تيار التغيير والجهاد الإسلامي العالمي، سوف تمكنه من إعلان دولة الإسلام، دولة الخلافة، وبعثها حية فاعلة من جديد. هكذا يتوقع منظرو القاعدة وقادتها؛ حالة ضعف عالمي في صفوف الأعداء، وبروز قوي عالمية جديدة ليس للمسلمين تناقضات قوية معها، مع تنامي مطرد في القوة الذاتية، مما سيوفر لتيار القاعدة والجهاد الإسلامي، فرصة ذهبية لاعلان قيام دولة الإسلام.
اعلان الدولة هو الهدف الإستراتيجي للقاعدة. لأنه يعني عندهم:
ـ القدرة علي التحكم والقيادة.
ـ الفرصة لإعادة البناء والإعمار الحقيقي.
ـ القدرة علي تحفيز طاقات الأمة وإمكانياتها وقدراتها البشرية والمادية، وتوظيفها التوظيف الأمثل لخدمة قضاياها وتلبية احتياجاتها.
ـ خلق توازن قوي دولي جديد سينكفئ معه المعتدون علي الأمة إلي جحورهم.
ـ إحقاق الحق ونشر العدل والحرية والمساواة علي هذه الكرة الأرضية .
سيحقق وعد الله ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين الامر الذي سيؤدي إلي إنهيار ونهاية كل الأنظمة الفاسدة في بلاد المسلمين. وهذا ما ينظر له قادة القاعدة ومفكروها.

6 ـ مرحلة المواجهة الشاملة

يقدر منظرو القاعدة أن بداية عام 2016 ستكون بداية المواجهة الشاملة (بين الفسطاطين) قوي الإيمان وقوي الكفر العالمي، المواجهة الشاملة ستبدأ بعد إقامة دولة الإسلام مباشرة، والعالم حين ذاك سيقسم إلي معسكرين: معسكر إيمان ومعسكر كفر وهذا ما طرحه بن لادن في كثير من رسائله. القاعدة تستند إلي فكرة نابعة من مفهوم آية قرآنية ربانية تعتبرها نظرية في التغيير، الآية تقول وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .
أي أن الباطل سوف ينتهي ويدمر ويزول عندما يأتي الحق، ودولة الإسلام عندهم تمثل الحق، وعندما تبدأ في صراعها مع الباطل، فإن الباطل لن يستطيع أن يصمد أمامها طويلاً، وسوف يدمر سريعاً، ودولة الإسلام سوف تقود البشرية من جديد إلي بر الأمان وواحة السعادة والإطمئنان.

7ـ مرحلة الانتصار النهائي

في المعركة الشاملة والمواجهة الواسعة مع قوي الباطل، يري منظرو القاعدة أنها سوف تحسم في سنوات قليلة، لن تزيد عن بضع سنين.
فقدرات دولة الإسلام وإمكانياتها علي الحشد والاستعداد سوف تكون عظيمة وهائلة، خاصة وأن المسلمين حينها سيكونون أكثر من مليار ونصف المليار نسمة، مما سوف يرهب أعداءها ويجعلهم يتراجعون سريعاً وفي المقدمة منهم دولة إسرائيل، التي لن تكون قادرة علي الصمود. والقوة الإسلامية الفاعلة سوف توقع الرعب في قلوب أعدائنا وعند ذلك سوف يدرك العالم مفهوم مصطلح الإرهاب الحقيقي وفق الفهم الإسلامي، ذاك الإرهاب الذي يوقع في نفس العدو تأثيراً رادعا يجعله يفكر ألف مرة قبل الإعتداء علي المسلمين أو المستضعفين، أو محاولة المساس بأي حق من حقوقهم .
هذه المرحلة هي المرحلة النهائية في خطة القاعدة المرسومة، هذه الخطة التي باتت تعطي القاعدة مصداقية وواقعية لم يسبق لحركة إسلامية معاصرة أن تمتعت بها، هذه الخطة المتكاملة إضافة إلي الأهداف الواضحة سوف تساعد القاعدة علي الاستمرار في التقدم والنجاح إضافة إلي عوامل أخري ستساعد علي ذلك، منها حسبما يري منظرو القاعدة:

واقع الأمة الإسلامية

إن الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية واقع صعب، وغير سليم، فالأنظمة التي تحكم الأمة في مجملها أنظمة متخلفة ظالمة مسلوبة الإرادة والوعي، تدور في فلك أعداء الأمة، وتمارس فعلاً مبرمجاً يهدف إلي إبقاء الأمة ضعيفة غير قادرة علي الخروج من دائرة الانحطاط والتخلف، حكامها سلبوا الأمة سلطتها وتعاونوا مع الأجنبي علي نهب ثرواتها وهم يمارسون كل الأساليب ويبذلون كل الجهد لإخفاء الحقيقة عن الجماهير، هذه الأمور مجتمعة أصبحت واضحة المعالم، وشباب الأمة وجماهيرها باتت واعية وقادرة علي الوقوف علي الحقيقة بكل أبعادها وتفاصيلها، والجميع يتطلعون بشوق لليوم الذي يتخلصون به من هذه الأنظمة، ومن هذا الواقع السيئ المرتبط بها. والقاعدة عندما تطرح نفسها كقيادة بديلة للأمة في ظل هذا الواقع، فإنها سوف تلقي قبولاً وتأييداً من قطاع واسع من أبناء الأمة، خاصة إذا ما اعتمدت خطابا جيدا معقولا قادرا علي التعاطي مع كل ما سلف بحكمة وخبرة ووعي.

واقع التنظيمات والأحزاب السياسية والعربية:

التنظيمات والأحزاب العاملة علي الساحتين العربية والاسلامية فشلت في الوصول إلي تحقيق رغبات وأماني جماهير الأمة، والتي تتمحور في عمليتي التغير والتحرير، فمعظم هذه التنظيمات والأحزاب لم تعد تمتلك خططا ولا برامج ولا رؤي صحيحة للتعامل مع الواقع، بل كيفت أوضاعها بما يتلاءم مع مصالح قياداتها وبعض أفرادها المتنفذين، فمنها من تصالح مع الأنظمة ولم يعد يسعي لتغييرها، ومنها من قام بعملية تطويع ولي لمسلمات العقيدة والفكر الإسلامي وبديهياته حتي تتوافق مع ديمقراطية الأنظمة وعلمانيتها، ومن التنظيمات من صالح عدو الأمة والتقي معه في منتصف الطريق، ولم يعد علي تناقض معه مقابل وعود وصفقات غير قابلة للتنفيذ والتحصيل.
فمع هذا الفشل وهذا الانحراف الحاصل ـ وفق تحليل القاعدة ـ بات شباب الأمة وجماهيرها يترقبون أي قادم جديد تتوفر فيه الصفات اللازمة المنشودة.
والقاعدة تري أن تيارها هو القادم الجديد الذي يتمتع بهذه الصفات، فمد القاعدة سوف يتعاظم وتيارها سوف ينتشر ويمتد وفق هذه الرؤية.

العدوان الدائم والمتجدد

يعتقد منظرو القاعدة أن العدوان الذي تتعرض له الأمة الإسلامية ومنذ حوالي قرنين من الزمن، واحتلال أراضيها ونهب ثرواتها وهدر كرامتها وسلب حريتها وإدارتها، بصورة متواصلة متتالية حتي لا يكاد ينتهي أو يتوقف، ترك ويترك جراحات نازفة في جسد الأمة، فما يحدق في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير والسودان وارتيريا والفلبين، تعتقد القاعدة أنه كاف لاستفزاز ضمائر المسلمين، وحثها علي البحث عن ملاذ أو مخرج أو للجوء إلي ركن شديد يمكن الأمة من رد هذا العدوان.
فالقاعدة بأسلوبها ونهجها في مواجهة العدو تصبح هي أمل الأمة الواعد في رد الصاع صاعين لهؤلاء الأعداء.

تحقيق الانتصارات
تستمد القاعدة نظريتها في تحقيق الانتصار علي نظرية ربانية تقول إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً (سورة الفتح).
ما أسلفناه كان سورة من سور القران الكريم نزلت بعد نصر كبير حققه الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته الكرام، النصر كان فتح مكة. تلا هذا الفتح دخول أعداد كبيرة من عرب الجزيرة طواعية الدين الإسلامي. أي انتصار، كبيراً كان أم صغيرا، يحققه تيار القاعدة، يفتح الباب علي مصراعيه أمام أعداد كبيرة من شباب الأمة للإلتحاق بصفوفها، والإنخراط في مجالات عملها التي أصبحت متعددة ومنتشرة في كل مكان من هذا العالم، وبات الذي لا يستطيع الالتحاق بمركزه مباشرة يعكف علي انشاء بؤرته الخاصة التي تدور في نفس الفلك، وتتغذي من نفس الفكر والنظرية، ساعياً الوصول إلي نفس الهدف عبر استخدام نفس الوسائل والأدوات والأساليب، وتري القاعدة أن هذا الأمر يزيد ويتعاظم في ظل تمادي عدوان الأمريكان واليهود، وهم يخططون لتوسيعه يومياً، وتري القاعدة إن انتشار الأمريكيين وتوسعهم أكثر في ساحات الوطن الإسلامي يمكن المجاهدين من الاشتباك معهم بشكل أسهل وأوسع، وأي اشتباك يعتبر في نظريتهم انتصاراً، لأن الأمة فقدت زمن الاشتباك والمعارك الحقيقية منذ زمن. استراتيجية القاعدة هذه كما رأينا تقوم علي خطة واضحة المعالم والمراحل، فأهدافها محددة ووسائلها جلية، خطتها مبنية علي فهم جيد لمراحل التاريخ، وقائمة علي توقعات متسلســــلة منطقــــــية، أحد أساليبها في العمل التخطيط المســــــــبق للتعاطي مع الحدث القادم، ومحاولة استثماره استثماراً جيداً ومفيداً، قوتها المتنامية تستند فيها علي قدرتها في تفعيل طاقات الأمة الكامنة، خيارها الوحيد هو الإستمرار في خوض الصراع حتي النهاية. هذا الاستمرار سوف يستنزف طاقات عدوهم وإمكانياته ويضعفها. رؤيتها تقوم علي الفعل والمبادرة وصناعة الحدث واستغلاله.
رسالتها عالمية تهدف إلي رفع الظلم والجور عن المستضعفين في العالم، لا مجال أمامها للصلح أو المهادنة أو الالتقاء مع العدو في منتصف الطريق. الحلول التي تطرحها جذرية تستند إلي أحكام شرعية وإلي فهم متميز للواقع المعاش .
مقاتلوها ومجاهدوها لا يعدون الموت خسارة، ولا هزيمة في معركة ما نهاية، لأنهم مقتنعون بالوعد الرباني بالنصر والتمكين لعباد الله الصالحين، وإنطلاقاً من كل ذلك فهم يبشرون كل المؤمنين والمستضعفين بحتمية النصر المبين.