الهدي السمح في طرق القتل والذبح

 

محتويات الكتاب

الفصل الأول :

 وجوب إحسان القتل والذبح

ردود على شبه في عدم وجوب إحسان القتل

الشبهة الأولى :

الاستدلال بقصة العرنيين

الشبهة الثانية :

هم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة

الشبهة الثالثة :

الاستدلال بما ورد في حمل الرؤوس

الشبهة الرابعة :

الاستدلال بفعل الصحابة

*****

الفصل الثاني :

في مخصصات الأمر بإحسان القتل

المخصص الأول :

حالة القتال في المعركة مع الكفار

المخصص الثاني :

ضرورة الحرب ومصلحة المسلمين

المخصص الثالث :

المعاملة بالمثل

المخصص الرابع :

تعزير من تفاحش جرمه

المخصص الخامس :

رجم الزاني المحصن

المخصص السادس :

حد الحرابة

المخصص السابع :

حد الفاحشة (عمل قوم لوط)

المخصص الثامن :

القصاص من القاتل

*****

الفصل الثالث :

في كيفية القتل المشروع

وجوب القتل بالرصاص دون السيف

كيفية قتل الأسير

كيفية قتل الحيوان

****

الفصل الرابع :

في حرمة ذبح الإنسان

الحكمة من مشروعية ذبح الحيوان دون الإنسان

ردود على شبه في مشروعية ذبح الإنسان

الشبهة الأولى :

الاستدلال بحديث "يا معشر قريش قد جئتكم بالذبح"

الشبهة الثانية :

قياس الكافر على الحيوان في مشروعية الذبح

الشبهة الثالثة :

الاستدلال بحالات وقعت في القتال في المعركة

الشبهة الرابعة :

الاستدلال بما روي أن عقبة بن أبي معيط قتل ذبحا

****

الفصل الخامس :

 جمال الجهاد

الجهاد العفيف

الجهاد ..وتأليف القلوب

نفير ..بلا تنفير

الخاتمة

*************************

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

من المسلمات الشرعية والقدرية التي يجب أن تكون حاضرة في أذهان المجاهدين دائما أنهم لا ينصرون بعدة ولا عدد، وإنما ينصرون بمعية الله ومعونته ..

قال تعالى : { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].

وقال تعالى : {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [آل عمران: 126].

و الوسيلة لنيل معية الله ونصرته هي الطاعة والإيمان ..

قال تعالى : {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [غافر: 51].

ولهذا كانت هزائم المجاهدين غالبا ما تكون بسبب مخالفات وقعت في المعركة كما حدث في غزوة أحد التي قال تعالى في شأنها : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران: 165].

أو بسبب نقص التوكل على الله كما حدث في غزوة حنين التي قال تعالى في شأنها : {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } [التوبة: 25].

وهذا يعني أن المخالفات التي يرتكبها المجاهدون - بغض النظر عن حجمها - قد تكون هي السبب المباشر في هزيمتهم وانتصار العدو عليهم ..!

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ودع جيشا أو سرية منطلقة إلى المعركة أمرهم بطاعة الله وحذرهم من معصيته :

عن سليمان بن بريدة عن ابيه قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسملين خيرا فقال اغزو بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ) رواه الترمذي .

وفي حديث أنس بن مالك أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول : ( انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا {إن الله يحب المحسنين} ) رواه أبو داود.

ونحن حينما نتحدث عن كيفية القتل المشروع، ونبين المحذور فيه والممنوع، إنما نسعى إلى تحذير المجاهدين من كل ما فيه مخالفة أو معصية قد يكون فيها نقص لأجورهم أو شؤم على جهادهم ..

ونسال الله تعالى أن يكون في هذا الموضوع نفعا وهداية إلى الحق، ونسأله سبحانه أن يأخذ بنواصينا وجميع المجاهدين إلى البر والتقوى .

أبو المنذر الشنقيطي .

 

الفصل الأول

وجوب إحسان القتل والذبح

عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته » . .

رواه مسلم من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس.

 و تركه البخاري لأنه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئاً.

وهو شامي ثقة، لكنه لا يكاد يصرح بالسماع، والبخاري لا يقنع بالمعاصرة .

وقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الله كتب الإحسان على كل شيء »

إما أن يكون معناه: كتب الإحسان على كل أحد، وإما أن يكون معناه : كتب الإحسان في كل الأمور .

والمعنيان كلاهما صحيح .

وفي ذالك يقول ابن رجب :

(وظاهره يقتضي أنه كتب على كل مخلوق الإحسان، فيكون كل شيء أو كل مخلوق هو المكتوب عليه، والمكتوب هو الإحسان، وقيل: إن المعنى أن الله كتب الإحسان إلى كل شيء أو في كل شيء

أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء فيكون المكتوب عليه غير مذكور وإنما المذكور المحسن إليه) جامع العلوم والحكم (19/ 2)

والحديث أمر بإحسان قتل الإنسان، وذبح الحيوان، والأمر يدل في الأصل على الوجوب.

كما أن لفظة "كتب" تدل أيضا على الوجوب .. 

فقوله صلى الله عليه وسلم : «إن الله كتب الإحسان»: يعني فرض الإحسان وأوجبه .

وهو كقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } [سورة البقرة: 183].

وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178].

وقوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].

أي فرض عليكم .

ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قيام شهر رمضان: ( إنِّي خشيتُ أنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ ).

قال ابن رجب :

(ولفظ الكتابة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين خلافا لبعضهم، وإنما استعمال لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتم) جامع العلوم والحكم (19/ 3).

ثم قال : (وحينئذ فهذا الحديث نص في وجوب الإحسان ) جامع العلوم والحكم (19/ 4)

وقال الصنعاني في سبل السلام تعليقا على هذا الحديث :

قوله : ("كتب الإحسان" أي أوجبه كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}).

وقال البعلي في الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام :

(وفي هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال حتى في إزهاق النفس ناطقها وبهيمها فعلى الإنسان أن يحسن القتلة للآدمين والذبيحة للبهائم..) الاختيارات الفقهية (ص: 619).

 

ردود على شبه في عدم وجوب إحسان القتل

هناك بعض الشبه والاستدلالات التي قد يفهم منها عدم وجوب إحسان القتل،  نعرضها هنا مع بيان الرد عليها :

الشبهة الأولى : الاستدلال بقصة العرنيين

الاستدلال على عدم وجوب العمل بهذا الحديث بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين وانه "قطع أيديهم وأرجلهم, وسمل أعينهم, وتركهم في الحرة حتى ماتوا".

وقد أجاب على هذا الاستدلال جمع من أهل العلم وبينوا وجه فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الماوردي: (فإن قيل : فقد مثّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالعرنيين، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في حر الرمضاء، فعنه جوابان :

أحدهما : أنه فعل ذلك في متقدم الأمر ثم نهي .

 والثاني : أنه فعل ذلك بهم جزاء وقصاصا : لأنهم قتلوا راعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ومثلوا به : فقاتلهم عليه بمثله وقد قال الله تعالى : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}) الحاوي الكبير للماوردي ـ (14/ 384).

وقال ابن جرير :(وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين, فقال بعضهم : ذلك حكم منسوخ, نسخه نهيه عن المثلة بهذه الآية, أعني بقوله : {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} الآية, وقالوا : أنزلت هذه الآية عتابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بالعرنيين.

وقال بعضهم : بل فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين حكم ثابت في نظرائهم أبدا, لم ينسخ ولم يبدل . وقوله : {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية, حكم من الله فيمن حارب وسعى في الأرض فسادا بالحرابة .

 قالوا : والعرنيون ارتدوا وقتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله, فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الإسلام والذمة.

وقال آخرون : لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين, ولكنه كان أراد أن يسمل, فأنزل الله جل وعز هذه الآية على نبيه يعرفه الحكم فيهم ونهاه عن سمل أعينهم.) تفسير بن جرير (8/ 369).

وقال ابن رجب في ذكره لمجموعة من توجيهات العلماء لهذه المسألة:

( ومنهم مَنْ قال : بل هذا يدلُّ على جواز التمثيل بمن تغلَّظَتْ جرائمُهُ في الجملة، وإنَّما نهي عن التمثيل في القصاص، وهو قول ابنِ عقيل من أصحابنا .) جامع العلوم والحكم (19/ 12).

إذن فعقوبة النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين ليست معارضة للأمر العام بإحسان القتل، بل هي حالة خاصة لها ظروفها وملابساتها الخاصة بها .

 

الشبهة الثانية : همّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة

روى البخاري وغيره عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم" .

 فتوعد النبي صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن الصلاة بتحريق بيوتهم قد يفهم أنه دليل على مشروعية التحريق .

الجواب على هذا الاستدلال :

وقد رد ابن حجر على هذا الاستدلال بقوله :

(لا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل لا دائما ولا غالبا لأنه يمكن الفرار منه أو الاخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والارهاب) فتح الباري - ابن حجر (2/ 130)

ويرد عليه أيضا أن التحريق كان مشروعا ثم نسخ، فيحمل تهديده صلى الله عليه وسلم بالتحريق على زمن المشروعية قبل النسخ .

والدليل على نسخ مشروعية التحريق ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث وقال لنا إن لقيتم فلانا وفلانا - لرجلين من قريش سماهما - فحرقوهما بالنار قال ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج فقال إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن أخذتموهما فاقتلوهما.

وهذه القصة تروى أيضا عن حمزة الأسلمي، وعن معاذ لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن .

 

الشبهة الثالثة : الاستدلال بما ورد في حمل الرؤوس

 يستدل البعض على عدم وجوب إحسان القتل بمسألة حمل الرؤوس وببعض الأخبار التي فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقل الرؤوس أو إقراره.

والجواب على هذا الاستدلال :

أنه لم يرد في ذالك شيء يصح الاستدلال به بل كل ذالك ضعيف .

ومن أمثلة هذه الأخبار :

1- روى ابن ماجه في سننه عن أبي بشر بكر بن خلف، قال : حدثنا سلمة بن رجاء، حدثتني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين .

والحديث لا يصح الاحتجاج به لضعفه ..

فسلمة بن رجاء مختلف فيه وشعثاء بنت عبد الله مجهولة .

قال الكناني في هذا الحديث:

 (إسناد فيه مقال شعثاء بنت عبد الله لم أر من تكلم فيها لا بجرح ولا بتوثيق وسلمة بن رجاء لينه ابن معين وقال ابن عدي حدث بأحاديث لا يتابع عليها وقال النسائي ضعيف وقال الدارقطني ينفرد عن الثقات بأحاديث وقال أبو زرعة صدوق وقال أبو حاتم ما بحديثه بأس انتهى) مصباح الزجاجة (2/ 11).

2- روى النسائي وغيره من حديث عبد الله بن فيروز الديلمي عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم برأس الأسود العنسي .

وقد بين ابن حجر ما في هذا الخبر من الخطأ فقال:

 ( قال أبو أحمد الحاكم في الكنى: هو وهم؛ لأن الأسود قتل سنة إحدى عشرة على عهد أبي بكر، وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر خروج الأسود صاحب صنعاء بعده، لا في حياته، ..) .

ثم قال ابن حجر :

(... ومع ذلك فلا حجة فيه، إذ ليس فيه اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريره؛ وقد ثبت عن أبي بكر إنكار ذلك، ) تلخيص الحبير (4/ 287).

 3- مارواه أبو داود في "المراسيل" عن أبي نضرة العبدي؛ قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم العدو، فقال: "من جاء برأس، فله على الله ما تمنى، فجاءه رجلان برأس... "

يقول ابن حجر :

 (قال أبو داود: في هذا أحاديث ولا يصح منها شيء، قال البيهقي: وهذا إن ثبت؛ فإن فيه تحريضا على قتل العدو، وليس فيه حمل الرأس من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، ثم روي عن الزهري قال: لم يكن يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رأس قط، ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فأنكر ذلك، قال: وأول من حملت إليه الرءوس عبد الله بن الزبير) تلخيص الحبير (4/ 287).

4- ما رواه الحاكم في المستدرك أن ابن مسعود أخذ أقواما كانوا يقرؤون بقراءة مسيلمة الكذاب فاستتابهم، فتابوا جميعا غير رئيسهم ابن النواحة الذي أبى أن يتوب، فقال عبد الله لقرظة : "اذهب فاضرب عنقه و اطرح رأسه في حجر أمه فإني أراها قد علمت فعله" ففعل.

وهذا الخبر معارض بما رواه الطبراني في المعجم الكبير :

( عن حارثة بن مضرب، أنه أتى عبد الله بن مسعود، فقال: ما بيني، وبين أحد من العرب إحنة، وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم، فاستتابهم غير ابن النواحة، فقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لولا أنك رسول لضربت عنقك"، فأنت اليوم فلست برسول فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا بالسوق ).وهذه الرواية دالة على أن ابن مسعود لم يأمر قرظة بن كعب بحمل رأسه .

وحتى لو افترضنا - جدلا – صحة ما ورد في رواية الحاكم، فإن ذالك عقوبة لأم ابن النواحة لأنها كانت عالمة بصنيعه وذلك دليل على رضاها .

ثم إن قتل ابن النواحة لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما في زمن عثمان، وعليه لا يصح أن يكون هذا الفعل من ابن مسعود معارضا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر بإحسان القتل والنهي عن المثلة .

5- ما رواه الترمذي وغيره عن البراء رضي الله عنه قال : مر بي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء فقلت أين تريد ؟ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن آتيه برأسه .

والرد على الاستدلال بهذا الحديث من وجهين :

الوجه الأول :

ضعف حديث البراء وشذوذ زيادة : "أن آتيه برأسه" .

 ورد هذا الحديث عن كل من قرة المزني والبراء بن عازب رضي الله عنهما .

فقد روى بن ماجه عن معاوية بن قرة عن أبيه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه وأصفي ماله .

وروى النسائي والبيهقي كلاهما في "الكبرى" عن معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه، فضرب عنقه وخمس ماله .

وهذا الحديث انفرد به خالد بن أبي كريمة عن معاوية بن قرة، وقد اضطرب فيه، فجعله مرة من حديث جد معاوية، ومرة من حديث قرة والد معاوية.

وهذا الاضطراب لم يعتبره بعض أهل العلم ضارا بالحديث .

وحديث معاوية ابن قرة لم ترد فيه زيادة : "أن آتيه برأسه".

وأما حديث البراء بن عازب –الذي وردت هذه الزيادة في بعض طرقه-فهو شديد الضعف والاضطراب خاصة ما ورد من طريق أشعث بن سوار وهو ضعيف .

وطرق الحديث الأخرى لا تستقيم إلا بقدر ما توافق حديث قرة !

وحديث البراء رواه الخمسة والحاكم وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، والبيهقي، وابن حبان، والبزار، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، والطبري في تهذيب الآثار، وأبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني .

ويتبين ضعف الحديث من خلال الاختلاف الوارد في طرقه كالآتي :

1- ربيع بن ركين روى الحديث عن البراء، و جعل المبعوث لقتل الرجل : (ناسا) دون تحديدهم وقد وردت هذه الطريقة بلفظ : (بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رجل أتى امرأة أبيه أن نقتله).ولم يذكر فيها زيادة : "ان آتيه برأسه" .

2- مطرف روي الحديث عن أبي الجهم عن البراء، وجعل المبعوث لقتل الرجل (ركبا) أو (رهطا). وقد وردت روايته بلفظ "ضربوا عنقه"، على الإخبار، ولم يذكر فيها الأمر بأن يأتوه برأسه .

3- السدي وعبد الغفار بن القاسم وحمزة الزيات رووا الحديث عن عدي ابن ثابت واتفقوا على أن المبعوث لقتل الرجل هو خال البراء، لكن السدي وحمزة جعلا الحديث من رواية عدي ابن ثابت عن البراء وجعله عبد الغفار من رواية عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه.

وطريق السدي لفظها : "ان اقتله او اضرب عنقه" على الشك .

وطريق حمزة لفظها : "ان ادركته فاضرب عنقه واستخلف ماله".

أما طريق عبد الغفار فلفظها : "فأمرنا أن نقتله ونأخذ ماله " .

ولم يرد في طريق أي منهم زيادة "وأن آتيه برأسه" .

 4- هشيم والفضل بن العلاء ومعمر رووا الحديث عن أشعث بن سوار عن عدي، ووافقوا زيد بن أبي أنيسة في روايته عن عدي بن ثابت فجعلوا المبعوث لقتل الرجل هو عم البراء .واتفقوا جميعا على جعل الحديث من رواية عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه.

ما عدا هشيم فقد جعله من رواية عدي عن البراء بلا واسطة .

وقد وردت الرواية من طريق معمر بلفظ : "فأمرني ان أقتله" .

ومن طريقي هشيم ويزيد بن أبي انيسة بلفظ : "ان أضربَ عنقه"

أما طريق الفضل ابن العلاء فقد جاءت بلفظ  : " فأمرني أن أقتله، فقتلته ثم رجعت".

ولم يرد في شيء من هذه الطرق زيادة : "ان آتيه برأسه" .

5- أبو خالد الأحمر روى الحديث عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن البراء عن خاله.

وفي هذه الرواية يظهر أن البراء يحدث عن خاله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث شخصا آخر .

ولفظه: "فأرسل إليه النبي صلى الله عليه و سلم فقتله"، دون تعيين المرسَل، ولم يذكر فيها زيادة "وأن آتيه برأسه" .

6- حفص بن غياث روى الحديث عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب .وهو يذكر مرة أن الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لقتل الرجل هو خال البراء ومرة يذكر انه رجل بدون تحديده كما هو حال الاختلاف في سائر روايات أشعث ..لكن حفصا أيضا خالف جميع الرواة عن أشعث بن سوار فذكر زيادة : "أن أجيئه برئسه" و "ان آتيه برأسه" . ما عدى رواية سهل بن سهيل عن حفص بن غياث عند ابن ماجه ورواية أبي سعيد الأشج عن حفص عند البزار حيث وافقا جميع الرواة عن هشيم عن أشعث ولم يذكرا هذه الزيادة .

***

وبهذا يظهر أن حديث البراء فيه اضطراب في السند واضطراب في المتن .

أما السند فمرة يروي عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء ومرة عن البراء ومرة عن خال البراء !

وأما في المتن فمرة يرد أن من بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لقتل الرجل هو خال البراء ومرة عمه ومرة ركب بدون تحديد ومرة رجل بدون تحديد !

وقد ظهر أيضا أن زيادة "آتيه برأسه" أو "أجيئه برأسه" خالف فيها حفص بن غياث جميع الرواة عن أشعث بن سوار وعليه فهي زيادة شاذة .

وقد روى الدارقطني في السنن هذا الحديث من طريق أبي معمر القطيعي عن هشيم وحفص بن غياث كلاهما عن أشعث بن سوار.

وصرح أبو معمر بأن حفص بن غياث زاد : "وآتيه برأسه" .

وبهذا يظهر ضعف الحديث وشذوذ هذه الزيادة .

والدليل على أن هذه الزيادة وهم من حفص بن غياث أمور :

1-أنها لم ترد في حديث قرة المزني وهو أصح شيء في هذا الباب، ولم ترد في طرق حديث البراء التي هي أكثر استقامة من طريق أشعث ابن سوار التي أنهكها اضطراب السند والمتن جميعا .

2-أن حفص بن غياث خالف بقية الرواة عن أشعث بن سوار(هشيم، وخالد الأحمر، والفضل ابن العلاء) حيث لم يذكروا هذه الزيادة .

3-أن سهل بن سهيل وأبا سعيد الأشج في روايتهما عن حفص بن غياث لم يذكرا هذه الزيادة .

أي أن حفصا كان يحدث بها تارة ويتركها تارة، وهذا دليل على الوهم والاضطراب .

4- أن الفضل بن العلاء في روايته عن أشعث بن سوار صرح بعدم حمل الرأس حيث وردت بلفظ : " فأمرني أن أقتله، فقتلته ثم رجعت"وهذا يقتضي عدم صحة هذه الزيادة .

الوجه الثاني :

 بان من خلال ما ذكرنا في الوجه الأول ان زيادة : "أن آتيه برأسه" أو "أجيئه برئسه" زيادة شاذة، هذا إن لم نحكم بضعف حديث البراء جملة !

وحتى لو افترضنا صحة حديث البراء وصحة هذه الزيادة فإن توجيهها بما يتوافق مع النصوص الآمرة بإحسان القتل أمر متعين لأن الجمع بين النصوص أولى من إلغاء بعضها ..كما قال في المراقي :

والجمع واجب متى ما أمكنا ...أولا، فللحديث نسخ بينا .

وهذه القاعدة كثيرا ما أنبه عليها لأهميتها في ما يتعلق بالتعامل مع النصوص الشرعية ..

وقد ذكر أهل العلم أن الكثير من الخلل الذي تطرق إلى بعض الفرق في باب العقائد كان بسبب إهمال هذه القاعدة ..

فيجمدون على بعض النصوص ويهملون العمل بأخرى ..

في حين كا ن علماء السلف المحققين يحرصون دائما على الجمع بين النصوص متى أمكن الجمع .

أقول : وطريقة الجمع بالنسبة لهذا الحديث هي اعتبار ما ورد فيه من حمل الرأس من باب عقوبة من تغلظ جرمه ..

وسنبين إن شاء الله في الفصل التالي أن هذه الحالة مخصصة لعموم الأمر بإحسان القتل .

 

الشبهة الرابعة : الاستدلال بفعل الصحابة

وما روي عنهم من تحريق وقتل بغير السيف .

فقد روى البيهقي في شعب الإيمان :

 (عن محمد بن المنكدر، أن خالد بن الوليد، كتب إلى أبي بكر الصديق، أنه وجد رجلا في بعض ضواحي العرب بالمدينة ينكح كما تنكح المرأة، فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: علي بن أبي طالب، فقال علي: " إن هذا ذنب لم يعمل به أمة إلا أمة واحدة، ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقه بالنار "، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار، فأمر أبو بكر أن يحرق بالنار. قال: " وقد حرقه ابن الزبير، وهشام بن عبد الملك ") شعب الإيمان (7/ 281)

ويرد على هذا الاستدلال : أن دعوى إجماع الصحابة منقوض بمخالفة ابن عباس .

لما روى البخاري عن عكرمة أن عليا، رضي الله عنه، حرق قوما فبلغ ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه.

وبهذا يكون الصحابة مختلفين في مشروعية العقوبة بالتحريق، وليس قول بعضهم حجة على الآخر .

قال ابن عاصم في مرتقى الوصول :

وليس حجة على الصحابي ...مذهب غيره من الأصحاب .

و قال الشوكاني :

 (اعلم: أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر، وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر، والآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم.) إرشاد الفحول (2/ 187)

وقال الجويني :

(واجمعوا ان قول الصحابي لا يكون حجة على الصحابي والظاهر من المذاهب انهم اذا اختلفوا يسقط الاحتجاج باقوالهم) الاجتهاد (ص: 121)

وإذا سقط الاحتجاج باقوالهم في هذه المسألة لم يبق من دليل إلا اتباع اللسنة التي دلت على عدم مشروعية التحريق .

قلت : وربما يكون الصحابة الذين قالوا بمشروعية التحريق لم يبلغهم نسخه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .

ولعل هذا هو ما أراد الجصاص التنبيه عليه عندما قال :

(..قوله تعالى : {فاقتلوا المشركين} يقتضى عمومه جواز قتلهم على سائر وجوه القتل إلا أن السنة قد وردت بالنهى عن المثلة وعن قتل الصبر بالنبل ونحوه وقال النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم : "أعف الناس قتلة أهل الإيمان" ‘ وقال : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".

وجائز أن يكون أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة والرمي من رءوس الجبال والتنكيس في الأبار إنما ذهب فيه إلى ظاهر الآية وكذلك على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه حين أحرق قوما مرتدين جائز أن يكون اعتبر عموم الآية...) أحكام القرآن ـ للجصاص (4/ 270).

وقال الماوردي في الجواب على ما نسب إلى خالد رضي الله عنه من التحريق :

( قيل عنه جوابان : أحدهما : أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنكرا ذلك من فعله وبرئا إلى الله من فعله .

 والثاني : أنها كانت حالا لم ينتشر فيها حكم النهي، ففعل خالد من ذلك ما اقتضاه حكم السياسة عنده : لأنه كان في متقدم الإسلام، وكانوا أول قوم تظاهروا

 بالردة بعد قبض الرسول - {صلى الله عليه وسلم} - وآمنوا بمسيلمة الكذاب، فأظهر بما فعل من إحراقهم بالنار، أعظم العقوبات لارتكابهم أعظم الكفر، ثم علم بالنهي فكف وامتنع، ) الحاوي الكبير للماوردي ـ (14/ 384).

وقال الشوكاني : ( النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد الأمر بإحراق رجلين مشركين قد بالغا في الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقا القتل ثم علل ذلك بهذه العلة التي تفيد أنه لا يجوز التحريق بالنار لأحد من عباد الله سواء كان مشركا أو غير مشرك وإن بلغ في العصيان والتمرد على الله أي مبلغ فما وقع من بعض الصحابة محمول على أنه لم يبلغه الدليل.) السيل الجرار(ص: 953).

أما الطبري فقد اختار توجيه ما يروى عن الصحابة من التحريق : بأن التحريق المذكور وقع بعد القتل وليس في حال الحياة، حيث قال :

(..إلا أن يقول : يقتل ثم يحرق، أو يرجم ثم يحرق، فيكون ذلك وجها محتملا، فعل كثير ممن تقدم من أئمة الدين فقد ذكر عن الصديق رحمة الله عليه وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه، أنهما أحرقا بعد القتل قوما ارتدوا عن الإسلام..) تهذيب الآثار للطبري (6/ 439).

ويقوي هذا التوجيه الذي ذهب إليه الطبري ما رواه الحاكم في المستدرك وسكت عنه الذهبي في التلخيص :

عن عمران بن ظبيان عن أبي يحيى قال : لما جاءوا بابن ملجم إلى علي قال : إصنعوا به ما صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم برجل جعل له أن يقتله فأمر أن يقتل و يحرق بالنار.

واستحسن هذا القول إسحاق بن راهويه كما قال ابن رجب :

 (ورُوي عن عليٍّ أنَّه أشار على أبي بكر أنْ يقتلَه ثم يحرقه

بالنار، واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه لئلا يكون تعذيباً بالنار.) جامع العلوم والحكم (19/ 14).

وبهذا يتبين أن النصوص الدالة على وجوب إحسان القتل لا معارض لدلالتها على الوجوب ..

وإنما يتعين فقط النظر في مخصصات هذا العموم، ونشرع في بيان ذالك في الفصل التالي إن شاء الله.

 

الفصل الثاني

في مخصصات الأمر بإحسان القتل

قوله صلى الله عليه وسلم : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" يشمل كل قتل، لأنه ورد في صيغة الشرط ..

وقد أشار الشيخ "سيدي عبدو الله" في مراقي السعود إلى أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم، فقال عاطفا عليها :

وَنَحْوُ لَا شَرِبْتَ أَوْ وَإِنْ شَرِبَا ... وَاتَّفَقُوا إِنْ مَصْدَرٌ قَدْ جَلَبَا.

وإذا تقرر أن قوله صلى الله عليه وسلم "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" يشمل بعمومه كل قتل، فإنه يتعين- قبل العمل بهذا العموم- البحث عن مخصصاته، لمعرفة ما إن كان مخصوصا أو هو باق على عمومه ..

وقد حكى ابن الحاجب وغيره الإجماع على عدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص .

و قال ابن عاصم في مرتقى الوصول :

والأخذ بالعموم قبل البحث عن ... مخصص مما به المنع اقترن .

وقد شرعت في استقراء وتتبع النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، بحثا عما يمكن أن يوجد فيها من مخصصات للأمر بإحسان القتل ..

وبعد البحث والتتبع وقعت على مجموعة من النصوص والحالات الصالحة لتخصيص هذا الأمر ..

والفائدة من جمع هذه المخصصات هو بيان معرفتها وحصرها، حتى تستثنى من هذا الحكم، ويحكم به في سائر الحالات ..

وإني وإن كنت قصدت حصر واستيفاء جميع المخصصات إلا أني لا أدعي الجزم بأني نجحت في ذالك ..

فيبقى الباب مفتوحا لكل مسألة صالحة للتخصيص حتى تضاف إلى هذه المخصصات..

وأما سائر الحالات التي لا تصلح للتخصيص فيجب القول فيها بوجوب إحسان القتل .

واعلم أن البعض يجمع النصوص جمعا ويستدل بها استدلالا أعور، فيجعل النصوص المخصصة لإحسان وجوب القتل في حالة ما دليلا على إبطاله بالكلية وجواز إلغائه في كل الحالات !

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" فلا يستطيعون الجمع بينه وبين ما ذهبوا إليه !

وهذا من ضعف النظر وقلة الفقه !

ونشرع الآن في ذكر هذه المخصصات :

المخصص الأول : حالة القتال في المعركة مع الكفار

فيجوز في هذه الحالة قتل الكافر بما أمكن، وضربه في أي موضع تيسر..

وذاك لأنها حالة اضطرار، فيشرع فيها ما لا يشرع في حالة الاختيار ..

و هي التي أمر الله فيها بالشدة على الكفار المحاربين كما في قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9].

وقوله تعالى :{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].

وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123].

وإذا كانت حالة الاقتتال هي محل الشدة والبأس فلا يسع أي فريق فيها إلا ان يواجه خصمه بكل قوة ويثخن فيه ما أمكن من إثخان..

ولهذا قال تعالى : {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57].

قال بن كثير :

 (معناه: غَلّظ عقوبتهم وأثخنهم قتلا ليخاف من سواهم من الأعداء، من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة..) تفسير ابن كثير (4/ 79).

ولا شك أن شدة القتل وقوة الضرب لها أثر قوي في نفوس الأعداء كما كان عبد الله بن رواحة يقول :

خلوا بني الكفار عن سبيله  .... اليوم نضربكم على تنزيله

ضربا يزيل الهام عن مقيله .... ويذهل الخليل عن خليله

و قال تعالى : {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }( الأنفال 12 ).

قال الرازي معلقا على هذه الآية :

(.. وذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى المقتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل ..) تفسير الرازي : مفاتيح الغيب ـ (28/ 39).

وقال ابن حبيب المالكي :(ولا بأس أن تقتل المشرك قبل ظفرك به بأي قتلة أمكنك. فأما بعد الظفر فلا ينبغي أن تمثل به, ولا تعبث عليه ولكن تضرب عنقه.) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (3/ 72).

فالكافر في ساحة المعركة يقتل بكل ما تيسر من وسائل القتل، وفي ذالك يقول الشوكاني:

( قد أمر الله بقتل المشركين ولم يعين لنا الصفة التي يكون عليها ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا فلا مانع من قتلهم بكل سبب للقتل من رمي أو طعن أو تغريق أو هدم أو دفع من شاهق أو نحو ذلك ولم يرد المنع إلا من التحريق ..) السيل الجرار(ص: 953).

 

 

بل حتى بالنسبة للنار التي نهي عن التعذيب بها والقتل بها، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا النهي خاص بحالة الاختيار، أما في حالة الاضطرار والالتحام مع الكفار فإنه يشرع قتلهم بالنار إذا لم يتيسر قتلهم بغيرها ..

 قال البيهقي : (وما روي في، نصب المنجنيق على الطائف، فإنه ورد في قتال المشركين ما كانوا ممتنعين ) السنن الصغرى (3/ 385).

وفي هذا يقول العلامة محمد مولود في نظم الكفاف :

والنار إن لم يمكن أن يقاتلوا .... بغيرها حل لنا ويحظل

إن كان فيهم مسلم ما لم يُخف ... على الكثير أن يناله التلف.

وقال البهوتي :

( "وكذا يجوز رميهم" أي : الكفار "بالنار، والحيات، والعقارب في كفات المجانيق، ويجوز تدخينهم في المطامير، وفتح الماء لغرقهم، وفتح حصونهم وعامرهم" أي : هدمها عليهم؛ لأنه في معنى التبييت "فإذا قدر عليهم لم يجز تحريقهم " لحديث : إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) كشاف القناع عن متن الإقناع (8/ 27)

وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن الأوزاعي في قوله تعالى: {واضربوا منهم كل بنان} قال : (اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار، فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك).

غير أن السنة بينت أنه يشرع في حالة القتال الضرب في أي موضع خلا الوجه ..

لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه " أخرجه الشيخان.

قال الصنعاني :

 ( وهو دليل على تحريم ضرب الوجه وأنه يتقى فلا يضرب ولا يلطم ولو في حد من الحدود الشرعية ولو في الجهاد..) سبل السلام (4/ 191).

وينبغي التنبيه إلى القيد بوصف (الكفار)الذي ذكرناه في قولنا: (حالة القتال في المعركة مع الكفار)لأن القتال مع من يشرع قتاله من الطوائف المسلمة كالبغاة ونحوهم لا يسري عليه هذا الحكم بل يدفع شرهم بأيسر ما يصدهم ولا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم إلا إذا فعل ما يستوجب القتل.

واما وصف (المعركة) فليس قيدا على الخصوص بل المراد به كل من كان في حالة امتناع من الكفار بخلاف الاسير .

المخصص الثاني : ضرورة الحرب ومصلحة المسلمين

الأمور في الحرب مبنية على الضرورات، من تحقيق المصالح ودفع المفاسد ..

 ولهذا يباح فيها مالا يباح في غيرها، فيباح فيها الكذب للمصلحة، ويباح فيها التظاهر بالكفر ..

ويباح فيها قتل بعض المسلمين لإنقاذ من هو أكثر منهم من المسلمين (مسألة التترس)..ويباح فيها تحريق نخل العدو وعقر دوابه ..

ويباح فيها تعريض المجاهد نفسه للهلاك إن كان في ذالك نكاية عظيمة في العدو ورفع ضرر عن المسلمين ولم توجد وسيلة أخرى ..

 ونحو ذالك مما هو في الأصل محظور في الشرع ومنهي عنه.

ولهذا قال ابن قدامة في مسألة حمل الرؤوس بعد أن بين عدم جوازها :

 ( وإن فعلوا ذلك لمصلحة جاز ..) المغني (21/ 192).

وقال السرخسي أيضا في مسألة حمل الرؤوس :

 (وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أنه إذا كان في ذلك كبت وغيظ للمشركين أو فراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين فلا بأس بذلك.) شرح السير الكبير (1/ 120)

فإذا اقتضت ضرورة الحرب أن يُقتل بعض أفراد الكفار المأسورين لدى المسلمين بغلظة وشدة يتوصل من خلالها إلى بث الرعب في قلوب من وراءهم من الكافرين كما قال عنترة : كنت أعمد إلى الجبان فأضربه ضربة ينخلع لها قلب الشجاع ..

وكما قال الشاعر :

إذا ترك الشجاع بغير قلب .... فكيف يكون في قلبِ الجبانِ ؟!

فحينها لا حرج في ذالك ..

لأن الحرب النفسية لها أثر كبير على طبيعة وسير الحرب الميدانية ..

على أن يكون هذا الفعل محققا باليقين أو بغلبة الظن لهذه المصلحة، بلا وجود مفسدة أعظم منها..

وعلى أن لا يتوسع في الأمر حتى يخرج عن نطاق الضرورة فيغدو كأنه هو الأصل ..فالضرورة تقدر بقدرها ...

وتحديد المصلحة المبيحة لهذا المحظور ليس مقبولا من كل أحد، بل لا يسمع في ذالك إلا لأهل العلم الذين جمعوا بين معرفة الشرع وإدراك الواقع، وقد وصفهم الغلاوي في نظم بوطليحية بقوله :

وخصصوا الترجيح بالمصالح ... وبالمفاسد لثبت صالح

لـــكــونه أهــلا لــلاجتــــهـــاد... قد أتقن الآلات بالسهاد

فــقـيه نــفـــس لم يكن مغفلا .... وبأصول الفقه قد تكفلا .

كما أن الإكثار من هذا الأمر (وهو الشدة في القتل بطريقة ترهب الكفار) مناقض للحكمة المرجوة منه لأنه لن تكون له جدوى إلا إذا كان يحدث مرة مرة، لا على هيئة مستمرة .. ولأنه إن تحول إلى عادة متكررة، فستألفه النفوس ولن يكون له تأثير علة الأعداء أو مضرة ..

المخصص الثالث : المعاملة بالمثل

فإذا قام الكفار بالإساءة لأسرى المسلمين، أو قتلهم بطريقة لا رحمة فيها، فيجوز للمسلمين فعل الشيء نفسه بأسرى الكافرين، عقوبة لهم وزجرا .

وذالك لقوله تعالى : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .

ونحوها من الآيات الدالة على مشروعية القصاص ..

قال ابن جرير في تعليقه على هذه الآية : ( معناه : فمن اعتدى عليكم في الحرم فقاتلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلت الحرمات قصاصا، ) تفسير ابن جريرالطبري(3/ 310).

 روى البخاري عن أنس بن، رضي الله عنه :( أن رهطا من عكل ثمانية قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فقالوا يا رسول الله ابغنا رسلا قال ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم فأتى الصريخ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب فما ترجل النهار حتى أتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا).

وقد ترجم لهذا الحديث بقوله : "باب : إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق".

وإذا كان فقه البخاري في تبويبه فإن إيراده لهذا الحديث تحت هذه الترجمة يدل على أنه يعتبر عقوبة النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين من باب العقوبة بالمثل

وعن عمران بن حصين قال : (ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أمرنا فيها بالصدقة ونهانا عن المثلة) وفي لفظ : « ..ونهانا عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم، فإنا لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا؛ فنفعل بهم مثل ما فعلوا ». رواه الإمام أحمد وغيره .

وقال الباجي :( لا يمثل بالأسير إلا أن يكونوا مثلوا بالمسلمين .) التاج والإكليل (5/ 146).

وقد ذكر ابن قدامة في المغني : (أن عمرو بن العاص حين حاصر الإسكندرية، ظفروا برجل من المسلمين، فأخذوا رأسه، فجاء قومه عمرا مغضبين، فقال لهم عمرو خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه، فارموا به إليهم في المنجنيق، ففعلوا ذلك، فرمى أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى قومه .) المغني (21/ 192).

و اختلف أهل العلم هل يجوز رمي الكفار بنبل مسموم بين مجيز ومانع..

 وثالث الأقوال أنه لا يجوز إلا إذا رمونا به معاملة لهم بالمثل ..

و في ذالك يقول العلامة محمد مولود في نظم الكفاف :

وهل لنا بالنبل سُمَّ رميهم ... ثالثها يجوز إن رموا بسم .

فإذا كانت عمليات الذبح وقطع الرؤوس وغيرها من طرق القتل التي قد يستبشعها الناس وقعت من باب المعاملة بالمثل والرد على من فعل ذالك بالمسلمين فلا شك في مشروعيتها، ولكن ينبغي بيان ذالك والتصريح به حتى يعلم الكفار أن هذا الفعل جاء ردا على فعلهم، فيلوموا أنفسهم قبل أن يلوموا المسلمين .

المخصص الرابع :تعزير من تفاحش جرمه

يظهر باستقراء النصوص وتتبعها أن من تفاحش جرمه وكان حكمه القتل يشرع قتله بطريقة تكون نكالا له وزجرا لغيره كما هو الحال في عقوبة الزاني المحصن وعقوبة المحاربين وما ذهب إليه بعض أهل العلم من عقوبة أهل الفاحشة (عمل قوم لوط) .

وقد اختار جمع من علماء الأصول أن العام إذا خرج من حكمه بعض الأفراد بمخصِّص لحكمة تخص تلك الافراد، ثم وجدت تلك الحكمة في شيء، آخر فيجوز قياسه على تلك الأفراد لتكثير المصلحة ..

وقد أشار إلى ذالك صاحب مراقي السعود بقوله :

وقس على الخارج للمصالح ... ورب شيخ لامتناع جانح .

وعلى هذا القول يمكن قياس عقوبة من تفاحش جرمه على عقوبة الزاني المحصن والفاعل لفاحشة والمحارِبين .

كما ذهب بعض أهل العلم إلى أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين يدلُّ على جواز التمثيل بمن تغلَّظَتْ جرائمُهُ .

يقول ابن رجب في ذكر تعليلات أهل العلم لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين:

(..ومنهم مَنْ قال : بل هذا يدلُّ على جواز التمثيل بمن تغلَّظَتْ جرائمُهُ في الجملة وإنَّما نهي عن التمثيل في القصاص، وهو قول ابنِ عقيل من أصحابنا .) جامع العلوم والحكم (19/ 12).

وللسبب نفسه ذهب الإمام مالك إلى أن الإمام مخير بين قتل المحارب أولا أو صلبه حيا حسب غلظ جرمه..

قال ابن رشد : ( قال مالك وأرى اجتهاد الإمام يسعه في ذلك على المحارب إذا أراد أن يقتله ويصلبه، أو يصلبه حياً ؟ وسعة ذلك على أشنع ذلك، يريد: على قدر جرمه..) البيان والتحصيل (2/ 268)

ونسب ابن رشد أيضا هذا القول لابن القاسم فقال :

( وأما المصلوب، فقيل إنه يقتل ثم يصلب، وهو قول أشهب؛ وقيل إنه يصلب حياً ثم يقتل في الخشبة، وهو قول ابن الماجشون؛ وجعل ابن القاسم الإمام مخيراً في ذلك باجتهاد على قدر ما رأى من جرمه..) البيان والتحصيل (2/ 270).

ولعل ذالك أيضا هو السبب في إحراق علي رضي الله عنه لبعض المرتدين ..

قال الزرقاني :

( روى العقيلي عن عثمان الأنصاري قال جاء ناس من الشيعة إلى علي فقالوا يا أمير المؤمنين أنت هو قال من أنا قال أنت هو قال ويلكم من أنا قالوا أنت ربنا قال ويلكم ارجعوا وتوبوا فأبوا فضرب أعناقهم ثم قال يا قنبر ائتني بحزم الحطب فحفر لهم في الأرض أخدودا فأحرقهم بالنار ثم قال :

 لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (4/ 18).

والقصة رواها ابن حجر في الفتح بإسناد حسن.

 والشاهد منها قوله : لما رأيت الأمر امرا منكرا ....الخ .

فهو تصريح من علي رضي الله عنه بأن الحامل له على إحراق هؤلاء هو شناعة جرمهم .

أما استنكار ابن عباس لفعل علي رضي الله عنه وقوله : ( لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري.

فمقصود ابن عباس النهي عن التحريق خاصة لما ورد من النهي عنه ولا يشمل غيره من طرق القتل التي قد يكون فيها نكال بمن تفاحش جرمه .

ولعل من هذا القبيل أيضا ما يروى من كيفية قتل الجعد بن درهم ..

فقد روى البيهقي في السنن الكبرى والذهبي في مختصر العلو عن عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال : شهدت خالد بن عبد الله القسري وخطبهم بواسط فقال : ( يا أيها الناس ضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه ).

والقصة رواها البغوي في شرح السنة وابن بطة في الإبانة الكبرى .

وليست الحجة في هذه القصة هي فعل خالد بن عبد الله القسري، وإنما الحجة في الإجماع السكوتي من أهل العلم على فعله حيث لم ينكر أحد منهم هذا الفعل .

قال الدارمي في "الرد على الجهمية" : (وأما الجعد فأخذه خالد بن عبد الله القسري فذبحه ذبحا بواسط، في يوم الأضحى على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، لا يعيبه به عائب ولا يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه.) الرد على الجهمية (ص: 21).

وقال ابن القيم :

ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ... ـقسري يوم ذبائح القربان

اذ قال ابراهيم ليس خليله ... كلا ولا موسى الكليم الداني

شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان.

وطريقة الفقهاء أن يقولوا : فعل ولم ينكر، فكان إجماعا .

والإجماع معدود ضمن المخصصات ولهذا قال صاحب مراقي السعود عطفا على المخصصات :

واعتبر الإجماع جل الناس ... وقسمي المفهوم كالقياس .

ودعك من منكري الإجماع، فإنهم لا أرضا زرعوا، ولا ثمرا حصدوا !

أما الاعتاداد بالإجماع في عصر الصحابة دون الإجماع في العصور الأخرى فهو من مذهب الظاهرية وجمودهم، وإلى ذالك أشا ر صاحب مرتقى الوصول في كلامه على الإجماع فقال :

وليس مقصورا على الصحابه .... والظاهري جاعل ذا دابه .

المخصص الخامس :رجم الزاني المحصن

 ثبت بالسنة وبفعل النبي صل الله عليه وسلم قتل الزاني المحصن رجما بالحجارة .

وقد يقول البعض إن القتل بالرجم قتلة بشعة معارضة لما ورد في السنة من الأمر في الإحسان بالقتلة ..

ونقول : إذا كانت السنة التي أمرت بالإحسان في القتل هي التي أمرت بالرجم، فلا تعارض في ذالك، بل يكون ذالك دليلا على أن قتل الزاني المحصن لا يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" ..

 وأن استثناءه من الدخول في هذا العموم لم يأت إلا لحكمة يعلمها الشارع ..

وقد أشار ابن القيم إلى بعض هذه الحكمة فقال :

 (..وإنما شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة ليصل الألم إلى جميع بدنه حيث وصلت إليه اللذة بالحرام ولأن تلك القتلة أشنع القتلات والداعي إلى الزنا داع قوي في الطباع فجعلت غلظة في مقابلة قوة الداعي ولأن فيه تذكيرا لعقوبة الله لقوم القاء بالرجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة.) الصلاة وأحكام تاركها (2/ 3).

وقد أطل علينا في هذه الأيام بعض زنادقة الفكر الذين أنكروا مشروعية رجم الزاني المحصن !

 وأعتقد أن الرد على هؤلاء من العبث وتضييع الوقت والجهد، لأن لديهم اعوجاجا فكريا لا يقيمه إلا السيف .

المخصص السادس : حد الحرابة

 اختلف أهل العلم في الصلب الوارد في قوله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ... }الآية [المائدة: 33].

فقال بعضهم : يصلب أولا ثم يترك حتى يموت واعتبروا الآية مخصصة لقوله صلى الله عليه وسلم : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" .

وقال بعضهم : يقتل بالسيف أولا ثم يصلب، أخذا بعموم الحديث.

قال البغوي :

 ( وإذا فعل ما يستحق الصلب، اختلفوا في كيفيته، فظاهر مذهب الشافعي انه يقتل، ثم يصلب، وقيل : يصلب حياً، ثم يطعن حتى يموت مصلوباً، وهو قول الليث بن سعد، وقيل : يصلب ثلاثة أيام حياً، ثم ينزل، فيقتل، ) شرح السنة ـ للإمام البغوى (10/ 261).

وقال الكاساني :

( وأما كيفية الصلب فقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يصلب حيا، ثم يطعن برمح حتى يموت، وكذا ذكر الكرخي، وعن أبي عبيد أنه يقتل، ثم يصلب، وكذا ذكر الطحاوي - رحمه الله - أن الصلب حيا من باب المثلة، ) بدائع الصنائع (15/ 258).

فالقائلون بوجوب القتل قبل الصلب استدلوا بظاهر الحديث وعمومه .

ولأن تقديم الصلب على القتل من التعذيب المنهي عنه .

قال أبو إسحاق الشيرازي :

 (والدليل على أنه يصلب بعد القتل قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة..) المهذب في فقه الإمام الشافعي (2/ 284).

وقال البجيرمي الشافعي :

(..فيشترط تقديم القتل على الصلب وما قيل : إنه يصلب حيا ويبعج بطنه برمح إلى أن يموت باطل .

فيحرم ذلك كالخازوق والسلخ والخنق الذي يفعله الحكام .

قال صلى الله عليه وسلم : { فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة } ..... ولا يقدم الصلب على القتل لكونه زيادة تعذيب ) تحفة الحبيب على شرح الخطيب (12/ 321).

قلت : والقاعدة في الترجيح أن الجمع بين النصوص متى أمكن فهو متعين، كما قال في المراقي :

والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بينا .

ولا شك أن القول بوجوب القتل قبل الصلب فيه جمع بين آية الصلب وحديث شداد بن أوس، فيتعين المصير إلى هذا القول .

وعلى هذا القول لا يعتبر حد الحرابة مخصصا لعموم الحديث .

المخصص السابع : حد الفاحشة (عمل قوم لوط)

اختلف أهل العلم في عقوبة من فعل الفاحشة على اقوال :

القول الأول : أنه يقتل سواء كان محصنا أو غير محصن .

لحديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (من وجدتموه يأتي البهيمة فاقتلوه واقتلوها معه ومن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه .

وهو قول الشافعي وجماعة من أهل العلم .

قال الصنعاني :

(وتعجب في المنار من قلة الذاهب إلى هذا مع وضوح دليله لفظا

وبلوغه إلى حد يعمل به سندا) سبل السلام (4/ 14)

قلت : وإذا لم يرد تحديد لكيفية القتل، فالأصل أنه يتعين القتل بالكيفية الشرعية التي تتضمن الإحسان في القتل .

القول الثاني : أنه يحد حد الزاني .

فيقاس عليه بجامع إيلاج محرم في فرج محرم.

قال ابن عبد البر :

 ( ذكر ابو بكر بن ابي شيبة قال حدثني معن بن ابي عيسى عن بن ابي ذئب عن الزهري قال يرجم اللوطي اذا كان محصنا واذا كان بكرا جلد مائة ويغلظ عليه في الحبس والنفي.) الاستذكار (7/ 460)

وقال الخطابي :

 (قلت : في هذا الصنع هذه العقوبة العظيمة وكأن معنى الفقهاء فيه أن الله سبحانه أمطر الحجارة على قوم لوط فقتلهم بها ورتبوا القتل المأمور به على معاني ما جاء فيه في أحكام الشريعة فقالوا يقتل بالحجارة رجماً إن كان محصناً ويجلد مائة إن كان بكراً ولا يقتل.) معالم السنن للخطابي (3/ 332).

وهذا قول عطاء ومجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب والحسن وأبي ثور وأبي يوسف وهو قول عند الشافعي ورواية عن أحمد.

واعترض الصنعاني على قياسهم الفاحشة على الزنا فقال:

 (و لا يخفى أن هذه الأوصاف التي جمعوها علة لإلحاق اللواط بالزنا لا دليل على علتها.) سبل السلام (4/ 13).

القول الثالث : أنه يرجم أحصن أم لم يحصن .

عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه في البكر يوجد على اللوطية قال : يرجم.رواه أبو داود.

وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن الوليد، عن يزيد بن قيس؛ أن عليا رجم لوطيا.

قال الباجي :

( قال مالك ولم نزل نسمع من العلماء أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا . قال مالك وربيعة الرجم هو العقوبة التي أنزل الله تعالى بقوم لوط ولأن هذا فرج لآدمي فتعلق الرجم بالإيلاج فيه كالقبل، ولأن هذا لا يستباح بوجه فلذلك تعلق به من التغليظ أشق ما تعلق بالقبل، ولأنه إيلاج لا يسمى زنا فلم يعتبر فيه الإحصان كالإيلاج في البهيمة.) المنتقى - شرح الموطأ (4/ 150)

و قول بن عباس هذا مروي عن علي بن ابي طالب وعثمان بن عفان.

وبه قال مالك وجابر بن زيد ابو الشعثاء وعامر الشعبي الليث بن سعد واسحاق بن راهوية واحمد في رواية .

القول الرابع : أنه يلقى من شاهق، ويُتبَع بالحجارة.

 كما فعل الله بقوم لوط، لأن الله تعالى لما ذكر عقوبتهم قال : { وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ }.

قال ابن كثير :( أي: وما هذه النقمة ممن تَشَبَّه بهم في ظلمهم، ببعيد عنه).

وقد أخرج البيهقي عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللوطي فقال : ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة .

وهذا القول رواه البيهقي أيضاعن علي رضي الله عنه .

القول الخامس : أنه يحرق بالنار.

قال الصنعاني :

(أخرج البيهقي أنه اجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريق الفاعل والمفعول به وفيه قصة وفي إسناده إرسال وقال الحافظ المنذري حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك) سبل السلام (4/ 13)

وقال القرطبي : (وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرق رجلا يسمى الفجاءة حين عمل عمل قوم لوط بالنار. وهو رأي علي بن أبي طالب؛ فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستشارهم فيه؛ فقال علي : إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما علمتم، أرى أن يحرق بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار فأحرقه. ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه. ثم أحرقهم هشام بن الوليد. ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق.) تفسير القرطبي (7/ 244)

ولكن هذا القول ترده أحاديث النهي عن التعذيب بالنار .

التي تفيد عدم مشروعية التعزير والعقوبة بالنار .

ولم يحدث من الصحابة إجماع على التحريق بالنار بدليل إنكار ابن عباس رضي الله عنه .

فتحصل من هذا أنه : بالنسبة للقول الأول لا تعتبر عقوبة الفاحشة مخصصا لحديث شداد بن أوس .

وأما بالنسبة لبقية الأقوال فتعتبر مخصصا له .

إلا أن القول الأخير ضعيف جدا كما بينا .

المخصص الثامن : القصاص من القاتل

ذهب الأحناف إلى أن القاتل يتعين ضربه بالسيف أخذا بعموم الأمر بإحسان القتل ..

وقال المالكية والشافعية والحنابلة : يقتل بالطريقة نفسها التي قتل بها..

وعلى هذا القول يعتبر الأمر بإحسان القتل مخصَّصا بالنصوص التي شرعت القصاص معاملة بالمثل .

كقوله تعالى : [ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ].

 وقوله تعالى : [وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ] فظاهر هذه الآيات يدل على استيفاء القود بمثل فعل الجاني .

ولما روى البخاري عن أنس بن مالك قال :

(عدا يهودي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها فأتى بها أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتلك فلان لغير الذي قتلها فأشارت برأسها أن لا قال فقال لرجل آخر غير الذي قتلها فأشارت أن لا فقال ففلان لقاتلها فأشارت أن نعم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين).

قال القسطلاني :

(...واستدلّ به الشافعية والمالكية والحنابلة على أن القاتل يقتل فيما قتل به، وقال الحنفية: لا يقتل إلا بالسيف لحديث "لا قود إلا بالسيف") إرشاد الساري (8/ 168).

قلت : والذين جوزوا القصاص بغير السيف اعتبروا القصاص غير داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" ’أي أنه مخصص له..

 ولهذا قال ابن رشد معلقا على هذا الحديث : ( لا حجة فيه على مالك، لأن المعنى فيه عنده إنما هو فيمن وجب عليه قتل في غير قصاص، ) البيان والتحصيل (15/ 462).

 

الفصل الثالث

في كيفية القتل المشروع

إذا كان القاتل لمن يباح قتله استباح دمه بشرع الله فعليه أن يلتزم في قتله بشرع الله في كل صغيرة وكبيرة ..

لا أن يجعل الشرع وسيلة يستحل بها القتل، ثم يجعل نفسه في حل من الخروج على الشرع في كيفية القتل !

وفي ذالك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (فلابدّ من القتل الشرعي، ولكن الإحسان فيه يكون بأن يقتل أحسن القتلات، ) جامع المسائل لابن تيمية (4/ 390).

حينما يبيح الشرع قتل إنسان، كأن يكون أسيرا محاربا، أو مرتدا مارقا، أو مرتكبا ما يوجب القتل قصاصا، فليس من المشروع قتله بأي وسيلة على وجه الاختيار ..

فلا يشرع حرقه بالنار ..

ولا يشرع إغراقه في المياه والبحار ..

ولا يشرع رميه من فوق شاهق أو جدار ..

ولا يشرع تقطيع أعضائه، أو تمزيق أحشائه، أو تهشيم رأسه بالأحجار ..

وإنما يشرع ضربه بالسيف في موضع واحد هو العنق..

لقوله تعالى : {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4]

ولقوله تعالى : {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12].

قال القرطبي عند قوله تعالى : {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} :

( قال الزجاج : أي فاضربوا الرقاب ضربا. وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بها..) تفسير القرطبي (16/ 225).

وقال ابن رجب : (وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق ) جامع العلوم والحكم :[ ص: 383 ].

وقال سحنون: أخبرني معن عن مالك، قيل: أيضرب وسطه بالسيف؟ (يعني الأسير) قال: قال الله سبحانه: " فضرب الرقاب " ولا خير في العبث. "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات" (3/ 73).

واعلم أن المفسرين ذكروا خلافا بين أهل العلم في معنى قوله تعالى : {فوق الأعناق}، هل المراد به الرأس، أم العنق نفسه ؟

ومن تأمل قوله تعالى : {فضرب الرقاب}، وجده مفسرا لقوله تعالى : {فوق الأعناق} ’ وخير ما يفسر به القرآن هو القرآن .

قال ابن كثير :

 (وقد اختلف المفسرون في معنى: { فَوْقَ الأعْنَاقِ } فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة.

وقيل: معناه: { فَوْقَ الأعْنَاقِ } أي: على الأعناق، وهي الرقاب. قاله الضحاك، وعطية العوفي.

ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } [محمد: 4].) تفسير ابن كثير(4/ 25).

وإذا كانت الآيتان تتحدثان عن حالة الالتحام مع الكفار التي يباح فيها ضربهم في كل موضع بلا إنظار ..لأنها حالة شدة و اضطرار ..

ففي ذالك إشارة إلى كيفية القتل المختار ..

لأن الشارع إذا أمر بهذه القتلة في حالة الاضطرار، دل ذالك على ضرورة الالتزام بها في حالة الاختيار ..

وقد صرحت السنة بهذا الامر، فروى وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فطلبوا رجلا، فصعد شجرة فأحرقوها بالنار، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك, فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : "إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق".

رواه الطبري في تفسيره وابن أبي شيبة في المصنف من طريق وكيع بهذا الإسناد.

وفي حديث معاذ لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال : "وأيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه " رواه الطبراني في المعجم الكبير ومسند الشاميين.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد قتل شخص أمر بضرب عنقه ..

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يفهمون تلقائيا أن أمره بالقتل يعني الأمرَ بضرب العنق .

 ومن أمثلة ذالك رواية البزار عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال : ( لقيت خالي ومعه الراية، فقلت : أين تريد ؟ قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه وأمرني أن أضرب عنقه، وقال : اقتله ).

وولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم إذا استأذن أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم في قتل شخص يقول : دعني أضرب عنقه ..

كما فعل عمر رضي الله عنه عندما استأذن في قتل حاطب، وابن صياد..

وكما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى يوم بدر:

( أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكنى من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها)رواه مسلم .

يقول الشوكاني :

(كان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بضرب عنق من أراد قتله حتى صار ذلك هو المعروف في أصحابه فإذا رأوا رجلا يستحق القتل قال قائلهم يا رسول الله دعني أضرب عنقه حتى قيل إن القتل بغير ضرب العنق بالسيف مثلة..) نيل الأوطار (7/ 98).

وجوب القتل بالرصاص دون السيف

قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" فيه أمران :

الأمر الأول: استحباب الإسراع في القتل والذبح من أجل إراحة المقتول والمذبوح.

ودليل ذالك قوله صلى الله عليه وسلم : "وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".

فكل ما هو أسرع في الإجهاز على المقتول والمذبوح وأبلغ في إراحته فهو أفضل.

قال ابن رجب : (والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب : إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه ). جامع العلوم والحكم (ص: 152)

وقال أيضا : ( وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة)جامع العلوم والحكم (ص: 152).

وقال الشوكاني :( فالمراد بالإحسان ترك التعذيب وتعجيل ما يحصل به الموت ) السيل الجرار (ص: 954).

الأمر الثاني :

فيه الأمر بالقتلة الحسنة التي يستحسنها الناس ..

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بألإحسان في القتل، لكنه لم يحدد ما هي القتلة الحسنة، وإنما ترك تحديدها لعرف الناس، فكل ما تعارف الناس على أنه قتلة حسنة فهو مشروع، وما اتفقوا على أنه قتلة سيئة فهو ممنوع ..

قال الصنعاني في سبل السلام معرفا الإحسان المذكور في هذا الحديث :

( وهو فعل الحسن ضد القبيح فيتناول الحسن شرعا والحسن عرفا).

وقال عبد الرحمن بن محمد بن قاسم :

( فالإحسان يتناول الحسن شرعًا وعرفًا وذكر منه الإحسان في القتل لأي حيوان، بهيمي أو آدمي حتى في حد وغيره..) الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم (4/ 446).

وإذا كانت القتلة الحسنة المأمور بها تابعة لعرف الناس فلماذا نص العلماء على ضرورة القتل بالسيف دون غيره ؟

حتى قال ابن قدامة : (القتل إذا أطلق في لسان الشرع، كان قتلا بالسيف .) المغني (20/ 294).

وهل جعل السيف هو آلة القتل المشروعة مسألة توقيفية ؟

أم لها حكمة تعليلية ؟

الجواب : أن المسألة غير توقيفية وأن السيف لا يعتبر الوسيلة الشرعية الوحيدة للقتل المشروع .

وما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ".

 فلا تقوم به حجه لضعف جميع طرقه، فهي إما واهية أو مرسلة.

قال البيهقي : مدار هذا الحديث على جابر الجعفي وقيس بن الربيع، ولا يحتج بهما.

وقال أبو حاتم : حديث منكر وقال ابن الجوزي : طرقه كلها ضعيفة .

والتحقيق أن ما أرشد إليه الشارع من ضرب الرقاب بالسيف إنما هو لعلة واضحة ’ وحكمة لائحة .. وهي كون ضرب العنق هو أسرع الطرق لإزهاق نفس المقتول وأقلها ألما وأكثرها رحمة .

ولهذا فإن أهل العلم عندما يذكورون تعين القتل بالسيف يعللونه دائما بأنه أيسر وأحسن وأسرع :

قال ابن القيم : (وضرْبُ العنق بالسيف أحسن القِتلات وأسرعها إزهاقًا للنفس). الصلاة وأحكام تاركها (2/ 3).

وقال ابن قدامة :

(وأحسن القتل هو القتل بالسيف، ) المغني (20/ 294).

وقال ابن رجب : (وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق )جامع العلوم والحكمة :[ ص: 383 ]

وقال البهوتي :

 (ويكون القتل بالسيف, لحديث " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة " ) كشاف القناع : (21/ 122).

فكلام أهل العلم مصرح بأن العلة في اختيار القتل بالسيف في الموضع المذكور هو كونه أرفق قتلة وأسهلها ..

وهذا يعني أنه ليس هو وسيلة القتل الوحيدة المشروعة، بل تشرع كل وسيلة للقتل تحققت فيها هذه العلة ..

وربما صرح أهل العلم بذالك أحيانا ..

وفي ذالك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :

( والقتل المشروع : هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه لأن ذلك أروح أنواع القتل..) مجموع الفتاوى (28/ 313).

وقال الملا على بن سلطان القاري :

 (وَإذا جوزَ عُلماؤنا الحنفية قتلَ الرافضِي بالشُروطِ الشرعية، عَلى طريق السَياسَية العرفيّة، فَلاَ يجوز إحرَاقه بالنار وَنحوه مِن أنواع القتل الشنيعة ’ بَل يقتل بالسّيف وَنحَوه مِن آلات الموت السّريعَة، بقولِ صَاحِب الشريعَة: "إذَا قتلتم فاحسنوا القتلة" ولقوله عليه أفضل الصّلاة والسّلام : "لاَ تعذبُوا بعبَذاب الله") شم العوارض في ذم الروافض (ص: 90).

و قال الشوكاني :

 (وأما حديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" فالمراد بالإحسان ترك التعذيب وتعجيل ما يحصل به الموت وليس ذلك مختصا بقتل السيف...) السيل الجرار(ص: 954).

***

وحين يوجد من طرق القتل ما هو أمكن في تحقيق مقصود الشارع وأبلغ في إحسان القتل بتقليل الالم والإسراع في إزهاق النفس فإن المصير إليه متعين .

ولهذا قال ابن قدامة بعد ذكره لكيفية قطع يد السارق بالسيف :

 (..وإن علم قطع أوحى من هذا، قطع به .) المغني : (20/ 232)

وقوله : أوحى، أي : أسرع .

وفي أيامنا هذه أصبح لدينا من الوسائل (كالرمي بالرصاص) ما هو أبلغ في تحقيق مقصد الشرع الذي يهدف في القتل إلى إزهاق النفس بأيسر الوسائل وأسرعها وأقلها إيلاما ..

فالقتل بالرصاص اليوم أيسر للقاتل وأرحم بالقتيل .

وهو أيضا موافق لتفسير عكرمة لقوله تعالى : { فَوْقَ الأعْنَاقِ } بأنه يعني ضرب الرأس.

ثم ..لماذا الإصرار على ضرب الرقاب بالسيف وجعله وسيلة مفضلة في القتل مع أن السيف لم يعد هو الوسيلة القتالية ؟

نحن اليوم نقاتل الأعداء في ساحة المعركة بالرصاص ..

فلم العدول عن قتل من أردنا قتله منهم بالسلاح والرصاص إلى قتله بالسيف والسكين ؟

وما هي الميزة التي تجعلنا نعدل عن الوسيلة الأولى إلى الوسيلة الاخيرة إن لم يكن كون الأخيرة أشد إيلاما وأشد قسوة ؟

ولماذا نجعل الأعداء أكثر منا رحمة حين نمارس القتل بالسيف في الوقت الذي يمارسون هم فيه القتل بالرصاص ؟

إن الشريعة الإسلامية شريعة مرنة غير جامدة بل هي صالحة لكل زمان ومكان، متجددة بتجدد الحياة وتطور الإنسان ..

وأحيانا تتوارد النصوص الشرعية في مسألة ما وتتضافر لترسم في الأذهان صورة لمقصد شرعي مطلوب.. دون أن تقرر آلية محددة لتحقيقه، او تضع حدودا ظاهرة لتطويقه ..

وحينها تكون كل الوسائل والآليات المحققة له أمورا شرعية مطلوبة، حتى ولو لم تكن في الأمس القريب معروفة.

أما الإحجام عن الأخذ بمكملات المقاصد الشرعية، بحجة أنها وسائل بدعية، فهو يفضي إلى تعطيل تلك المقاصد أو تحجيمها مع إمكان تحقيقها وتكميلها ..

نضرب مثالا على ذالك بمسألة الاختلاط بين الجنسين ..

فالنصوص الشرعية متضافرة في التحذير من فتنة الاختلاط

والأمر بالفصل بين الرجال والنساء أمرا عاما ..

فنقول : إن كل مسألة تحقق الفصل بين الجنسين وتكمله تعتبر مطلوبة ما لم تكن مشتملة على محذور شرعي .

فإذا أمكن أن نجعل في المسجد حاجزا بين الرجال والنساء فهو أمر مطلوب شرعا لأنه يحقق المقصد الشرعي في الفصل بين الجنسين ..

وإذا أمكن تدريس النساء من وراء حجاب، فهو أمر مطلوب كذالك ..

ولا يقدح في شرعية هذا الأمر كونه لم يكن معمولا به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ’ لأن الآلية المحققة للمقصد الشرعي قد تتهيأ في ظرف وتنعدم في آخر ..

فحيث يمكن وجودها يتعين العمل بها .

صحيح أن هناك من أصبحت لديه عقدة مع "المقاصد"، لأن المميعين في هذا الزمان يستغلونها في القفز على المسلمات الشرعية الواضحة، مما جعل البعض يشطب عليها ويسقطها بالكلية ..!

لكن الموقف الشرعي المتوازن يرفض إهمالها كما يرفض استغلالها، ويوجب إعمالها بشروطها وفي مجالها .

إن القول بضرورة العدول عن القتل بالسيف في أيامنا هذه ليس لكونه غير مشروع في الأصل ..وإنما لأنه جد من وسائل القتل ما يحقق مقصود الشارع فيه بشكل أكمل ..

فهل من الشرع أو العقل القول بضرورة الحج على الإبل والحمير دون آلات النقل الحديثة بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا عليها ؟

وكما نص الفقهاء على عدم مشروعية القتل بغير السيف لما فيه من التعذيب والإساءة في القتل، فقد نصوا أيضا على عدم مشروعية القتل باسيف الكال للعلة نفسها ..

قال البهوتي :

 (فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه كقتله بسيف كال..) شرح منتهى الإرادات (10/ 340)

وقال الرحيباني :

 ( وعليه أي : الإمام أو نائبه تفقد آلة استيفاء قود ليمنع منه؛ أي : القود بآلة كالة لحديث : " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة " . والاستيفاء بالكالة تعذيب للمقتول ..) مطالب أولي النهى (17/ 286).

أقول : والعلة التي جعلت العلماء بالأمس يحذرون من القتل بالسيف الكال ’ هي العلة نفسها التي تجعلنا اليوم نحذر من القتل بالسيف مطلقا ولو كان غير كال ..

لأن الفرق بين القتل بالسيف الكال والقتل بالسيف الحاد ’ شبيه بالفرق بين القتل بالسيف الحاد والقتل بالرصاص ..فتأمل !

بل لا نبالغ إذا قلنا بأن ضرب العنق بالسيف أصبح شبيها بالمثلة لأن العرف يستبشعه ..

لقد كان القتل بالسيف معروفا في عرف الناس ..

وأصبح اليوم مستنكرا في عرف الناس ..

ومن الخطأ البين ترك العرف الحلي والتمسك بالعرف البالي ..!

وفي ذالك يقول محمد النابغة بن عمرالغلاوي في نظم "بو طليحية" :

وكل ما انبنى على العرف يدور ... معه وجودا عدما دور البدور

فاحذر جمودك على ما في الكتب ... فيما جرى عرف به بل منه تب

فما اقتضتـــه عـــادة تـــجــددت .... تعين الحكم بها إذا بدت

وهذه قـــاعدة فيـــها اجتــــــهد .... كل وأُجمِع عليها للأبد

لكن بعض الناس يتعامل مع الأمور الشرعية بعقلية المسائل الحسابية (1+1=2)..

ومهما تقلب من ظروف واستجد من وضعية، فالنتيجة بالنسبة له تبقى أبدية..!

والبعض الآخر يدرك تمام الإدراك ما في عمله من مفاسد شرعية، لكنه يركب الهوى ويستغل الإباحة الأصلية، ويغض الطرف عن المنع الطارئ لتغير الأحوال الظرفية ..!

فما أشبهه بمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهجر السنة النبوية، ويقول : "بيننا وبينكم كتاب الله" !

يقول البعض : لقد أحيينا سنة السبي ..!

ولو كان صادقا في السعي إلى إحياء السنة لأحيا سنة العتق بإغلاق باب الرق ..

أما أن يدعي أنه يريد فتح باب الرق من أجل فتح باب العتق ..

فهو كمن يحرق أموال الناس من أجل أن يكونوا فقراء فيتصدق عليهم !!

 

كيفية قتل الأسير

لقد أباح الشرع قتل الأسير من الكفار حسبما تقتضيه المصلحة، لكنه لم يبح تعذيبه بل أوجب إكرامه والإحسان إليه..

بل إن القرآن الكريم وضع الأسير في لائحة من يعظم الأجر بالإحسان إليهم والرفق بهم فقال تعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } [الإنسان: 8، 9].

روى ابن جرير في تفسيره عن قتادة قال :( قوله: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} قال: لقد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك..).

ولهذا لا يجوز تعذيب الأسير :

(قيل لمالك : أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو ؟ وقال : ما سمعت بذلك ! ) التاج والإكليل (5/ 146).

وإذا كان تعذيبه غير مشروع فينبغي أيضا أن يكون قتله بأحسن وسائل القتل وأقلها ألما ..

قال السرخسي في "شرح السير الكبير":

(وإن رأى الإمام قتل الأسارى فينبغي له أن لا يعذبهم بالعطش والجوع ولكنه يقتلهم قتلا كريما ..يعني لا ينبغي أن يمثل بهم .

فقد "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور" .) شرح السير الكبير (3/ 207)

وقال الكاساني :

(وإذا عزم المسلمون على قتل الأسارى، فلا ينبغي أن يعذبوهم بالجوع والعطش وغير ذلك من أنواع التعذيب؛ لأن ذلك تعذيب من غير فائدة وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بني قريظة "لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم، وحر السلاح، ولا تمثلوا بهم") بدائع الصنائع (15/ 366).

فالأسير -ما دام أسيرا- يتعين معاملته معاملة كريمة ..

وإذا ظهر للمسلمين أن المصلحة في قتله، قتلوه قتلة كريمة، امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ..

ولا يجوز أن يكون بغضهم له حاملا على الاعتداء عليه ومخالفة شرع الله فيه ..

لقوله تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [ المائدة : 8 ] ولقوله تعالى : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين } [ البقرة : 190 ] .

والآيات التي تأمر بالشدة على الكفار المحاربين كقوله تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9]

وقوله تعالى :{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]

وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]

هذه الآيات كلها ليست متعارضة مع السنة التي أمرت بالرفق بالأسير والإحسان إليه، بل هذه الآيات عامة و ما ورد في السنة خاص، ولا تعارض بين عام وخاص .

فالكافر المحارب يشرع في حقه الشدة والغلظة ما دام في ساحة القتال ينال منا وننال منه ..

والأسير بخلاف ذالك لا يعامل إلا معاملة كريمة ..

ولهذا قال العلامة محمد مولود في نظم "الكفاف" :

وتحرم المثلة بعد ما قدر ... وحمل رأس لأمير أو مقر .

وقال البيهقي : ( فإذا قتل مشركا بعد الإسار أمر بضرب عنقه، ولا يمثل به، ولا يحرقه بالنار) السنن الصغرى (3/ 385).

وقال ابن حبيب المالكي :(ولا بأس أن تقتل المشرك قبل ظفرك به بأي قتلة أمكنك. فأما بعد الظفر فلا ينبغي أن تمثل به, ولا تعبث عليه ولكن تضرب عنقه.) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (3/ 72).

وحين نقتل المحارب في ساحة المعركة بالرصاص، ونقتل الأسير الذي في قبضتنا بالسيف، نكون بذالك عكسنا القضية فعاملنا الأسير بشدة وغلظة، وعاملنا من يشرع في حقه الغلظة والشدة بمعاملة أخف ..!!

وقد كان من المفارقات أن بعض الجنود الأمريكيين في العراق كانوا يستبسلون في القتال إذا وقعوا في كمين، لا لشجاعة في طبعهم، وإنما لأنهم يخشون من الذبح إذا وقعوا أسرى !

فالجندي عندما يشعر بعدم جدوى الاستمرار في القتال، ويعلم بأنه إذا سلم نفسه للعدو عاملوه معاملة حسنة وربما أفرجوا عنه بفداء أو مبادلة أو عفو، قد يكون ذالك حافزا له على تسليم نفسه وإلقاء السلاح .

أما حينما يشعر بأنه إذا تم أسره سيقتل شر قتلة ويذبح كما تذبح البهائم، فقد يدعوه ذالك إلى مواصلة القتال إلى أن يموت في ساحة المعركة ..

ولو لم يكن في الذبح للأسرى من مفسدة إلا هذه لكفى بها دليلا على منعه .

 

كيفية قتل الحيوان

لما كانت إباحة ذبح الحيوان ومشروعية أكله قد تكون سببا في مظنة إباحة تعذيبه وعدم الاكتراث بما قد يصيبه من ألم ..

فإن السنة جاءت حافلة بالتذكير بحقه والتحذير من التسبب في ألمه وتعذيبه

وحينما تقرأ في النصوص الشرعية التي تتحدث عن طريقة الذبح وكيفية التعامل مع الحيوان المراد ذبحه تظن للوهلة الأولى أنها تتحدث عن طفل مدلل لا عن كائن يراد ذبحه وسلخه وأكله !

ولكن العجب يزول إذا تذكرت أن الذي أباح ذبح هذا الحيوان وسخره للإنسان هو الرحيم الرحمن ..

فتلك مشيئته وحكمه وحكمته ..

وهذا لطفه ورحمته ..

- فمن لطف الله ورحمته بهذا الحيوان النهي عن قتل أي كائن لا لداعي الحاجة والأكل وإنما لغرض التسلي والترفيه ..

قال صلى الله عليه وسلم : (من قتل عصفورا عج إلى الله يوم القيامة يقول : يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة ),رواه ابن حبان.

 وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من إنسان قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عز وجل عنها» قيل : يا رسول الله وما حقها ؟ قال: « يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمي بها »رواه النسائي.

قال البيهقي : (ولا يجوز قتل ما له روح إلا بأن يذبح ما يحل أكله ليؤكل ) السنن الصغرى للبيهقي (7/ 542).

- ومن لطف الله ورحمته بهذا الحيوان النهي عن صبر البهائم، وهو : أن تحبس ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت ..

عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصبر البهائم" رواه الشيخان .

وعن ابن عمر : أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها، فقال ابن عمر : من فعل هذا ؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا . رواه الشيخان.

- ومن لطف الله ورحمته بهذا الحيوان الأمر بحد الشفرة وإراحة الذبيحة وتجنب كل ما قد يؤدي إلى زيادة ألمها ..

لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث شداد بن أوس : "وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".

وقال : "إذا ذبح أحدكم فليجهز" أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه .

وأوجب المالكية على الذابح ألا يرفع يده قبل تمام الذبح، ولا شك أن ذالك أسرع في الإجهاز على الذبيحة ..

و كره بعض أهل العلم تولي المرأة للذكاة وفضّل تذكية الرجل لأنه أقدر منها على الإجهاز على الذبيحة وإراحتها بسرعة .

و نبه الكاساني على قاعدة عظيمة في باب التذكية فقال :

(الأصل في الذكاة إنما هو الأسهل على الحيوان وما فيه نوع راحة له فيه فهو أفضل..).

واستحب الشافعية أيضا عرض الماء على الذبيحة قبل ذبحها.

وحتى الدواب التي لا تؤكل إذا جاز قتلها لسبب ما فإنه يتعين قتلها بطريقة لا تعذيب فيها ..

يقول ابن رشد :

 ( فما جاز قتله من الدواب، لإذايته لم يجز قتله إلا بوجه القتل الذى لا مثله فيه ولا عذاب .) البيان والتحصيل (18/ 207).

وقال البهوتي :

( "وإذا عرفت البهيمة بالصول وجب على مالكها و الإمام وعلى غيره" ممن يقدر على إتلافها "إتلافها إذا صالت" وقوله : "على وجه المعروف" متعلق بإتلافها أي : وجب إتلافها على وجه لا تعذيب فيه) كشاف القناع عن متن الإقناع (13/ 252).

و أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل "الوزغ" بضربة واحدة دون تعذيبه بضربات متعددة لأن ذالك أسرع في الإجهاز عليه ..

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الحسنة الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الحسنة الثانية" رواه مسلم، وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

 وفي رواية لمسلم "من قتل وزغا ًفي أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك".

لاحظ أن هذا من أجل إراحة الوزغ المؤذي، فما بالك بغير المؤذي !

ومع أن الذبح إنما شرع لإراقة الدم وتطييب الذبيحة المراد أكلها إلا أنه أيضا يشرع بالنسبة لغير المأكول إذا كان هو أسرع طريقة لإزهاق نفسه ..

وفي ذالك يقول العلامة عليش :

 (وقال أبو حنيفة إذا آذت الهرة وقصد قتلها فلا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله عليه الصلاة والسلام "إن الله كتب الإحسان ..."الحديث) فتح العلي المالك (4/ 187).

ومعنى ذالك أنه إن وجدت طريقة أسرع وأسهل من الذبح فإنها متعينة .

وأما بالنسبة للحشرات الصغيرة المؤذية مما ليست له نفس سائلة(حسب تعبير النخعي) فإنها تقتل بأي قتلة سريعة إلا أنه لا يجوز تحريقها لما في ذالك من التعذيب .

قال ابن رشد : (وقتل القمل بالنار تعذيب لها يوجب أن يدخل ذلك تحت النهى عن المثلة) البيان والتحصيل (18/ 207) .

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أبعد من ذالك فقالوا بعدم مشروعية إلقاء الثوب في النار إذا كان يظن أن فيه قملا ..!

قال ابن رشد :( قال سحنون : أكره أن يجعل الثوب على النار لمكان القمل، قال ولا بأس به على الشمس ..

قال محمد بن رشد : إنما كره أن يجعل الثوب على النار لمكان القمل، لما جاء من النهي عن المثلة، وعن أن يعذب بعذاب الله، ) البيان والتحصيل (2/ 91).

- ومن لطف الله ورحمته بهذا الحيوان النهي عن جره بأذنه تجنبا لكل ما فيه إيلام ..!

عن أبي سعيد الخدري، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل، وهو يجر شاة بأذنها، فقال : دع أذنها، وخذ بسالفتها.رواه ابن ماجه

وعن الوحين بن عطاء قال: إن جزارا ًفتح بابا على شاة ليذبحها، فانفلتت منه فاتبعها، فأخذ يسحبها برجلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا جزار سقها سوقا رفيقا" رواه عبد الرزاق في مصنفه.

وعن ابن سيرين أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: "ويلك قدها إلى الموت قودا ًجميلا ً"رواه عبد الرزاق أيضا.

قال ابن دقيق العيد :(وإحسان الذبح في البهائم : أن يرفق بالبهيمة ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع..) شرح الأربعين - لابن دقيق العيد (ص: 51)

و الرحمة بهذا الحيوان غير محصورة في الحماية من التعذيب والألم الحسي فقط ..

بل تمتد حتى تصل إلى الحماية من التعذيب والألم النفسي ..!

يتجلى ذالك في النهي عن ترويعه والأمر بإخفاء آلة الذبح عنه ..!

عن ابن عمر، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الشفار، وأن توارى عن البهائم . أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه وفيه ابن لهيعة .

ومن ذالك أيضا النهي عن حد السكين والشفرة أمام بصر الذبيحة ..!

عن ابن عباس، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: "أفلا قبل هذا، أو تريد أن تميتها موتتان" رواه الطبراني في المعجم والبيهقي في السنن .

ولو تأملت قول النبي صلى الله عليه وسلم "أتريد أن تميتها موتتان" ؟!

لوجدتها مليئة بمعاني الرحمة والإشفاق، ومراعاة شعور هذا الحيوان وإحساسه !!

وقد جعل الله تعالى رحمة الشاة التي يراد ذبحها والإشفاق عليها سببا لنيل رحمته ..!

عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله، إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال: "إن رحمتها رحمك الله"رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

وقال عليه الصلاة والسلام :

(من رحم ولو ذبيحة رحمه الله يوم القيامة) أخرجه من حديث أبي أمامة: البخاري في الأدب المفرد، والطبراني في الكبير.

وفي لفظ الطبراني : ( من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة) .

 

 

الفصل الرابع

حرمة ذبح الإنسان

تبين مما سبق أن ما يشرع من قتل الإنسان (في غير المعركة) يجب أن يكون بأسرع وسيلة وأقلها ألما وأكثرها راحة لمن يراد قتله ..

وهذا يقتضي بالضرورة أن ذبح الإنسان غير مشروع ..

لكن لما كان البعض يعتقد أن مشروعية ذبح الحيوان تعني مشروعية ذبح الإنسان، احتجنا إلى الحديث في هذه المسألة بشيء من التفصيل، من أجل تبيين الفرق بين حكم الإنسان وحكم الحيوان في هذه المسألة .

فإذا كان الذبح مشروعا بالنسبة لقتل الحيوان، فهو غير مشروع بالنسبة لقتل الإنسان، وذالك لأمور :

  • روى الطبراني في المعجم الكبير عن عمران بن حصين، قال:

( قتل رجل من هذيل رجلا من خزاعة في الجاهلية، فكان الهذلى متواريا، فلما كان يوم الفتح وظهر النداء ظهر، فلقيه رجل من خزاعة فذبحه كما تذبح الشاة، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"قتله قبل النداء أو بعد النداء؟"، قالوا: قتله بعد النداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلته به، ولكن أخرجوا عقله", فأخرجوا عقله فبدأ أول عقل في الإسلام ).

فقول النبي صلى الله عليه وسلم :"لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلته به" دليل صريح على عظم هذه الجناية وذم فاعلها وفي ذالك دليل على حرمة الفعل .

قال ابن القيم في ذكره لصيغ التحريم : (ويستفاد التحريم من النهي والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل وذم الفاعل..) بدائع الفوائد (4/ 810).

2- ذبح الإنسان فيه زيادة ألم، والإحسان في القتل المأمور به يقتضي إزهاق النفس بأسرع وأقل الطرق ألما .

وقد بينا أن ضرب العنق بالسيف كان هو أفضل وسيلة لذالك، وأن القتل بالرصاص اليوم أصبح هو الوسيلة الأفضل المحققة للمقصد الشرعي .

 3- حديث شداد بن أوس ورد بلفظ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".

وخرّج نحوه ابن عدي من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل محسن فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم فليكرم مقتوله..».

ففي الحديثين أمر بإحسان القتل وإكرام المقتول .

وهذا الإحسان والإكرام المأمور به يكون قبل القتل وأثناءه وبعده .

فأما قبل القتل فيكون بالرفق في المعاملة وعدم الأذية بالقول أو الفعل.

وأما أثناء القتل فيكون باختيار أشرف وسيلة معروفة عند الناس وأقلها إيلاما وأكثرها سرعة لإزهاق النفس.

وأما بعد القتل فيكون باحترام جسد القتيل وعدم التمثيل أو العبث به .

وذبح الإنسان تستبشعه النفوس، وتلك البشاعة منافية للإحسان والإكرام المأمور به .

4-النصوص الدالة على حرمة المثلة دالة بالأحرى على حرمة الذبح، لأن النهي عن المثلة نهي عن كل ما فيه تشويه للمقتول بعد مماته ..

والقتل بالذبح تشويه للمقتول حال حياته فهو أشد في النهي وأولى بالحرمة .

5- ذبح الإنسان فيه مساواة له بالحيوان..!

فيقال فيمن قُـتِـلَ ذبحا : مات بذل وهوان وذبح كما تذبح الخرفان !

والإحسان في القتل الذي أمر الله به يقتضي أن يعامل من يراد قتله معاملة الإنسان، وأن يكرم كما كرمه الله تعالى، وميزه عن الحيوان.

قال تعالى : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

وكان من مقتضيات هذا التكريم أيضا فيما يتعلق بالموت أن الإنسان يدفن ولو كان كافرا، ولا يترك جثمانه بارزا على سطح الأرض كما هو الحال في جيفة الحيوان .

6- ومن الأدلة على أن الذبح يختص بالحيوان ولا يشرع في حق الإنسان، قول النبي صلى لله عليه وسلم : في حديث شداد بن أوس : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة"..

فقد فرق عليه الصلاة والسلام بين قتل الإنسان وذبح الحيوان وجعلهما متغايران ..

 فعرفنا ان قتل الإنسان و ذبح الحيوان يختلفان في التسمية وفي الكيفية ولا يتفقان .

ولو كانا شيئا واحدا لعبر عنهما بلفظ واحد إما القتل، وإما الذبح .

فالعطف الوارد في الحديث عطف مغايرة لا عطف بيان..

 والكيفية التي أمر الله بها في قتل الإنسان تختلف عن الكيفية التي أمر بها في قتل الحيوان.

وإذا كان هذا فرقا بينهما من حيث التسمية والهيئة .. فهناك أيضا فرق بينهما من حيث التشريع والحكمة..

 

الحكمة من مشروعية ذبح الحيوان دون الإنسان

ضرب الرقبة (بالنسبة لقتل الإنسان) يعني فصل الرأس عن العنق أو على الأقل قطع النخاع الشوكي لأن محل الضرب المشروع يكون فيه بالتحديد كما قال تعالى {فاضربوا فوق الأعناق }.

قال ابن رجب : (...وقد قيل : إنه عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام ودون الدماغ، ووصى دريد بن الصمة قاتله أن يقتله كذلك .)جامع العلوم والحكم :[ ص: 383 ].

وقطع النخاع الشوكي أو (الحبل الشوكي) هو أسرع وسيلة للقتل لأن وظيفة النخاع الشوكي هي نقل أوامر الدماغ إلى سائر أنحاء الجسم..

 فإذا تعرض النخاع للقطع توقف عن إيصال الأوامر لأنحاء الجسم وذالك هو ما يسمى بالشلل، وبالتالي يفقد المقتول بهذه الضربة الإحساس في أقل من الثانية ولا يشعر بالألم .

أما في ذبح الحيوان فإن النخاع الشوكي يبقى سليما لأن الذبح هو قطع الحلقوم والودجين ..

إذن فالطريقة الشرعية لقتل الإنسان يشرع فيها استهداف النخاع وشل الجهاز العصبي ..

وهذا أمر مفهوم ولا إشكال فيه لأن هذه هي أسرع طريقة وأقلها ألما ..

لكن لماذا كانت الطريقة الشرعية لقتل الحيوان (المراد تذكيته ) مختلفة عن هذه الطريقة ؟

الحكمة في ذالك أن عملية ذبح الحيوان ليست مجرد قتل للذبيحة، وإنما هي أيضا عملية تنقية لها من الدماء..

 لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ..).

ولهذا سموا الذبح تذكية والتذكية هي التطييب من قولهم : رائحة ذكية أي طيبة، أي أنها تطييب لللحم وتنقية له من الدماء .

قال الكاساني في بدائع الصنائع : (ولأن المقصود إخراج الدم المسفوح وتطييب اللحم، وذلك يحصل بقطع الأوداج في الحلق كله...) بدائع الصنائع (10/ 148).

وقال أيضا في رده لقول الشافعي بعدم اشتراط قطع الودجين :(..ولنا : أن المقصود من الذبح إزالة المحرم وهو الدم المسفوح ولا يحصل إلا بقطع الودج..) بدائع الصنائع (10/ 148).

ولهذا لما ذكر الله تعالى حرمة الدم ذكر بعده حرمة المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع واستثنى منها ما ذكي وأريق دمه بالذكاة فقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...} [المائدة: 3]

وفي ذالك إشارة إلى أن بقاء الدم في هذه المحرمات وعدم خروجه منها هو علة تحريمها .

وأن العلة في مشروعية الذبح هو إراقة الدم من أجل تطييب لحم الذبيحة .

وقد بقي الآن أن نفهم :

لماذا لم يشرع ضرب النخاع الذبيحة قبل قطع الودجين ؟

الجواب : أنه حين يقطع الودجان في عملية الذبح تنسكب الدماء إلى خارج الجسم ولا تصل إلى الدماغ فيبدأ الجهاز العصبي الذي مازال حيا بإرسال إشارات من المخ إلى القلب يطلب فيها إرسال الدماء لأنها لم تصل إليه..فتقوم العضلات بالضغط وتحدث تلك الحركة الشديدة في جسم الذبيحة وأعضائها لتقذف كل ما فيها من دماء إلى القلب فيقوم القلب مباشرة بإرسالها مرة أخرى إلى المخ من أجل نجدته ‘ لكنها بالطبع لن تصل إليه بعد قطع الودجين بل ستذهب خارج الجسم دما مسفوحا .

و من خلال هذا يظهر أن جسم الذبيحة يتخلص عن طريق الذبح من أكبر كمية من الدم الذي يعتبر بيئة خصبة لنمو الجراثيم ومن أخطر المواد على الإنسان .

وأن بقاء النخاع الشوكي سليما يؤدي إلى تخليص جسم الذبيحة من الدم بشكل أكثر .

ولو أن النخاع الشوكي للذبيحة قطع قبل قطع الودجين لانقطع التواصل مع الجهاز العصبي وبقيت الكثير من الدماء داخل جسمها .

قلت : ولعل ذالك (أي : إبقاء التواصل مع الجهاز العصبي) هو الحكمة فيما ورد من النهي عن نخع الذبيحة أي المبالغة في ذبحها إلى أن يقطع نخاعها ..

وإذا كانت الحكمة من الذبح هي تطييب اللحم بإراقة الدم فإن ذالك غير مراد في الإنسان فلم يشرع في حقه الذبح ..لأنه غير مأكول فلا يقصد تطييب لحمه للأكل كما هو الحال بالنسبة للمأكول من الذبائح .

وإنما شرع في حقه الضرب في اسرع المواضع قتلا وهو استهداف النخاع بضرب العنق كما قال تعالى : {فاضربوا فوق الأعناق..}.

ولهذا فإن التذكية لا تشرع إلا فيما يراد أكله فقط ‘ اما ما يراد قتله وإزهاق نفسه فلا يشرع ذالك إلا باسرع وسيلة الضرب في العنق أو الدماغ .

والخلاصة أن عملية الذبح إذا كانت تطييبا للحم فهي مشروعة ..

وإن كانت لتعذيب المذبوح أو الإساءة إليه فهي ممنوعة .

وبهذا يتبين الفرق بين قتل الإنسان وذبح الحيوان ..

وعلى الله الاتكال وهو المستعان .

 

ردود على شبه في مشروعية ذبح الإنسان

يستدل البعض على مشروعية ذبح الإنسان بشبه يعتبرونها أدلة مقوية لما ذهبوا إليه في هذه المسألة ..

لكن بعد القليل من البحث والتأمل ما يلبث أن يظهر للمتأمل ضعف هذه الاستدلالات وعدم قدرتها على مناهضة النصوص الآمرة بإحسان القتل .

ونذكر هنا بعض هذه الشبه التي تذكر مع التعقيب عليها :

الشبهة الأولى : الاستدلال بحديث "يا معشر قريش قد جئتكم بالذبح"

 استدل البعض بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (تعلمون يامعشر قريش لقد جئتكم بالذبح) رواه أحمد.

وقد زعم أن الحديث صريح في الدلالة على مشروعية ذبح الكفار.

وفساد هذا الاستدلال يظهر من وجهين :

الوجه الأول :

 أن هذا كان من النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التهديد لهم بالقتل والتخويف، فلما تمكن منهم يوم فتح مكة قال : اذهبوا فانتم الطلقاء ..

والتعبير بالذبح فيه غلظة وشدة تناسب مقام التهديد .

ومن عادة العرب إذا أرادوا المبالغة في التهديد بالقتل أن يعبروا عنه بالذبح على طريقة ذبح الشاة كما قال مهلهل بن ربيعة :

إن نحن لم نثأر به فاشحذوا .... شفاركم منا لحز الحلوق

ذبحا كذبح الشاة لا تتقي .... ذابحها إلا بشخب العروق .

ولو افترضنا أن ظاهر الكلام هو المقصود، فأين هو الذبح الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ؟

بل كان النبي صلى الله عليه وسلم في وعيده لهم كما قال القائل :

وإني اذا أو عدتهم أو وعدتهم ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي.

وكيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم جاء قريشا بالذبح وقد عرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين فقال عليه الصلاة والسلام : إني لأرجو الله تعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا...!

ومع كل ما لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم من أذى الكفار فلم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم ذبح كافرا واحدا كما تذبح الشاة أو أمر بذبحه .

ومثل هذا الحديث ما روى مسلم من حديث عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "وإن الله أمرنى أن أحرق قريشا، فقلت : رب إذا يثلغوا رأسى فيدعوه خبزة.."، فهل يصح الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التحريق ؟

وأين ذالك من قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله, إنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق"رواه الطبري وابن أبي شيبة في المصنف.

قال ابن الجوزي : ( وقوله "أمرني أن أحرق قريشا" كناية عن القتل) كشف المشكل من حديث الصحيحين (ص: 1155).

وذكر ابن الجوزي هذا التفسير أيضا في كتابه غريب الحديث (1/ 207).

وقال ابن الأثير : ( وفي حديث المُظَاهر "احْتَرَقْتُ" أي هَلَكْت . والإِحْراق : الإهلاك وهو من إحْراق النار ...ومنه الحديث : "أوُحِيَ إليَّ أن أحْرقْ قريشاً" أي أهْلكْهم..) النهاية في غريب الأثر (1/ 939)

إن من يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : "جئتكم بالذبح" على مشروعية ذبح الإنسان ويحمل الكلام على ظاهره، هو في الواقع كمن يستدل بقوله تعالى : {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} وقوله تعالى : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} على التسوية بين الطاعة والمعصية، والتسوية بين الكفر والإيمان !!

الوجه الثاني :

أن الذبح كثيرا ما يطلق في لغة العرب ويراد به عموم القتل لا خصوص الذبح، فهو في هذه الحالة من باب التشبيه، ومعلوم أن المشبه لا يبلغ درجة المشبه به ..

والتعبير بالذبح عن القتل يزيد في المعنى إذ يدل على كثرة القتل وشناعته .

ويقال لمن هزموا شر هزيمة : ذبحوا كما تذبح الشاة ’ كما قال الشاعر :

أخزاهم الله في الأدبار إذ ذبحوا .... قبل الخلائف ذبح الشاة والبقر

وفرّ قائدهم من خوفه هرباً .... حتى تحجَّب بالحيطان والجدر.

ووجه التعيير بالذبح أن المقتول الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه أشبه الشاة المستسلمة لذابحها .

ولما كان الذبح لفظا خاصا يعبر به أحيانا عن عموم القتل، وجدنا القرآن الكريم تارة يعبر بالقتل وتارة يعبر بالذبح، في المسألة نفسها..

قال تعالى : {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 141]

وقال تعالى : {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49].

والقرآن يفسر بعضه بعضا .

قال السمعاني :

(ومعنى قوله: {يذبحون أبناءكم} أي: يقتلون.) تفسير السمعاني (1/ 77).

وفي تفسير قوله تعالى :{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } [القصص: 4]قال مقاتل : (يُذَبِّحُ يعني : يقتل أَبْناءَهُمْ ) تفسير مقاتل بن سليمان (3/ 335)

وإذا تقرر هذا فاعلم أن الكثير من أخبار التاريخ التي ورد فيها ذكر لذبح إنسان أو مجموعة من الناس إنما يراد بها التشبيه والمبالغة، لا الإخبار بالحقيقة الواقعة..

ولم يقع من ذالك على الحقيقة إلا بعض الحالات النادرة، مثل ما حكاه ابن كثير عن دخول المغول إلى بغداد فقال : (وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة فيذهب به إلى مقبرة الغلال فيذبح كما تذبح الشاة، ) البداية والنهاية (13/ 203).

ومن ذالك أيضا القصة المشهورة في ذبح الخوارج لعبد الله بن خباب رضي الله عنه .

الشبهة الثانية: قياس الكافر على الحيوان في مشروعية الذبح

قال البعض : يجوز ذبح الكفار قياسا على الحيوان لأن الله تعالى شبههم بالحيوان وساواهم به فقال : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44].

وقال تعالى : { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55].

والجواب على هذا الاستدلال :

أن المقصود من هذه الآيات هو التنفير من كفرهم وضلالهم وليس الحض على معاملتهم معاملة الحيوان ..

والاستدلال بمثل هذه الآيات العامة على مشروعية ذبح الإنسان كما يذبح الحيوان هو استدلال بالعام مع وجود الخاص الصالح لتخصيصه..

فالكفار مع ما هم عليه من الكفر والضلال شرع الله في معاملتهم ما يميزهم عن الحيوان ..

ولهذا فكل تكريم يستحقه الحيوان كان من باب الأولى أن يستحقه الإنسان .

وقد نص أهل العلم على أن الأمر بإحسان قتل الحيوان دال بفحوى الخطاب على الأمر بإحسان قتل الإنسان ..

وفي ذالك يقول الزيلعي :

 ( فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحسنوا القتلة وأن يريحوا ما أحل الله ذبحه من الأنعام فما ظنك بالآدمي المكرم المحترم) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (17/ 284)

وقال علي بن زكريا المنبجي :                       

(فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسنوا القتلة وأن يريحوا ما أحل لهم ذبحه من الأنعام فما أحل قتله من بني آدم فهو أحرى أن يفعل به ذلك ...) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (2/ 710)

وقال الماوردي :

(وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه " نهى عن تعذيب البهائم " فكان النهي عن تعذيب الآدميين أحق .) الحاوي الكبير للماوردي (12/ 226).

وكذالك صرح أهل العلم أن الامتناع عن إطعام السجين الآدمي من الكبائر وقد فهموا ذالك من فحوى الخطاب مما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "عُذبتْ إمرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" رواه البخاري ومسلم.

إن الله تعالى كرم الإنسان وجعله أحق من الحيوان بالتكريم والإحسان .

قال تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء:70].

وهذه الآية بينت ان الإنسان امتاز بالتكريم والتفضيل ..

أما بالنسبة للتكريم فيقول الطاهر بن عاشور في ذكر بعض صوره :

 (والتكريم: جعله كريما، أي نفيسا غير مبذول ولا ذليل في صورته ولا في حركة مشيه وفي بشرته، فإن جميع الحيوان لا يعرف النظافة ولا اللباس ولا ترفيه المضجع والمأكل ولا حسن كيفية تناول الطعام والشراب ولا الاستعداد لما ينفعه ودفع ما يضره ولا شعوره بما في ذاته وعقله من المحاسن فيستزيد منها والقبائح فيسترها ويدفعها، بله الخلو عن المعارف والصنائع وعن قبول التطور في أساليب حياته وحضارته. وقد مثل ابن عباس للتكريم بأن الإنسان يأكل بأصابعه، يريد أنه لا ينتهش الطعام بفمه بل يرفعه إلى فيه بيده ولا يكرع في الماء بل يرفعه إلى فيه بيده، فإن رفع الطعام بمغرفة والشراب بقدح فذلك من زيادة التكريم وهو تناول باليد.) التحرير والتنوير (14/ 131).

وأما بالنسبة للتفضيل فيقول البغوي : (وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل.

وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة.) تفسير البغوي (5/ 108).

ويقول ابن جزي :

(يعني فضلهم على الجن وعلى سائر الحيوان، ولم يفضلهم على الملائكة، ولذلك قال :{على كثير }وأنواع التفضيل كثيرة لا تحصى) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (ص: 911).

وقد روى الطبراني في مسند الشاميين عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم :أن الله تعالى قال : "لا أجعل من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان") مسند الشاميين (1/ 298).

والحيوان إنما خلقه الله تعالى ليكون مسخرا للإنسان كما قال تعالى :

{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 12، 13].

وإذا كانت الرحمة والتكريم مأمورا بها في حق الحيوان المسخر، فما هو الظن بالإنسان الذي سخر الله له الحيوان ..؟

الشبهة الثالثة : الاستدلال بحالات وقعت في القتال في المعركة

ونحن إنما نتحدث عن منع الذبح في حالة أسر الكافر والقدرة عليه أي قتله صبرا، لا في حالة مواجهته في ميدان المعركة .

 وقد ذكرنا سابقا أن قتل الكافر في المعركة يجوز على كل وجه وأنه لا يستثنى من ذالك إلا ضرب الوجه وأما سائر أنواع القتل فهي مشروعة في المعركة .

ومن أمثلة هذه الحالات التي يستدلون بها :

 ما روا البيهقي في السنن الكبرى و خليفة بن خياط في "تاريخه"، عن أنس :

( أن البراء بن مالك قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلا مبارزة وإنهم لما غزوا الزارة خرج دهقان الزارة فقال رجل ورجل فبرز إليه البراء فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده ثم أخذ السيف فذبحه وأخذ سلاحه ومنطقته) .

ومن ذالك أيضا ما رواه الواقدي في "مغازيه" من طريق الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك قال حدثني من نظر إلى أبي أسيرة بن الحارث بن علقمة، ولقي أحد بني أبي عزيز (يعني في ساحة المعركة) فاختلفا ضربات كل ذلك يروغ أحدهما من صاحبه، فنظرت إليهما كأنهما سبعان ضاريان، ثم تعانقا، فعلاه أبو أسيرة، فذبحه كما تذبح الشاة.

ومن ذالك ايضا ما يروى أن ابن مسعود احتز رأس أبي جهل في معركة بدر .

فقتل الكفار في المعركة جائز على كل نحو كما أسلفنا .

ثم إنه على فرض وجود وقائع منسوبة إلى الصحابة في غير حالة القتال (أي في حالة القتل صبرا) فهي لا تقوى على معارضة النصوص الصريحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وربما تكون هذه الوقائع في حالة "المشروعية المنسوخة" أي أنها كانت مشروعة أولا، ثم وردت النصوص بمنعها .

الشبهة الرابعة : الاستدلال بما روي أن عقبة بن أبي معيط قتل ذبحا

استدلوا على مشروعية ذبح الأسير بما روى ابن وهب-في المدونة- عن ابن لهيعة وعمر بن مالك عن عبيد الله بن أبي جعفر عن حنش بن عبد الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل سبعين أسيرا بعد الإثخان من يهود، وقتل عقبة بن معيط أتي به أسيرا يوم بدر فذبحه..) المدونة الكبرى (1/ 502).

والجواب على هذا الاستدلال من وجهين أيضا :

الوجه الأول :

أن هذا الخبر معارض بما روي من طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب عنق عقبة بن أبي معيط ..

فقد روى سعيد بن منصور في سننه :

(عن هشيم، قال : أخبرنا مجالد، عن الشعبي، قال : كانت الأسارى يوم بدر أحدا وسبعين، والقتلى تسعة وستين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة بن أبي معيط فضربت عنقه ).

وروى البيهقي في السنن الكبرى :

عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة عن أبيه عن جده : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أقبل بالأسارى حتى إذا كان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبى معيط فجعل عقبة بن أبى معيط يقول : يا ويلاه علام أقتل من بين هؤلاء؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :« لعداوتك لله ولرسوله ». فقال : يا محمد منك أفضل فاجعلنى كرجل من قومى إن قتلتهم قتلتنى وإن مننت عليهم مننت على وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم يا محمد من للصبية؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :« النار يا عاصم بن ثابت قدمه فاضرب عنقه ». فقدمه فضرب عنقه.

وقال البيهقي أيضا في دلائل النبوة :

 ( حدثنا الحسين بن الفرج قال حدثنا الواقدي قال وكان عقبة بن أبي معيط بمكة والنبي مهاجر بالمدينة فكان يقول بمكة فيه بيتين من شعر فقال النبي لما بلغه قوله اللهم كبه لمنخره واصرعه فجمع به فرسه يوم بدر فأخذه عبد الله بن سلمة العجلاني فأمر به النبي عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فضرب عنقه صبرا..) دلائل النبوة (3/ 94).

وعليه فيكون الذبح الوارد في رواية ابن وهب محمولا على التشبيه أو المجاز لا على الحقيقة.

الوجه الثاني :

حتى لو ذهبنا إلى ظاهر ما ورد في رواية ابن وهب، فالقاعدة أن الفعل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

وهذه الطريقة التي قتل بها عقبة عقبة بن أبي معيط يحتمل أن تكون خاصة به لعظم جرمه وشدة بأسه على النبي صلى الله عليه وسلم .

ومن الأدلة على أنه كان شديد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم :

1- ما رواه البخاري في الصحيح عن عروة بن الزبير، قال : سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال : {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}.

2- ما رواه البخاري أيضا في الصحيح :

عن عبد الله، رضي الله عنه، قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة - عليها السلام - فأخذته من ظهره ودعت على من صنع .

3- ما رواه عبد الرزاق –في المصنف- عن معمر عن عثمان الجزري عن مقسم مولى بن عباس قال معمر وحدثني الزهري ببعضه قال :

 ( إن بن أبي معيط وأبي بن خلف الجمحي التقيا فقال عقبة بن أبي معيط لأبي بن خلف -وكانا خليلين في الجاهلية- وكان أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه و سلم فعرض عليه الإسلام فلما سمع ذلك عقبة قال : لا أرضى عنك حتى تأتي محمدا فتتفل في وجهه وتشتمه وتكذبه..قال فلم يسلطه الله على ذلك ).

4- قال الواقدي في مغازيه :

 ( وكان عقبة بن أبي معيط بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم مهاجر بالمدينة فكان يقول:

يا راكب الناقة القصواء هاجرنا ... عما قليل تراني راكب الفرس

أعل رمحي فيكم ثم أنهله ... والسيف يأخذ منكم كل ملتبس

أنشدنيها ابن أبي الزناد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه قوله " اللهم أكبه لمنخره واصرعه ") مغازي الواقدي (1/ 82).

ففي هذا دليل على أن عقبة بن أبي معيط كان من أشد الكفار أذية للنبي صلى الله عليه وسلم ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلبه بعد أن قتل فقيل إنه أول مصلوب في الإسلام.

وقد ذكرنا سابقا أن من تعاظم جرمه تشرع عقوبته بالقتل الشنيع .

 

الفصل الخامس

جمال الجهاد

الجهاد ميدان من ميادين الدعوة إلى الله ..

يمكن من خلاله أن نجعل الناس يدخلون – طواعية لا كرها- في دين الله .

فأخلاق المجاهدين إذا انضبطت بالشرع كانت سببا لهداية الناس ..حتى من كان منهم في صفوف الأعداء ..

وكم من الكفار كان أسيرا بيد المجاهدين فما لبث أن أعلن إسلامه لما رأي من طيب أخلاقهم وحسن طباعهم ..

عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.رواه البخاري .

المجاهدون في المغرب الإسلامي اعتقلوا بعض رعايا الدول الغربية ..وقد أسلم بعض هؤلاء لما رأوه من معاملة حسنة بلا تكلف ولا تصنع ..

والمجاهدون في طالبان اعتقلوا "إيفون ريدلي" وبعد إطلاق سراحها تصبح داعية للإسلام مدافعة عن المجاهدين ..

كما نحرص أن نظهر للناس جمال الإسلام في تشريعاته..

 وجمال الإسلام عقائده..

وجمال الإسلام في عباداته..

وجمال ألإسلام في اخلاقه..

فينبغي أن نحرص أيضا على إظهار جمال الإسلام في الحرب والقتال..

حتى يعلم الناس أن الإسلام كله جميل، و أن الحرب الإسلامية هي انقى الحروب .

 

الجهاد العفيف

عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم :

 « أعف الناس قتلة أهل الإيمان » رواه أبو داود وصححه ابن حبان.

قال المناوي في شرح هذا الحديث :

 (أي هم أرحم الناس بخلق الله وأشدهم تحريا عن التمثيل والتشويه بالمقتول وإطالة تعذيبه إجلالا لخالقهم وامتثالا لما صدر عن صدر النبوة من قوله "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"، بخلاف أهل الكفر وبعض أهل الفسوق ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان واكتفوا من مسماه بلقلقة اللسان وأشربوا القسوة حتى أبعدوا عن الرحمن وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ومن لا يرحم لا يرحم) فيض القدير (2/ 10).

وقد بين الطحاوي ما تتحقق به هذه العفة فقال معلقا على هذا الحديث :

( وهذا لا يكون إلا فيمن حل لهم قتله فوصفهم بصفة القتل وأن لا يكون منهم ما قد نهوا عنه عن المثلة) مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (4/ 54).

ومقتضى كلامه أن هذه العفة تتحقق بأمرين :

الأول :أنهم لا يقتلون إلا من ثبت حكمه واستبان أمره وظهر لهم بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة أنه مستحق للقتل .

فلا يقتلون بالشبهة والظنة والتهمة .

الثاني : من ثبت أن حكمه القتل قتلوه بأمر الله وبالطريقة التي بينها شرع الله ..

بلا فحش ولا تعدي ولا حقد ولا تشفي ..

وانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقيم الحد على المرأة التي استحقت الرجم ثم ينهى أصحابه عن سبها ..!

- فمن عفة أهل الإيمان في القتل : أنهم يعاملون من أرادوا قتله بالرحمة في موضع تظهر فيه القلوب الرحيمة وتتميز عن القاسية الفظة ..

ولا يغفلون عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : (الراحمُون يرْحَمهم الرحمن) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو أبو داود، والترمذي وقال: «هذا حديث حسن صحيح»،

- ومن عفة أهل الإيمان في القتل : أنهم يجمعون بين الرحمة والشدة في معاملة من أرادوا قتله ..

 ويخلطون ما أوجب الله تعالى من رحمته بما أوجب من القسوة والشدة عليه..

وكأنما يقولون له : نحن لا نقتلك حقدا عليك ولا انتقاما لأنفسنا وإنما نقتلك امتثالا لأمر الله ..

في حين يظن البعض أن الرحمة تسقط في مثل هذا الموقف ويزول أثرها بالكلية ..!

- ومن عفة أهل الإيمان في القتل أنهم لا يقطعون ولا يحرقون ولا يمثلون ..

بخلاف من نزع الله من قلبه الإيمان ثم نزع من قلبه الرحمة ..!

فتراه يقتل الناس حرقا ويشويهم شيا ..

وتراه يدفنهم احياء ..

وتراه يمزقهم أشلاء ..

وترى نفسه تتلذذ بتعذيب الناس ..

وكلما صاح الضحية ألما ..صاح معه طربا !!

وقد قال عليه الصلاة والسلام :(لا تُنزعُ الرحمةُ إلا من شقيٍّ) أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة .

فكم من الناس يشقى بهؤلاء الأشقياء !!

أتعلم أن الوحوش البرية والسباع الضارية أرحم أفئدة من ألئك المرضى ؟

فهذه الوحوش التي نضرب بها المثل في التوحش لا تصيد ترفا، ولا تقتل فريستها إلا مكرهة لسد ألم الجوع ..!

- ومن عفة أهل الإيمان في القتل أنهم لا ينتقمون لأنفسهم ولا يردون الصاع صاعين، بل يأخذون من أرادوا قتله بحق الله ويعفون عن حقهم ..

فقد تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم يمكن أن يحمل في يديه أفتك الأسلحة وهو يحمل بين جنبيه أرحم الأفئدة ..

وقد تعامل النبي صلى الله عليه والسلم بالسماحة مع الكفار حتى في مواطن القتل والقتال ..

حتى أعداؤه الذين نالوا منه كانوا يرجون سماحته ولم ييأسوا منها.

وها هي قتيلة بنت الحارث تقول في رثاء أخيها النضر بن الحارث بعد ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله :

أمحمد يا خير ضئن كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق

أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق

فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق

ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق

صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق.

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أبياتها قال :

" لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه ! ".

وقد فكّ - صلّى الله عليه وسلّم- عن السائب بن عبيد، وعبيد بن عمرو بن علقمة بغير فدية، لأنه لا مال لهما، ولم يقدم لهما أحد، وقد كانا من أهل بدر أسرهما سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي.

وخاطب - صلّى الله عليه وسلّم- قريشا يوم فتح مكة فقال لهم :

يا معشر قريش : ما تظنون أني فاعل بكم ؟

قالوا : خيرا.. أخ كريم .. وابن أخ كريم ..!

قل : اذهبوا .. فأنتم الطلقاء .

لقد وهب المجاهد نفسه لله تعالى فلا ينبغي له بعد ذالك أن ينتقم لنفسه ..

ولا ينبغي له أن يقع في حبائل الشيطان ..فينتقم لنفسه ظانا أنه ينتقم لله !

****

ومن عفة أهل الإيمان في القتل : معاملة من أرادوا قتله بالرفق ..

وقد تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة الرفق في الأمور كلها ومن أهمها الجهاد : (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها .

وتعلمنا منه أن الجهاد مهما كان جميلا وكاملا فإنه حين يخلوا من الرفق يغدو مشوها ناقصا : « إن الرفق لا يكون فى شىء إلا زانه ولا ينزع من شىء إلا شانه »رواه مسلم من حديث عائشةرضي الله عنها.

وتعلمنا منه أن في الجهاد خيرا عظيما لكن هذا الخير ينعدم بانعدام الرفق : « من يحرم الرفق يحرم الخير كله » أخرجه مسلم وأبو داود .من حديث جرير بن عبد الله ولم يذكر مسلم كله...

وتعلمنا منه أن ما يناله المجاهد من الأجر والمثوبة مع الرفق أعظم مما يناله مع انعدام الرفق : « يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف وما لا يعطى على ما سواه ».أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.

وتعلمنا منه صلى الله عليه وسلم أن اتصاف المجاهدين بالرفق سبب من أسباب معونة الله لهم : (إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق، ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف)رواه مالك في الموطأ والطبراني في المعجم الكبير من حديث خالد بن معدان .

ولله در القائل :

لو سار ألفُ مَدَجَّجٍ في حاجة ... لم يَقْضِها إلا الذي يترفق

وقال آخر :

لم أر مثل الرفق في يمنه ... يستخرج العذراء من خدرها

من يستعن بالرفق في أمره ... يستخرج الحية من جحرها

وإذا كان المؤمنون بصفة عامة هم أعف الناس قتلة، فينبغي أن يكون المجاهدون بصفة خاصة هم أعف المؤمنين قتلة حتى يكون قتالهم إعلاء لدين الله ..

 

الجهاد ..وتأليف القلوب

لقد كانت سياسة تأليف القلوب من الأمور البارزة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم..

بل صار باب المؤلفة قلوبهم أحد مصارف الزكاة الرئيسة ..

وكان صلى الله عليه وسلم يحرم الأنصار من العطاء ويعطي بعض الناس تأليفا لقلوبهم ..

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إنِّي لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار » مسلم

وروى البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال : « لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة . . . » .

قال صفوان بن أمية : « والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي »رواه مسلم .

وقد كان الرجل يرجع إلى أهله فيقول : ياقوم أسلموا ..فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر .

وكان صلى الله عليه وسلم يعامل سادة الكفار معاملة خاصة تأليفا لقلوبهم ..

فيحبس ثمامة بن أثال عند سارية في المسجد حتى يرى الصلاة ويسمع القرآن ثم يعفوا عنه ...

ويبعث مناديه في يوم فتح مكة : ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..إكراما لأبي سفيان ..!

وكان دخول الكفار في الإسلام أحب إليه من نيل غنائمهم ..

روى الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه - رضي الله عنه - قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ; فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي فسبقت أصحابي ; فتلقاني أهل الحي بالرنين . فقلت لهم:قولوا:لا إله إلا الله تحرزوا . فقالوها . فلامني أصحابي, وقالوا:حرمتنا الغنيمة ! فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه بالذي صنعت . فدعاني فحسن لي ما صنعت . ثم قال لي:" إن الله تعالى قد كتب لك بكل إنسان منهم كذا وكذا من الأجر ") أخرجه أبو داود وابن حبان .

ونتعلم من هذا : أنه لا ينبغي للمجاهدين أن يجعلوا النصر المرحلي في معركة ما مقدما على القضية الكلية وهي إظهار دين الله ..وقبول الناس له، ودخولهم فيه .

 

 

نفير ..بلا تنفير

لقد خرج المجاهدون من ديارهم لإعلاء كلمة الله ..

فينبغي أن يكون جهادهم خاليا من كل ما يشوه الإسلام أو ينفر الناس منه ..

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا »أخرجه أبو داود.

إن أعداء الإسلام يتحينون الفرص، ويستغلون كل صغيرة وكبيرة لتشويه الإسلام ..

وهذا التشويه المتعمد قد يصل ضرره إلى مستوى لا يمكن مقاومته أو تفاديه، بل ربما تحول في أذهان الناس إلى حقائق مسلمة من كثرة التكرار، وربما تناقلته الأجيال حتى يصبح جزء من التاريخ ..!

***

قد يجد المجاهدون مثلا أن المصلحة والحاجة تقتضى أن يقتلوا بعض الأسرى قتلة شنيعة تهز نفوس الأعدا وتدخل الرعب في قلوبهم ..

وقد ذكرنا –في فصل المخصصات- مشروعية هذا الأمر إذا كان فيه مصلحة ظاهرة ..

أما حين تكون له نتيجة عكسية، كأن يستغل في تشويه المجاهدين بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام، فالقاعدة أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" .

ومن أدلة هذه القاعدة قوله تعالى : { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين المجرد مع كون السب لها فيه من المصلحة إغاظتهم، وإهانة آلهتهم التي يسعون إلى تعظيمها ..

 لكن سد هذا الباب؛ لأنه يفضي إلى مفسدة سب الله تعالى.

و من أدلتها كذالك ما رواه الشيخان وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها :

« يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة ».

وقد بوّب البخاري لهذا الحديث بعنوان : "من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه" .

وقال ابن حجر تعليقا على هذا الحديث :

(...وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب..

 وفيه تقديم الأهم فالأهم، من دفع المفسدة، وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة..) فتح الباري - ابن حجر (3/ 448)

وقال في موضع آخر :

 (..ويستفاد منه ترك المصلحة لِأَمن الوقوع في المفسدة) فتح الباري - ابن حجر (1/ 225)

وقال النووي :

 (وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها : إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم ....

ومنها : تألف قلوب الرعية، وحسن حياطتهم، وألا ينفروا، ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي) شرح النووي على مسلم (4/ 487)

ولأجل التأليف وعدم التنفير، استحب الإمام أحمد الجهر بالبسملة عند أهل المدينة الذين يجهرون .

كما استحب ترك القنوت في الوتر، تأليفاً للمأموم.

ولهذا قال شيخ الإسلام : (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا) مجموع الفتاوى (22/ 407).

وقال أيضا :(فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة وتركه تارة باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية، والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته) مجموع الفتاوى (24/ 195)

وقد كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية حافلة بدرء المفاسد وتقليلها ..

فمن ذالك أنه لم يقتل المنافقين مع علمه بأعيانهم لما قد يترتب على ذلك من المفسدة، وقال : « لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه » .

 ومن ذالك نهيه عن إقامة الحد على من استوجبه في الغزو؛ لخوف لحاقه بالمشركين .

ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر ـ رضي الله عنه ـ عندما أراد قتل ابن صياد : «إن يكُنْهُ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنهُ فلا خير لك في قتله».

فينبغي للمجاهدين التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في سياسة درء المفاسد ..ولا يكونوا كمن قيل فيهم :

فلا يحذرون الشر حتى ...ولا يعرفون الأمر إلا تدبرا .

وليس من السديد أن يقال في هذا الباب : لا نترك شرع ربنا إرضاء للمخلوقين ..!

فمثل هذا الكلام يقال إذا تعلق الأمر بفرض لازم، أو ركن واجب.. أما الأمور المباحة أو المندوبة، فلا حرج في تركها ..تحقيقا لمصلحة أو تأليفا لقلوب ..

بل قد يشرع ترك بعض الأمور الواجبة المهمة، من أجل تحقيق ما هو أوجب منها وأهم .

لكن مشكلتنا اليوم في من لا يميزون بين المشروع لأسباب، والواجب بالسنة والكتاب !

ويعتقدون أن من أركان الجهاد : السبي وقطع الرقاب !

 

الخاتمة

بناء على ما أوردناه في الفصول السابقة نقول :

إن عمليات الذبح وقطع الرؤوس التي تمارس اليوم ضد أسرى الكفار لم يلتزم أصحابها بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقتدوا بسنته التي أمرت بإحسان القتل بشكل عام، والإحسان إلى الأسير بشكل خاص .

فهذه العمليات تعتبر من التعذيب المحرم والإساءة المنهي عنها .

إضافة إلى ما سببته من تشويه الجهاد وتنفير الناس منه .

ولا تستغرب اليوم إن سمعت أن المجاهدين يقطعون الرؤوس ويذبحون الناس عقوبة لهم على بعض المسائل الفرعية مثل حلق اللحية والتدخين والتبرج !

وقد سمعت ذالك بنفسي من بعضهم ..

واكذب على الفيس بوك يذيع الكذبة أخوك !!

قد يقول قائل :

 كانت هذه العمليات موجودة في السابق، فلم لم تستنكروها إلا اليوم ؟

والجواب : أنها كانت موجودة في السابق بطريقة محددة ومنضبطة، بحيث يمكن إدراجها كلها أو جلها ضمن بعض المخصصات لوجوب إحسان القتل التي أوردناها في الفصل الثاني من هذا البحث.

ثم إن المجاهدين كانوا في السنوات الماضية من القلة والضعف بحيث يحتاجون إلى بعض هذه العمليات لإعطاء زخم كبير للعمليات القليلة التي استطاعوا القيام بها في وقت كان الإعلام يحرص على تغييبهم من المشهد وتهميش كل ما يقومون به .

وإذا قلنا بأن تلك الظروف كانت تضطرهم إلى القيام ببعض عمليات الذبح وقطع الرؤوس فنقول اليوم –جازمين- أن تلك الضرورة زالت مع تمدد الجماعات المجاهدة وازدياد نفوذها ..والضرورة تقدر بقدرها .

شيء آخر ..كان يجعل المرء يتأنى في انتقاد تلك العمليات، حتى ولو لم يكن يرى مشروعيتها ..

 فالهجمة الإعلامية على المجاهدين في تلك الفترة كانت على أشدها، وكل انتقاد للمجاهدين سوف يستغل لمحاربة الجهاد برمته وتشويهه..

أما اليوم فقد أصبحت عمليات الذبح وقطع الرؤوس التي سادت وانتشرت هي أكثر ما يشوه الجهاد، وغدت ظاهرة مرضية تفسد ولا تصلح، فلم يعد بالإمكان تجاهلها أوالسكوت عنها ..

ونرجو إن شاء الله أن تقوم الجماعات المجاهدة في كل مكان بالقضاء على هذه الظاهرة ومنعها .

إن الصحابة رضي الله عنهم كانت تقع منهم بعض الأخطاء في ساحة الجهاد، مثل مخالفة الرماة لأميرهم عبد الله بن جبير يوم بدر، و قتل امرأة في إحدى الغزوات وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : "ما كانت هذه لتقاتل"، و قتل أسامة رضي الله عنه لمن نطق الشهادتين، وغير ذالك من المخالفات التي وقعت من الصحابة رضي الله عنهم على وجه الخطأ ..غير أنهم رضي الله عنهم لم يكونوا يصرون على أخطائهم بل كانوا يستغفرون الله تعالى، ويتوبون منها، ويكفرون عنها ..

وقد روى أبو داود في سننه :

(عن ابن يعلى قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد, فأتى بأربعة أعلاج من العدو, فأمر بهم فقتلوا صبرا بالنبل . فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - فقال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل الصبر . فوالذي نفسي بيده, لو كانت دجاجة ما صبرتها . فبلغ ذلك عبد الرحمن, فأعتق أربع رقاب).

ونتمنى لمن وقعوا في هذا الخطأ أن لا تأخذهم العزة بالإثم، وأن يكون لديهم من الإخلاص والتجرد ما يمنعهم من التمادي في الذنب والإصرار عليه ..فالمرء بخير ما دام يقبل النصح ويسعى لإصلاح الخلل ..

والله أعلم

والحمد لله رب العالمين .

كتبه :

أبو المنذر الشنقيطي

15ذي الحجة 1435هـ .

 

 

@Ahmad_RPK