JustPaste.it

ضوابط في الفتن والملاحم وأشراط الساعة 2

الضابط التاسع :

( ملاحظة الأسلوب العربي والتيقظ له )

 

فمثلا نجد حضور التشبيهات البلاغية في هذه الأخبار ورمزية الدلالة والتوسع في العبارة وأحيانا تعمد الاختصار والحذف لعلم السامع به أو غير ذلك من الأمور .


فنجد أن بعض الأماكن جاءت بأسماء تشبيهية كما جاء في مصنف ابن أبي شيبة بسند ثابت عن عبدالله بن عمرو ( ويل للجناحين من الرأس وويل للرأس من الجناحين ) قال شعبة وما الجناحان ؟
قال يعلى بن عطاء : العراق ومصر والرأس الشام .

كما أن بعض الشخصيات جاء التعريف بها بالأوصاف كما قيل عن عمر ( قرن من حديد )
كما رواه ابن أبي شيبة عن كعب .


كما أنه أحيانا تأتي الأخبار على نمط الأسلوب العربي في إطلاق الكل وإرادة البعض كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين( هلكة أمتي على يد أغيلمة ) والأمة هنا بعضها لا كلها .
وأيضا يأتي العكس في إطلاق البعض وإرادة الكل كما روى نُعيم بن حماد عن أبي جعفر قال ( تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان الكوفة فإذا ظهر المهدي بمكة بعث إليه بالبيعة )
فالكوفة ليست المساحة الجغرافية المحددة في جنوب العراق حاليا بل هي أعم من ذلك في ما يشمل اسم العراق سابقا .

 


وتأتي الأخبار أحيانا فيها بعض الإيجاز فمن الغلط ترتيب الأحداث الواردة في خبر واحد على وجه القطع لاحتمال وجود الحذف .


والأصل عدم الحذف لكن في باب الأخبار بالفتن يكثر هذا الأمر بخلاف باب الأحكام لأن الهمم والنفوس تعتني بما يلزمها حالا عن ما يكون مآلا فلذلك كثر ضبط نصوص الأحكام أكثر من غيره .


ومن أساليب العرب الاستعارات والكنايات ففي الفتن لنعيم بن حماد قال أبوهريرة ( ويل لهم من هرج عظيم الأجنحة وما الأجنحة ؟
والويل في الأجنحة رياح قفا هبوبها ورياح تحرك هبوبها ..)
وهذا من الاستعارات البلاغية من جنس قول الله تعالى ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة )
ومن البعيد حملها على الطائرات والعصر الحديث خصوصا أن في الرواية تعيين تاريخ هذه الفتنة ( ويل للعرب بعد الخمس والعشرين والمائة ) وهذا إشارة إلى فتنة العباسيين والأمويين واستئصال دولة الأمويين وهلاك كبار العرب فيها والأقيال .


الضابط العاشر :

( الأسماء والألقاب الواردة في الأخبار والآثار في هذا الباب قد يراد به حقيقة الأعيان وقد يراد به الوصف فقط )


فقد يرد الخبر والأثر بتسمية ويريد بها شخصا معيّنا كما في حديث النبي صلى الله وسلم ( أول من يغيّر سنتي رجل من بني أمية ) رواه ابن أبي شيبة وحسنه الألباني في السلسلة .
فهذا الخبر يقصد رجلا بعينه لا يريد شيئا آخر ..

وترد بعض الأخبار بتسميات وتقصد الأوصاف وليس الأعيان مثل الآثار المروية في السفياني على ضعفها فهي تريد عدة أشخاص من وصفهم أنهم سفيانيون والسفيانية لقب للظلم والجبروت ولا مانع أن يكون أحد هؤلاء الموصوف بالسفيانية من ذرية أبي سفيان فعلا .

.

ففي المستدرك بسند ضعيف مرفوعا ( يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق ... حتى إذا صار ببيداء من الأرض خُسف بهم )
وعند نُعيم عن أرطاة ( في زمان السفياني الثاني المُشوّه الخلق هدّة بالشام )

.

فهذا يدل على تعدد الشخصيات بأسماء واحدة فينبغي التنبه له ومثله لقب ( النفس الزكية ) ففي ما يظهر أنه لقب لفرد والثاني اسم جنس فعن الحسن بن محمد بن علي ( لا يزال القوم على ثبج من أمرهم ... أو تجىء الرايات السود من المشرق فتستبيحهم أو تُقتل النفس الزكية ) رواه نعيم

وعنده من قول عمار بن ياسر ( إذا قُتل النفس الزكية وأخوه يُقتل بمكة ...) فهذا يدل على شخصية معيّنة ويدل في الأثر الآخر على أن المراد جنس النفوس المؤمنة الطاهرة الصالحة فلا يُخلط في فهم الآثار بمثل هذا.

 

 

الضابط الحادي عشر

( مراعاة عصر المخاطب بمثل هذه الأخبار )

.

فالخطاب كان يراعي أفهام الناس حتى لا يكون لبعضهم فتنة والوحي جاء للهداية لا للفتنة إلا لمن كان في قلبه مرض وهو بمثل هذا الخطاب يصلح أن يكون خطابا لكل العصور بفهم ( الرمزية ) المشار لها في النص نفسه .

.

ففي الصحيح في حديث صيحة الشيطان في خروج الدجال ( يعلقون سيوفهم على أغصان الزيتون ) فهذا لا يدل أن الحرب التي سيخوضها المسلمون بقيادة المهدي تكون بالسيف والرمح ( السلاح الأبيض ) دلالة قطعية .. ولا تدل أيضا على أن هذا إشارة رمزية على السلاح المطور العصري الآن .

.

لا يُجزم بهذا ولا بهذا فالخطاب يأتي لمراعاة المخاطبين ..

.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الدجال عن المدينة ( ولها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان ) رواه البخاري

فالمراد هنا ليس حقيقة الباب لأن المدينة كبيرة ولا تُسوّر فلم تُسوّر من قبل وفي عصر التقدم العلمي لم تسور فالمقصود هنا بالأبواب الطرق الحالية المسفلتة والأنقاب الموصلة إلى المسجد .

.

فأدوات الحرب لا تدل على حصره في زمن معيّن خصوصا أن هناك إشارات يفهم منها المخاطب قربنا الزمني من الأحداث الكبرى ففي المسند حين يأتي المدينة فيصعد على جبل فيقول ( أترون هذا القصر الأبيض هذا قصر أحمد ) وهذه نبوءة نراها الآن فالمسجد الأبيض أدق وصف له حال رؤيته عن بعد ( القصر الأبيض ) فهذا يدل على قربنا من زمن الدجال .. وفي حديث الملحمة عن عبدالله بن عمرو في مسند البزار رواية ( ويقذف الطير عليكم )
وهذا لا يكون فهمه إلا بالطائرات الحديثة ولا يُجزم به ..

المهم عدم استبعاد الأحداث وعدم الجزم بها إلا بظهور علاماتها بيّنة لأن من الغلط النوم في الغفلة لأن أحاديث الملحمة والمهدي تتحدث عن أدوات الحرب التقليدية .

.

.

الضابط الثاني عشر

( رعاية الأخبار والآثار الضعيفة والتنبه لها وعدم إهمالها )

.

فأكثر ما في باب الفتن والملاحم ضعيف كما روى ابن عدي في الكامل عن أحمد ( ثلاثة لا أصل لها التفسير والمغازي والملاحم )
ومعنى لا أصل لها يعني ليس لها أسانيد متصلة فأغلبها مراسيل ومنقطعة لأسباب :

.

.

أبرزها :

- الواقع السياسي الذي يحاصر كلمة الحق فأكثر أحاديث الفتن كانت تتكلم عن أسماء رؤوس الفتن من الحكام الظلمة والمنحرفين عن الشرع رؤوس الضلالة كما قال أبو هريرة ( ووعاء لو بثثته لقطع هذا البلعوم ) وانظر كلام الحافظ في فتح الباري في بيان هذا القول .

.
- أن الاهتمام في الفتن والملاحم يأتي في الدرجة الأخيرة في فهم الدين كما في حديث جبريل لما سأل النبي عن الإسلام أولا ثم الإيمان ثم الإحسان ثم الساعة وأشراطها ثم قال ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) فسمى كل هذه الأمور من الدين والدين درجات أشدها أهمية معرفة أحكام الإسلام وحدوده وفي الرتبة الأخيرة أهمية باب أشراط الساعة ولا يعني تأخيره هوانه أو إهماله بل يكفي أنه من مهمات الدين .

.
ولذلك اهتم العلماء بأمر الأحكام لأنه أكثر حاجة في باب العمل وأشمله لكل فرد من أفراد الأمة .

- التفسير تشهد له لغة العرب وقد نزل بلسان عربي مبين فلو أتى النص ضعيفا إسناده لكان اللغة شاهدة له ومقوية في فهمه .

وهكذا الأخبار في الملاحم وإن جاءت ضعيفة فقد يأتي الواقع محققا لها خصوصا إذا كانت على وجه التفصيل فلا نهمل الأخبار والآثار بحجة ضعفها وقد يأتي الواقع مصدقا لها فنقع في الفتنة من حيث لا نشعر .

.

فالأخبار والآثار وإن جاءت ضعيفة فينبغي أخذها على وجه التنبه لها لا الاعتماد عليها قبل وقوعها أو ملاحظة مؤشراتها وعدم إهمالها .

وكم بيّنت الروايات الضعيفة المجمل وكشفت المهمل وقيّدت المطلق الموجودة في الأخبار الثابتة فسّرت الخاطر وأبهجت الناظر وكان الأمر في محلّه ..

ومن الغلط المنهجي إهمال الضعيف بحجة أنه ضعيف فليس هذا بنهج العلماء في من سبق وسيأتي مقال إن شاء الله في هذا .

.

.

هذه ضوابط أرجو العناية بها قبل أن نُبحر في هذا متلاطمة الملاحم والأشراط القريبة منا ..

كتبه: عبد الله المهيلان