JustPaste.it

( المَثْناةُ وأشراط الساعة )

 
الحمدلله رب العالمين ..
 
 
روى الدارمي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه وغيرهما بسند جيد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قوله ( إن من أشراط الساعة أن يظهر القول ويُخزن الفعل وأن تُرفع الأشرار وتوضع الأخيار وإن من أشراط الساعة أن يُقرأ المثناة على رؤوس الملأ لا يُغيّر .. قيل يا أبا عبدالرحمن ما المثناة ؟
قال / ما استُكتب من غير كتاب الله )
 
 
 
هذا الأثر مما له حكم الرفع لأن العقل لا يستقل بإثباته دون علم غيبي وإن قيل إن عبدالله بن عمرو يروي عن أهل الكتاب فيقال تجويزه لرواية مثل هذا ونسبته لأشراط الساعة يدل على فقهه في تمييز ما يصح روايته وما لا يصح فهو أظهر من غيره علما وفهما ممن  يأتي بعده .
 
 
والمثناة هنا بفتح الميم وتسكين المثلثة وقد تأتي بضم الميم وتشديد المثلثة وتعنى ( المِشنا ) اليهودية وتعني الشريعة الثانية وهي مجموعة من التعاليم أخذها اليهود في زعمهم عن موسى عليه السلام شفاها وهي أحد مصادر التشريع عندهم بعد التوراة وعليها يعتمد التلمود .
 
قال أبوعبيد في غريب الحديث بعد سؤاله رجلا من أهل العلم فقال ( إن الأحبار والرهبان من بني إسرائيل بعد موسى وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله تبارك وتعالى فسموه المثناة ) يقول أبوعبيد ( كأنه يعني أنهم أحلوا فيه ما شاؤوا وحرموا فيه ما شاؤوا على خلاف كتاب الله ) 
 
 
هذه المثناة عند غالب اليهود فما هي المثناة عندنا التي أخبر بها عبدالله رضي الله عنه ..؟
 
 
أولا : يجب أن نعلم أن كتب السنة التي نقلت لنا وحي الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هي من ضمن كتاب الله لأنها منه وحيا وما تفرع عليهما من الفقه فيهما في كتب العلماء أيضا لا يدخل في الذم ويُجعل قسيما لهما كما فعله بعضٌ في ميله إلى أن المقصود في الأثر هي كتب الفقه المذهبية وهذا خطأ لأنه مبني على تصور انفكاك الفقه عن الكتاب والسنة وأنها محض آراء للرجال وهذا لا يصح لأن المجمل في كتب الفقه اعتمادها على الوحي وتُفرّع عليه مسائل الاجتهاد وهذه المسائل هي التفاصيل التي يكون فيها الأخذ والرد .
 
 
 
ومما يؤكد الفكرة السابقة أن من روى هذا الأثر كان من أكثر الصحابة رواية للحديث كما صح ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه .. فكيف ينهى عن شيء ويفعله ؟
هذا مما يُبيّن أن مراد الأثر غير ما يفهمه بعض الناس من ترك السنة والفقه وكتب أهل العلم .
 
 
ثانيا : ليس المراد من هذا الأثر اتخاذ هذه الأمة كتابا من عند نفسها دون كتاب الله وسنة نبيه تتعبد الله تعالى به فهذا لا يشك مسلم في كفره وهذا لا يحصل لجميع الأمة ولا لأغلبها وهذا قطعا لن يحصل لأن الأمة وإن وقع فيها من الشرك والبدع فلن يكون أغلبها في زمن من الأزمنة من أهل الكفر لأن من خصائصها ذهاب أكثرها إلى الجنة وإن وقع فيها من البدع والشركيات جهلا أو تأويلا ما يقع فتبقى الأمة معصومة من الكفر ولهذا جاء في الحديث ( إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة .. إنى لأجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ) وفي الحديث الآخر ( ما أنتم في أهل النار إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ) ..
 
 
ولا يعني هذا أن وقوع الأمة في الكفر ممتنع .. فقد يقع أكثرها في الكفر جهلا أو تأويلا يعصمها من عقاب الخلود في النار فتكون هذه الأمة معصومة من الوقوع في الكفر الذي تخرج به من الإسلام إلى الكفر .
 
 
ولهذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم ( إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ) والمعنى من هذا اليأس حصول عجزه وقنوطه أن يعود عاليا كما كان قبل البعثة فقد يقع بعضها في الكفر ما به يخرج عن الإسلام إلى النار لكن يمتنع على أكفرها وقوعه في هذا الكفر وهذا سبب يأس الشيطان ومثل هذا المثال في الجزيرة العربية يُعمم على الأمة كاملا لدلالة النصوص السابقة .
 
 
وهذا الحديث مما يتخذه خصوع الدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية في نفي وقوع الشرك في الجزيرة وليس فيه دلالة إذا فُهم المعنى السابق وأيضا ليس فيه ما يدل على نفي وقوع الشرك .. فقد يقع الشرك في بعض الأمة أو أغلبها لكن لا يقع تكفير الأغلب وإن حصل تكفير البعض .
 
 
 
 
ثالثا : 
 
 
إذا تأملنا في سياق الأثر نجد أن هذه العلامة تكون في زمن تنقلب فيه الموازين ( تُرفع فيه الأشرار وتوضع فيه الأخيار ) وهذا الزمن ذُكر لنا في حديث عمر الطويل ( أن ترى العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان ) بعد أن ذكر انقلاب مفهوم اجتماعي ( أن تلد الأمة ربتها )
 
 
فهذا يدل على تبدل الأمور والموازين من الناحية الاجتماعية والفكرية وحتى الاقتصادية والمادية وهذا مناسب للواقع الذي نعيشه .
 
 
وقوله ( يُقرأ المثناة على رؤوس الأشهاد لا يُغيّر ) نلحظ معنى التعميم والجمهرة التي تُقرأ عليها هذا الكتاب فلا يستطيع أحد إنكاره وتغييره إلا على وجه الخفية .
وهذا في ما يظهر لي والعلم عند الله تعالى أنها الدساتير الوضعية التي ساوت الشريعة الإسلامية من حيث التعظيم والتطبيق وجُعل لها من الفقهاء الدستوريين والمراسيم ما شابهوا به الوحي .
 
 
وهذه الدساتير أتت في وقت انقلاب الموازين وتغيّر الأحوال وهذا من الحكم الجبري الذي تُجبر فيه الأمة على غير ما تريد ويقرأ على رؤوسها لزاما وما بعد هذا إلا الحكم الذي يكون على منهاج النبوة والذي تعود فيه الموازين لنصابها وكتاب الله يسود على هذه الأمة المرحومة .