JustPaste.it

سلاح العمارة: استباحة المدن

سلاح العمارة: استباحة المدن

قراءة في كتاب: أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي

 

مويلك الشامي


نحنُ هذي الأرضُ، فيها نلتظي
وهْيَ فينا عنفوانٌ واقتتالْ

مِن روابي لحمِنا هذي الرُّبا
مِن رُبا أعظُمِنا هذي الجبالْ

وصف غوستاف فلوبير القاهرة عام ١٨٥٠م، بأنها «اضطراب بصري»، كان هذا في بداية الحملات الاستشراقية (الصليبية) الجديدة، وقد ذرَّت الحداثة بقرنها وبدأت تلوغُ في نظامنا المعماري وبُنانا الاجتماعية. كان الغربيون ينظرون إلى الشرق على أنه معرِض.. «معرِض خرِب ذو إدارةٍ سيئة» (استعمار مصر، ص ٧١). وخالفَ الواقع ما كانوا يتصورونه في أذهانهم، وما أقاموا له معارض الفُرجة في بلدانهم، فأرادوا إخضاع الشرق لتلك الصور الذهنية والترفيهية أو «شَرقنةُ الشرق» بتعبير إدوارد سعيد، ورأس ذاك الأمر: إعادة تشكيل المدينة الشرقية.
تداخلت العوامل الرأسمالية وزيادة الإنتاج مع المراقبة والضبط مع تغيير عقلية الشعوب وإعادة تشكيلها لتُعيد تخطيط المدينة على يد المُحتلين الأُوَل، «[فـ]إسطنبول، أولى مدن الشرق الأوسط في إقامة حي أوروبي الطراز كبير، كان يُقصد من المدينة الجديدة أن تكون صراحةً «نموذجًا» لبقية العالَم العثماني، وقد أشرفَ على إنشائها سعادتلو كامل بك، الذي اكتسب خبرته بالإشراف على إنشاء قسم العرض العثماني في معرِض باريس العالَمي» (استعمار مصر، ص ٢٦٤). وفُتحت شوارع القاهرة وتوسَّعت، ومُسِخت دمشق، وردمت الأزقَّة وعلَت الأبنية، «فالاستعمار لم يتجاهل أيَّ جزءٍ من المدينة، لكنه قسَّمها إلى قسمين، الأول أصبح معرِضًا، والثاني -وبنفس الروح- أصبح متحفًا» (استعمار مصر، ص ٢٦٦). ولم يكن مدُّ الشوارع وبناء المدارس إلا تعبيرًا عن نظامٍ ثقافي وترتيب اجتماعي جديد يستعلن بوجوده، كانت كلمات المهندس الفرنسي جليةً: «[لا بُدَّ أن يعبِّر تخطيط المدينة المُحتلة وعُمرانها عن] عبقرية النظام والتناسب، والتفكير الواضح للأمة الفرنسية» (استعمار مصر، ص ٢٦٣). من صور التحيُّز التي يذكرها المسيري، تحيُّز واقعنا الخارجي المادي ضدَّنا، إذ جاس المحتلون خلال ديارنا وهدَّموا مدننا وأعادوا بناءها بما يناسب منظومتهم ومرجعيَّتهم القائمة على الكفاءة وزيادة الإنتاج المَبنية على السرعة. لم يعُد لنا حقٌّ في فضائنا، وحدث انفصامٌ بين الحنين الفِطري الذي لا نجد له تفسيرًا والمدينة المشوَّهة الماثلة أمامنا.
كان أفق المدن ساحةَ المعركة، ذخيرتُها الشوارع والأسواق والمنازل والأبنية وحواجز التفتيش.

في المعنى الرابع للاستشراق عند إدوارد سعيد يقول إنه «الوعي الجغرافي السياسي المبثوث في النصوص العلمية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية واللغوية؛ وهو تطويرٌ تفصيليٌّ ليس فقط للتمييز الجغرافي الأساسي بل أيضًا لسلسلة كاملة من «المصالح» التي يستعين في تحقيقها والحفاظ عليها بشتى الوسائل، مثل نتائج البحوث العلمية، وإعادة البناء اللغوي القديم، والتحليل النفسي، ووصف ظواهر الطبيعة والمجتمعات؛ وهو في ذاته إرادةٌ معينة أو نيةٌ معينة، أي أنه ليس مجرد تعبير عن الإرادة والنية، لتفهم ما يبدو بوضوح عالَمًا مختلفًا (أو عالَمًا بديلًا وجديدًا) وللسيطرة عليه في بعض الأحيان والتلاعب به وضمِّه إليه» (الاستشراق، ص ٥٨).
لم يغِب هذا المنطق الاستشراقي عن المشروع الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، بل هو امتدادٌ له في أوجهٍ كثيرة. فقد ذكر لورنزو فيراسيني أنَّ ثمة كتابات إسرائيلية من الخمسينات، توثِّق وجود دراسات إسرائيلية تصوِّرُ الفلسطينيين (أصحاب الأرض) على أنهم كائنات غير عقلانية، لا تفهم إلا بالقوة، وهو نفس تعبير المشاريع الاستيطانية الإحلالية الأخرى، كما في أمريكا وأستراليا وجنوب إفريقيا، والاحتلال في الكونغو والجزائر، وغيرها.

تغيير العمران وتزويره، وإعادة تشكيل «المُستعمرات»، وفصل عالَمي المُستعمِر والمُستعمَر داخل الفضاء المتنازَع عليه بحواجز التفتيش والجدران الفاصلة، سمةٌ متلازمة لكل احتلالٍ منذ أن كان احتلالًا (هذا -بالمناسبة- من مكامن الافتراق بين مفهومي الفتح الإسلامي والاحتلال)، فقد وُجد هذا في الجزائر وعموم افريقيا، وكان ثمة «عزلٌ صحي» أقامه البريطانيون في الهند عندما خافوا من انتشار الأمراض على حياة الرجل الأبيض (من استخدامات المجازات الطبية في احتلال فلسطين، أنَّ مفكِّري الحركة الصهيونية الأوائل وصَّفوا «الشتات - diaspora» أو الوجود اليهودي خارج فلسطين (في أوروبا تحديدًا) أنه «مرض» وكان «العلاج» هو «العودة» إلى فلسطين)، وتبقى هذه المجازات -والتي استخدمها النازيون مع اليهود- حاضرةً في السردية اليهودية، حتى في هذه الحرب القائمة اليوم، جعلها الله عزًّا وتمكينًا لأهل الإسلام.

هذه السمات أو الخصائص، هي ما أحسنَ المهندس المعماري اليهودي إيال وايزمان في سَبرها وتوظيفها، وأتقنَ توصيفَها وتوثيقَها وبحثَها وتحليلَها في كتابه المهم: أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي (Hollow Land)، وهو أهم الكتب التي تناقش ديناميكيات الاحتلال وطرائقه في تشكيل البيئة الاستيطانية في الضفة الغربية وغزة (لا يأتي الكاتب على أيِّ ذكرٍ ليافا أو حيفا (حيث وُلدَ) أو اللد أو الناصرة أو عكا، لأنه -كبقية «المتعاطفين» و«الناشطين» -بمَن فيهم نورمان فِنكلستِين- لا يرون ذاك احتلالًا، لكن تجده ناقدًا شديد النقد لسياسات اليهود في الضفة وغزة!)، وأساليب الحصار، وآليات العمار، والالتفافات القانونية لتشريع الاستيلاء على الأراضي، وحتى المناورات العسكرية. ويُشرِّح منهجية إسرائيل في تحويل المناظر الطبيعية والبيئة المَبنية الاصطناعية إلى أدوات للهيمنة والسيطرة.
*****

يقول هنري لوفيفر: «ثمة سياسة للفضاء، لأنَّ الفضاء سياسي» (Henri Lefebvre and the Production of Space, p.7)، هذا التأصيل هو الفكرة الأم التي تتشعَّب منها فصول كتاب وايزمان، باحثًا العلاقةَ التكافليةَ بين الفضاء والهندسة المعمارية التي تأخذ -هنا- شكلَ الاضطهاد والإذلال حتى تصل إلى الإبادة، وتتجلَّى فيها خصائص الكولونيالية بشقَّيها: الاستيطانية الإحلالية والتبعيَّة الثقافيَّة. فالأولى -كما سنرى- هي استباحة الفضاء وتوظيف الشجر والحجر في المعركة، والثانية هو ما وقع على بلادنا كلِّها، عندما جاء المُحتلون وسيطروا على موارد البلاد، ثم وضعوا الأنظمة التي تضمن لهم تدفُّقها بعد خروجهم. وفي كليهما كان للهندسة المعمارية أثرٌ كبير؛ وإن كان في الأولى أظهر، لكنه في الثانية ليس خفيًّا كذلك لكنَّا ألِفنا المدينة كما بناها المحتل ووضع أسسها، ونشأنا على ذلك حتى صارت هويَّتنا العمرانية مُنكرة! (للتوسُّع انظر: المدينة الإسلامية لمحمد عبد الستار عثمان، واستعمار مصر لتيموثي ميتشل).
ومِعمار الكتاب -إن صحَّ التعبير- يبدأ من التخوم وعمارة القدس (قطب الرَّحى) حتى ينتهي إلى الاحتلال من السماء، بسلاسة دون تعقيد، لكن بتحليل رصين وسرد آسر، مشحون بالمعلومات والأمكنة والتاريخ والجغرافيا، مما يفتح للقارئ طبقات مهمة من الصراع، كنا نراها لكن لا ندرك كنهها كليةً.

التغيير الديمغرافي/السكَّاني، يتبعه تغييرٌ في العمران ولا بُدّ، إذ يقوم المحتلون (السكان الجدد) بإعادة تشكيل الفضاء والبيئة حسب هواهم، ويفصلون روابط المدينة بالحواجز والأنفاق والجسور بما يوافق أهدافهم المَرجوَّة من المكان، لكن ما يفعله اليهود ليس هذا فحسب، بل يوظِّفون هذا في ترسيخ احتلالهم بتثبيت دعاواهم أو الأساطير المؤسسة لدولتهم، من قبيل وعد الربِّ لهم بهذه الأرض (كما فعل المحتلون في جنوب إفريقيا كذلك)، وأنَّ هذه الأرض توراتية.. لذا تجدُ أنَّ علم الآثار (archaeology) له حضورٌ مكثَّف في السردية اليهودية، وفي ذلك يقول بن غوريون -العَلماني- في مذكراته أنَّ الحقَّ اليهودي في فلسطين «ينبني على حفرنا التربة بأيدينا» (أرض جوفاء، ص ٦٥)، وأغدقَت الأموال على مشاريع الحفر لأنها تُثبِتُ الحق التاريخي المزعوم لهم في الأرض، «وكانت ثمة مهمة وطنية قد أُلقيت على عاتق الأركيولوجيا وهي إزالة الطبقة الأرضية المرئية لإظهار الأرض العبرانية التليدة، ومعها الدليل على حق الملكية اليهودية» (ص ٦٦)، وإن كان غير ذي أثرٍ حقيقةً لأنهم كانوا يحفرون فيجدون آثارًا إسلامية فكان الأركيولوجيون التوراتيون ينظرون لهذه الاكتشافات على أنها غطاء يستدعي الحفر أعمق (صنُّف العصر البرونزي كنعانيًّا، والعصر الحديدي عبرانيًّا)، لكن وظِّف الحفر للاستيلاء على الأرض، وإعادة تنظيمها، فكثيرٌ من المستوطنات بُنيَت وضُمِّت إداريًا لِمَا يُسمى إسرائيل لادِّعائهم أنَّ للبقعة الفلانية تاريخ عبري، مع إعطاء الأماكن (والمستوطنات) أسماء توراتية -وهذا لُبُّ تهويد القدس- وتحريف الأسماء الأصلية، وإعادة تشكيلها لتوافق المِخيال التوراتي. ولأنَّ «المجتمعات الاستيطانية مجتمعاتٌ لا ذاكرة لها» كما يقول المسيري (رحلتي الفكرية، ص ٢٤٣)، أرادَ اليهود إعادة إعمار المدينة القديمة، وترميم كنيس الخراب الذي كان قائمًا في «حارة اليهود» خاصةً، على هيئته الأثرية القديمة ليُضاهي الأقصى وقبة الصخرة في أفق المدينة (أرض جوفاء، ص ٧٠).
دفع الهوس التوراتي الذي سيطر على البُنية الاستيطانية، إلى مسألةٍ كثُر الجدل حولها فيما بينهم وهي «التحجير»، أي تحجير القدس، بمعنى إكساء أبنيتها -أبنيتهم هم خاصة- بحجر القدس الذي له خصيصة توراتية، وبدأ هذا مع الاحتلال البريطاني، الذي شرَّع «قانون الحجر» للحفاظ على توراتية المكان، «وكانت الغاية من القانون تعزيز الرمزية الاستشراقية» (ص ٥٢).
وعندما عاد المعماريون اليهود الذين درسوا العمارة الحديثة إلى فلسطين، فُتنوا بالعمارة الفلسطينية متأثرين بنزعةٍ سرَت بين المعماريين مدةً من الزمن هي «عمارة بلا معماريين»، وهي نزعةٌ ظهرت في أوروبا تدمج بين البناء الشعبي في العمارة الحديثة، ويكمنُ فيها نموذج كولونيالي استشراقي، وهذه النظرة كانت موجودة في العقلية اليهودية مع مَسحةٍ توراتية، فعند بدايات الهجرات في القرن التاسع عشر، كانوا ينظرون إلى أهل فلسطين على أنهم مشاهد طبيعية أي أنهم جزء من الطبيعة كالأشجار والنباتات والحيوانات، لذا كان بعضهم في بدايات الهجرات اليهودية وحتى مع بدايات الاحتلال -قبل أن يرفع المسلمون السلاح هناك- يرتدون الزيَّ المحلي ويتصوَّرون به باعتباره فلكلورًا وسَمتًا شرقيًا ذا غرائبيةٍ تُغري العقلية الأوروبية (أزعم أنَّ هذا من مواضع إثبات أنَّ اليهود الذين قدِموا لفلسطين ليسوا إلا أوروبيين خُلَّصًا، لا قوميةَ يهوديةَ لهم، وإن كان الأمر يحتاج بحثًا دقيقًا)، أدَّى هذا كله إلى هوس تشكيل القدس على النمط التوراتي، وهذا هو التهويد على الحقيقة، فجاء بناء المستوطنات في المدينة القديمة بحجرٍ خاصٍ ليبقى للمستوطنات ارتباطٌ عضوي بالمدينة، وشُرِّعت القوانين التي تفرض هذا النوع من الإكساء. ففي مستوطنة جيلو (Gilo) التي بُنيت على تلةٍ -ودائمًا تُبنى المستوطنات في أماكن مرتفعة- تُشرف على بيت لحم ومخيمات اللاجئين، اجتهد المعماريون في جعل المستوطنة تبدو كأنها امتدادٌ طبيعي لنسيج المدينة القديمة المعماري.

ولإشعار السكان الجدد المُترَفين أنهم يعيشون في المدينة القديمة في مكانٍ هو امتدادٌ لعاصمتهم الموعودة ولتطابق الخيال التوراتي للمدينة مع مساكنهم، رغم أنهم يعيشون بعيدًا عنها بضعة أكيالٍ كانت تُبنى المستوطنات على قانون الحجر، حتى عارض المقاولون هذا بغية تقليص نفقاتهم، فأتى المعماريون بمسألة بناء المباني بالإسمنت الصلب ثم إكسائها بالحجر. إنَّ أول ما تتعلمه في الدروس الأولى من «مدخل إلى العمارة - ARCH 101» أنَّ زاوية المبنى تُنبئ عن حقيقته أحجريٌّ أَم إسمنتي، ومن هنا غدت الزاوية هوسًا جديدًا في المشروع الاستيطاني، حتى «انحازت الخطة الشاملة للعام ١٩٦٨م بشدة إلى الساعين للمحافظة على التطبيق الصارم للإكساء، إذ أنه لا يتوجب أن يُقاس دور البناء الحجري وأهميته من زاوية وجاهتِه المعمارية التي لا تتعدى كونها لوحةً تعكس منهج الإنشاء المُتبَّع فحسب، بل من باب قيمته الثقافية والرسائل الوجدانية المؤثرة التي تحملها الأبنية دلالةً على رمزية المدينة» (ص ٥٧). وبهذا تتسعُ «قداسةُ» المكان، وتتمدد حسب سيماء المدينة المصطنع، «انضوت الأحياء الريفية البعيدة والواقعة خارج الحدود التاريخية للقدس تحت عباءة الهوية الدينية الجامعة للمدينة». كانت هذه اللدانة الجغرافية سمةً تميِّزُ الصراع الجغرافي في فلسطين.

يقوم هؤلاء -الكاذبون على أنفسهم- بالتلاعب المكاني لغايات سياسية، ويقطعون المكان من كل علاقةٍ بالزمان، ويجعلونه مفهومًا مجرَّدًا حسب ما يُجريه مِخيالهم الاستشراقي، وينزعونَه من جميع سياقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية (طبعًا)، ليُعيدوا تشكيلَه بما يوافق الصورة التي شكَّلوها في أذهانهم؛ فمجرد وجود الحجر يجعل المكان مقدَّسًا، والقرية الفلسطينية وفلَّاحوها يذكِّرون موشي ديان برجال التوراة الذين شرَّدهم الزمان، كما وصفهم في مذكَّراته، والسفوح التي أقيمَت عليها مساكن الفلسطينيين، وأشجار الزيتون التي يسترزقون منها، إطلالاتٌ دعائية تُروَّج به بيوت المستوطنات، فتجد أنَّ الإعلانات التي تسبقُ افتتاح بيوت المستوطنة تُغري المُشتري اليهودي أنه سيحصلُ على بيت ذي إطلالةٍ توراتية، وعبارات دعائية من قبيل: «تواصَل مع الجغرافية التوراتية»، مع تغييبٍ كُليِّ لِمَن زرع هذه الأشجار وحرث هذه الحقول!

من المفارقات أنَّ «حجر القدس» كان يؤتى به من الجليل المحتلة حتى قبل حرب ٦٧، لكن مع زيادة المخاطر البيئية «حُظرت صناعة المقالع الحجرية في «أرض الحق» الإسرائيلية، وتكاثرت في الضفة الغربية لإشباع شهية القدس المفتوحة للحجر، إنها لمفارقة أن تغدوَ المادة المستخدمة في إكساء القدس اليهودية الآخذة بالاتساع أحد أهم روافد الاقتصاد الفلسطيني» (ص ٥٩)، فطبقات الخليل ورام الله الصخرية تحت الأرضية هي المورِّد لهذه الأحجار، في أبشع صورةٍ للإبادة السياسية، أي أن يكون صاحب الأرض يساعد الاحتلال على السيطرة على أرضه وضمِّها له هوياتيًا وماديًّا.


بعد أن عاد آرييل شارون وزير الخارجية -آنذاك- من المفاوضات في ميريلاند الأمريكية عام ١٩٩٨م، حثَّ المستوطنين أن «تحرَّكوا واهرعوا إلى انتزاع ما تستطيعون من التلال، لأنَّ كل ما نأخذه الآن سيبقى لنا وكلُّ ما سنتركه سيذهب لهم» (ص ١٢). كان شارون وما زالت ترِكته الإحلالية ذات أثرٍ في طرائق تعامل المشروع اليهودي مع الفضاء، منذ أن كان وزيرًا للزراعة ورئيسًا للجنة التوطين في أواخر السبعينات. فبعد أن استفاد من أخطاء «خط بارليف» (كان رئيس مركز القيادة الجنوبية حينها) والذي تركَّزَت فيه الهجمات لتُحدث ثغرةً فيه (حدث هذا كذلك مع الألمان عندما فتحوا ثغرةً في الدفاع الخطِّي واحتلوا فرنسا)، قرر شارون أنَّ المستوطنات على طول الخط الأردني لن تكوِّن نظامًا دفاعيًا ما لم تُحصَّن المرتفعات خلفَها، فكانت نظرية الدفاع في العمق، وهي نظريةٌ شبكية لا خَطِّية، تنظرُ إلى الجغرافيا على أنها لدِنةٌ متحركة، على خلاف فكرة الحدود الخَطِّية الثابتة التقليدية. لكنَّ سياسة الاستيطان لم تكن مقتصرةً على اعتبارات أمنية واستراتيجية، إذ «ثمة دوافع أخرى كامنة وراء هذه العملية: ديني/أيديولوجي (يرمي إلى استيطان القمم العليا القريبة من المواقع التاريخية التوراتية)، وسياسي (يحاول استباق إمكانية تسويق مناطقية باستيطان مناطق داخل المدن الفلسطينية وحولها)، واقتصادي (البحث عن أرض رخيصة لبناء الضواحي والزحف العمراني قريبًا من المراكز الحضرية)» (ص ١٨٩). وزِد على ذلك مسألة المياه الجوفية -التي يقع معظمها في الضفة- فاستولى العدو على مصادرها بمضخَّاته الضخمة ولا يصل منها إلى أهل الضفة سوى ١٧%. ومن الحماقة الظنُّ أنَّ اليهود سيتخلُّون عن هذه المناطق وترك المياه لأهل فلسطين!
كان شارون دائمًا يُعيد تشكيل الفضاء قبل أيِّ تدبيرٍ عسكري، ففي بداية السبعينات، ولمحاربة المقاتلين في غزة شقَّ طرقًا عريضة في نسيج مخيمات جباليا ورفح والشاطئ، ليسهُلَ عزلها أو الوصول إليها بسرايا المشاة، لأنَّ المقاتلين استفادوا من البناء العشوائي في المخيمات، الذي ضيَّق الطرق وأتاحَ لهم الحركة في «الأدغال الإسمنتية» والسيطرة على العام (أزقَّة المخيم وشوارعه) من الخاص (البيوت)، والتصدي لاقتحامات اليهود (سيقوم الملعون كوخافي بتطبيق خطةٍ أخرى لتجنُّب هذه السيطرة في جنين وقت الانتفاضة، ستأتي إن شاء الله).

كان من أسباب بناء المستوطنات على المرتفعات تحقيقُ هدف استراتيجي، وهو الهيمنة على المحيط أو الفضاء، كما أنها خطوط دفاع وإمداد تحسُّبًا لأيِّ طارئ؛ فكلٌّ منها ذات نظامٍ متكامل قائمةٍ بذاتها؛ بعضها زراعي وآخَر صناعي وأخرى مدنية، فمستوطنات الضواحي والأرياف تتلقى خدماتها من الصناعية والمدنية، ولها طرقٌ سريعة والتفافية منفصلة عن الطرق التي يتحرك بها الفلسطينيون، تصلُ التجمُّعات الاستيطانية ببعضها. بيَّن شارون صفة الدفاع في العمق بقوله: «في حال وقوع أيِّ هجومٍ، تتولى أعداد محدودة من القوات النظامية المحافظة على تماسك خطوطنا الدفاعية بالاشتراك مع المجتمعات المدنيَّة [المستوطنات] التي يُناط بها حراسة الحدود وتأمين الطرقات وضمان عمل الاتصالات... تنتظم [مستوطنات الضفة] في نسقٍ يخدم هدف الدفاع، إذا أخذنا بالحسبان الأسلحة والذخائر المتوفرة فيها، وخطط الطوارئ اللازمة الخاصة، إضافةً إلى اندماجها في النظام الدفاعي الشامل» (ص ١٣٤). لاحظ أنَّ هذه المستوطنات -وأخوَاتها في غلاف غزة هي نفسها التي يتباكى عليها الأوغاد -يهودًا وصليبيين ومرتدين- بعلَّة مدنيَّة ساكنيها!
سهَّلَت نظرية «الدفاع في العمق» استراتيجيةَ «الاحتلال في العمق»، وسالَت الحدود بين ما يُسمَّى بالمدني والعسكري، «انتقلت مصطلحات من مثل: النقطة الحصينة، والتقدُّم، والاختراق، والتطويق، والإحاطة، والمراقبة والتحكم، وخطوط الإمداد، من العسكري إلى المدني». (ص ١٣٤). ومع مطلع عام ٢٠٠٠م رُكِّبَت نوافذ مضادة للرصاص في المستوطنات.

يصفُ وايزمان مشهد شبكات الطرق وتأثيراته فيقول: «للسيطرة على مساحةٍ عليك أن تُمايز بين سرعة الحركة بين المُتمايزَيْن. فعندما تُنشئ المستوطنات الإسرائيلية على طرقٍ سريعة، فأنت تسرِّع الحركة في الفضاء، وعندما تضع حواجز تفتيش في كل منعطفٍ في الفضاء الفلسطيني، وجدارًا وسياجًا أو واديًا محجورين عنه، [فبذا تشُلُّ حركتَهم]». فبعد أن استولوا على بعض المناطق الفلسطينية ببناء المستوطنات مكانها، قطَّع أوصالَ المناطق الفلسطينية المأهولة ببناء مستوطنات على تلالٍ أخرى تحيط بها، ثم جاءت الحواجز فَجدار الفصل ليُكملَ خنقَ الفضاء الفلسطيني والسيطرة عليه، ويتشكَّلَ حزامٌ حول القرى والمدن الفلسطينية يفصل بينها، يصف «الناشط» اليهودي جِف هالبر «السلسة المتشابكة من المستوطنات والطرق والحواجز والقواعد العسكرية المَبنية جميعها في عموم الضفة الغربية أنها مصفوفة تحكُّم: سلسلة متشابكة ومعقَّدة من آليات التحكُّم» (ص ١٣٠، بتصرف).
وبناء البيوت في هذه المستوطنات في أعالي التلال، وإن كان يستوحي المِخيال التوراتي -كما ذُكر آنفًا- فإنها بيوتٌ مبنيةٌ على نموذجٍ واحد، شبيهٍ بالضواحي الأمريكية (سؤال الأثر الحداثي الغربي يحضُر مرة أخرى). وكلُّ واحدٍ منها أداةٌ بصرية، فما أن تدخل البيت حتى تنفتحَ على السفوح الفلسطينية، ومن الخارج مصفوفةٌ صفًّا دائريًّا بحذاء بعضها فتُكوِّنُ منظارًا ضخمًا أو جهازًا بصريًا يرقبُ الضواحي وما حولَها، لتصبح التلة «بانبتكون»، كما لم يحلُم بِنثام الملعون نفسه!
يجادل البعض أنَّ المستوطنات ليست كذلك، أي أنَّا نرى العدو ويرانا، وهذا لا يُسلَّم به، إذ على الحقيقة لا نراه، حتى طريقة بناء أبراج المراقبة العسكرية في الحواجز وعند جدار الفصل، مَبنيةٌ بطريقةٍ تمنع مَن في الخارج من رؤية مَن في الداخل، ليكون المرء دائمًا تحت وطأة احتمالية أن يكون ثمة مَن يراقب، ولتَفرضَ رهبةً دائمةً، وسيطرةً مكانيةً وقدرةً على التحكُّم بهذه المناطق. فوجود هذه الأدوات (المستوطنات المحتلة للأفق، حواجز التفتيش التي تقطع المناطق الفلسطينية، وجود الجيش في أماكن مدنية مختلفة) تحت الأنظار الفلسطينية دائمًا هو لدفع الفلسطيني للقبول بحقيقة هيمنة المحتل.
وفي «مناورات مناطقية» أخرى لفرض «توازن سكَّاني» بُنيَت مستوطنات مثل رامات اشكُل (Ramat Eshkol) والتلة الفرنسية (French Hill) في شمال البلدة القديمة، من حي شعفاط إلى حي الشيخ جراح، بحيث تكون حاجزًا بين الأحياء الفلسطينية، «لم ينطوِ التفكير في مواقع الأحياء الجديدة وتنسيقها على ابتكار بيئة لمنفعة السكان اليهود فحسب، بل لمنع القدس من أن [تكون] مدينة فلسطينية تؤدي دورها، ولمضاعفة الصعوبات أمام الوجود الفلسطيني في القدس.» (ص ٨٤).

ومن «العمران البصري» المفروض قانونيًّا على منازل مستوطنات الضواحي، أن تُسقَفَ بالآجُرِّ الأحمر، لتتميَّزَ عن غيرها من علٍ وفي الأفق من البرِّ ومن البحر، كي تُحيَّد عند قصف الطيران أو غيره. «من الصعب أن تجد نافذة منزل فلسطيني لا يرى الناظر منها بعض السطوح القرميدية الحمراء في المستوطنة المجاورة؛ من محل محترق لبيع الملابس في بيت لحم التي أُعيد احتلالها، من نافذة حمام في كفر بيت دجِن، من نافذة غرفة المعيشة في قرية سنجل، من فوهة كهف حيث يُقيم سكان الكهوف جنوب جبل الخليل، من مكتب في نابلس، من مخزن في رام الله، من كل مكان يمكنك استجلاء المستوطنة على أعلى التلة، تمثِّلُ أمارةً كولونياليةً مخيفةً.. منازل منسلخة عما حولها، تُنذر بالوعيد وتوحي بالغلبة لا حدَّ لنهمها» (ص ٢٠٥).
يقول فلسطيني عن المستوطنات: «أنظرُ من النافذة وأرى الموت يقترب»، هذه العبارة المكثَّفة التي لا يُعرف قائلها، ونقلها الكاتب عن مقالٍ في «هارتز»، تختزلُ حقيقة هذه المستوطنات دون حاجةٍ لتوضيحٍ زائد.

لم تقتصر الحرب على أعالي التلال، بل كانت في سفوحها كذلك، فقام الصندوق القومي اليهودي (JNF)، بزراعةٍ واسعة على الأراضي التي تطعنُ الحكومة اليهودية في سندات ملكية أصحابها الفلسطينيين، واقتصرت الزراعة على شجر الصنوبر لأنها تنمو بسرعة ولرواسبُ أوراقها الحمضية التي تفيض على الأرض فتُبيد النباتات والشجيرات الصغيرة، وتفسد الأرض ويمتنع الرعي فيها.
وهذا يجري بتلاعبٍ قانوني، كالاستيلاء على أيِّ أرضٍ لا يُقدِّم صاحبها إثباتًا على ملكيتها، وبإجراءات تفرضها السلطة اليهودية كفرض الضرائب، بحيث تدفع الفلسطينيين لترك مناطقهم والانتقال إلى مناطق أرخص على الطرف الثاني من الجدار، يوضِّحها وايزمان ويكشف خباياها.

على هامش المستوطنات: يشارك في التطوير العقاري والبيع والتأجير في الأراضي المحتلة شركات أمريكية على رأسها RE/MAX، ولها مكاتب في مستوطنات راموت اشكُل والتلة الفرنسية ومعاليه أودميم (Ma'ale Adumim)، وهي نشطةٌ جدًا في الأراضي المحتلة، تعرض أراضي محتلةً للبيع وبيوتًا سطا عليها اليهود تعمل في تطويرها وتأجيرها، وبناء بيوتٍ جديدة على أراضينا، وتطوير البنية التحتية الاستيطانية، وتُفيد من خفض الضرائب الذي تقدِّمه سلطة الاحتلال لمن يعمل في المناطق المحتلة، وهي كذلك شركةٌ نشطة في بلادنا ولها مكاتب وأعمال وعقارات في بلاد الحرمين والإمارات وتركيا، وقلَّ مَن يتنبَّه للدعوة إلى مقاطعتها.

يُبيِّن ما سبق خيانة الذين ذهبوا إلى أوسلو، وغباؤهم الشديد، فالمستوطنات زادت بعد أوسلو، ولم يُعطَ الفلسطينيون أيَّ سيادةٍ على أراضيهم أو حتى حريةً في حركتهم بين مدنهم، وإن كان يظهرُ للقادم إلى فلسطين من الأردن من جسر ألنبي (Allenby) الضابطَ الفلسطيني وعلمَ السلطة الفلسطينية، فثمة ما يُسمِّيه الكاتب «مرآة ذات بُعدٍ واحد» كتلك التي في غرف التحقيق يراكَ مَن وراءها ولا تراه، هو صاحب الأمر والنهي والموافق على دخول أحدهم أو مانعه، ذاك هو الضابط اليهودي. يوحي لك المشهد باديَ الرأي بسيادةٍ فلسطينية، وما هي إلا سرابٌ واحتقارٌ. وأظهرها في معبر رفح الذي أدارَه طواغيت السلطة الفلسطينية ومصر، لكن بقيَ الإشراف على العبور بيد الأمن اليهودي، فثمة مكتب ارتباط في المعبر فيه غرفة تحكُّم يديرها ضباط أوروبيون وإسرائيليون، تتلقى الغرفة بثًّا مباشرًا من المعبر، يراقبون فيه المسافرين الذين يقفون أمام عسكري الحدود الفلسطيني (لزوم السيادة)، ويصلهم بثٌّ مباشر من جهاز فحص الأمتعة، ويمكن للمراقبين الاتصال بالأمن الفلسطيني وطلب فحص الحقائب مرة أخرى!
وعند حواجز التفتيش التي أقامها العدو بين المناطق الفلسطينية نفسِها، يركِّزُ وايزمان على البوابات الدوَّارة وتضييقها، ويصف ما يحصل فيها من ذلٍّ وقهرٍ، وتقطيعٍ للمدن الفلسطينية مما شلَّ حركة المال والمَعيشة، دون أيِّ اعتبارٍ لاتفاقيات أو معاهدات! أمَّا المستوطنون الذين يسكنون في مستوطنات على طرقٍ فلسطينية، فلهم طرق مستقلة، لا عوائق فيها ولا تفتيش.
بل ما فعلته أوسلو أشدُّ جرمًا ومكرًا؛ فإن كان للعدو التزامات مفروضةٌ عليه قبلها، فقد هيَّأت له بعدها أن يتفرَّغ للتدابير الأمنية، بعد «السيادة المرقَّعة» التي مَنَّ بها على حمقى «منظمة التحرير» عندما فوَّض لها إدارة الخدمات، الأتعس من هذا أنَّ الخدمات كانت عن طريق المجتمع الدولي.. فلا سيادةً حصَّلوا ولا عدوًّا دفعوا!

أمَّا الجدار، أكبرُ مشروعٍ معماري كولونيالي وأكثره كلفةً، وأكثره تغييرًا لمساره -إذ هو لَدِنٌ كبقية الجغرافيا حوله- فقد فصَّل وايزمان في توضيح أثره، وكيف جعل من المدن الفلسطينية جزرًا منفصلة، وبنفس الوقت ضمَّ المستوطنات وربطها ببعضها، مع بقاء إمكانية التغيُّر للتوسُّع وضمِّ مناطق جديدة. فالجدار ليس خطًّا مستقيمًا يفصل بين إقليمين، بل صار سلسلة حواجز تطوِّق ما تشاء من أراضٍ!
يمثِّلُ جدار الفصل نموذجًا على فوضوية العمارة الاستيطانية. وفي محاولةٍ لحلِّ التشرذم الذي نتج عن منطق الفَصل اللدِن بين «أحياء» التلال وقرى الوديان ومدنها، وضع المهندسون السياسيون الإسرائيليون نظام أنفاقٍ معقَّدٍ جعل من أرض فلسطين أرضًا جوفاء، يقول وايزمان واصفًا وظيفةَ الجدار وإخفاق أصحابه من تحقيق ما خططوا: «ظهرَ تخيُّلٌ للمكان وفق نهجٍ جديدٍ. بعد تفتيت سطح الضفة الغربية بالجدران وضروب الحواجز الأخرى، بدأ المخططون الإسرائيليون السعيَ إلى ضفر أجزائه معًا بصورةٍ كيانين جغرافيين قوميين منفصلين، لكنهما متداخلان؛ شبكتان إقليميتان تتداخلان عبر المنطقة نفسها في ثلاثة أبعاد، دون أن تتقاطعا أو تتقاربا... يُبرهن -نظام الأنفاق والجسور- بوضوح محدوديةَ سياسة الفصل. وما يتضح من بحوثٍ لا حصر لها أجريت للوصول إلى الصيغ أو الآليات «المُثلى» للفصل، هو إداركُ المخططين لحقيقة أنَّ الحلَّ ممكنَ التطبيق قد لا يكون بالضرورة كامنًا في فنِّ التخطيط الإقليمي». (ص ٢٨٠، بتصرف).
ثبَّت جدار الفصل قانونًا احتلاليًا جديدًا: لتحكم أرضًا واظِب على تغيير جغرافيتها وتصميمها الحضري/المَديني! يمكن فهم تدمير غزة القائم اليوم من هذا الباب؛ لإعادة تشكيلها معماريًا لأسباب كثيرة أهمُّها ألا تتكرر غزوة كطوفان الأقصى، فالهدم والبناء استراتيجيةٌ في هذا القانون. قد لاحظ وايزمان في حرب غزة ٢٠٠٩م، أنَّ الساسة اليهود كانوا يأمرون بالقصف المستمر على غزة ويتحدَّثون عن «إعادة الإعمار». لا يبحث المحتل هنا عن مجرد استقرارٍ مكاني ليحكمه، بل وقع الاحتلال وترسَّخ بالتغيير المستمر للعمران والبيئة الطبيعية، وتوظيفهما في الاستيلاء على مناطق جديدة؛ فتتحوَّل «مخيمات اللاجئين» المُدمَّرة إلى «مشاريع إسكان»، لتكسر -ما يسميه وايزمان- الاستمرارية التاريخية والمكانية والاجتماعية للمخيَّم؛ فوجود المخيَّم نفسه هو رفضٌ للاحتلال، فضلًا عن أنه بطريقة بناءه صار ثكنةً للمقاتلين.

لم تكن الهندسة المعمارية إذن إلا سلاحًا آخَر يهدم ويبني، ويفصل ويربط، لكن كان لها أثرٌ عسكريُّ آخَر بدا في الانتفاضة الثانية، وتحديدًا في مخيمي جنين وبلاطة أكبر مخيمات الضفة. يصف أفيف كوخافي -العميد في جيش يهود- اقتحام مخيمي جنين وبلاطة ومدينة القصبة، بـ«الهندسة العكسية»، وهي «إعادة تنظيم التركيب المديني بوساطة سلسلة من الأعمال التكتيكة الدقيقة» (ص ٢٨١)، لم يستخدم العدو في اقتحامه المخيمين الشوارع والأزقة، بل أقاموا طرقًا بديلة بفتح ممرات في جدران البيوت وأسقفها وأرضياتها المشتركة، تتحرك منها المجموعات العسكرية التكتيكية اليهودية داخل منازل سكان المخيم وتتنقَّل فيها لضرب المقاتلين. يقول كوخافي -وسأنقل كلامه بطوله لفهم المشهد-: «هذا الحيِّز الذي تنظر إليه، ليس سوى تفسيرك الخاص له، يمكنك أن توسِّع آفاق تفسيرك، لكن ليس إلى ما لا نهاية، لأنَّ الفيزياء تقيِّده بالحدود باعتباره يشمل الأبنية والأزقة... كيف تفسر الزقاق؟ هل تفسره -كما يفعل كل معماري وكل مخطط مدن- أنه مكان مخصص للمشي أَم تفسره أنه مكان يُحظر المشي فيه؟ لقد فسرنا الزقاق أنه مكانٌ يُحظر المشي فيه، والباب يُحظر المرور منه، والنافذة موقع يُحظر النظر منه، لأنَّ الأسلحة تنتظرنا في الزقاق، واللغم ينتظرنا خلف الأبواب. وهذا لأنَّ العدو يُفسر المكان بأسلوب كلاسيكي تقليدي، ولا أرغب في التقيد بهذا التفسير والوقوع في شَرَكِه. ليس الأمر عدم رغبتي في الوقوع في فخاخه فحسب، بل إني أريد مفاجأته كذلك، ذلك هو جوهر الحرب»، لذا اختاروا السيرَ بعبور الجدران، «كنا نتحرك داخل المنازل [الفلسطينية] إلى الأجزاء الخارجية منها بطرقٍ لا يمكن التكهُّن بها، وفي أماكن لم يكن قدومنا إليها متوقَّعًا، نصل من الخلف ونضرب العدو الذي انتظرنا خلف الزوايا... ولأنها كانت المرة الأولى التي اختُبرت فيها هذه الطريقة [على هذا النطاق]، فقد كنا نتعلم خلال العملية نفسها كيفية تكييف أنفسنا مع المكان الحضري وكيفية تكييف المكان الحضري نفسِه مع حاجتنا... لقد استخدمنا هذه الممارسة التكتيكية الدقيقة وحوَّلناها إلى منهجٍ وتمكَّنا من تفسير الفضاء برمته بصورةٍ مختلفة» (ص ٣٠٢-٣٠٣). فاستخدموا النقاط التكتيكية المُخترَقة للكمون ولزيادة التحكم في المساحة التي يغزونها ويُعسكرونها، وقوَّضوا فكرة المدينة نفسها. لم يكن الهدف هنا السيطرة على المدينة، بل قتل ما يمكن قتله من المقاتلين.
وهذا يرجع -مرةً أخرى- إلى تلدينهمُ الجغرافيا والعمران، وتعاملهم مع الفضاء وتنظيم المناطق على أنها نمط من «البلاستيك السياسي» كما يصفها وايزمان. أعادت هذه الطريقة صياغة حرب المدن. كان يُنظر إلى المدينة على أنها شوارع يمكن أن تَحُدَّ حركة المقتحمين، أي أنها تُعطي نوعًا من التحصين والعوائق بإعدادها المعماري التقليدي، مع وجود الأبنية و«الأدغال الإسمنتية» التي تكثُر خاصةً في أماكن كالمخيمات التي تُبنى عادةً عشوائيًا، لكن بهذه الحيلة، تصبح المدينة نفسها سلاحًا ضد سكَّانها، إذ تصبح الجدران شوارعَ يتحرك العدو اليهودي في أرجائها مما يُعطيه ما تُسميه أدبياته «الانثيال السربي»، وهو اصطلاحٌ في النظرية العسكرية الأمريكية، طوَّره باحثون من راند ومعهد روكفلر، يقوم على «قتال شبكةٍ لشبكةٍ أخرى» (ص ٢٨٩).

أساس هذه النظرية «المعمارية» وغيرها، يعود لمعهد الأبحاث النظرية العملياتية (OTRI)، الذي أعادَ للنظرية النقدية المعمارية حضورها، بل يذكر وايزمان أنَّ النظريات النقدية ما بعد الحداثية وجدت بيئة خصبة في العلوم العسكرية، خاصةً المتعلقة بحرب المدن. هذا المعهد أنشأه الجيش الإسرائيلي لوضع تدابير استراتيجية وتنظيمية لـ«حفظ الأمن» في المناطق المحتلة، عمل المعهد أيضًا مع الأمريكيين [كما قال موشيه يعلون رئيس الأركان السابق] وأكَّد هذا التعاون بين المعهد والجيش الأمريكي، ديفيد بيري المقدَّم في سلاح مشاة البحرية الذي يكتب الآن «دليل التعاليم العملياتية» لسلاح المشاة» (ص ٢٨٥). ويعتبر شارون أحد المراجع التاريخية للتعليم في المعهد، لم يكن شارون يظهر في الانتفاضة أنه رئيس وزراء أو قائدًا عامًّا فقط، بل كانت مسيرته التي قامت على القطيعة مع الانضباط العسكري التقليدي رافدًا لكثيرٍ من هذه النظريات العسكرية (ص ٢٩١).
وظَّف المعهد في أبحاثه -والجيش في تطبيقاته- النظرية النقدية وما بعد البنيوية، وخاصةً نظريات غوتاري وتشومي وغيرها مما يُدرَّس في المعهد، فالأول يرى أنَّ المدينة ليست شيئًا جامدًا إنما هي حسب ما تنظر إليها، والثاني -كما يقول شيمون نافيه- رأى أنَّ العالَم تشكيلة من الممارسات الاجتماعية المتباينة ومن وجهة نظر متغيِّرة دائمًا. سأل وايزمان شيمون نافيه -أحد مديري المعهد- عن عدم قراءة دريدا والتفكيك إذن، فقال شيمون: «قد يكون دريدا مبهمًا بعض الشيء عند جمهورنا. إننا نشارك ما هو أكثر مع المعماريين من حيث إننا نجمع بين النظرية والممارسة؛ يمكننا أن نقرأ، لكننا نعرف كذلك كيف نبني وندمِّر وكيف نقتل في بعض الأحيان» (ص ٣٠٤)، فهم يتعاملون مع النظريات النقدية أنها أدوات تمكِّنُهم من فهم الفضاء أكثر، ومع التطبيق يطورون تكيُّفًا جديدًا يتجاوز أخطاءً سابقة.

يؤصِّل غوتاري ودولوز لنمطين من الفضاء: أولاهما: صلب مكانيًا وراسخ، والآخَر: سلسٌ مرنٌ يحملُ مجموعة فضاءات مرتحلة وتوقَّعا وجود مجموعات أو شبكات منظمة تتحرك في هذه الفضاءات، من هذه المجموعات: الجذمور (Rhizome) وآلات الحرب، والجذمور نبتةٌ تظهر على السطح منفصلة لكنها -تحت الأرض- مرتبطةٌ ببعضها تعود إلى أصلٍ واحدٍ، ومن هنا الدلالة الفلسفية التي أراداها، والتي وظَّفها الجيش الإسرائيلي في عملياته، «فهي منظمات تشتمل على عدد كبير من المجموعات الصغيرة التي يمكنها أن تنشطر أو تلتئم معًا تبعًا للمصادفات والظروف، وتتميز بقدرتها على التكيُّف والتحوُّل» (ص ٣٠٥). وهكذا وظِّفَت النظريات المناهضة للدولة في حرب المناهضين للدولة!
بعد تدمير المخيم، تبرع الهلال الأحمر الإماراتي بتسعة وعشرين مليون دولار لبرنامج الأونروا لإعادة البناء، جرى حديثٌ كثير عن سعة الطرق في المخيم، لكن لم يأبه أحد، ووسِّعَت الطرق «لتكتشف» الأونروا أنها يسَّرت دخول الدبابات إلى المخيم!

هذا الفصل الذي يحكي عن حروب العصابات في المدن، وتطوِّرهم الدائم وإعادة تحديث أماكن تدريبهم الاصطناعية التي تحاكي مدننا، يُبيِّن كم أجرمَ في حقِّنا مَن منع الإعداد حتى أقلَّه!

 

يرى الجيش الإسرائيلي أنَّ المخيمات مادة للمقاومة وبيئةً تعين على إيجادها، لا أنها أماكن ينتظمون فيها فحسب. كان الردُّ على هذا الإشكال -ضمن ردود التدمير والهدم-: التوطين. وهو حلٌّ كلاسيكي في أدبيات مكافحة «التمرد». اقترح شارون في مطلع السبعينات توطين بعض اللاجئين في غزة، وكان تدمير مخيمات جباليا والشاطئ ورفح (١٩٧١-١٩٧٢م) ليس لتوسيع الطرق الداخلية فقط، بل لتشريد اللاجئين الذين سيحتاجون لزامًا مساكن جديدة، اقترح شارون حينها توطين سبعين ألفًا في أحياء جديدة، وآلافًا أخرى في مدن فلسطينية محتلة!! رُفض اقتراحه، لكن نفِّذت مشاريع أخرى بدعمٍ من موشيه ديان الذي يقول: «طالما بقيَ اللاجئون في المخيم سيقول أطفالهم إنهم جاؤوا من حيفا أو يافا، لكن إن انتقلوا إلى خارج المخيم، نأمل أن يشعروا بالتعلُّق بأرضهم الجديدة»، نفَّذ هذه المشاريع فلسطينيون!! صوِّرَت المشاريع الجديدة للدعاية الإسرائيلية وزارها وفود من الخارج! أخفقَ هذا المشروع وغيره كمشروع حي الشيخ رضوان، إذ لم تُكسر الجماعات المقاتلة، بل أصبحت بعض المناطق الجديدة مراكز لها!
وعندما خرج اليهود من غزة عام ٢٠٠٥م، سعوا في إعادة إسكان الفلسطينيين في المستوطنات، وعموم المستوطنات (في غزة وغيرها) مبنيةٌ على طرازٍ حديث، وعلى درجة عالية من الرفاهية في جملتها، فأبى الفلسطينيون. وقد ساقَ وايزمان هنا حديثًا مهمًا عن أثر العمار الكولونيالي الذي يُخلِّفه المحتل، وكيف قد يكون له أثرٌ في إعادة إنتاج البُنى السلطوية المندحرة إذا استخدمَ أهل البلاد مباني المحتل التي كان يحكم منها ويُدير احتلاله، وقد استخدم اليهود البنية التحتية للعسكرية البريطانية بعد خروجهم، متابعين السيطرة السكَّانية. وهذا يرِدُ في دراسات ما بعد الكولونيالية، وقد أفاضَ فانون في «مُعذَّبو الأرض» الحديث عن عالَمي المستعمِر والمستعمَر خلال الاحتلال وبعده، وهو تحليل مهم يحسُن الرجوع إليه.

دمَّر اليهود بيوتَهم بأيديهم وهم منسحبون مذمومين، ثم -ويا للسخرية- دفعوا -مضطرين- خمسةً وعشرين مليون دولار لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يتلقى المقاولون الفلسطينيون منه المال اللازم لفرز أنقاض الأبنية المهدَّمة، وسمَّت إسرائيل هذه «الهبة» أنها «لإنعاش الوضع الاقتصادي في قطاع غزة» (ص ٣٥٣).


أمَّا وقد خرج اليهود من غزة، فإنهم لم يتركوها، بل شرطت السياسة الإسرائيلية على أجهزتها للموافقة على الانسحاب أن يكون للأمن والجيش القدرة على السيطرة على المناطق التي تركوها بأساليب أخرى، لذا انتقلَت مواقعهم من البرِّ إلى الجو، «لم يعُد «الشرق» المُتخيَّل -الكائن الغريب للكولونيالية- وراء الأفق بعد الآن، بل هو الآن تحت الاستبداد العمودي للحضارة الغربية المحمولة جوًّا التي أمكنَ لها التحكُّم عن بُعد بمنصاتها التكنولوجية» (ص ٣٥٥)، انتقلَ يهود إلى السيطرة الجوية و«الاغتيال الموجَّه»، واختار وايزمان هذه التسمية -كما يقول- جَمعًا «بين المنطق العملياتي وتعريف الفعل غير القانوني» (ص ٣٥٥، حاشية)، وبدأت هذه الاغتيالات الجويَّة تتحول إلى منهجٍ ثابت وإن وصفوه بالاضطراري والنادر، وليست لدرء «الإرهاب» بقدر ما هي أداة سيطرة، إذ لم يعُد «معسكر الإبادة» على صورة أوشفيتز، بل صار الطائرة دون طيار-الدرون، التي تقوم بنفس فعله التقليدي؛ أي السيطرة على جمعٍ من الناس، ثم استغلالهم اقتصاديًا -ليس شرطًا ضروريًا- ومن ثَمَّ إبادة بعضهم تدريجيًا. وكما كان يُغلق الجيش منطقةً برًّا بالأسوار والسياج يُغلقها اليوم جوًّا بالتحويم فوقها وإلقاء المناشير ليُعلن أنها أرضٌ مستباحةٌ.
افتُتنَ يهود «بالكولونيالية المُطبَّقة جوًّا» والاغتيال الجويُّ، كما افتُتن قبلهم تشرشل بالطائرات التي تُبيد قرًى بخمسٍ وأربعين دقيقة. تبعَ هذا جمعٌ محموم للمعلومات التي تساعد على التنفيذ، وتطويرٌ متسارع للتقنية، جعل من أمريكا تدرس أداء الجيش اليهودي في «مختبر غزة» لتُفيد من ذلك في حربها، حسب ما قال أوفريم سيغولي قائد قاعدة بلماخيم (Palmachim) أكبر مقرٍّ لأسطول الطائرات دون طيار، والتي تخرج منها أغلب الطلعات الفاتكة.
من أوائل هجمات «الاغتيال الموجَّه» -بفلسفتها الجديدة والطائرة المسيَّرة- نفَّذتها أمريكا في الثالث من تشرين الثاني عام ٢٠٠٢م، واستهدفت الشيخ أبو علي قايد بن سالم الحارثي في اليمن، وقُتل معه: أبو أحمد الحجازي كمال الضالعي، وأبو همام صالح حسين الجعدني، وعادل ومنير مسودا الجعدني، وأوسان الطريحي رحمهم الله. وأعلنت «الملاحم» في شريط «حصاد الجواسيس ٦» أنَّ الله مكَّن من الجاسوس الذي دلَّ على مكانهم بعد عشرين عامًا من الهجوم الأمريكي. وأمَّا إسرائيل فأول تنفيذ لاغتيال جوي كان من حوَّامة قتلت عباس موسوي عام ١٩٩٦م، ثم تتالَت اغتيالات الأباتشي، قبل دخول الدرون عام ٢٠٠٤م، «رغم قيام الطائرات العسكرية بتنفيذ الاغتيالات حتى عام ٢٠٠٤م، إلا أنها تُستخدم الآن لصرف الانتباه عن المواقع الفعلية للعمليات، حيث تُحلِّق فوق أجزاء أخرى من قطاع غزة في الوقت الذي تجري فيه عملية الاغتيال» (ص ٣٦٤).
لا ينجح عمل هذا النوع من الاغتيالات دون مساعدةٍ من الأرض، يقوم بها غالبًا المنافقون، لذا يُدير الشِنْ بِتْ (الشاباك) والمخابرات العسكرية مجموعةٌ سرية تسمى «٤٠٥»، عملها تجنيدُ الجواسيس و«إجبار الفلسطينيين على التعاون»، يُدرَّب الجواسيس في المنشأة «١٣٩١» وهي سجن سري على نمط غوانتنامو مخصص «للسجناء الإداريين»، يُدرَّب الجواسيس على «وضع إشارة على الأهداف، وزراعة القنابل وتفجيرها، أو هزِّ شجرة علامةً لإرشاد العدو» (ص ٣٦٥، وانظر: وثائقي: ما مصير عملاء إسرائيل، على يوتيوب).

يُريد الصليبيون واليهود من هذه الاغتيالات أهدافًا مختلفة، منها إثارة الفوضى في بُنية الجماعة المجاهدة بالاغتيالات المتتالية بحيث لا يمكن للمجاهدين تدارك أثر الاغتيال، خاصةً أنَّ اغتيال قائدٍ في الجماعة «يشبه هدم مركز قيادة أو جسر استراتيجي» (ص ٣٦٦)، ويقول شيمون نافيه: «لا يمكن وضع تصور دقيق لنتائج عمليات القتل هذه، فإنَّ التأثير هو في إحداث درجة من الفوضى السياسية والمؤسساتية تسمح للقوات الأمنية الإسرائيلية بأخذ استراحة ومشاهدة السقوط دون أيِّ تدخلٍ منها» (ص ٣٦٦).
وتوظَّف هذه الاغتيالات في فرض واقعٍ سياسي يريده العدو، «يكون اغتيال القادة الفلسطينيين «الراديكاليين» ممكنًا لإفساح المجال أمام صيغةٍ سياسية أكثر براغماتية»، كما يمكن اغتيال القادة «البراغماتيين» لإفساح المجال أمام المواجهة المباشرة لاتِّقاء المبادرة الدبلوماسية. يمكن القيام باغتيالات بهدف استعادة النظام، وبعضها الآخر لخلق الفوضى. تُنفَّذ بعض الاغتيالات لأنها ممكنة التنفيذ فقط» (ص ٣٧٥).

تذكَّر عظم جرم مَن أباح ديار المسلمين للقواعد الجوية الأمريكية (التي ترسل الأسلحة ليهود، حتى الساعة!)، وبحارَهم لحاملات الطائرات المتربِّصة بأي حركة جهاد وتحرر.
وكما أخفقت سياسات التوطين، أخفقت الاغتيالات الجوية، «فلم تتمكَّن من وقف العنف، ولا من إضعاف حافز المقاومة عند الفلسطينيين، ولا حتى تدعيم طريقة محمود عبَّاس أو «المعتدلين» الفلسطينيين» (ص ٣٧٦، بتصرف). وأخفقت الحدود والأسوار التي جهد في وضعها العدو، فحفرت الأنفاق تحتها.
*****

لم أكن حقيقةً أدرك -قبل هذا الكتاب- صفة المشروع الإحلالي اليهودي، وأعني طريقة عمله وأدواته في فرض الاحتلال، فحتى مياه الصرف الصحي استخدمها في إغراق المخيَّمات، فكان كل شيءٍ سلاحًا، وكنا أولى بذلك كله منه، أي ينبغي أن ننظر إلى كل شيءٍ على أنه سلاحٌ يمكننا فيه دفع العدو وحماية بيضة المسلمين هناك وفي كل مكان، ورأس ذلك النظر إلى الجغرافيا على أنها لدِنةٌ مرنةٌ حتى لا نقع في أسر الحدود ونمشي كما خُطط لنا!

وليت السياسيين والباحثين والمهندسين والأطباء عندنا يفهمون أنَّ تنظيرهم المُجرَّد دون انخراطٍ في المعركة لا قيمةَ له في الجملة، فقد كان مَن يقود المعارك هناك عساكر معماريون لتغيير الجغرافيا وتفسير الفضاء والهيمنة عليه، وآخَرون فلاسفة -ككوخافي- يُفلسفون الحركة العسكرية بعد أن يعيشوا في ثكناتها وعلى ثغورها ثم هم أنفسهم يقودون المعركة ويضعونَ تدابيرها، وسياسيون يحمونَ هذا كله من الميدان الذي يرونه ميدان أرضهم لا عند عتبات فنادق العدو نفسه! فليس معنى «كلٌّ على ثغر» أن تنفردَ في عيادتك أو مخبرك أو مرسَمك لا تُقدِّم شيئًا حتى التنظير لا تُحسنه لانعزالك! وليس معنى «كلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» أن تترك ساحة المعركة ثم تتباكى على فعل كذا وترك كذا، وأنت لم تفعل شيئًا سوى مُداراة خُذلانك وقلة فهمك لواقع المعركة بنصٍّ، فلم تفرَّ من الجامية كما كنت تبغي!
*****

من مشاريع وايزمان المهمة ما يُسميه: العمارة الاستقصائية/الجنائية/العَدلية (Forensic Architecture)، وهو مشروع يموِّله الاتحاد الأوروبي، وحقيقٌ بالاهتمام والمتابعة والتعلُّم منه. يستخدم وايزمان تقنيات حديثة كصور الأقمار الصناعية والنمذجة ثلاثية الأبعاد والتحليل المكاني لإعادة بناء وقائع كالقصف الجوي وتحليلها، والتحقيق في حيثياتها، وشرح كيفية حدوثها. يمكن الاستفادة من ذلك بتقليل آثارها وتطوير طريقةٍ في التعامل معها ضمن أمور أخرى. وله في ذلك مصوَّرات كثيرة على قناة يوتيوب بنفس اسم المشروع، أهمُّها دراسته لقصف الطائرات دون طيار في وزيرستان وبُنية سجن صيدنايا.


فصل
العمارة والقداسة: استباحة الروح


لم تكن أكناف بيت المقدس وحدَها التي ترزحُ تحت وطأة الهندسة المعمارية التي تريد نزعَ روحها وتشكيل آخَر.
فمكة المكرمة قد أعملَت العمارة الحديثة جرافاتها ورافعاتها في أُفقها حتى غدت تُشابه بقية مدن العالَم. لا أزعم أنَّ هذه سياسةٌ ممنهجة (وقد تكون كذلك)، لكنها حتمًا أفسدت رونق مكة وبهاءها.
لم تمر المدينة الخليجية بتسلسل الحداثة التاريخي، وقفزت إلى النتيجة، أي الاستهلاك والعمارُ مُنبتُّ الجذور، دون نمو صناعي أو معرفي، ولم تتطور البنى الاجتماعية تطورًا متناسقًا إنما وجدت نفسها فجأةً في قلب التحديث بعد طفرة النفط، فنشأت المدن مشوَّهة الصورة ممسوخةَ القلب، لا علاقة لها بماضيها ومرتبطةٌ بحاضر غيرها.
ولو اقتصرَ هذا على المدن المَقبوحة كدبي والدوحة، لهانَ الأمر، فلا قيمةَ تاريخية فضلاً عن دينية لتلك المدينتين اللتين استنسختا النموذج الغربي وانغمستا في سياسات السوق، لكنَّ مكةَ التي يُعاد تشكيل أهمِّ بِقاعها بناءً على سياسات السوق وإغراءاته فمصيبةٌ لا ينبغي التقليل منها.
لم تكن حواضر الإسلام عمرانيًا إلا تبعًا لثقافة أهلها ورؤيتهم الكونيَّة المنطلقة من كليات الدين وجمالياته، وفاضَ جمال الدين في جوَّانيَّتهم على الخارج البرَّاني، ولم تكن العمارة -كبقية فنون المسلمين وآدابهم- منبتَّةً عن تراثهم ووجدانهم، كما يقول محمد عبد الستار عثمان إنَّ البحث في نشأة المدينة الإسلامية «يكشف عن أنَّ نشأتها وتطورها ارتبطا بمعايير حضارية إسلامية تأثرت إلى حدٍ كبير بتاريخ الإسلام وتطور حضارته، ويعكس هذا الارتباط والتأثير أسبابَ تطورها وعوامله». (المدينة الإسلامية، ص ٤٥، بتصرف).
فمحاكاة المدن العالَمية خطيئةٌ كبرى، إذ أنه لا يستمدُّ عمرانًا مجرَّدًا، بل يستمدُّ نموذجًا أجنبيًا له رؤية كونية وفلسفة خاصة، فالعمران الغربي -كسلعه الحضارية- يتَّسم بالبساطة لا التركيب، والسهولة لا الجمال، وليس فيها ما يحمل الإنسان على التأمُّل، حسب وصف المسيري. فالمدينة العالَمية التي صارَ نموذج طوكيو ونيويورك وشيكاغو مرجعيةً بصريةً لها يكمنُ فيها نموذج حضاري يعبِّر عن الصفات السابقة، التي ليست بأيِّ حال صفةً للنموذج الإسلامي ولا حضارته العمرانية!
وتعظمُ الخطئية وتكبُر، عندما يُراد لمكة أن تكون مجرد مدينةٍ عالَميةٍ، فهذا يعني نزعَ قداستها، وتنميطها بنمط الأبراجٍ والكتلٍ الإسمنتيةٍ المُصمتة، ثم -زيادةً في التلفيق- زخرفتُها بزخارف إسلامية وإكساؤها بمُنَمنمات شرقية.
فمكةُ المكرمة، التي تهوي إليها أفئدة المسلمين، لها فرادةٌ قدسية، لا ينبغي أن تصبح فضاءً للرأسمال الملوَّث، أو تُعاد فيها الطبقية التي ولَّدها نموذج المدن العالَمية، وهي مدينة الافتقار إلى الله وتساوي الحجيج في بيته الحرام.
وتستفحلُ الكارثة، عندما يراد بفرض هذا النموذج في محيط الحرم خاصةً، وتحويله إلى منطقةٍ تُعبِّر أبشع تعبير عن «إسلام السوق»، فتصبح الدعاية لفنادق أبراج البيت تنضح بعبارات من قبيل: «احجز في فيرمونت لتنتقل من الدنيا إلى أطهر بقاع الدنيا» (هكذا! بكل فجاجة). ويصبح الحجُّ -كالهامبرغر- سريعًا وفرديًا واستهلاكيًا تضمرُ خلفه حالة الافتقار لله والانتماء للمسلمين. كيف لبرجٍ كبرج الجوار الذي في دعايته يضع الطابق الذي خصصه للصلاة على رأس إغراءاته أن يكون مُعينًا -كما يزعم أمير مكة- على «تجربةٍ روحانية».
تخيَّل لو أنَّ مالكوم إكس قدِم مكة وأقام في أبراج البيت، هل كان لِيتبيَّن حقيقة الدين، أو كانت ستغمره تلك الألفة التي ملكَت عليه روحَه، أو لينسربَ بين جنبيه ذاك الشعور الذي تنقطع الآمال عن وصفه؟
ولو أنَّ محمد أسد جاء إلى مكة بعروض فيرمونت للإقامة ورحلة الدرجة الأولى «دون تعب»، ثم رأى الكعبةَ من نافذة جناحه من علٍ، لَمَا كتب لنا ذاك النصَّ الملحميَّ في وصفها، والذي يُغشِّيكَ شوقًا لتلك الديار.

هذا غير أنَّ هذا التغيير -أو قُل المجزرة- لمحيط المسجد الحرام، فيه «إبادة» لكل تراث المسلمين المعماري في هذه البقعة. ومثل هذا حصل في المدينة النبوية، ونفس النمط العمراني يُراد أن يُمكَّن له هناك.

أمَّا دعوى التوسعة، فهل يراد بالتوسعة أن يصلي الأمراء والتجار في أبراجٍ فارهة بعيدًا عن «زحمة» المسلمين؟

وأمَّا ادِّعاءات الجمالية، فهي مردودةٌ على أصحابها، الذين يرون الجمالَ بنظارة المدينة الغربية. ولو تأمَّلوا الكعبةَ ساعةً، لفقهوا أنَّ المسألة ليست ذاك الجمال المادي بمفهومه الأجنبي عنَّا، فالكعبة استيطِقيًّا ليست لو جرَّدنا شكلها الهندسي بالمنظر المُبهر، يقول محمد أسد واصفًا الكعبة: «أدركَ مَن بناها أنه لا يوجد جمالٌ في الإيقاع المعماري والهندسي، ولا اكتمال في الخطوط، مهما كانت عظمتها، يمكن أن يتناسب مع عظمة الله. لذا صوَّرها بأيسر مجسَّمٍ ثلاثي الأبعاد يمكن تخيله؛ مكعَّبٌ من الصخر» (الطريق إلى مكة، ص ٥٤١).
ويذكر كيف أنه زار مساجد وجوامع من الحسن في غاية، فيها جمالٌ فاتنٌ من المآذن الشاهقة والمداخل الهائلة والأقواس الفاتنة والزخارف الباهرة والفسيفساء الساحرة، لكن لم يكن لأيٍّ من ذلك تلك الرهبة والجمال الذي انهملَ في نفسه. جمالُ الكعبة يفيضُ من جمال الدين نفسه، ذاك الجمال السماوي ومنه تُستوحَى، ذاك الجمال الذي لَمَّا أراد الصحابةُ أن يُشرفوا على الغاية في وصفه قالوا: «كَأنَّ وجْهَهُ [صلى الله عليه وسلم] ورَقَةُ مُصْحَفٍ»، وما أحسن توصيف فريد الأنصاري للجمال في الإسلام إذ يقول: «الجمالية في الدين لا تُدرك من ألفاظٍ بعينها في الشرع فحسب، بل هي مفهومٌ مبثوثٌ في أصول الدين وفروعه. إنها تؤخذ من كل معاني الخير والتخلُّق والتجمُّل والتزيُّن والإحسان، ونحو هذا من معاني الجمال المبثوثة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مما من شأنه أن يُنتج شعورًا بالجمال عند ممارسة الدين، ولدى الانخراط في الإبداع تحت ظلاله الوارفة» (جمالية الدين، ص ٣).

أقسى ما في الأمر، أنَّ مدينةً دينيةً كالفاتيكان، تحرص الكنيسة على أن تُخضع المدينة لمعالمها الدينية، لا أن تخضع مقدَّساتها لمتطلبات السوق، ومعايير العمارة الحديثة الباهتة، العريَّة عن كل جمال!