سر القدر في القرآن الكريم(١):

فضيلة الشيخ ابو قتاده الفلسطيني حفظه الله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:
من المقرر أن الله تعالى أظهر شرعه للخلق، وأبانه أحسن إبانة، فلم يترك قليلاً مما يحتاجونه من علمهم بما يحب الله تعالى أو يكره، وذلك لحاجتهم لهذا الشرع في كل أحوالهم، هذا مع تفاوت هذه الإبانة بحسب ما هو ضروري أو غير ضروري، فما اشتدت له الحاجة أبانه نصاً ظاهراً لا خفاء فيه، بل عدد صيغ الخطاب له، وما ينزل عن مرتبة الضرورة جعل فيه بعض خفاء، فتنة للناس وابتلاءً لهم، لتعريف الناس بمقاماتهم في الفهم عن الله، ودرجة قربهم علما وذوقاً من الله تعالى،ولما كان ما يحيط المرء في الوجود شيئين، هما شرعه وقدره، فإنه سبحانه أبان عن قدره أبانة تشابه شرعه، وأقام في قدره من البلاء ما أقامه في شرعه منه، وبقي منه قدر اختص الله به دون خلقه ابتلاءً وامتحاناً، وهو جانب من الإخبار الإلهي لا ينفع معه إلا التسليم التام لتحقق العبودية، وكلما كان العبد اقرب للفهم على أقداره كلما كان أكثر تسليماً لشرعه وإدراك حكمته وعلله،فحق الأقدار مع العبد أن يسلم ، ويتوكل، ويصدق، ويرضى، والقدر هو سر العبودية، إذ لا تستقيم العبودية في قلب العبد حتى يسلم في قلبه لفعل الله في حال العجز عن الفهم والإحاطة.
ومن تدبر حال الخلق مع القدر كما جاء في القرآن علم أن جانب البلاء فيه أعظم، وأن جانب التسليم فيه أوسع، فمهما بلغت درجة العابد من القرب مع الله فهو ممنوع من إدراك الكثير من الأقدار حال وقوعها، ولا يسعه معها إلا أن يدعو ويستغيث، ويرجو ويخاف، ويرقب مع إخبات وتقوى ، ويقلب نظره في علامات هي إلى الخفاء آقرب لعله يستطلع ما سيكون، غير جازم إلا بكليات جريان السنن في الوجود.
وهذا باب من التسليم تكرر ذكره في القرآن كثيراً، وهو باب من فتنة الخلق قلما يلتفت له الناس،بل يعجزون عن تحمل الكثير من مقدماته، لأنها مع جانب الإيمان تكون المقدمات ألما وبلاءً وتعباً، فكيف لهم ترقب النعيم من خلال البلاء، وكيف لهم ترقب الفرج من خلال سدف الظلام!
الذروة:
هذه الكلمة فيها الكثير من السر في هذا الباب.
تلك الذروة التي تجثم على القلب فتصرخ نفس صاحبه: متى هو؟!
ذروة تنسيه كل الوعود، مع ثقته بأنها الحق، فتصير: إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين.
ذروة توقفه قائلاً: لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد.
ذروة توصل إلى التساؤل الذي يوجب الإستغفار والصدقة: ألسنا على الحق! أوليسوا على الباطل!
هذه هي محطات المرء في سلوكه طريق الدعوة والجهاد، بل سلوكه دروب الحياة كلها، إن لم يحضر لها نفساً أشربت حب الله والدار الآخرة سقطت في مضايق الطريق، فليس هناك من درجة تتجاوزها إلا وبعدها ما هو أعظم منها.
ومن تفكر في فتنة الأولياء،بل الأنبياء، بل الملائكة كما سيأتي علم أن أعظم بلاء هو تسليمهم للقدر، وأن حالاتهم مع سره وخفائه هي العجز الذي يظهر فيه العبد ضعيفاً واقفاً على باب المن والكرم الإلهي.
مع القدر الخفي، يقول الرسول عن الرسول: رحم الله لوطاً، كان يأوي إلى ركن شديد.
مع القدر الخفي، تقول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ويأتي الجواب الإلهي: إني أعلم ما لا تعلمون.
مع القدر الخفي، يجيب النبي: أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.
فهذه محاولة لقراءة سر القدر في القرآن الكريم، على هذا المعنى، لعل العبد يزاد تسليما، وثقة، وإخباتاً، فالحال دال أنّ الكثير من الأقدار العجيبة تنتظر وراء باب الخفاء للظهور، ليتحقق قوله تعالى(قد جاءت رسل ربنا بالحق).

نشر المقال بتصرف مع حفظ حقوق النشر كامله لفضيلة الشيخ ابو قتاده

غرفة الفجر الاسلاميه - موقع العلم والمعرفه www.ilmway.com



Created: 11/05/2018
Visits: 22
Online: 1