انتهيت من قراءة كتاب (المرأة البحرينية في القرن العشرين) لفوزية مطر وسبيكة النجار، والواقع في 751 صفحة من طبعة دار مسعى للنشر والتوزيع.
طبعاً المؤلفتين قد ذكرتها سيرتهما في الكتاب، ولكن هذه الترجمة أو السيرة كانت مُختصرة، إذ -كما يبدو- لم تردا الاستطراد في هذا الجانب وتكثير الصفحات في هذا الباب، وإنما الايجاز يكفي، ويظهر لي أيضًا أن المؤلفتين ألتزمها بمنهج البحث حتى أثناء ذكر سيرتهم الذاتية، ومن ذلك أن سبيكة النجار معروف أنها كانت سجينة سياسية سابقة كما ذكر ذلك إبراهيم كمال الدين في كتابه (ذاكرة وطن) ولكن لم يرْد أي ذكر عن هذا الاعتقال -ربما- لأن هذا الحدث كان بعد الاستقلال والكتاب يتكلم عن ما قبل الاستقلال، وأما فوزية مطر فهي زوجة أحمد الشملان وأغلب كتاباتها داخلة في مجال التاريخ أو السير الذاتية، فلها كتاب عن طفولتها وكتاب ضخم عن زوجها أحمد الشملان ثم الكتاب المشترك هذا مع سبيكة النجار والقاسم المشترك هو أن هذه الكتب تأرخ لأشخاص ما أو حقب ما.
الكتاب بلا شك مثير للفضول نوعًا ما، أن تقرأ أو تعاين أحداث قد حصلت لأشخاص سكنوا في نفس المكان الذي سكنت فيه قبل عقود طويلة، كيف كانت حياتهم وكيف كانت العادات والتقاليد آنذاك وكيف كان نظرتهم للحياة، وماهي الأحداث المهمة التي هزت الرأي العام في المجتمع آنذاك؟! الكتاب هذا يناقش ويجيب على جزء من هذه التساؤلات.
والكتاب لا تستطيع أن تخرج معه بحكم واحد، أنا شخصيًا عشت لحظات تناقض، فهو من جهة مجهود بحثي ممتاز، بل لا يصدق أن فقط امرأتين قرأتا هذا الكم الكبير جداً من المراجع من مجلدات وكتب ونشرات ومجلات وصحف وكتيبات وغيرها ونقشتهما بالمنقاش للبحث عن أي جزء خاص يتكلم عن المرأة لإضافته لكتابهما، فهذا الجهد الكبير الذي ارتكز على عدد محصور في اثنتين، كلفهما العمل على تأليف الكتاب قرابة الأربع سنوات، والجانب السلبي هو النفس الفيمنست المتطرف الموجود لدى المؤلفتين، أي أن قراءتهم للتاريخ لم تكتب قراءة مجردة بذكر المعلومة ثم المرور عليها، بل يردفون شيء من التعليق على هذا التاريخ سلبًا أو إيجابًا، وترى أن كلامهم عن بعض الجوانب الشرعية فيه نوع من استفزاز المشاعر مثل اعتبارهم الحجاب نوع من القيود والعزل، ومن ذلك قولهم في الكتاب: (رغم ذلك كانت المرأة تهفو لأي فرصة متاحة ومشروعة لملامسة الحياة والمجتمع خارج أسوار البيت وقيود الحجاب)، وفي موضع آخر: (استمر اعتبار الحجاب بأشكاله المتعددة من العباءة والغشوة في المدينة أو الغشوة والإردة (الرداء) للمرأة في الريف ستراً ومثالًا آخر على العزل المفروض على المرأة).[ص473]
وكلام نحو ذلك في قضايا الميراث وقضايا تعدد الزواج والمحاكم الشرعية، ولو تتبعت النصوص لطال بنا المقام، ويكتفي ببيان مصادمة هذه الأقوال شرعًا كتيبات الدكتور عادل حسن الحمد أمثال (عولمة القوانين .. الأحوال الشخصية في البحرين) و (لماذا يطالبون بقانون للأحوال الشخصية).
ربما من معايب هذا الكتاب أنه أُلف متأخرًا، لو أُلف في وقت أبكر لأدركوا من عاش منذ بداية القرن العشرين أي سواء في العقد الاول أو الثاني، ولكن تأخر الكتاب جعل الخيارات محدودة، فانهمرت النقولات أو الشهادات من العقد الرابع وما فوق.
وقد فعلتا المؤلفتين أسلوب مهم جدًا في التأريخ، وهو أسلوب قد يهمله بعض الباحثين في التاريخ، وهو توثيق الشهادات -أي أنهم يجرون مقابلات شخصية مع بعض المعاصرين لحقب زمنية معينة ثم يستقون من خلالها المعلومة- وأحياناً يكون ما يستقونه يسد ثغرة ما وردت في الوثائق أو الكتب التي كتبت عن تلك الحقبة.
هذا الأمر جعل كتابهم مميز عن غيره، فالكتب التي تكتفي بالنقل من المراجع الكبيرة لا تعتبر مرجعاً بحد ذاتها، بل هي مجرد تجميع من مراجع متعددة في مصبٌ واحد، ولكن عندما ينفرد الكتاب بذكر معلومات حصرية ويكون هو المصدر الرئيس لها يتحول تلقائياً الى مرجع كون هذه المعلومة لا توجد إلا في هذا الكتاب!
ويلاحظ أن الكاتبتين وقفتا على الشاهد من كل مقابلة قامتا بإجرائها، وكنت أتمنى أن يضعوا نصوص المقابلات كاملةً في ملحق الكتاب، لان بعض الجزئيات التي لا تتعلق بالمرأة ربما تتعلق بأمور أخرى تفيد باحثين غيرهم في غير هذا المجال، خصوصاً في المجال السياسي -والتي تكاثفت الشهادات حوله بشكل أبرز من غيره من الموضوعات-، وخصوصاً أن الكثير من المعنيين والذين أجريت معهم اللقاءات أصبحوا كبارًا في السن، وقد لا يدركهم الباحث أثناء عمله على مشروعه.
ويعاب على الكتابتين حصرهما النشاط في ذواتهما فقط، ولو وسعها نطاق العمل على عدد أكبر وتقاسموا الأدوار، بحيث تكون هنالك عاملات معهن وكل واحدة تقرأ كتاب معين فكلما اتسع العدد كلما سهل الحصول من المعلومات من الكتب، لأن اذا فقط اثنتين قامتا بجرد هذا الكم الكبير من المعلومات هذا بلا شك أنه مكلف في الجهد ويستغرق وقت طويلا جدًا بخلاف لو زاد عدد الباحثين، هذا ناهيك أن بعض النسوة يستطعن السفر وهذا أمر ليس متيسر للمؤلفتين ولقد حرمتا من الكثير من المراجع المهمة لعدم قدرتهما على السفر، كذا هذا سببه حصر العمل في ذواتهما، يعني مثلا حديثهم في الصفحة (433) عن (السينما) لا أذكر إن كانوا قد تكلموا عنها أيضًا في موطن آخر من الكتاب -لأن الكتاب ضخم-، لم ترد في هذه الجزئية حديثهم عن مواعيد التي خصصت للنساء والأطفال وقد قرأت هذه الجزئية في كتاب علي الشرقاوي (بحيرة الكلام مركب الجسد) نقلًا عن محمد عواد -إن لم تخني الذاكرة-، ورغم أن الكتاب علي الشرقاوي تكلم فيه عن فوزية مطر نفسها، ولكن أحياناً الشخص ينسى، أو لا يرد على خاطره، فلذلك كلما توسع العدد كلما وجدت ان المعلومة أسهل، وهذا سواء بتذكيرك إن نسيت أو بذكر أمور لم تنتبه لها سابقًا.
تكلم الكتاب في البداية عن تقسيمات سكان البحرين على نحو العرق والمذهب، وهذا تقسيم مهم جدًا في دراسة حالة المجتمع البحريني، حتى لا يقع الدارس أو الباحث في مزلق التعميم، فيقول (وعرف عن أهل البحرين ذلك) بينما هذه العادة قد يُختص بها فئة من فئات المجتمع لا كله، والتقسيمات الموجودة في البحرين -سوف اعيد طرحها لتكون الصورة لمن خارج البحرين أشد وضوحًا- هم:
- السنة ويقصد بهم العرب السنة، وهؤلاء ينقسمون الى 3 فئات، القبليين (الذين ترجع اصولهم الى قبائل معرفة، مثل عائلة آل خليفة ترجع الى قبيلة العتوب والدواسر الى الأزد) واللا قبليين (وهؤلاء الذين أصبح نسبهم القبلي غير معروف وأصبح الاسم الجامع لهم هو أسم العائلة) والرقيق المحرر (رغم أن أصول هؤلاء أفريقية إلا أنهم أصبحوا يحسبون على خانة العرب السنة بعد مرور عقود على تحريرهم).
- البحارنة (وهم الشيعة العرب) وسابقاً كان يطلق وصف (البحارنة) أو (البحراني) على جميع سكان البحرين، ولكن الأن العرف أكد انحصارها في وصف الشيعة العرب دون غيرهم.
- العجم (بخلاف مدلول هذا المصطلح ومعناه الصحيح؛ وهو أن الأعجمي يُطلق على كل جنس غير عربي، ولكن في البحرين الدلالة العرفية لهذا المصطلح يَخصُّ بها الفرس الشيعة).
- الهولة (يطلق على فئتين، الأولى: القبائل العربية التي سكنت ساحل فارس ثم وفدت الى البحرين واستقرت بها، وكذلك الفرس السنة الذين وفدوا الى البحرين، والقاسم المشترك أنهما وفدا من فارس وأنهما سنة).
وتعقيباً على جزئية الرقيق، هذا الموضوع موضوع حساس تقريبًا، وفي إثارته لأحفاد هؤلاء نوع من أنواع الاهانة والتعيير بأمر لم يكن باختيار أجدادهم، وكذا قرأت في الكتاب وصف الأنثى المملوكة بـ(العبدة) وهذا خطأ لغوي، بل الصحيح لغويًا أنه توصف بـ(أمـة) وجمعها (إماء)، وموضوع الرقيق بالذات لا أظن أن هنالك سوف تُقام أبحاث حوله، لحساسيته رغم أهميته التاريخية وتكميل المشاهد ببعض.
ومن خلال النظر الى عادات كل فئة، ترى أن العجم هم أشد الفئات انفتاحاً، والعرب السنة القبليين أكثرهم انغلاقًا، مثلًا في عادة لازالت جارية رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها، وهي قضية عدم ذكر أسم الأم أمام الرجال، إذ يعتبر أنَّ هذا الفعل مشينًا، ولازلت أذكر كيف اني في المدرسة الابتدائية قرأت ورقة أحد الطلاب من المري وفيها بياناته ومذكور فيها أسم امة، وكيف أنه غضب وشدد عليّ أن لا أخبر أحدًا بذلك!
وتكلمت فوزية مطر في مطلع الكتاب عن المراجع التي كتبت عن البحرين، وقالت عن محمد النهباني صاحب كتاب التحفة النبهانية: (لم يأت في تحفته على ذكر الشيخة عائشة ولم يتطرق للمرأة البحرينية أو أي شأن يخصها، ولعلنا نلتمس العذر للنبهاني القادم الى البحرين من مكة المكرمة، لِما كان سائدًا في البيئتين من عُرفٍ يذهب لاعتبار ذكر المرأة أو الكتابة عن أي شأن يخصها أمراً معيبًا وغير مألوف).
كلامها في شقه الأول صحيح، فهو لم يتطرق الى المرأة البحرينية ولا الشيخة عائشة، ولكن غير صحيح أنها لم يتطرق الى ذكر المرأة مطلقًا في تحفته، بل تكلم عن نساء آل خليفة ومصيرهم عند وقوع الحرب بينهم وبين آل مذكور -أي في حادثة الحرب التي وقعت بين آل خليفة وآل مذكور قبل دخول آل خليفة الى البحرين- في صفحة (86)، وكنت أظن أن الكاتبة لم تنتبه لذلك كون طبعة (المكتبة الوطنية) للتحفة النبهانية فيها بتر بخلاف النسخة التي طبعت بالمطبعة المحمودية في مصر (والمتوفرة على الانترنيت)، ولكن وجدت أن جزئية حديثه موجودة في كلا الطبعتين.
وتكلم الكتاب في الابتداء عن المهن التي زاولتها المرأة في مطلع القرن العشرين، والملفت للانتباه أن بعض هذه المهن يقوم بها الرجال، ولكن بسبب نمط الحياة آنذاك في البحرين وأن الرجال عادةً يخرجون الى موسم الغوص ويبقون شهورًا في البحر، يتحتم على المرأة حينئذ القيام بدور الرجال في التربية والسعي الحثيث لإطعام أبنائها الجياع، مما جعلها تضطر ان تعمل في أمور هي في الأساس ليست لها ولا تناسبها.
ولكن قامت المؤلفتين بتقسم المهن حسب المناطق، فالمدن تختلف في ذاتها، فالمحرق تسكنها القبائل العربية والتي لازالت متمسكة آنذاك بعاداتها وتقاليدها وهذا انعكس بالضرورة الى ضيق هامش الحرية المُتاح للمرأة بخلاف مدينة المنامة التي تسكنها الجاليات الأجنبية والخليط العرقي مما جعل هذا ينكس على أسلوب العوائل آنذاك، فكانوا أكثر انفتاحاً، وهذا ما يخص بيئة المدن وأما بيئة القرى فالوضع يختلف تمامًا فهي بيئة أخرى، ولكن القاسم المشترك أن العادات فيما رأيت تكون مفصلة على الوضع الاقتصادي، فالعوائل الميسورة يرون أن في خروج بناتهم منكر كبير، والعوائل الفقيرة والمعدمة يرون أن في خروج البنات أمر يسير، بسبب أن خروجهم هو من السعي من أجل كسب لقمة العيش، فالضرورة الحياتية هي التي تحدد ما هو عيب وما هو غير عيب.
ثم تكلم الكتاب عن النظرة تجاه المرأة، وحاول تفكيك هذه النظرة الدونية لها، وما المعاناة التي عانتها المرأة بسبب هذه النظرة، من عنف وعزل والاضطهاد وكيف كانت أنها منزوعة الرأي في أمور تخصها ووليها من يقرر عنها.
هنالك أعراف قبلية جاهلية تتضاد مع الدين ويظنها البعض أنها من الدين أو أنها أمر مستساغ ذكرت في الكتاب في ضمن جزئية (الحق في التصرف واتخاذ القرار)، والعرف في أصله معتبر في الشريعة إلا اذا خالف النصوص الشريعة، ومن القضايا المخالفة هي قضية تزويج المرأة دون موافقتها لمخالفته النصوص الشرعية، بل الشريعة قد تقرر العكس (تأمل!) وهي أن المرأة تستطيع الزواج رغمًا عن أنف والدها في حالة إعضالها -يعني يرد كل شخص متقدم للزواج منها دون سبب معتبر- فحينها تتحول وكالة الولاية الى القاضي الشرعي ويزوجها نيابةً عن والدها، هذا ناهيك عن قوال الأحناف الذي يجيز للمرأة أن تزوج نفسها دون أذن وليها!!
ومن الأمور التي من الجيد أنها انقرضت وكانت تمارس في جيل الاجداد، هي حجز الفتاة منذ ولادتها أنه من نصيب الولد الفلاني، فيتم الإيفاء بهذا الحجز حتى لو لم تكن البنت راضية أو موافقة أو مُعجبة بشكل أو بشخصية الرجل الذي سوف يتزوجها؛ لأن والدته فقط حجزتهُ لها منذ ولادتها، وهذا بلا شك عرف مخالف للشرع، لأن النظرة الشرعية أُتيحت من أجل أن ترى الفتاة والرجل هل هم مرتاحين لبعض أو هل هم مناسبين لبعض، وعلى ضوء ذلك يقررون دون إكراه ولا إجبار ولا إلتزام مسبق.
وأما العنف ضد المرأة فيقصد به الضرب ونحو ذلك كحد أدنى والقتل كحد أقصى، وغالباً ما يرتبط موضوع القتل بقضايا الشرف، عندما تزني البنت يقوم أهلها بقتلها حفاظاً على سمعة العائلة، وهذا أمر لازال موجودًا في بعض الدول كالأردن مثلًا، ولكن الغريب أن هذه الحالات تكررت وارتبط اسم مدينة الحد بها، وهذه العمليات أيضًا أمر متعارف عليها ولكن تخالف الشرع من وجهين، الأول: أن غير المحصنة لا تقتل عند ممارستها الزنى، وإن كانت محصن فمن يطبق هذا الحد عليها هو الحاكم، لا أسرتها!
هذا الامر يجرنا تلقائياً الى الفصل الذي بعده، والذي تكلم فيه عن (القانون والمرأة) وتكلم فيه عن تفشي ظاهرة البغاء، بسبب قرارات الانجليز حينئذ، فالانجليز يحمون كل امرأة تَفد إليهم، فالتي تمارس الزنى تهرب من أسرتها وتحتمي بالانجليز فيحميها الإنجليز من أسرتها، وبعض الرقيق يأتون الى الانجليز من أجل العتق، وبعد العتق مع وجود أي فرصة عمل تمتهن بعض النساء الدعارة من أجل الصرف على نفسها وعلى أسرتها، وأبرز من تصدى لهذه الظاهرة هو القاضي والعالم قاسم المهزع، والذي وصفه المؤرخ مبارك الخاطر بأنه كان حربًا على هذه الظاهرة والتي كان يراسل الحكام مرارًا وتكرارًا في شأنها، وقاسم المهزع يذكرك بمحمد ابن براهيم آل شيخ مفتي السعودية الأول، صحيح أن كان محسوب على السلطة ولكنه كان لا يداهن.
ثم تكلم الفصل الذي بعده عن المرأة والصحة، وعن النكبات التي حلت بالمجتمع البحريني في العقد الاول والثاني من القرن العشرين، من طاعون وكوليرا وقتل الألاف فيهما، وكيف أن الجهل كان السبب في زيادة الوفيات لما أُعتبر أن توجس الناس من التطعيم لعدم معرفتهم به، وحقًا كما قيل (الانسان عدو ما يجهل)، ربما أبرز شيء كان يمارس وكسيلة بدائية للتعامل مع المرأة الحامل هي تقنين الشديد في استخدام الماء (مقدار فنجاني قهوة عربية كل 24 ساعة) مع وضع كرات الملح يومياً داخل المهبل بحجة ان الملح مادة معقمة ومقلصة للعضلات بعد الولادة، وكانت هذه الأسباب حسب المؤلفتين "على رأس أسباب زيادة حالات وفيات النساء ما بعد الولادة".
ثم تكلم في الفصل الذي بعده عن مؤسسة الزواج، وعن نمط البيوت آنذاك إذ كانت البيوت تضم الجد والجدة وأبنائهما وزوجاتهما وأحفادهما، أي أن الولد لا ينفصل ببيت مستقل بعد الزواج وإنما يبقى في بيت أبيه، وهذه البيوت كانت تسمى بالبيت العود (وهو نفس الاسم الذي أُشتق منه مسلسل تراثي بحريني)، وتكلم عن قضية الزواج بناء على القبيلة، أي أن أبناء القبيلة لا يتزاوجون إلا من بعضهم البعض، وهذه الحالة تلاشت تقريبًا في المجتمع البحريني الحالي خلا من عوائل معدودة جدًا وتوسع النطاق في الزواج الى من هم في مستواهم، ولكن النظرة الدونية موجودة، فبعض العرب لا يحب لبناته الزواج من غير العرب (الهولة الفرس والعجم)، وبعض العوائل القبلية لا يتزاوجون من بقية العرب الغير قبلين بحجة أن هؤلاء ليسوا من "مواخذينا" كما يقولون، فتخيل هذه النظرة العنصرية تجاه ابناء الولد الواحد، فكيف لو تزوج الولد فتاة من دول عربية فقيرة أخرى؟! فالعنصرية راح تكون أشد وأكبرْ؛ كما أن هذا لا يمنع من اختلاط الزيجات في البحرين بشكل كبير جدًا، دون أخذ الاعتبار بالمكانة الاجتماعية والمعتقد الديني (أو المذهبي) والقبلي.
وتكلم كذلك أن من الطبيعي أن تزوج الفتاة وهي صغيرة وقبل أن تبلغ أيضًا!!! وأنه تنتزع من بين ألعابها الى حضن زوجها، وأن يتم الترتيب الى الزواج وهي آخر من يعلم ولا يتم إخبارها إلا قبل حفل الزفاف بأيام بسيطة! هذا ناهيك عن العادات المتخلفة عند الوافدين من بلاد فارس بإعلان عذرية بنتهم أثناء ليلة الدخلة، برفع المنديل وهو مغطى بلون دم الأحمر! وأن هذه العادات بقيت دارجة حتى حصول الاستقلال في السبعينيات!
ثم طفقتا المؤلفتين بالكلام عن المرأة والتعليم وهنا الحديث أنصب عادةً في صعوبة تقبل المجتمع ابتداءًا لتعليم الفتاة في المدارس، وكيف أن القائمين على هذا المشروع ناضلوا نضال مرير وواجهوا المعارضين والذين كانوا هم أغلبية كبيرة، وسنوات افتتاح المدارس والصعوبات التي واجهتها الفتاة في التعليم من رفض الزوج والتسرب المستمر ورفض شيوخ الدين ونحو ذلك، والاحصائيات في ازدياد عدد مرتادي المدارس وارتفاع نسبة المعلمات البحرينية مع تقادم الزمن ونحو ذلك، والنقلة الحقيقة للمرأة من انخلاعها من عادات والتقاليد القديمة كما أظهر الكتاب كان من خلال المدرسة، أي تغيرها لنظرتها لنفسها ومجتمعها بدأت تتغير عند الدراسة في المدارس وتلقي أمور جديدة غير المعروف والمتداول.
وتلمس من خلال الكتاب أيضًا أن المجتمع أنقلب وتَحلل من ثوبه ورداءه القديم، مع ظهور الصناعة النفطية، إذ أن وفرة المال وضمان الراتب، بخلاف الوضع السابق الذي يعتمد على محصول صيد اللؤلؤ، أدى هذا في النهاية الى ترك مزاولة العديد من المهن ومن بينها المهنة الرئيسية للشعب البحريني آنذاك وهي الغوص الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في الستينيات، وأنت لما ترى كتاب مثل كتاب جاسم الحربان (مفردات بحرينية في الثقافة الشعبية) ترى أن الكثير من المفردات اندثرت لأنها مرتبطة بمهنة معينة اندثرت أو قلت الى حدها الأقصى بعد النفط، فأصبح لم يكن هنالك داعٍ لتداولها فماتت مع الأيام.
ومن الأمور الملتفة للانتباه هي محكمة الغيص (أي محكمة الغواصيين) واستغلال النواخذة (صاحبي السفن) آنذاك لحاجة هؤلاء الغواصين بزيادة الفوائد وتراكم الديون وعدم التحلل منها مطلقًا بل يتم توارثها الى الأبناء، أعطى صورة شديدة الوضوح لهؤلاء البرجوازيين، بل ذُكر في الكتاب أن أحد النواخذة من أجل إيفاء دين أحد الغاصة أجبره أن يطلق زوجته حتى يتزوجها هو! فيبدو أن شخصية النوخذة هي شخصية مستبدة ومستغلة وتتجسد في شخصية الرأسمالي الطماع، ولكن تعاطي المسلسلات التاريخية لا يصورها على هذا النحو دائًما، فهل يوجد نوخذة أو نواخذة لم يستغلوا حاجة الغواصين؟! حتى يتم هذا الاستثناء في عرض شخصياتهم؟! إن كان الجواب: لا، ألا تساهم تلك المسلسلات بشكل أو بآخر وسواء تدري أو لا تدري بتجميل وجه من لا يستحق التجميل؟!
بعد ذلك تكلم الكتاب عن السياسة والوضع السياسي وعن التنظيمات السياسية والتنظيمات السرية ومدى مطالبتها لحقوق المرأة (لنقل أن نصف الكتاب أو نحو ذلك هو للكلام في الشأن السياسي)، وثم مدى انخراط المرأة في التنظيمات، والملفت للانتباه أن حتى التنظيمات التقدمية التي تعيب على الرجعيين اقصاء المرأة كانوا هم كذلك قد أقصوها من المناصب القيادية، أي أن المرأة لم تصل الى منصب اتخاذ القرار حتى عند التقدميين.
وبعيدًا عن الكتاب ودخولًا من المدخل السياسي، دعني أذكر أني ألتقيت مع عبد الله المطيويع في مقهى أبو خلف في المحرق ذات يوم، فقلت له أني قرأت كتابك وأستغربت جدًا مما ورد حول العائلة وما جرى لها من أحداثٍ سياسية، فقال لي هذا الكتاب سوف تقرأ جزئية كاملةً تتكلم عن خالتك فاطمة الجابر أو كما سميت في الكتاب ـ(فاطمة مطيويع)، وطبعاً هذه الخالة عاشت وماتت وطوال احتكاكي معها لم أعلم قط أنها ساهمت في أحداث سياسية!
وكانت عائلتنا أو عائلة والدتي تتحفظ عن الحديث عن هذه الأمور، خلا بعض الاشارات التي لازالت شاخصة في ذاكرتي، مما جعل جيل ينشئ وهو جاهل كل الجهل بما جرى.
والتأثر بالأحداث السياسة يوجه العائلة الى اتجاهين متناقضين، وقد حكى الشعراوي في مذكراته (ص81) أن عائلة (دقادوس) تأثرت بالسياسة لما جرى لها سابقاً ولكن نحو الاتجاه الإيجابي، وكان أحد أفرادها فيما سبق عميلاً للإنجليز، فوصمت العائلة كلها بهذا المسمى، فلما جرت الأحداث السياسة تفاعلت بشدة معها محاولًا لمحو الصفة التي وصمت بها سابقاً بإظهار نقيضها والمشاركة بالقوة في الثورة ضد الانجليز، ولكن على العكس في بعض العوائل عندما يكون ابنها مناضلًا ضد الاحتلال البريطاني ومع ذلك تتنصل من هذه الأمور وتحاول طمسها أو إماتتها، والأشنع هو ما قد ذكر في الكتاب مثلًا عن أن بعض الشخصيات رفضت أن تفصح عن هويتها -رغم أهمية نشاطهم السياسي النسائي آنذاك-، وأن البعض يتمنى لو أنه حذف هذه المرحلة من حياته!!!
وبعض العوائل إنما تفعل ذلك بسبب جهلها بالمطالب التي نادى بها أبنائها، فالكثير من المطالب قد تحققت في ما يسمى بالانفراجة السياسية في مطلع الألفية، والناس تظن أن هذه الخطوات هي خطوات احادية من قبل الحكومة لا استجابة لمطالب المعارضة، فقارن فقط بين مطالبة الجماعات السياسية والنقابية والحقوق التي يتمتع بها البحريني الأن في القطاع الخاص مثلًا، كانوا سابقين يريدون للبحريني أن يكون راتبه موازن للأجنبي والأن أصبح البحريني راتبه ضعف راتب الأجنبي، وكانوا يريدون سابقًا أن من حق البحريني أن يخرج اجازة سنوية وها هو الأن يفعلها.
يعني من الأمور التي سمعناها في العائلة أن لطيفة الجابر (أو كما ورد أسمها في الكتاب لطيفة المطيويع) لاحقها شخص من المخابرات وأطال الملاحقة، ثم خلعت نعالها وضربتهُ بها، وأن والدتي كانت ترسل التبغ (الدخان) الى عبد الله المطيويع وأحمد الشملان والذين كانوا يختبئون في (الخرابة) أي المكان المهجور، ولكن المفاجأة الأكبر وهي ما ورد في الكتاب عن خالتي فاطمة الجابر (أو المطيويع كما ورد في الكتاب)، وهي تَحزمها بالقنابل واخفائها ولفها حول جسمها ثم محاولة المرور من خلال الجسر مع عبد الله المطيويع ثم استخدامها ضد التُجّار الذين رفضوا الاضراب، وقد أخبرني المطيويع أنهم تجار يهود، ولكن لم يذكر لنا المسوغ –ليس الشرعي بل الأخلاقي- لاستهداف هؤلاء التجار الذين ربما رأوا أن في عدم الاضراب خسارة مادية لهم، فهل كانوا متعاونين مع الانجليز مثلًا؟! وهل كل تاجر لا يمتثل لأوامر الحركة الوطنية يُضرب؟! هذه إشكالية مهمة.
وأنا أظن أن الكتاب هذا صدر مع كتاب المطيويع الآخر (من المحرق الى سجن بيت الدولة) والذين فيه أيضًا إضافات مهمة حول شقيقات المطيويع الأخريات مثل نورة.
وتبقى هنالك ملاحظة هامشية أختم بهذا الحديث عن عائلة الوالدة وهي: أن لقب "المطيويع" هي تصغير للقب "المطوع" والذي وصف فيه عبد الله عندما كان صغيرًا لملازمته المساجد وآذانه المتكرر فيها، وقد غَلب على العائلة اسم "القصاب" لأن جدي إبراهيم ووالده كانا يملكان محل لبيع اللحم ثم تمدد العمل الى مدينة عيسى وعرفت العائلة كلها باسم القصاب نسبةً الى ذلك (انظر الى كتاب: كتاب مدينة الأحلام وذكريات الأيام لكمال بو كمال)، ثم مع مطلع الألفية حذف لقب القصاب وتم الاقتصار على الاسم الأخير في العائلة وهو (جابر) وحول الى (الجابر).
والكتاب في شقه السياسي كتاب مهم بل مثري بل أستطيع أن أقول أنه صيغ بشكل يشد القارئ وكأنه يقرأ رواية، يعني تكلم فيه عن دور المرأة في انتفاضة 63، وغالبًا ما قُصد بدور الاخوات والأمهات المتعاطفين مع اخوانهم وأبنائهم في التنظيمات السياسية السرية آنذاك مثل جبهة التحرير الوطني، ولنقل أن هذا السرد فيه الكثير من الصراحة التي قد يأنف البعض عن ذكرها، فذُكر مثلًا أن أحمد الشملان زار والدته وهو مختبئ بلباس النساء (العباءة) وكذلك ذكر نقل الأسلحة والقنابل ونحو ذلك، المفارقة في هذا الباب هو أن الذين خاضوا نشاطاً ضد نظام ما ثم فشلوا واستمر النظام كما هو، غالبًا لا يذكرون مدى انخراطهم في هذه الأمور ولا يذكرون الأمور التي قد يستغلها خصومهم من أجل لمزهم مثل قضية التخفي بلباس النساء ولكن هذا يدل لك الى أي مدى كانتا الكاتبتين صريحتين وحتى هذه الأمور لم تغفلها وقام بتأريخها، وحقيقةً أن هذه الأمور مستخدمة حتى في التيارات الاسلامية التي رفعت السلاح وهي التنقل بلباس النساء، ولكن لا أحد يَستطيع أن يقول أنه فعل ذلك، فهذا أمر قد يقدح في رجولة الشخص في الأخير.
وعندما تكلمتا المؤلفتين عن بنات الشملان في الكتاب وضع نوع من الاستشكال لدي، وهو تكرار اسم الشعار البحريني (قاسم الحداد) بـ(جاسم الحداد) وتكرار هذا الأمر من قبل شخصيتين لديهم معرفة مسبقة بهذا الشخص، جعلني أشك هل هذا خطأ مطبعي؟ أو أن الشاعر أسمه الحقيقي جاسم الحداد ولكن غَلب عليه اسم قاسم؟!
وتوجد بعض الأمور التي قد تمر على الشخص ويهملها ولكنها قيمة للمؤرخين وتأريخ الواقع الحالي للأجيال اللاحقة، مرة شاركنا في اعتصام من جملة الاعتصامات التي كنا نقيمها من أجل المطالبة بالمعتقلين كالأخ محمد العبيدلي ومحمد النجاس وعبد الله النعيمي وعبد الرحيم المرباطي، وهي اعتصامات ذكورية بامتياز، ولما نجحنا بالحصول على ترخيص من وزارة الداخلية استغل هذا الأمر من أجل الدعوة الى اعتصام بشكل علني، وأقمنا اعتصام بالقرب من ممشى الغوص في المحرق، وكنت لأول مرة أرى نساء مشاركات في اعتصاماتنا، والآتي يظهر عليهم الرداء واللبس الإسلامي من النقاب ونحو ذلك، هذه المعلومة قد أراها أنا تفاهة، ولكن الله يعلم كيف ينظر إليها الباحثين في الأجيال اللاحقة! فالمؤرخ لا يغفل عن أتفه التفاصيل، لأنها قد تتحول الى مادة تفسير الكثير من الأمور للباحثين مستقبلًا.
وهذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد الحمدان.