الزواج التقليدي أم الزواج بعد علاقة حُبّ؟
كَثُر الحديث عن هذا الموضوع، وأصبح الزواج التقليدي محل سخرية كتسميته بزواج اكشط واربح، وتزيين العلاقات المحرَّمة قبل الزواج وجعلها الطريقة المثلى له.
قبل كل شيء وحتى لا يحدث سوء فهم، نقصد بالزواج بعد علاقة حبٍّ ذلك الزواج الذي تسبقه علاقة محرَّمة من تواصل ومحادثات ومكالمات ولقاءات ونحوها من هذه الأمور، ولا نقصد الحب الفطري الخالي من منكرات التواصل.
تفضيل الزواج عن حبُّ على الزواج الشرعي أو التقليدي -كما يحلو للبعض تسميته- ضعف في الوعي ؛ الزواج بعد علاقة حُبٍّ لن يتم .. وإن تمَّ فهو زواج فاشل بكل المقاييس، والأدلة على ذلك كثيرة.
تاريخيًا:
لم نعلم عن أجدادنا وجداتنا غير الزواج التقليدي المعروف، وبالرغم من هذا نجد أنَّ حياتهم الزوجية أكثر تماسكًا واتزانًا وأقل طلاقًا من حالات الزواج التي تحدث اليوم والتي يغلب عليها أنَّها مبنية على علاقة حبٍّ سابقة.
إحصائيًا:
الدول الغربية التي لا يحدث فيها الزواج إلا بعد علاقة حبٍّ وربما لا يحدث الزواج إلا بعد الإنجاب! هي أكثر الدول في ارتفاع نسب الطلاق، وهذه مثبت بإحصاءاتهم المتوفرة على مواقعهم الرسمية، بعكس الدول الإسلامية.
عقليًا:
الزواج المبني على علاقة حُبٍّ سابقة مبني على أساس هادم للبيوت وهو الشكّ، الذي هو نتيجة طبيعية للخطأ الحاصل قبل الزواج، ستدور هذه الجملة في العقول: كما خان/ت ثقة أهله/ا وصنع/ت علاقة معي دون علمهم، ما الذي يمنعه/ا من تكرار نفس الشيء مع غيري؟
أخص الفتيات بهذه النصيحة:
الشاب عقلي أكثر مما هو عاطفي، بعكس الفتاة التي تغلب عاطفتها عقلها وتعميها عن التفكير في سؤال الشك السابق، الشاب سيفكر به مليون مرة قبل الزواج بك .. ومليون مرة بعد الزواج إن تزوج بك.
صديق لي .. أخبرني يومًا عن حزنه على زواج حبيبته، سألته: اصدقني القول .. هل كنت ستتزوجها لو أتيح لك الأمر؟ فأجاب إجابةً لن أنساها، قال: لا، أنا أخطط للزواج من قريبتي فلانة ؛ لأني راسلتها سابقًا ولم تستجب لمراسلتي!
أستطيع القول أن الزواج المبني على علاقة سابقة ليست مشكلته في الشك وحده .. بل لأن كلا الطرفين قد عرفا إيجابيات بعضهما قبل الزواج ؛ فكل طرفٍ سيبين أفضل ما عنده ويخفي سلبياته، فيصطدمان بالسلبيات بعد الزواج في تحت مظلة نسيان الإيجابيات، مما يولّد صدمة بالصورة المتخيلة عن هذا الشريك.
بينما في الزواج التقليدي .. تُستَكشف الإيجابيات والسلبيات في آنٍ واحد، اليوم تُصدَم هي بسلبية فيه .. غدًا تمحو أثرها إيجابية رأتها فيه، اليوم يُصدَم هو بصفة سيئة .. لكن سرعان ما يرى منها إيجابية تمحوها، وهكذا تسير الحياة في تناغم وينمو الحب بتدرجٍ وبدون صدمات.
الزواج بعد علاقة سابقة قاتلٌ للشغف .. مستهلكٌ للمشاعر في غير حينها ؛ فيصبح حفل الزفاف مجرَّد طقوسٍ باردة لا فرق بين ما قبلها وما بعدها إلا الشيء اليسير، من راسل وحادث وربما قابل .. ماذا يعني له حفل الزواج؟ ماذا تعني له الحياة الزوجية؟ بماذا سيسعد هو قد جرب أغلب ما تتميز به؟
صدقني .. لا تعني لهم الحياة الزوجية الشيء الكثير، إلا أولئك الذي لم يجربوا تفاصيلها من قبل ؛ لم يسبق لهم أن تكلموا ورأوا .. أولئك الذين صانوا أنفسهم ليسعدوا السعادة الكاملة في يوم الزواج، وعلى نفس سياق فرحة الصائم:
للعفيف فرحتان .. فرحةٌ عند زواجه وفرحةٌ عند لقاء ربه.
شرعيًا:
الإسلام يُحرِّم الطرق المؤدية للحرام، وطريق الزواج بعد علاقة حبٍّ مليء بهذه الفتن، ومليء بالمستغلين، والمستهترين وغير الجادين، ومن يدخل من النافذة .. لن يدخل من الباب، ومن يواجه الأعراض قبل مواجهة الرجال ليس برجل.
حديث: ”لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح“ في صحته نظر، وإن صحَّ .. فإنَّ المقصود به الحُبُّ الذي هو الميل الفطري لما يُسمَع عن المحبوب، بلا منكرات من تواصل ولقاءات ونحوها، إساءةٌ لجناب النبوة .. زعم أنَّه ﷺ يُقِر تلك المنكرات ويرى أنها طريق للزواج!
الاستدلال بقصة زواج الرسول ﷺ بخديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- قياس خاطئ ؛ فقد كان ذلك قبل الإسلام .. وما قبل الإسلام لا يُستدَل به على ما بعده، وبالرغم من هذا فقد حدث دون تواصل أو علاقة كما يروج له أرباب هذه الشبهة.
أخلاقيًا:
الحُبُّ الصادق لا بد أن يتجلَّى أدبًا وخُلقًا قبل أن يكون مشاعرًا، ومصداق المحبَّة .. رفض أن يقع المحبوب في الخطأ أو أن يتعرَّض للخطأ، كاذبٌ في مزاعم الحب من يعرِّض محبوبه لخطأ الوقوع في علاقة غير شرعية ولا أخلاقية ؛ المحبون الصادقون .. يطرقون أبواب البيوت أولاً.
لا أعلم كيف تُرخِص الفتاة نفسها، وتنتظر فارس أحلامها ليتزوجها بطريقة الحُبِّ قبل الزواج ؛ كم شخصًا ستحب؟ وكم شخصًا ستتعلق به؟ وكم زبونًا ستدخله إلى محلها حتى تجد فارسها المنشود؟ مع العلم أنَّ هذا ليس طريق الفرسان .. بل هو طريق العُرج.
اسأل من ابتلي بهذا البلاء: كم فتاة أحببتها ثم تركتها أو تركتك؟ واسأل من ابتليت بهذا البلاء: كم شابًا أحببته ثم تركك أو تركتيه؟ ستُصدَم بالأرقام .. لكنها ستُثبِت لك أن هذا الطريق لا يُوصِل إلى نتيجة إيجابية، هذا طريق المستهترين والمستغلين والسُذَّج.
قرأت مقولة لنزار قباني يكثر الاستدلال بها:
(الحب للشجعان .. والجبناء تزوجهم أمهاتهم)
أنا أفضِّل أن أكون جبانًا على أن أكون خسيسًا وضيعًا أتصيد أعراض المسلمين بحجَّة الزواج، أن أكون جبانًا أحبُّ إلى قلبي من أن أقابل الرجال .. وقد سبق لي أن قابلت نساءهم من قبل، موقف مثير للخزي والعار!
أن أكون جبانًا أحبُّ إلى قلبي من أن أكونَ عاقًا لوالدتي ولا آخذ رأيها في أمر زواجي بعد كل تلك السنين التي ربتني فيها، عقليًا .. اختيار الأم أفضل ؛ لأنَّ النساء أدرى بالنساء، ويبقى القبول أو الرفض .. حقًا لك في النهاية.
الحياة الزوجية المبنية على علاقة حبٍّ سابقة ستنتهي حتمًا نهايةً مأساوية ؛ استغلال .. خداع .. رحيل .. شكوك .. خيانة .. طلاق، ستتكرر هذه الكلمات حتمًا في سطور قصة الحُبِّ المزعومة.
مشاعر الحبُّ قد تكون أمرًا قسريًا خارجًا عن الإرادة والسيطرة، حلها يكون بالاتجاه مباشرةً إلى الزواج .. طريق العلاقات المحرمة سيهدم كل تلك المشاعر ولن يوصل إلى حياة زوجية صالحة أبدًا.
أخيرًا:
الزواج التقليدي زواج الأنقياء، زواج العفَّة والطهارة، زواجٌ يثبت الرجل فيه رجولته بمقابلة الرجال أولًا، زواج مبني على أسس سليمة .. لا ينهشه الشك ولا تقطع طريقه الأكاذيب والاستغلال والابتزاز والوعود الجارحة للقلوب.
عبدالرحمن الكندي
@i_aalkendi