JustPaste.it

انتهيت من قراءة كتاب فن القراءة يقع في 261 صفحة ومن طباعة (دار الكتاب العالمي)، من تأليف الشيخ عمر محمود، وهو من فلسطيني القدس هُجّر منذ الصغر ضمن من هجروا، وعاش في الأردن فترة ثم تنقل بين البلدان الى أن أستقر في لندن ثم أُعتقل لمدة 11 سنة وألف هذا الكتاب الي راح نتكلم عنه في سجن بلمارش البريطاني.

وأحياناً الشخص تظهر له تجليات في أوقات المحن لا تظهر لها في أوقات الرخاء، فلو أخرجته من السجن أو من البلاء وقلت له أكتب ما كتبت داخل السجن تجد أنه لا يستطيع، وهذا يدل أن للكتابة رغبة قد تتوفر في حين ولكنها لا تتوفر في أحيان أخرى ومن الصعب السير على نمط واحد، وفي فلم أمريكي قد شاهدتهُ قديماً ربما أبرز هذه النقطة وهو (The words).

ويجب أن نفهم أن هذا الكتاب هو أشبه بـ(البوح) أو الفضفضة مع الذات، مع شيء من ذكر السيرة الذاتية المنسجمة مع موضوع الكتاب، أي أنه ربما ليست له منهاجية صلبة كمنهاجية حسن مدن مع (الكتابة بحبر أسود). ومن الفروق بين الشخصين هو استصحاب منهجهم الفكري في الكلام عن القضايا العامة مثل (القراءة) فحسن مدن شخص أحمر -غامق- ايديولوجيًا كما يقولون، وعندما يتكلم في الأدب لا ترى أنه أيديولوجيته حاضرة بشكل واضح في هذا الميدان، بخلاف المؤلف عمر محمود الذي لا يقف عند حد التقييم المجرد بل يتعداه الى الاستفادة منه في واقع معركته -أي أن الإيديولوجيا لا تنفك عنه في التصور والتقيم والاسقاط-، أو كما يقول المؤلف نفسه: (لا أذكر يومًا ما ولا في قراءة ما أن قراءة خذلتني وردّتني بلا فائدة ومنفعة، بل ما من قراءة مهما بدت بعيدة هن الهم الديني وإحياء الأمة إلا ووجدتها تشكل مَعينًا ورافدًا لهذا الهم وقضايا الإحياء).

وفي الشق الأول من العبارة يذكرك بمقولة العقاد: (ليس هناك كتابا أقرأه و لا أستفيد منه شيئا جديدا ، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته ، أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة ؟ و كيف يكتب الكتاب التافهون ؟ و فيم يفكرون؟).

ومن الأمور التي لابد أن نذكرها أن المؤلف ألفه الكتاب من غير مراجع لعدم توفرها في السجن البريطاني، ومع ذلك تراه يستحضر مواقف ونقولات وشخصيات استحضار جيد وكأنه يقرأ من كتاب!!! والكتاب قبل نشره لم يراجع من قبل المؤلف حتى يصحح النقولات والاقتباسات والمواقف، بل تم تحقيق المخطوط ونشره مباشرة -كما أُخبرت-، وله كتاب آخر وهو قراءة تفسيرية لمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم ويقع في 793 صفحة وقد ألفها دون وجود أي مرجع بين يديه سوى كتاب الله!!!

والشيخ بالمصطلح العامي -شيخ دين- ولكن في هذا الكاتب تبين أن مجال قراءته لم تقتصر على الكتب الدينية، بل امتدت الى كتب الشعر والفكر والمسرحيات والروايات والشعر والفلسفة وغير ذلك من الإنتاج البشري، ولعل كذلك من هو محسوب على رجال الدين مرشد الثورة الإيرانية الحالي "خامنئي" وله كتاب تبين أن تنوع قراءته قد خرج عن إطر القراءة الدينية وبل وتعداه الى مشاهدة الأفلام في كتاب له بعنوان: (أنا والكتاب).

في مقدمة الكتاب المطبوع تكلم عن قضية أن للقراءة أو للكتابة طقوس، أي طقوس قد تكون غير مألوفة أو استثنائية خارجية عن نطاق المتعارف عليه، وذكر ما حكاه محمد سعيد العريان في كتابه (حياة الرافعي) من أن الرافعي إن أراد الكتابة يدخل مع العريان في غرفة كتبه وهي ضيقة ويغلق عليه منافذها وهم في حر القاهرة الخانق، وهناك يلقي على تلميذه ما يريد كتابته، فإن حاول التلميذ فتح النافذة لضيق الجو عاد الأستاذ لإغلاقها. ويرى أن هذا الجو الكاتم هو الملهم والمُدر لحليب الأفكار. وكذا صنيع أبي نواس في قوله أنه لا يكاد يقول شعراً حسناً إلا إذا كان في بستان مؤنق، أو ما حكاه ابن القيم عن شيخه ابن تيمية كيف يصنع اذا أشكلت عليه مسألة فيسجد ويطيل سجوده داعياً مبتهلًا. 

ويجدر بالذكر أن هذه الطقوس تختلف باختلاف النفوس، فلا يشترط إذا كانت طريقة الرافعي قد أثمرت من الرافعي يعني أنها سوف تثمر معك، فهذه الطقوس يجب أن تفتش في نفسك عنها، وأي الطرق والوسائل التي ترى أنها محببة إلى نفسك -وكما أسلفنا لا يشترط أن تكون هذه الطريقة طريقة مؤلف كبير-.

وكذلك البعض -وأنا كنت منهم- يقيس أطباع الناس بناءً على طَبعهِ أو كما يقولون: كل من يرى الناس بعين طبعه، فمثلًا أنا لا أستطيع البتّة القراءة مع الشرب والأكل، فكنت أسقط ذاتي على الآخرين وأقول: هم كذلك لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، وهذه المقدمة أوصلتني الى نتيجة مغلوطة مفادها: أن كل الذين يصورون القهوة والطعام والفواكه مع القراءة، إنما هم متطفلون على القراءة -أي استعراضيون- لا أكثر ولا أقل، دون الأخذ بالاعتبار ان هنالك فئام من الناس فعلًا تجد أن الأكل والشراب مع القراءة زاد ودافع وطقس خاص يلهمهم المزيد من الغَرْف من معين الكتب! 

ومع أن هنالك فئام فعلًا لا تستطيع أن تقرأ إلا بالشرب الكوفي، ولكن أظن والله أعلم أن الكوفي مع الكتاب أشبه بالموضة أكثر من كونه طقس خاص بالقراءة.

والشيء بالشيء يذكر، بعض الأشخاص قد لا يكون لهم طقس ما في الكتابة أو في القراءة، وإنما حالة نفسية تطرأ عليهم من حين الى آخر، شيء أشبه بالتجليات أو الحالات القصيرة، التي يجد الشخص نفسه منطلقاً ومستطرداً في الكتابة بكل رشاقة ودقة، ولكن ما أن ينام مثلًا ويصحى ويحاول أن يعيد الكره لا يجد نفسه تعيد صنيعها بالأمس، فهو لا يكتب في كل حين وإنما يكتب متى ما وجد في نفسة الرغبة الحقيقة أو في حالة معينة مخصوصة. وأغلب هؤلاء لا يصلحون كتاب مستمرين بشكل يومي في الصحف؛ لانه سوف يؤول بهم المقام في النهاية الى كتابة مقال بشكل مبدع بتركيز وتدقيق عاليين ويكون فيها المؤلف في أحسن حالاته؛ ويتبعها عشرة بأسلوب بسيط أو ركيك أو عادي قد يهدم ما صنعه في الابتداء. 

وكذلك تكلم المؤلف عن قضية "استصعاب بعض العلوم أو التوهم أنها صعبة"، وضرب لنا مثلًا بالشعر الجاهلي، وكيف أن شرح بعض الأسماء والأماكن فيه يجعله مفهوماً بالكلية، ولكن النفس العاجزة تشعر أنه مهما حاولت فلن تفهم، وأنا سابقاً كنت أرى أن كتابات السلف أعقد وأعصى على الفهم من كتابات الخلف المعاصرين، وأعزو ذلك الى أن اللغة المخاطبة واستخدام بعض العبارات والجمل تغير عما كان عليه سابقاً، ولكن مع الوقت زال هذا الهاجس بكثرة قراءتي للسلف واعتيادي على صياغة جملهم، أي أن في كلا الحالتين لابد من المبادرة والسعي من أجل تذليل الصعاب؛ حتى تكتشف أن الأمر ليس بالأمر الكبير الذي يستحال معه الفهم.

وكذا تكلم عن قضية الكتب التي قرأها في البداية وهو صغير ويقول: (وفي لحظة شجاعة نادرة مدّ يده إلى رواية (الشيخ والبحر) لهمنغواي وقلَّبها ثم بصوت خائف مرتجف سأله عن ثمنها ولا يدري ماذا حدث معه بعد زلك سوى أن قبل الرجل بعض القروش التي يحملها ثمنًا للرواية التي ذاق معها متعة رائعة يحن إليها إلى اليوم ويحاول قراءة الرواية مرات متعددة ليتذكر تلك المتعة العجيبة!).

الشاهد أو الذي لفت انتباهي هو اشتباه الحال أو اشتراكه في هذه النقطة، وهي عندما كنت صغيراً كنت أجد متعة ولذة لقراءة بعض المجلات الخاصة للصغار مثل مجلة ماجد أو سنان، أو حتى مشاهد بعض أفلام الكارتون، فتبقى ذكرة عالقة في ذهنك، حول مستوى هذا العمل أو حول المتعة التي كنت تجدها، ولكن ما أن تعيد مشاهدة أو قراءة ما كنت تقرأه وأنت صغير، إلا وتكتشف أن هذه المتعة تقلصت الى الحد الادنى، بل وأحياناً تشعر بالضجر والسُخفْ؛ فلذلك توجد أشياء يفضل أن تقرأها لمرة واحدة لتبقى مكانتها كما هي، خصوصًا الأمور القديمة هذه.

تكلم كذلك المؤلف عن حرق الكتب وقال: (وأن العداء للكتاب وقراءته له تاريخ أسود قاتم طويل في الغرب والشرق عند غير المسلمين؛ فالكنيسة الكاثوليكية -وهي التي كانت تسيطر على الغرب- كانت تُحرِّم النظر في أي كتاب طبي أو رياضي، وكم خرجت من مظاهرات شعبية محتفلة بحرق الكتب وإهانتها).

ولكن هذا غير صحيح، أجاز بعض أئمة الاسلام وفقهاء المذاهب اتلاف وحرق بعض الكتب، وعقد ابن القيم فصلًا كاملًا في كتابه الطرق الحكمية بعنوان: (لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها) أورد فيه الأثار التي تحث على ذلك، وروي كذلك عن الإمام إسماعيل بن اسحاق الفاضي أنه دخل على المعتضد فدفع إليه كتاباً فكان قد جمع فيه رخص وزلات العلماء، فقال أن مؤلف هذا الكتاب زنديق، فأمر المعتضد بحرق الكتاب. ربما يقع الخلاف بين المسلمين والشرق والغرب في سعة المساحة والتوسع في قبول كتب المخالف، ولكن أُثر عن الجميع تأصيلاتهم لإتلاف بعض الكتب وحرقها.

وكذا قال المؤلف: (وأغلب هؤلاء "النافخين تورمًا" لو طُلب منه إنشاء صفحة من قلمه دون أن يسرق من هنا وهناك ويملأها بالإحالات لوقف حماره في أول العقبة)

بغض النظر عن من يقصدهم المؤلف، ولكن هو يتكلم فيما أرى عن مشكلة عامة، البعض الذي يعتاد على الاحالة والاقتباس، يصعب عليه تركيب الجمل الإنشائية، لذلك الاكتفاء بالاقتباسات وبالأخص هذه الصفحات الموجودة بكثرة في موقع الانستغرام التي تُعني بوضع صورة شاعرية واقتباس نص أو شعر، هؤلاء أرى أنهم يقتلون لياقتهم ويمنعون أنفسه من التطور، إذ يكتفون بهذا الطريق الذي هو بمثابة دائرة مفرغة؛ قد تُفيد الآخرين مما تنقل ولكنك لا تفيد نفسك بتطورها.

وكذا تكلم المؤلف عن قضية مهمة جداً وهي التعامل مع كتب السيرة النبوية مثل التعامل مع كتب الحديث فيقول:

(وأوسع من السيرة في التسمح هو التاريخ؛ فإن إعمال قواعد رواية الحديث على أخبار التاريخ جملةً غير صحيح، وهو خلاف العلم، فإن رجالًا لا يُقبلون في الحديث كالواقدي مثلًا هم العمدة في التاريخ لا يقدح فيهم في هذا الباب أحد، وردّ أخبارهم التاريخية كردّ روايتهم للحديث جهل بأصول العلوم وطرق إثباتها ومقاصد العلوم واختلافها، فالكلبي متهم في الحديث لكنه العمدة الذي اعتمد عليه الجميع في الأنساب، كلهم أخذوا عنه من أبي عبيد القاسم بن سلام إلى ابن حزم لم يتجنّبه أحد في هذا الباب. وحتى أُقرِّب لهؤلاء "الأنصاف!!" بما يفهمون فيقال لهم: هذا عاصم بن أبي النجود –بن بهدلة- فيه مَقَال في رواية الحديث وضبطه لكنه الذي لا يقال فيه أدنى حرف في كونه أحد القُرَّاء السبعة المشهورين، فهل عقلتم الموضوع وأدركتم الفرق؟!).

التعامل مع السيرة بمنطق الحديث = يعني إسقاط السيرة بالكلية، لان كما ذكر المؤلف العمدة في باب المغازي أو السير وهو الواقدي لا يقبل حديثه في الحديث؛ ولكنه إمام في المغازي، وهنا إشارة مهمة جدًا وهي أن العلماء تسامحوا أو تساهلوا في باب السيرة فيما لم يتساهلوا به قط في الحديث، ولذلك لا داعي لتزمت البعض وتشددهم عند قراءتهم للسيرة وبحثهم عن الصحيح دومًا؛ لأنه هذا يجعلهم يقفون على أحاديث قليلة لا تشك الصورة الكاملة، وقد سألني أحدهم ذات يوم عن كتاب سيرة ابن هشام بتخريج الروايات وتصحيحها! وكذا من المهم التذكير بأن نفس العلماء الذين ردوهم في الحديث تساهلوا مع ما روته هذه الشخصيات وجعلوهم العمدة في الباب في قضايا أخرى مثل الأنساب والمغازي والقراءات. 

وكذا تكلم المؤلف عن قضية مهمة وهي (منع البعض من قراءة بعض الكتب أو الموضوعات تحت حجة عدم جدواها أو تحت حجة فسادها، وهذا عائق يكثر بين المتدينين هذا اليوم) ونحن نعاني مع المتدين عموماً في باب الرواية، إذ يصر البعض على أن الروايات هي للمتعة فقط أي أنها معدومة الفائدة لا تسرب جملة من الأفكار من خلالها فتغربل من يقرأها، وفي ذلك يقول المؤلف في كلام متقطع ومبعثر على امتداد الكتاب:

(هناك كتب للمتعة فقط وتختفي وراء ستارها بعض المعالم الفكرية مثل كتب الروايات والقصص، بل ربّما يُخفي الكاتب أهدافه ورُؤاه وراء الحكاية؛ وهو فن قديم حديث من التخفي الذكي، فكل هذا يجعل العلمية غير بعيدة عن أي كتابة مهما بدا للبعض خلوّها منه

.....

وقد حملت قصص الدكتور نجيب الكيلاني -رحمه الله- الرائعة، فجلس بجانبي أخ في الله فبذلت وسعي لستر القصص مخافة أن يراها الأخ فتكون التهمة أني أقرأ القصص والروايات، وقد احتجت لوقت طويل في رحلة المعرفة والقراءة والتفكير لأكتشف أن القص والحكاية هي فن كتابي علمي يستخدمه المرء لأسباب علمية وفكرية وهو أسلوب ذكي لإثارة الفكر ونشره تحت ستار المتعة

....

قرأت الكثير من المسرحيات والروايات، قرأْتها في طفولتي باحثًا عن القصة والحكاية، وقرأتها بعد ذلك باحثًا عن "الفكرة"، وماذا يخفي الكاتب وراء حكايته، وإن أول ما أدركت أن وراء الكاتب "عقيدة" و"فكرة".

.....

وعلينا ألا نقلل من قيمة القصة والحكاية والرواية؛ فهي فن ذكي يمكن من خلاله تعميق قيم علمية ونشرها، كما فعل الشيخ نديم الجسر في قصته (الإيمان)، وهي قصة ذكية علمية رائعة لا أعلم لها مثيلًا، صاغ فيها الشيخ قصة الفلسفة مع قضية الغيب والإيمان بالله بطريقة ذكية ممتعة تجعلك تسير معها سيرًا هيّنًا لا مشقة فيه، مع صعوبة مباحث الفلسفة كما هو مشهور، ولما قرأت (قصة صوفي) والتي لاقت انتشارًا كبيرًا في العلم الغربي خاصة، ثم ترجمت إلى العربية عجبت كيف تنتشر هذه القصة مع معرفة القليل بكتاب الشيخ الجسر -رحمه الله تعالى- فإن الفرق بينهما كبير جدًا.
ومن قرأ روايات الدكتور نجيب الكيلاني عرف أثر الرواية والقصة في نشر التاريخ، ومن قرأ روايات شريف الراس وهي قليلة جدًا عرف أثرها على الطغاة).

القاسم المشترك بين هذه النصوص أن الرواية ليست متعة بل فكرة تحت ستار المتعة، ولكن البعض يقرأها وهو فاغر الفم، دون أن يستنبط الرسالة التي دسها المؤلف تحت السطور، وقديماً قال أحد الشباب الذي ضجر من استبداد الجماعات المجاهدة في سوريا، أنه يتمنى لو قرأ القادة رواية (مزرعة الحيوان) لجورج اورويل، فأثر هذا الكلام اهتمامي، حتى قرأتها وفعلًا كانت من أجمل ما قرأت، والفكرة الرئيسية التي طرحها أورويل هي أنك لا يمكن أن تقول أنك ضد الاستبداد ولما تثور ضد الاستبداد ويحصل لك التمكين تكون نسخة مكررة من الشخص الذي ثرت عليه لاستبداده، ألا يمكن أن يؤثر هذا المعنى فيمن يعاود تشكيل الاستبداد وفرضه على الناس بعد عيشهم لسنوات طويلة تحت استبداد البعث؟! بلى.

فالشخص يعاني ولازال يعاني من بعض المعتوهين الذين لا يرون هذه الفوائد ولا يرون الروايات إلا أنها قصة تافهة ونحو ذلك قياسًا على أطنان الروايات التافهة والمنحطة التي مُلئت الأسواق بها، دون التفرق بين هذه وتلك. ودون أن يكون نظرهم أبعد من ظاهر المتعة الى باطن الفكرة.

وفي الوقت نفسه لا أقول أنه يجب الشخص ان ينكب على الروايات انكباب كامل، وإنما هي فسحة استجمام، ويجعل القارئ 1 من مجموع 5 كتب يقرأها في كل دفعة، ويجب على صاحب القضية والدعوة أن يركز على الأهم ثم المهم أو كما يقول المؤلف: (أن العلوم والكتب تختلف مراتبها في الأهمية، فصرف المرء وقته في الأولى مُقدَّم عما هو أقل أهمية، وهذه قضية فطرية لا يخطئها أحد من جهة العلم بها).

ولخطورة الموضوع وتأثيره على بعض المفاهيم الاسلامية في ساحة الرواية، مع وجود بعض المعتوهين الذين لا ينظرون الى الموضوع بشكل أعم وأشملْ حول أثر الرواية، رصد الشيخ عبد الله العجيري بعض المفاهيم التي تسرب للجيل الناشئ والاستفراد به في ساحة الرواية، فأصدر كتيبه (من عبث الرواية) وله كذلك ندوة في أحد المجالس بعنوان (حقيقة الرواية حمولتها الفكرية وكيفية تأثيرها على المجتمعات) تجدها على اليوتيوب.

وكذا تكلم الكاتب عن قضية مهمة وهي العيش بين نقضين، فهنالك من يذوب داخل الكتاب ويقبل كل شيء يقوله المؤلف فيتماهى مع الكتاب تماهي تام، وفي ذلك يقول: (بعض الكتب فيها سطوة هائلة تجعل القارئ أسيرًا لها بالكلية، وهنا تأتي أهمية القراءة الناقدة؛ وهو أن تجعل بينك وبين الكتاب حاجزًا، هذا الحاجز الذي لا يجعلك تذوب مقابله أو تلغي نفسك معه، فتذكر دائمًا أنك لست الذي في الكتاب بل أنت القارئ المراقب، تنظر وتتمعن وتصفّي وتختار وتقرّر، فلك شخصية مستقلة يجب أن تمنعك من التحدث على طريقة الممثل الذي يعيش الآخر ماحيًا نفسه ملغيًا لوجوده وشخصيته. القراءة صراع بين الكاتب وقدراته وبين استقلالك، هذا في القراءة الإنسانية، فالكاتب يستخدم كل فنون السحر الكتابي ليمحوك في داخله).

هذا النص دائماً يذكرني بكتب علي الوردي والقارئين الجدد له. وهذا التماهي غالباً ما يمكون منشأة الجهل، ومن أسبابه اتقاد الكاتب واندفاعه في الكتابة بكل قوة، تشعر أن القارئ يتصاغر أمامه تلقائيًا، هذه السطوة والحدة في الكلام من المؤلف، قد تجعل القارئ المبتدئ يستبعد تمامًا أن يكون كلام هذا المؤلف خطئًا أو أنه يدلس او يبتر النصوص، بل تراه يسلم له ويتقبله ويتكئ عليه في تصوره للتاريخ -مثلًا- وأما كيف يكون الجهل سبب لانسحاق القارئ تحت عجلة الكتاب؟! أحياناً يسرد المؤلف كلام أشبه بالكلام المنطقي ولأن القارئ ليس له خلفية عن كتب التاريخ وأمهات الكتب التاريخية يعيد النص تشكيل نفسه فالجاهل يراه منطقيا والذي لديه خلفية يرى أن المؤلف والكاتب قد دلس وبتر النصوص وأن النص في أصله لا يساعد المؤلف للوصول الى هذه الجملة، انظر كيف يصنع الجعل والعلم في النظر وتقيم النصوص!

فالشاهد أن كتب علي الوردي يأتي إليها المراهقين، ويقرأونها ويعتمدون ما فيها؛ دون تدقيق ولا تمحيص ولا حتى مسائلة إن كان هذا يعقل أو هل ثبت هذا أو هل صح هذا، بل يمسحون ذواتهم في طيّات الكتاب! 

اذا كان يجب أن لا أمحو ذاتي أمام كاتب الكاتب فهل يجب أن أقول لكل شيء: لا، وأنه لا قيمة له وأنه تافهة وأظهر بمظهر الذي لا يعجبني العجب ولا الصيام في رجب؟!

يقول المؤلف: (فهذا لا يعني أن تحضّر نفسك للطعن والرد فتكون سيِّد "لا" تقولها بحق وباطل، وبعض الناس -وهم اليوم كثير- يعيشون مرضًا طفوليًا؛ فالطفل عندما يبدأ إدراك ذاته يُكثر من قول: "لا"، فما إن تطلب منه طلبًا حتى يُسارع إلى "لا"، وما ذلك إلا لمحاولته إثبات شخصيته، وبعض الناس تكبر معهم هذه الطفولة، ويصبح شخصًا لا يُطاق).

والبعض يتعسف في رد أي مادة او كتاب قوي أو جميل، حتى يظهر بمظهر المخالف ويرى أن ذلك من إبراز الشخصية وتميزها، وهذه صورة أخرى من إلغاء الذات وطمسها، لأنك سوف تقول: لا حتى للكتب التي تعجبك، فأنت في الحقيقة ألغيت ذاتك مجدداً؛ فكلا النقيضين يوصلان الى نتيجة واحدة.

وتكلم عن المؤلف عن دار نشر لا تلجئ إليها إلا عند الاضطرار كأكل الميته، فيقول: (بل هذه الأيام لا تخطئ قراءة دار النشر، فمن هو القارئ الجيد للتراث ويقع في حبائل "دار الكتب العلمية" إلا أن يكون مضطرًا).

هذا القول صحيح؛ لأن أهل الاختصاص كثرت انتقاداتهم لها، ولكن أظن أن هذه القاعدة لا تنطبق على كتب المعاصرين، فيجب التفرق بينهم، وكذلك من هي أسوء من دار الكتب العالمية هي (المكتبة العصرية) اللبنانية، والحال كما قال الشاعر:

كِلاَ الأخوَيْنِ ضَرّاطٌ ولكِنْ ** شِهَابُ ألدّيِنِ أضْرَطُ مِنْ اخِيِه 

وكذا تكلم المؤلف أن كثر نقل النقولات والاقتباسات والاحالات لا تدل بالضرورة على قوة علميه المؤلف، فيقول:

(إن ما تراه من بعض الكتّاب من جهالة وضحالة لا تتناسب مع كتبهم، أن كتبهم مجرد التقاط وانتقاء للسطور من كتب لا يعرفونها إلا من خلال الفهرست فقط، فهم لا يحملون أي معرفة وعلوم في عقولهم وقلوبهم، بل يصفّون الحروف ولا يقرؤون، فتبدو كتبهم منسقة بالإحالات وكثرتها مع عدم وجود العلم عندهم، وحينئذ يتمايز الناس في طبقاتهم بحسب القراءة، كثرتها وقلتها، ونوع قراءته، وكيفية قراءته، فالكلمة الواحدة ينطقها الرجلان فتحس أن الفارق بينهما كبير وشديد، فهذا ينطقها ويكسوها بمعارف أخرى، ويعمم صلاتها المعرفية، ويحفر تحتها؛ في أصولها وجذورها وآثارها وتداعياتها، وأما الآخر فيلقيها عليك جامدة ميتة تحس أنه يلقي حجرًا مجردًا لا فن فيه ولا نحب ولا تشكيل، وسبب هذا كله هو افتراقهما في "فن القراءة").

ولا أجد أدل من ذلك على مقارنة ما بين شخص أشترى كتاب لاقتباسات ابن تيمية ويضع اقتباسات من هذا الكتب في حسابه، وآخر يجرد مطولات ابن تيمية ويضع من خلال رحلته الطويلة هذه بعض الاقتباسات التي يراها مناسبة، فلو علق أحدهم وسأل كلا الشخصين عن اقتباس واحد، ربما تجد أن جوابهما يختلف تمامًا، لأن الأول أخذ الاقتباس مجتث من سياقه وجذوره، والآخر لم يفعل ذلك، فاستحضار الثاني للشواهد أقوى وأشد من الأول. ولذلك أنصح الأخوة أن يهجروا كتب الاقتباسات هذه ويعتمدوا على جردهم للمطولات وانتقائهم الشخصي للاقتباسات، فلعلها تجعلهم أكثر إحاطةً بالنص من طريقتهم الأولى.  

وكذا تكلم المؤلف عن التكثر من التحشية الكتب تحت دعوى التحقيق، فيقول: (فهذه الهوامش تضيع الناظر وتبعده عن مقصد المؤلف والكاتب، إذ ينشغل بها مرات ظانًا أن تحتها شيئًا، لكنها كالسراب إلا القليل منها، وهذا ينطبق اليوم على من يُقال لهم محققو الكتب ولا فرق؛ إذ تحول التحقيق إلى عمل فني يمكن أن يقوم به أجهل الناس، لكنه متقن لفن استخراج النصوص من مواطنها ليستكثر من الهوامش).

أنا لا أجد مشكلة من إحالة القول الى مصدره الرئيسي وأتمنى ان يقف الأمر على هذا، ولكن بعد انتهائي من كتاب فن القراءة هذا شرعت مباشرة في كتاب (العواصم من القواصم) لابن العربي المالكي، والنسخة التي لدي من تعليق "محمود الاستانبولي" وزاد تحقيقها والتعليق عليها: مركز السنة للبحث العلمي، وشعرت أني مشتت أو أني لا أستطيع أن أركز على المتن لطول تعليقات الحاشية، واستطرادها استطراد طويل، فحقيقةً بعض الحواشي تبعثر انتباه القارئ للكتاب الأصل وتفسد من حيث أنها أراد أن تصلح وتكمل الفائدة.

ومن الأمور التي ذكرها الشيخ أن ضعف العملية التعليمية في دولنا العربية نابع من ضعف شخصية المعلم القدوة، بمعنى المعلم تراه قلق في الصف وينظر الى ساعته أكثر مما ينظر الى الطلاب ومهتم ومغتم وأول ما يضرب الجرس تراه يركض ويخرج قبل الطلاب أنفسهم لأن راتب المعلم لا يكفي فيضطر أن يعمل عمل إضافي مثل ان يعمل تكسي أو بائع لبضاعات بالجملة ويذهب الى القرى والمدن ويمضي يومه وهو يبيع ويوزع! فأنت تضعف تلقائياَ نظرة القدوة الى هذا المعلم، لأن لا يوليك أي اهتمام وباله مشغول بغيرك. 

وأنا لا أعلم لماذا أشعر أن المدرس الذي يدرسك من غير مقابل هو الأخلص في إيصال المعلومة -وإن لم يكن هذا الأمر على إطلاق-، ولكن المعلم الذي لا يقبض مقابل، لا يوجد لديه سبب آخر أن يدرسك ويعلمك إلا اذا كان هو حاب ذلك فعلًا.

ولكن من الأمور التي أظن أنها أضعفت النشأة الثقافية لدى الفرد في دولتنا، هو محاولة وزارة التعليم لدينا استنساخ نماذج دول متقدمة في التعليم، فهم لما يستنسخون هذه النماذج يريدون أن يحققوا نفس النتيجة، ولكن يفوتهم أن تلك الدول لم تصل الى هذه النتيجة إلا بعد جهد جهيد ولكن نحن لا نريد أن نسلك نفس هذا الجهد الجهيد ولكن نظن أن بمجرد استنساخ التجربة سوف نحقق نفس النتيجة وإن لم نبذل ذات الأسباب.

فلذلك ترى أن العملية التربوية عندنا سواء في المدارس او الجماعات يركزون على الاستثكار من الواجبات والطلبات وتكثيف ذلك ويظنون أن هذا قد يزيد الطالب معرفة ووعياً، بينما قد تزيد الطالب نفوراً وزهداً وكرهاً للتعليم.

وأنا لدي قناعة: أن كل ما قلت التكاليف زادت رغبة الناس في الشيء.

والأمر المهم الآخر أن بعض النخب الثقافية -بالخط العريض- لم تصل الى ما وصلت إليه من علم وتقدم ونبوغ إلا بعد ما عاشت في بيئة ساعدتها على التعليم منذ الصغر ومنذ النشأة.

وأبرز ما قد يساعدك في هذا هو الأسرة، أو المعلم، ولكن اذا كانت الأسرة غير متعلمة أو لا ترى أن التثقف شيء مهم فنسبة تعلق الشخص للقراءة والاطلاع منذ الصغر قد تقل.

فلذلك أنت ترى أن الكثير من الشخصيات يقولون في مذكراتهم: صحيح أن والدي أمي لا يقرأ ولا يكتب ولكن كان يرسلني الى محفظي القرآن ولما أنتهي كان يرسلني الى مدرس النحو ولعل هذا تجدهُ بارزاً في مذكرات الشعراوي الي دونها محمد زايد او حتى في ترجمة الإمام الشافعي ودور أمه التي حرصت في تعليمه ليخرج إمامًا عالمًا من أعلام هذه الأمة. 

والمثل يقول: من شب على شيء شاب عليه، فلذلك أنت لما تريد أن تزرع الثقافة في أبنك فمجرد ما يبلغ مرحلة الوعي أن ترسله الى مدرسين هنا وهناك حتى لا تتلوث فطرته ويصعب علاج الأمر في ما بعد. والمثل يقول: القط الكبير لا يتربى.

وأخر نقطة أختم بها، وهي قضية أن بعض المختصين هم من أسباب صد الناس عن القراءة والاطلاع، فهذا المختص يكون بين خيارين، إما أن يعمق القضية أو العلم الذي يدرسه ويشرحه من أجل أن يقال أن هذا الاستاذ عبقري وطرحه طرح قوي جداً لأنه معقد ولا يراعي الناس الذين امامه، أو أن تكون صاحب قضية ويتمنى أن كل هؤلاء الذين أمامه يصيرون مثله، فيحاول قدر المستطاع أن يرتقي بهم، فيبسط لهم ويستخدم الأساليب التعليمية التي تدخل المعلومة في أذهان الشاب الناشئ مثل ضرب الأمثلة ونحو ذلك.

وقد ذُكر ابن النديم في كتابه الفهرست أن أبو زكرياء الفراء الكوفي وهذا كان يسمي بأمير المؤمنين في النحو، فكان يجلس بعض الطلاب للتعلم ثم رأوا أنه يبسط النحو بشكل كبير جداً، فاعترضت فئة من الطلاب وقالوا: ان استمريت هكذا فسوف يتعلم الصبيان النحو، فقال لهم وهو غاضب: والله لأمين النحو ما أجتمع اثنان، فاستمر في الإملاء لمدة 16 سنة.

فلاحظ كيف أن البعض لا يريد أن يكون العلم متاح وسهل عند الناس ويريد أن يحتكره لمصلحة شخصية ويقدمها على المصلحة العامة من استفادة الناس!

وفي النهاية بخصوص هذه الجزئية فقد ناقشها المؤلف في جلسة مستقلة حول كتاب (المرايا المحدبة) لعبد العزيز حمودة هو قضية الشعر الحداثي وكذا تطرق له بشيء من الاختصار في كتابه هذا.

ومن الاقتباسات الجميلة التي في الكتاب:

-"إن من فوائد الفضائيات اليوم أن عرّت لنا الكثير من الأسماء التي كانت تتخفى وراء كتبها المسروقة" (ص166).

- "سبوا التراث ولعنوه بكل شتيمة، وأشاعوا أنه ما وُضع إلا لأحذية السلاطين، مع أنهم كانوها بكل جدارة!" (ص66).

وجزاكم الله خير وأختم بهذا وشكراً.