JustPaste.it

حركة أحرار الشام الإسلامية

النشأة والاستمرار

 

قرأت عن حركة أحرار الشام الإسلامية دراسة تزعم أن النشأة كانت من خلال خمسة أشخاص في لبنان ثم أصبح العدد 25 شخصا في مرحلة الغزو الأمريكي للعراق، حيث كانت تلك المجموعة تعمل على تقديم خدمات مساعدة الجرحى ونحو ذلك من المساعدات اللوجستية. هذه المرحلة ليست نواة لأحرار الشام إطلاقا، بل هي مجموعة كانت - عمليا في تلك الفترة - تتعاطف فكريا مع القاعدة السلفية الجهادية وإن لم يكونوا جميعا من المنظمين فيها. وآل الحال بهم ما بين باق في الفكر القاعدي وتارك له بعد تجربة سجن صيدنايا. وحتى التاركين له ليسوا جميعا ممن تبلور لديه الفكر الذي جاءت به الحركة ولم ينخرطوا فيه.

أعتمد في هذه المقالة المسار السردي الذي يبتعد عن التوثيق التاريخي أو الخوض في مسارات الأحداث بتفاصيلها. أعالج من خلاله مجمل ما يصدر عن الكثير من الأشخاص والمؤسسات والمراكز البحثية التي تتناول حركة أحرار الشام الإسلامية بشكل مغلوط بعيد كل البعد عن حقيقة الحركة نشأة ومساراً. فحرصت في هذه العجالة الصغيرة أن أضع منارات في طريق أي باحث مستقبلي يريد أن يسرد التفاصيل ويؤرخ للثورة في جزء مهم منها "أحرار الشام".

تأسست الحركة من ثلاث جهات رئيسة:

الجهة الاولى: هم الخارجون من فكر القاعدة ممن تولّدت لهم القناعة التامة بضرره وعلى رأسهم أبو عبد الله الحموي حسان عبود.

الجهة الثانية: كانت مجموعة من الشباب الإسلامي الذي يحمل السلفية العلمية الدعوية "ليست المدخلية ولا الجامية" تحمل نفس القناعة بضرر مشروع القاعدة مع تفهّم لخط القاعدة واعتباره كالمريض الذي بحاجة لمن يشفيه من هذا الداء الذي يؤثر ويعدي الشباب خاصة مع نشاطه في أماكن المقاومة والجهاد التي كانت تقوم في بعض البلاد الإسلامية ضد الاحتلال والدكتاتورية، ويقومون بجرائم حرب ضد المسلمين في عدّة أماكن كالبوسنة وأفغانستان والشيشان والعراق ... إلخ، وعلى رأس هذه الجهة كان خالد أبو أنس السراقبي.

الجهة الثالثة: كانت مجموعة من الخبرات والشخصيات ذات التاريخ الكبير في المقاومة والقتال ضد المحتلين في بلاد شتى ومنها أفغانستان من مدرسة الشيخ الشهيد عبد الله عزام تقبله الله تعالى، وكان على رأسهم (أياد الشعار) المعروف بأبي الحسن التبوكي المهاجر.

كان أبو عبد الله الحموي رحمه الله تعالى صاحب علاقات بناها من خلال حياته الجامعية والدراسية، كان شخصية فذّة واسع الاطلاع كثير الترحال في زيارة البلدان والحواضر. وبحكم تخصصه في اللغة الإنجليزية كانت له معارف وتواصلات في بلاد كثيرة كان يزورها في العالم العربي وبعض الدول الأوروبية. ولذلك كان رحمه الله بمثابة واسطة العقد التي التقت بكلّ من (إياد الشعار) و (خالد أبي أنس).

كان أبو أنس قد أسس مجموعات وكتائب في مناطق عدّة، ذا شخصية محورية وتأثير كبير ومعرفة واسعة وعلاقات كبيرة، مكنته من أن يؤسس لكتائب ثورية في إدلب وحلب ودير الزور والحسكة وغيرها، وكان خالد أبو أنس متعاطفا مع الحالة الجهادية السلفية ثم وصولا إلى الفكرة ذاتها التي التقى على إثرها بأبي عبد الله حسان عبود.

وأما إياد الشعار ومعه ثلة من خيرة الإخوة فقد كان الركن الثالث لتشكيل أحرار الشام (الكتائب) وكان دوره في خارج سوريا بشكل رئيس مع ثلة من خيرة الشباب والرجالات. شخصية معروفة في الجهاد الأفغاني والحديث عن هذه الشخصية ذات التقدير والخبرة يطول والمقام لا يتّسع. وكان صوت العقل والرشد الذي كان داخل الحركة يحذّر فيه من دركات الانحدار والانخداع بتيار التشدد والغلو والتحذير المبكر منه والعمل الحكيم على تفكيكه.

.

اجتمع هؤلاء الثلاثة كل مع مجموعته القريبة منه، وشكلوا (كتائب أحرار الشام). وهذا يعطي التوصيف الصحيح لنشأة وتأسيس الحركة. وهنا أعود لما ذكرته في بداية البحث عن مزاعم أحد مراكز الأبحاث عن نشأة أحرار الشام من خمس شخصيات في لبنان، إذ لا بد من تجلية بعض شخصيات هذه المجموعة وحقيقة دورها حتى ننزع الغموض عنها. وأحد أولئك شخصية أبي جميل قطب ومن معه من بلدة "بنش" بالقرب من مدينة إدلب ثم تعرّفهم على مجموعة حسان عبود وعبد الناصر الياسين ومن معهما. كان لأحرار الشام وجود في بنش من قبلهم. شكل أبو جميل قطب كتيبة في بنش كان لها انضمام لفترة وجيزة لكتائب أحرار الشام ثم انفصل مبكرا وأنشأ مع أبي يوسف بدوي تقبل الله الجميع (جماعة الطليعة الإسلامية) التي أصبحت فيما بعد جزءاً من تأسيس الاندماج الذي شكل حركة أحرار الشام الإسلامية ونواته الأساسية (كتائب أحرار الشام) وهي السواد الأكبر، وجماعة الطليعة ببضع مئات وجماعة الإيمان المقاتلة ببضع مئات وكذلك حركة الفجر الإسلامية ببضع مئات أيضا. ثم انضمت في مرحلة لاحقة بعض مكونات الجبهة الإسلامية التي كانت كيانا جبهويا دخلت فيه كتائب أحرار الشام وهم: الجبهة الإسلامية الكوردية التي كانت ضعيفة العدد عظيمة الأثر والتضحية، ولواء الحق في حمص الذي كان إضافة حقيقة للحركة لتوافق فكري في التأسيس ونضج في كوادرهم وقياداتهم. ثم دخول ألوية صقور الشام رغم خروج جزء كبير منهم فيما بعد واستقلالهم بقيادة الشيخ أبي عيسى الشيخ. لقد كانت كتائب أحرار الشام هي نواة الفكر عند النظر والتأمّل.

.

الفكرة الجامعة

كانت فكرة أحرار الشام تنطلق من ثلاثة محاور:

المحور الأول: إحباط مخطط النظام بإخراج مساجين القاعدة وجماعة الدولة، وكنا على علم ويقين أن إخراجهم مرادٌ لحرف مسار الثورة إلى الإرهاب، وكنا نعلم أن دخول القاعدة وتنظيم الدولة حاصل لا محالة، فكان لا بد أن نسحب منهم بساط المهاجرين وبساط إغواء الشباب المجهاد المتحمس، وضمن هذه السياسة كان إدخال (جماعة الطليعة الإسلامية ـ وحركة الفجر الإسلامية) وشباب الكتائب أيضا بلا شك، وغيرها. إلا أن هاتين الجماعتين بالذات كان الفكر التقليدي القاعدي يضرب فيها أطنابه ولم تكن قياداتها واعية لخطر هذا الخط وإن لم تكن تنتمي له (فكانت جماعة الطليعة الإسلامية نواة الانشقاق الأخير الذي حصل عند خروج جماعة أبي صالح الطحان إلى أحضان ما يسمى "تحرير الشام" ثم خروجه بعد أن اكتشف متأخرا انخداعه بمشروع الجولاني. وأما حركة الفجر الإسلامية فكان على رأسها "د. أبو عبد الله الفجر" الذي لم يطل بقاؤه في حركة أحرار الشام بعد الاندماج بضعةَ أشهر ليترك الحركة بمزاعم لا مجال لطرحها، وأسس بعدها ما يسمى أنصار الدين التي أصبحت فريسة لتحرير الشام مؤخرا، إلا أن الدكتور عندما خرج لم يخرج معه الكثير لأن هذه الجماعة كانت تضم شخصيات فذّة تأثرت بفكر "أحرار الشام" والنقاشات التي كانت تحصل واللقاءات المكثفة. رفضت الغالبية في حركة الفجر الإسلامية الخروج مع الدكتور أبي عبد الله. ومن هذه الشخصيات الفذة التي تأثرت بفكر الحركة وطرحها (أبو يزن الشامي ـ أبو سارية ـ أبو أيمن الحلبي). وكانت مساهمات ومراجعات أبي يزن ذات الطابع الأكثر تأثيرا لأنه جمع رحمه الله وتقبله بين العمل الميداني والعمل الفكري والشرعي فكان بحق أهلا أن يكون في عداد منظّري أحرار الشام الأصيلين رحمه الله رحمة واسعة.

المحور الثاني: الدعوة وأهمية إنشاء مجتمع وجيل النهضة، فقد كانت أحرار الشام تعلم أن المجتمع غير مؤهل لحمل المشروع الإسلامي وجعله واقعا معاشا في سوريا، وكان الهم الأكبر هو إنشاء الخط الدعوي الذي ينضج ويقدم النموذج المراد بلورته. كانت تتمحور الفكرة حول الاعتزاز بالعقيدة التي يحملها مؤسسو الحركة؛ الانتساب لمنهج السلف الصالح عقيدة وسلوكا، وفي نفس الوقت الانعتاق من التفسير والممارسة القاسية الفظّة التي ابتليت بها الجماعات الدعوية السلفية بكآفّة انتماءاتها في العصر الحديث. فالخلاف بين فرق أهل الإسلام السنة في مسائل العقائد أمر لا يستوي خلطه بمسار وحدة المسلمين في انتمائهم للإسلام وحركة الأمة الواحدة باتجاه تحررها ونهضتها وحضارتها، والانعتاق من النظرة التمييعية للعقيدة وأصول الدين التي أخذت طابع حركات إسلام سياسي لم تحسن طرح سرديّة تحفظ تماسك الأمّة المسلمة باتجاه حريتها ونهضتها وقدح شرارة شعلة حضارتها على البشرية في هذا العصر إلا بتمييع العقيدة وإدخال من هبّ ودبّ في هذا المشروع. من أمثلة الجماعات المختلفة والأحزاب التي نشأت من رحم تنظيم الإخوان المسلمين حزب التحرير وغيره، ولا أنسى هنا أن أنبه إلى أن الإخوان المسلمين يتبنون نفس المسار الذي نتحدث عنه في هذا المحور، إلا أن هذا لم ينعكس أبدا على واقع الجماعة في إفرازاتها لذلك بتنا نرى حماس وارتماءها "الاضطراري وفق تعبير البعض" و "المنهجي الإخواني وفق تعبير البعض الآخر" في حضن إيران الصفوية الرافضية. ناهيك عن انخداعهم بالثورة الخمينية في إيران وصدور التصريحات الغريبة من قيادات فاعلة في الإخوان المسلمين على مستويات وصعد مختلفة شكلت مسارات تستغلها حركة الرفض في ثوب "ثورة إسلامية"

المحور الثالث: الوقوف في وجه أي اختطاف علماني يساري تغريبي متوحّش بأجندة خارجية لثورة الشعب السوري، وهذا يقتضي طرحا وعملا دؤوباً.

.

وقعت الحركة في أخطاء كثيرة في تنفيذ هذه المحاور وبعض هذه الأخطاء كان له طابع غاية في الضرر والسلبية، إلا أنها كانت تصحح وتعمل ما تستطيعه رغم الضعف والعجز والتخلف عن التصحيح السريع بما يتناسب مع سرعة مسار الثورة وإفرازاتها، وبسبب هذه الخطوات المهمة رغم بطئها وأخطاء تطبيقها تعرّضت أحرار الشام لهزّاتها الكبيرة الأربعة التي أوصلتها إلى ما نحن فيه اليوم عام 2018.

 

أربعة زلازل بالغة الخطورة تعرضت لها الحركة:

الزلزال الأول: الخسارة الكبيرة لمناطق الثورة في المواجهات مع داعش وخاصة مناطق الرقة والحسكة وريف حلب الشرقي والعدد الكبير من شهداء الحركة بشكل خاص والثورة بشكل عام خلال غدرةِ تنظيم الدولة. كان ذلك نتيجة التأخر والتردد في إعلان الموقف المبدئي من حالة القاعدة وداعش (المفاصلة الفكرية التي تأخرت رغم تبني المحور الأول منذ البدء كما مر معنا أعلاه) كان هذا التردد يصيب مفاصل الحركة في جميع مستوياتها. كان لذلك بالغ الأثر في خسارة الكثير من مواقع الثورة، وكانت الحركة جزءا مهما من حالة الضعف التي أصابت الثورة وليست الجزء الوحيد أو الأكبر كما يحاول البعض وسم الحركة به. إلا أن الحركة استطاعت بعد الكثير من الأخطاء والكوارث أن تصل إلى قرار (ولا أقول ممارسة وعمل ضد الغلو والخوارج). وكانت في ذات الوقت تتعرض لحملة شرسة للتصنيف الدولي على لوائح الإرهاب وكانت جهود المكتب السياسي للحركة الذي قمت على تأسيسه أنا ومحب الدين الشامي تقبله الله تعالى مع ثلة من إخواننا، ثم الجهود التي قمنا بها في الجناح السياسي في الجبهة الإسلامية برئاسة (حسان عبود) في الجبهة الإسلامية ونائبه محب الدين الشامي مع فريق من خيرة الشباب وعلى رأسهم وأهمهم لبيب النحاس "أبو عز الدين". كان هذا سببا في أخذ قرار الحركة في عدم الانصياع وراء المشاريع المعلبة والجاهزة خارجيا مع النأي بنفسها عن الخط القاعدي العابر للحدود الذي كانت الحركة تعاني من حملة ممنهجة لتصنيفها ضمنه.

الزلزال الثاني: وهو الأكبر والأعنف في تاريخ الحركة؛ حادثة مقتل القادة ـ تقبلهم الله تعالى في الشهداء ـ في رام حمدان، ذهب تضحيتها نيفٌ وأربعون من خيرة شباب الحركة ورجالاتها وفيهم غالب قيادات الصف الأول، ومثل هذه الحادثة كافية لانهيار أي تنظيم يتعرض لمثل هذا الاستهداف. واستطاعت الحركة ـ كذلك ـ التماسك والنهوض رغم عظم وهول المصيبة. كانت هذه الحادثة بوابة لزلازل الحركة المتتالية، فقد كسر الباب أمام محاولات الاختطاف التي لم تنتهِ مِن قِبل طرفي الإسلاميين القاعدي المتشدد المغرق في استجلاب الماضي والآخر المغرق في الواقعية وأحلام الخلاص بلا منهجية.

الزلزال الثالث: وهو الأكثر طولا، تسبب به الفريق الانقلابي الذي نشأ بعد اغتيال القادة تقبلهم الله، تولى كبر هذا الفريق شخصية لم تكن في يوم من الأيام من الحركة ولا تحمل فكرها. دخلت هذه الشخصية إلى الحركة من الباب الواسع وتم تعيينها على رأس المكتب الشرعي في ظروف استثنائية بسبب مطالبة بعض الشخصيات التي كانت تظن خيرا دون نظر ولا حساب كانت قد خُدعت بهذه الشخصية، إنها شخصية "نضال الحسن" المعروف بأبي محمد الصادق. هذا الفريق عمل على إضعاف الحركة مستغلين فترة إمارة "هاشم الشيخ" الذي وصل إلى رأس الحركة أيضا بخطأ ليس هنا مقام سرده. كان الظرف استثنائيا من جهة والانخداع بشخص "هاشم الشيخ" الذي أصبح صدى لصوت الفريق الانقلابي.

عمل هذا الفريق زلزالا عظيما داخل الحركة ما تزال الحركة حتى اليوم تعيش ارتداداته، من اختطاف لقيادات مهمة في الحركة "أبي أنس سراقب ـ أبي عبد الرحمن الحموي" وكانا من أكثر قيادات الحركة وقوفا في وجه ما يحيكه هذا الفريق. بالإضافة إلى تدمير كل الخطوات التي بذل فيها القادة الشهداء حياتهم وكل أوقاتهم للوصول إليها، إلا أن الصف الثاني والثالث من الحركة مع بعض عقلاء الشورى كانوا بالمرصاد لذلك إذ كان الفريقُ الانقلابي يحاول أخذ الحركة باتجاه اندماج مع النصرة بنسخها المختلفة "فتح الشام ثم تحرير الشام" دون أن يكون هذا الاندماج شاملا للساحة، تعرضت الحركة أيضا إلى تدمير ممنهج للمكتب الشرعي حتى خرج جميع كوادره بسبب إدارة "نضال الحسن" السلبية، ومن ثم تأثيره على الفريق الانقلابي داخل الحركة. وانتهى هذا الزلزال بارتداده الأكبر والأكثر ضررا بخروج أبي صالح الطحان ومن معه إلى هيئة تحرير الشام مع سلب جزء مؤثر وكبير من مقدرات الجناح العسكري الذي كان يُمسكه ويهيمن عليه. واستطاعت الحركة رغم ذلك أيضا النهوض (رغم ضعف أداء القيادة وعدم وجود الرؤية والتصحيح لمفاصل الخلل التي كانت تعرض الحركة للزلازل المتلاحقة). واستمرت حالة التردد العملي والممارساتي مع هذه القيادة، وأعني التردد في مواجهة الغلوّ والخوارج، بعد أن أخذت قرار المفاصلة الفكرية عنهم.

الزلزال الرابع: هجوم واعتداء تحرير الشام على جميع مفاصل الحركة في الشمال المحرر واستلاب معبر باب الهوى، الذي كان لقيادة الحركة الخاطئة وبُعدها عن إعادة تقييمٍ شاملٍ للحركة ووجود الفريق الانقلابي الأثر البالغ في تعرض الحركة لهذا الزلزال الذي خسرت بموجبه الثورة عامة والحركة خاصة صبغة الأخضر للشمال المحرر واتشاحه بالسواد! بعد حالة من الضياع المؤقت بدأت الحركة تستعيد توازنها بعد الاعتداء الذي ينطبق عليه قوله تعالى: "لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم"ـ. فكانت لهذه الحادثة الأثر البالغ في تبلور ما كانت القيادة غير قادرة على ركْزِه في صفوف الحركة وهو التردد العملي والممارساتي ضد الغلو والخوارج والاستعداد لمواجهته حتى عسكريا، وإن كان هذا التغير لم يستغرق جميع عناصر وألوية ومناطق وجودها، إلا أن الحركة تمكنت من بلورة النواة.

لقد كان للتعاون الذي جمع الزنكي وأحرار الشام أثر بالغ في ذلك خاصّة مع صمود الزنكي في اعتداء "تحرير الشام" الأول عليهم وإفشاله، ومن ثم التحالف الذي قامت به حركة أحرار الشام الإسلامية وحركة نور الدين زنكي "جبهة تحرير سوريا" لمواجهة استحقاقات الثورة القادمة بما فيها اعتداءات "تحرير الشام". فكان ذلك رفعا للمعنويات وكسرا للحاجز النفسي. وترافق ذلك مع إتيان قيادة جديدة "لأبي البراء حسن صوفان" الذي كان بعيدا عن الصورة السلبية التي ارتسمت في أذهان كوادر وعناصر وجنود الحركة عن القيادة التي يعتبرونها السبب في كل ما جرى للحركة من أزمات وزلازل. فكان لهذا أثره البالغ في ارتفاع معنويات الشباب بتغير نمط القيادة، إلا أن قيادة الأخ حسن كانت مساهمة بشكل إيجابي محدود لعدّة اعتبارات لا يمكن سردها والحديث عنها الآن، وهذه المحدودية إذا أردنا إعطاءها نسبة من تأثيرها في تغير الواقع وعودة القوة لفصائل الثورة وانكسار شوكة تحرير  الشام التي كانت بمثابة أزمة لشباب الثورة خوفا من الاحتراب الداخلي؛ فإن نسبة مساهمة قيادة الأخ حسن في هذا النجاح ربما تصل 15% أو 20% بأحسن تقدير، ونسبة مثلها تعود إلى الانتفاضة التي قدمها قسم من جنود الحركة الأبطال وكسرهم حاجز خوف المواجهة مع إخوانهم في الزنكي. وأما النسبة الأكبر في هذا النجاح فإنه والذي لا إله إلا هو محض توفيق الله ورحمته وفضله لحكمته وتدبيره.

وبدأت الحركة الطيبة تؤتي أكلَها رغم الجراح مرة أخرى بإذن ربها وكان لفروع الحركة في القطاعات البعيدة سابقاً، الدور الأكبر فكان دور الحركة المركزي في صد التقدم النصيري الطائفي في حمص أكثر من ستة أشهر محور حربنفسه وكفرلاها والحولة. وأبطال الحركة في الغوطة وقيامهم بمعركة "بأنهم ظلموا" على إدارة المركبات دامت أربعة أشهر، والمشاركة في عمليات غصن الزيتون وتحرير عفرين. والمساهمة الفاعلة في تأسيس الجيش الوطني لسوريا الحرة بتأسيس الفيلق الثالث ثم الفيلق الرابع. فعادت الحركة تؤتي أكلها بإذن ربها والحمد لله رغم التقصير والأخطاء الجسيمة التي قدّم قائد الحركة الأخ حسن صوفان اعتذارا رسميا في أحد خطاباته الموجهة إلى العموم عما ارتكبته الحركة في السابق من أخطاء وتردد والحمد لله على منه وفضل.

.

واليوم تنهض الحركة بعد كل ما مرّ بها لتساهم بما انطلقت به في ميثاقها من مشاركة شعبها في تحرير سوريا من الاحتلال بعد تحرّره من الدكتاتورية رغم الألم والدماء والأشلاء، وهي تمضي باتجاه معروف واضح المعالم لا كما يزعم البعض بأنه غير موجود، وسيبقى جنود وكوادر الحركة ومحبوها وشركاؤها وأصدقاؤها ومنافسوها الشرفاء من أبناء سوريا يداً واحدة حتى بلوغ أهداف ثورة هذا الشعب المسكين. وسيأتي اليوم الذي نخط سفرا عظيما لهذه الثورة نكتب فيه ونوثق الثورة بكل تفاصيلها، ومن ضمن هذا السفر كتاب مضيء بعون الله وفضله باسم "حركة أحرار الشام الإسلامية" وفق الله قادتها وجندها ومفكريها ومشايخها لما فيه الخير.

إننا اليوم نريد أن نبني جيش سوريا القادم باسم سوريا لا باسم أي فصيل، ونريد أن نبلور مرجعيّة ثورة شعبنا العظيمة بشكل موحّد بإصلاحات جذرية في مؤسساتنا الثورية مع الحفاظ عليها وعدم السماح لأي جهة أن تهدمها، كما نريد اليوم في أحرار الشام أن نعيش في وسط شعبنا جماعة رحيمة تدعو إلى سبيل ربها وتمارس العمل الاجتماعي والسياسي والفكري بمسؤولية وتطمح لأن تقدم نموذجها لشعبها البطل الذي يستحق كل خير ونحن جزء منه وكوادرنا أبناؤه. نسأل الله أن يستعملنا في طاعته وأن يهيئ لنا من أمرنا رشداً. والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

 

كتبه: م. حسام طرشة

مدير العلاقات الخارجية ـ الجناح السياسي

حركة أحرار الشام الإسلامية

الخميس

8 رمضان 1439هجري

5 مايو 2018 ميلادي