JustPaste.it

ثانيا إثبات أن كل حادث لابد له من محدث قديم:
من الضروريات العقلية التي لا خلاف فيها بين العقلاء أن لكل حادث سبب [1]، يفسر لماذا وقع هذا الحادث ولما كان على هذا النحو، ووجود هذا القانون الذي يحكم المادة ليس منوطا بإدراكنا له، فسواء آدركناه أو لم ندركه سيبقى قانونا ثابتا، فعدم معرفتنا بوجود سبب لحادث ما ليس دليلا على عدم وجود هذا السبب.
وجميع البحوث العلمية إنما قامة لتكشف الستار عن قانون السببية بين الأشياء المادية-لكل حادث محدث- فمطلوبات العلوم جميعها، ما هي إلا أحداث لا تعلم أسبابها، ولولا ذلك ما كان هناك شيء اسمه البحث العلمي.
ولا يستطيع أحد أن يثبت خطأ قانون السببية، فبدونه تنعدم جميع الأشياء الحية. والعقل البشري لا يستطيع أن يعمل إلا على أساس السببية.
فمبدأ السببية قامت عليه المعارف البشرية البدائية والمعقدة على حد سواء ولا ينكر ذلك أحد من العقلاء.

أولا أدلة مبدأ السببية

• الدليل الفطري على مبدأ السببية :
مبدأ السببية القائم بلزوم علة لكل حادث من مبادئ الذهن الأولى المدَبِّرة له، فكل إنسان يستخدمه وربما لا يعرفه في حالته الابتدائية أي يستخدمه من حيث لا يشعر، ولولا مثل هذه المبادئ لما تقررت أي حقيقة في الأذهان.
وقد أشار ابن حزم لبعض البديهيات و العلوم الضرورية التي يستوي فيها الجاهل و العالم والصغير و الكبير فيقول:« إن الصبي الصغير في أول تمييزه يعلم بأنه لا يكون فعل إلا لفاعل فإنه إذا رأى شيئا قال من عمل هذا ولا يقنع البتة بأنه العمل دون عامل وإذا رأى بيد آخر شيئا قال من أعطاك هذا» [4] وكذلك فإن الصبي الصغير إذا سمع صوتا يتجه بصره نحو مصدره، موقنا أن لهذا الصوت سببا، بل حتى الحيوانات تخضع هي الأخرى لهذا المبدأ.
وهو مبدأ لا يتوقف البرهان عليه بالاستقراء فقط، فالعلم بأن الكتابة لابد لها من كاتب لا يتوقف على العلم بأن كل كتابة قد صدرت عن كاتب، فالعلم بالقضية المعينة المخصوصة قد يكون أظهر من العلم بالقضية العامة الكلية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :«واعلم أن علم الإنسان بأن كل محدث لا بد له من محدث أو كل أثر فلا بد له من مؤثر، ونحو ذلك من القضايا الكلية والأخبار العامة، هو علم كلي بقضية كلية، وهو حق في نفسه، لكن علمه بأن هذا المحدث المعين لا بد له من محدث، هو أيضا معلوم له مع كون القضية معينة مخصوصة جزئية، وليس علمه بهذه القضايا المعينة المخصوصة موقوفا على العلم يتلك القضية العامة الكلية، بل هذه القضايا المعينة قد تسبق إلى فطرته قبل أن يستشعر تلك القضايا الكلية، وهذا كعلمه بان الكتابة لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له من بان، فإنه إذا رأى كتابه معينة علم أنه لا بد لها من كاتب، وإذا رأى بنيانا علم انه لا بد من بان، وإن لم يستشعر في ذلك الحال كل كتابة كانت أو تكون أو يمكن أن تكون» [5] ويقول أيضا :« فإنه قد يكون علم الإنسان بالحكم في أعيانها المشخصة الجزئية أبده للعقل من الحكم الكلي ولا تكون معرفته بحكم المعينات موقوفة على تلك القضايا الكليات ولهذا كان علم الإنسان أنه هو لم يحدث نفسه لا يتوقف على علمه بأن كل إنسان لم يحدث نفسه ولا على أن كل حادث لم يحدث نفسه بل هذه القضايا العامة الكلية صادقة وتلك القضية المعينة صادقة والعلم بها فطري ضروري لا يحتاج أن يستدل عليه» [6].
إذا تبين لنا من كلام ابن حزم وكلام ابن تيمية أن مبدأ السببية قائم على العلم الضروري البديهي الذي يتفق عليه العقلاء في كل الأزمنة والأمكنة.



• الدليل العقلي :
1 - إن كل حادثة ممكنة الوجود، ومعنى الإمكان أن الوجود والعدم بالنسبة إليها متساويان، فلكي توجد الحادثة، لابد أن يترجح وجودها على عدمها. ولا بد في رجحان الوجود على العدم من مرجِّح لاستحالة ترجح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، وهذا المرجح هو العلة، إذن فكل حادثة لها علة.
2 – الاستقراء : والاستقراء هو تتبُّع الجزئيات كلها أو بعضها للوصول إلى حكم عام يشملها جميعا، أو هو انتقال الفكر من الحكم على الجزئي إلى الكلي الذي يدخل الجزئي تحته [9].
وباستخدام هذه العملية التجريبية على العالم نلاحظ أن جل جزئياته خاضعة لقانون السببية فإما أن تكون علة أو معلولة .