ثالثا الأدلة النقلية على حدوث الكون :
لقد امتاز المنهج الإسلامي مقارنة مع باقي الفلسفات التي سبقته -الفلسفة اليونانية والإغريقية- بسبقه إلى القول بحدوث العالم، فقد كان الاعتقاد السائد قبل ظهور الإسلامي بقدم العالم وقِدم مادته، فلما جاء الإسلام، ودون حدوث أي تطور علمي يستوجب نقض الفكرة الفيزيائية اليونانية قال هذا الفكر مستهدياً بالوحي السماوي: إن العالم محدَث مخلوق وليس قديما، ثم جاء الفكر العلمي المعاصر ليؤكد هذه الحقيقة من خلال القول بوجود لحظة ابتداء للكون.
فيكفينا كمسلمين، أن نستدل على حدوث الكون بكلام الله عز وجل، لأنه يعلم السر وأخفى، وعنده مفاتيح الغيب وأسرار الكون، وسأعرض جملة من الآيات التي لطالما قرأناها ولم نتبين سرها وعظمتها لأنها أُلقِيت بأوجز عبارة وألطف إشارة، فلا يدركها إلا أربابها، وقد جمعتْ هذه الآيات بين قوتين مثينتين، فاستحال نقضها أو زعزعتها، لقد جمعتْ بين الدليل الرباني الشرعي القاطع والدليل العقلي الساطع، وكما يذكر ابن تيمية، أن مثل هذه الآيات التي تضم كلتا مصادر معرفتنا هي أدلة شرعية عقلية، فكانت بحق تحديا للذين زعموا خلو القرآن من الأدلة العقلية، ولم تقتصر على مخاطبة أهل الاختصاص، بل خاطبت العالم والعامي في بيان موجز وعبارات محكمة، يعجز البشر على الإتيان بنظيرها.
ولنتأمل في الآيات التالية التي تقرر في بعضها أن المخلوقات مسبوقة بالعدم، وفي البعض الآخر أنها تقبل الوجود والعدم، وكلاهما يشيران إلى الحدوث والافتقار إلى المحدِث، يقول تعالى:
• أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [1]
• أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [2]
• هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [3]
• وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [4]
• فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا [5]
• وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [6]
• تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [7]
والآيات الدالة على حدوث الكون عديدة، أكتفي بما ذكرته لدلالته على المطلوب.
وهكذا أكد كلام رب العالمين على حدوث الكون بآيات باهرة معجزة، نزلت على الرسول الأمي قبل أزيد من أربعة عشر قرنا، وتحدى بها كفار قريش ولا زال التحدي قائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.