JustPaste.it

ثانيا بطلان التسلسل والدور :

كثيرا ما احتج الملاحدة بوجود سلسلة لا نهائية من الحوادث، أو أن هذا الكون مستمر بحكم التفاعل الذاتي الذي لا أول له زعما منهم أن هذا دليل لنفي وجود الله عز وجل.

ونتيجة انتكاسة فطرهم لم يستطيعوا إدراك بطلان التسلسل والدور.

لذلك كان من الواجب تخصيص هذه الفقرة لإبطال زعمهم، تحقيقاً للحق وإبطالاً للباطل.

أ - بطلان التسلسل:

التسلسل[1] هو استناد وجود الممكن إلى علة مؤثرة فيه، وتستند هذه العلة إلى علة مؤثرة فيها، وهي إلى علة ثالثة مؤثرة فيها، وهكذا تسلسلاً مع العلل دون نهاية، يقول ابن تيمية :«ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات، وهو أن يكون للحادث فاعل وللفاعل فاعل، وهذا باطل بصريح العقل و اتفاق العقلاء» [2]. 

ونستدل على بطلان التسلسل اللانهائي من وجوه :



الوجه الأول:

إن الموجودات بأسرها إما أن تكون واجبة الوجود أو ممكنة الوجود أو ممتنعة الوجود، فأما الأول فباطل لأنا نشاهد في العالم ما يحدث بعد أن لم يكن والواجب بنفسه لا يسبقه العدم، والثاني باطل أيضا لان ممكن الوجود هو الذي يمكن وجوده وعدمهن أي هو الذي يسبقه العدم، وما سبقه العدم لا يستطيع إيجاد نفسه، فوجب وجود موجود لم يسبقه العدم افتقرت إليه الموجودات جميعها، أما الثالث فهو باطل لأن العالم موجود، فما وجد لا يكون ممتنع الوجود.

فلزم لبطلان هذه الأقسام الثلاثة أن يكون بعضها واجبا وبعضها ممكن.

وإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة وليس كلها ممكنا ولا كلها واجبا دل ذلك على انتهاء التسلسل وبطلان لانهائيته. 


الوجه الثاني :

كل ممكن الوجود لا يوجد إلا بموجب يجب به وجود لأن الممكن كان مسبوقا بعدمه وهو مفتقر في وجوده إلى واجب الوجود الذي لا يسبقه العدم، والممكن لا بد لرجحان وجودها من مرجح واجب الوجود. [3]






الوجه الثالث :

الممكنات لا توجب الوجود بنفسها، فلا بد للممكن الذي يقبل الوجود والعدم من موجود ليس بممكن، ثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره وليس كل موجود وجد بنفسه لأن منها المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها ، فثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وما هو موجود بغيره، والموجود بنفسه هو الواجب و الموجود بغيره هو الممكن، فسقطة بذلك دعوى التسلسل اللانهائي.[4]



الوجه الرابع :

لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة، فكل واحد منها حادث لا محالة. وعند ذلك فلا يخلو : إما أن يقال بأنها أزلية وهو محال لأن الأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم، أو يقال بأنها ليس أزلية وهو المطلوب ، ويلزم من قول عدم أزليتها وعدم وجود واجب الوجود الأزلي بالقول بعدم وجودها، فبحكم العقل، العدم لا يعطينا وجودا وفاقد الشيء لا يعطيه، فتبين أن هذا القول خلاف المشاهد، فهذه العلل والمعلولات كل منها يكون مسبوقا بالعدم، فمجموعها مسبوق بالعدم، فوجب أن يكون لوجودها أول تنتهي إليه، فلو قيل لأحد لن أعطيك درهما إلا وقبله درهم لكان الإعطاء محال، كذلك الحال بالنسبة لمجموعة من الأصفار التي لا تكتسب قيمة إلا إذا كان عدد بين الواحد والتسعة على يسار هذه الأصفار، فالصفر يستمد القيمة من الصفر الذي إلى يساره، وهو أيضا إنما يستمد القيمة العددية من الصفر الثالث فالرابع فالخامس ... إلى أن تنتهي الأصفار برقم عددي كالواحد فما فوق. فهذا الرقم هو الذي يملك قيمة ذاتية في داخله، وهو الذي يضفي الحياة والقيمة على الأصفار المتسلسلة التي عن يمينه. فلو فرضنا أن سلسلة الأصفار لم تنته إلى رقد عددي يملك قيمة ذاتية، فهي أصفار خالية عن قيمة بل عن أي معنى الوجود.

وافتراض التسلسل اللانهائي فيها لا يغير من طبيعة الحال ولا يجعل لها أي قيمة

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:«وإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء، فتكون الموجودات كلها معدومات»[5]. ويقول أيضا : «مهما قُدِّر من الممكنات التي ليست متناهية، فإنه ليس واحد منها موجودا بنفسه، بل هو مفتقر إلى ما يُبدعه ويُفعله... فإذا قدر ممكنات متسلسلة كل منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم، والوجود موجود محسوس، فعلم أن فيه ما هو موجود بنفسه ليس وجوده من غيره»[6] .





الوجه الخامس

قد يُقال: لما لا يجوز تطبيق مفهوم اللانهاية على العالم المادي، ذلك أن هذا المفهوم يتم تطبيقه فكريا، فمثلا: الذهن يقبل بفكرة عدم وجود نهاية للأعداد الرياضية حيث كلما تصورنا عددا إلا وكان بالإمكان أن نتصور عددا آخر يُضاف إليه ومادام هذا التصور ممكن عقلا، فلما لا يكون أيضا بالإمكان عقلا أن يكون تكون الكون عملية مستمرة على نحو لا نهائي.

أقول : إن مفهوم اللانهائية لا يجب تنزيله على الظاهرة المادية وهذا هو مايقوله علماء الرياضيات أنفسهم فالعالم الرياضي الشهير دافيد هلبرت يقول :" إن اللانهاية لا توجد داخل الطبيعة... إن دورها الوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة"[7].

ونلاحظ التناقض الكبير عند محاولة تطبيق هذا المفهوم على العالم المادي ذلك أن العدد اللانهائي هو العدد الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان.

وأضرب لذلك مثلا، ففي علم الرياضيات نحن مضطرين أن نقبل بالنتيجة التالية:

∞ - 1 = + ∞ +

وأبسط هذه المعادلة بمثال بسيط :

لو فرضنا أن مكتبة ما، تحتوي على عدد لانهائي من الكتب وجاء قارئ وأخذ كتابا من هذه المكتبة، بديهيا المكتبة قد نقص منها كتاب، لكن رياضيا نحن مضطرين للقول بأن المكتبة لم ينقص منها كتاب لأنه يبقى دائما لانهائيا حتى لو أخذنا منها مليون كتاب.

بل والذي يضعنا في تناقض صارخ هو أننا لو فرضنا دخول عدد لانهائي من القراء وكل قارئ أخذ كتابا، فلن نستطيع القول أن المكتبة قد نفدت كتبها، فالعدد اللانهائي لا يقبل الزيادة ولا النقصان .

نستخلص من هذين المثالين أن مفهوم اللانهاية مفهوم لا يجب تنزيله على الظاهرة المادية الواقعية. 

وهذا ما أشرت إليه آنفا في قولة عالم الرياضيات دافيد هلبرت :" إن اللانهاية لاتوجد داخل الطبيعة... إن دورها الوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة".


وحتى الملحد دفيد هيوم يقول بصريح العبارة :"إن عددا لانهائيا من مراحل الزمن التي تتوالى يبدو مجرد فكرة متناقضة، وهي فكرة لا يوجد إنسان يقتنع بها دون أن يكون في اقتناعه يفكر على نحو فاسد مختل "[8].