الدولة العسكرية .. على عرش مصر

د طارق عبد الحليم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد

لا يشك عاقل اليوم، في الذكرى الخامسة للثورة الموؤودة في 25 يناير 2011، أنها قد ماتت، ورحلت عن عالمنا، سواء عند من اعتبرها ثورة جياع، أو من رآها ثورة اجتماعية، أو من صنفها على أنها ثورة إسلامية! فالكل مجمع على نهايتها، إلا من نُزع منه العقل وعاش في رحاب الوهم والتمني.

ولا شك أن من استقر على عرش مصر اليوم هو الجيش. جيش مصر، بلا منازع، وعلى رأسه السيسي، ومجلسه العسكريّ.

وقد ظهرت إرهاصات هذا التحول منذ 14 فبراير 2011، حين إلقاء البيان العسكري الأول، عقب تسليم مبارك للسلطة للعسكر، يديرون البلاد ويروضون العباد كما يرونه مناسباً.

وكانت خطة محكمة، بارعة، أسلمت السلطة بعد عام ونصف، صوريا، لمرشح الإخوان، بعد أن هيأت الأجواء، إعلاميا ودوليا وعسكريا وشعبيا، لانتزاعها منه بعد عام واحد لا غير.

تمّ ذلك كله، والشعب في غيبوبة، أكثرهم قد انجرف بالدعاية الهائلة ضد محمد مرسي، فكرهوه، وكرهوا معه الدين كله.

ونشأت في كهوف الانتفاضة حركات انتفاعية، تعاملت مع الغرب، على أمل أن يعينها على حصة في الوضع الجديد، مثل حركات كفاية و6 أبريل. وهي حركات قياداتها علمانية لا تؤمن بقوامة دين الإسلام على الحياة. وكانت خطة الغرب مع ؤلاء هو إشغالهم بالدولارات، وببعثات التدريب، ثم بسحب رؤوسهم للعمل في مؤسسات غربية كبيرة، لتبقى حركاتهم جسدا بلا عقول، وإسما بلا كيان.

أمّا "الإسلاميون"، فكانوا إمّا الإخوان، المغضوب عليهم، رغم تنازلهم عن كلّ ثابت من ثوابت هذا الدين، وتسليمهم كافة الأوراق لأمريكا، ورضاهم بدولة علمانية، وقبولهم للعب داخل الصندوق الديموقراطيّ، حيث وقعوا في فخاخ العسكر حين قلوا الدولة العميقة ومؤسساتها أن تظل في الحكم. وفرحوا بأن ثورتهم "بيضاء" لم يرق فيها دم، إلا دم بعض الثوار، الذين حياهم محسن الفنجري يوما!

ومن الإسلاميين بعض الجماعات التي استسلمت من قبل ذلك، كالجماعة الإسلامية، حيث ركعت على ركبتيها أمام المد العسكريّ، بعد تراجعاتها الفكرية، وتمثل ذلك، في بأسوأ أشكاله، في ناجح إبراهيم، العميل المخابراتيّ، ثم ما أسموه حزب البناء والتنمية الذي تبنى الخطاب العلماني، وجعل بينه وبين الإسلام سداَ منيعاَ!

ومنهم الدعوة السلفية، التي مرق قادتها من الدين مروقاً، كياسر رهامي وعبد المنهم الشحات وخنفس السلفية نادر بكار ويونس مخيون، وبقية الشلة الخاسرة. وهؤلاء خلعوا الربقة علنا، ووالوا الشيطان طاعة وسمعاً، فكفروا بعد إسلامهم.

ومنهم من نافق نفاقا أكبر مثل محمد حسان ومحمد كريمة والطيب وعلى جمعة، وهؤلاء القرود المتمسحين بعباءات وعمم.

والأقلية المسلمة التي ثبتت على قوامة دينها، لم تكن تنتمي لأي جماعة أو تنظيم. بل منهم من يعمل بالدعوة مستقلا، أو في تجمعات صغيرة محلية. ومن هؤلاء من خرج من السجون في عام محمد مرسي اليتيم، فقام بحراك بلا تنظيم ولا ترتيب.

وفي هذا الواقع، حاولنا، الشيخ الحبيب د هاني السباعي والعبد الفقير إلى الله، أن نبدأ تحركاً مضاداً للسيطرة العسكرية الظاهرة، التي كتبنا عنها مجلداتٍ، ومضاداً للحركة الإخوانية المقعدة عقدياً وسياسياً. لكن العسكر كانوا أسرع من أيّ محاولة مهما صدق القائمون عليها.

تحولت مصر في 30 يونيو 2013 إلى ولة عسكرية بكل معاني الكلمة، أقرب مثال لها كوريا الشمالية، مع فارق كمّ الفساد الحكومي والعسكري الذي تخطى في مصر أي نظام فاشي عسكري في التاريخ الوسيط والحديث، كالصين وروسيا اللينينية.

تحولت مصر إلى ثكنة عسكرية، لا كلمة فيها إلا لعسكريّ، أو موال لعسكريّ. لا حق لفرد فيها كفرد مصريّ، ولو كان علمانيا أو ملحداً، إلا إن انتمى للعسكر بشكل ما، كعواهر الفن، وقضاة السوء وإعلاميي الكذب والبهت. أما المسلمون، فهم مجرمون ابتداء، بالهوية، أما المسلمون، فهم مجرمون ابتداء، بالهوية، أينما عرف عنهم إسلام، أو حديث عن إسلامٍ مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مطارد، مدان، محكوم عليه بالهلاك، قبل أن يعتقلوه!

هذا هو ملخص المشهد السياسي في مصر، إن صح أن يُقال إن هناك سياسة أصلا في ذلك البلد التعيس.

كيف الخلاص؟ لا يعلم ذلك إلا الله. فالقوة العسكرية في أوجها. و"الإسلاميون"، ونعنى بهم من يرى قوامة الدين على الحياة، داعية كان أو عاميا، فردا كان أو جماعة، لا قوة لهم البتة. والمنافقون والمنبطحون أكثر من رمل الصحارى، يمنون الناس بأحلام عن العدالة الاجتماعية والفقر والبؤس. وهم يعلمون أنّ هذا ليس مدخلا لدين الله، ولا منبعا لنصر الله. فهم فيه والملاحدة سواء.

جيل مصر اليوم هو جيل الاستبدال، كما كتبنا من قبل. ومع وجود القلة المسلمة، فإن الله سبحانه لا يبدل سننه في التغيير الاجتماعيّ "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

لابد من أن يستبدل جيل تربى على فكر السلمية وعقيدة الإخوان. لا بد أن تزول أمثال الجماعة الإسلامية التي انبطحت على ظهرها وأسلمت شرفها للعلمانيين والملاحدة، وتبعتهم راضية. لابد أن يزول أمثال محمد حسان، ومن يستمع له، وهم ملايين من البشر، جاهلين أو غير جاهلين. هذا جيل يجب أن يزول. وسيزول ببقاء العسكر على رأسهم نصف قرن من الزمان. فغير ذلك كلام لا حقيقة فيه ولا خير منه "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون".

سيقول البعض، بل الكثير، هذا تشاؤم! فندعهم ووهمهم يعيشون عليه، فلا ضرر منه على الحقيقة، فهم ممن يستبدلون بلا شك. نعلم أنّ هذه سنة الله في الأرض. أكثرية بعيدة عن دين الله، الحق، لا يشفع لها الفقر والجهل والمرض. بل تلاقي مصيرها، بعد أن تخلى خاصتها عن دعوة الحق، إما انتكاسا أو نفاقا.

د طارق عبد الحليم

25 يناير 2016 – 16 ربيع ثان 1437



Created: 26/01/2016
Changed: 26/01/2016
Visits: 485
Online: 0