بسم الله الرحمن الرحيم


مجموعة نخبة الفكر تقدم

(تحذير المجاهد من تفجير المساجد)

للشيخ/ أبي المنذر الشنقيطي

 

/files/justpaste/d251/a10007224/i-8196007efb1.png

WV8P68.gif

 

 

تقديم الشيخ أبو محمد المقدسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد..

 

فإن مما ابتُلي به التيار الجهادي في زماننا التصاق كثير من الأدعياء من طرفي الغلو والتفريط به والقفز إلى قاطرته من غير أبوابها؛ ثم ادعاؤهم أنهم أهله الأوفياء له، وقيادته الحريصة على توجيهه إلى سبيل رشاده، ومن سواهم ولو كانوا من أهل السبق والعلم هم أدعياء الجهاد، بل وأعداؤه؛ ولذلك يجب تنحيتهم من سدة التوجيه بتخوينهم وتشويههم وإسقاطهم، أو بقتلهم واغتيالهم؛ فكل من نصح للجهاد وحرص على تنقيته من شوائبهم هاجموه وشتموه وحاربوه وبهتوه، وكأنّ الجهاد جهادهم وحدهم، والإسلام هو إسلامهم، وأما إسلام غيرهم فشرك وردة وصحوات! ثم كرّوا على الجهاد فشوهوه وأدخلوا فيه وسائل أهل الإجرام من تمثيل ليس من ديننا، وتحريق نهى عنه الشرع، وعدوا على أعراض المجاهدين ونسائهم المحصنات فقذفوها وهدد سفهاؤهم بسبيها، ثم جاء دور مساجد المسلمين الآمنة التي علّمنا رسولنا أن نؤمّن فيها حتى الكفار الذين آذوه وعذبوه هو وأصحابه واضطروهم للهجرة من أحب البلاد إليهم؛ فقال يوم أن فتح مكة (ومن دخل المسجد فهو آمن)؛ فبدلًا من أن يقتدي به هؤلاء فيؤمّنوا من دخل المساجد؛ كرّوا على المساجد التي تمتلئ بالركع السجود فجعلوها أماكن لتصفية الثارات، ولتحقيق انتصارات إعلامية مضخّمة وسهلة، فالمساجد ليست أهدافًا عسكرية يحتاج تفجيرها إلى دهاء عسكري؛ فهي أماكن مكشوفة مُفتّحة الأبواب ليل نهار؛ يدخلها الصغير والكبير خمس مرات باليوم، فاختارها الجبناء الذين عجزوا عن الأهداف الأنكى ليحققوا فيها أهدافًا إعلامية سهلة؛ ينكأ بها شيوخ ركّع ومصلون خشّع، وتختلط فيها الدماء والأبشار بالمصاحف والأسفار، ولما أنكر عليهم علماء الأمة ودعاتها وعقلاؤها؛ جاؤوا بشبهات سخيفة تدل على جهلهم وسفاهتهم؛ فمنهم من استشهد بتحريق النبي لمسجد الضرار الذي أُسس ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله، ولو تنزلنا معهم أن المساجد التي استهدفوها ضرارا؛ فنسألهم: وهل هدم رسول الله مسجد الضرار وحرقه على أهله؟ أم حرق البناء وحسب حتى عاش إمامه إلى خلافة الفاروق ورفض الفاروق أن يوليه إمامة الصلاة، ومنهم من شنّع علينا حين أنكرنا تفجيرهم أنفسهم في الحسينيات؛ وقلنا أن هذا عمل لا تنطبق عليه شروط العلماء الذين أجازوا تفجير النفس في العدو واشترطوا أن تكون المفسدة المدروءة بهذا العمل كلية ضرورية قطعية وتركها يعود بشر عظيم على أهل الإسلام أو استئصال للطائفة المسلمة ونحو ذلك من شروط؛ وأننا نحزن ونبكي على شباب المسلمين الذين يُغرّر بهم ويُزجّ في أعمال انتحارية لا استشهادية؛ فجعلونا متباكين على الروافض وحسينياتهم كعادتهم في تزوير الحقائق وتسمية الأشياء بغير مسمياتها لتبشيعها والتنفير منها ومن ثم التكفير بها. ولا يرفعون رأسًا بما نبههم إليه إخواننا في اليمن من كون المساجد التي فجّروها هناك مختلطة يصلي فيها أهل السنة مع الزيدية، ولا يقيمون وزنًا لقاعدة سد الذرائع التي تضافرت أدلة الشرع على تقريرها، فلا تهمهم مفسدة ردود فعل من يفجرون مساجدهم بتفجير مساجدنا، فهم قوم لا تهمهم دماء المسلمين بقدر ما تهمهم الانتصارات الإعلامية والإصدارات (الهوليودية).

 

أسأل الله تعالى أن يهديهم سواء السبيل.

 

ثم أما بعد؛ فهذه مسألة خطيرة استخفَّ بها هؤلاء القوم؛ استحقت أن يفرد لها أخونا الحبيب والشيخ الفاضل أبو المنذر الشنقيطي -حفظه الله تعالى- رسالة خاصة يحذر فيها المجاهد من تفجير المساجد، ويبين أن حق المساجد التعظيم والتأمين والتطهير، ويذكر المفجّرين لها بذكرى تنفع من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. والشناقطة معروف تحقيقهم وتدقيقهم وتحريرهم لمسائل العلم؛ فجاءت رسالته متكاملة تنصح للمجاهد، وتقيم الحجة على المعاند، وتعصم دم الراكع والساجد؛ فأسأل الله تعالى أن يجزيه أعظم الجزاء على صدعه بكلمة الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم أو بهتان شاتم والله أسأل أن يتقبل منه ما يكتبه نصرة للحق المبين وأن يختم لنا وله بأحب الأعمال إلى الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

وكتب أبو محمد المقدسي 19 من ذي الحجة 1436هـ

***

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

المساجد بيوت الله في الأرض، و أحب البقاع إليه ، وهي ملتقى الصالحين، ومنارة الهدى للتائهين، وفيها تهبط الرحمات، وتتنزل السكينة والبركات ، وتقام العبادات والقربات ، و يردد التكبير والسبحات..

 

قال الإمام أبو العباس القرطبي : ("أحبّ البلاد إلى الله مساجدها" أي أحب بيوت البلاد، أو بقاعها، وإنما كان ذلك لما خُصَّت به من العبادات، والأذكار، واجتماع المؤمنين، وظهور شعائر الدين، وحضور الملائكة). [1]

 

وفي المساجد تنهل النفوس الظامئة من معين الهدى ،وتقتات على مائدة العلم والحكمة والإيمان..

 

وهي منبع رسالة الإسلام، ونشر تعاليمه وتبليغ منهجه، فكم اهتدى فيها من ضال ، وكم تخرج منها من عالم صادع بالحق، ومجاهد بطل مغوار ، وكريم منفق في سبيل الله .

 

وقد نوه الله تعالى بمنزلتها ومكانتها فقال : { فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والأصال } [ النور : 36 ] .

 

ولما كانت المساجد بهذه المنزلة العظيمة كان واجبا على كل مسلم محبتها وتقديرها واحترامها والنظر إليها بعين التعظيم والإكرام ، فالمساجد من شعائر الله، وتعظيمها من تعظيم شعائر الله وتعظيم حرماته. وقد قال تعالى : {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30]، وقال: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

 

قال العلامة السعدي -رحمه الله- : (فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب؛ فالمعظم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله).

 

كان السلف يعظمون حرمات الله تعظيما شديدا حتى إن بعضهم كان يستنكر تصغير أي اسم ورد في القرآن غير مصغر !

سمع سعيد ابن المسيب من ينشد بيتا لعمر بن أبي ربيعة يصف فيه الليل ويقول :

 

وغاب قمير كنت أرجو غيابه *** وروح رعيان ورقد سمر

 

فقال سعيد بن المسيب : قاتله الله! صغر القمر والله عظمه في القرآن فقال: { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } [يس:39] وقد قال تعالى: { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } [الحج:30].

 

وقد نبه الله تعالى على وجوب تعظيم المساجد في قوله :{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } [النور:36] أي: ترفع حساً ومعنىً، بإعلاء مكانتها في القلوب، وتمييزها عن سائر البقاع حتى تصبح أقدس الأماكن عند الناس ..

 

ولهذا نص أهل العلم على منع كل ما قد يكون سببا في امتهان المساجد أو النيل من حرمتها ، وبالغوا في ذلك حتى منعوا اتخاذ الآبار في المساجد .

 

قال ابن نجيم :(ولا يتخذ في المسجد بئر ماء لأنه يخل بحرمة المسجد). [2]

 

ثم إن الله تعالى جعل حماية المساجد والدفاع عنها من أهم مهمات الجهاد ومن أعظم مقاصده ، و بين ذلك القرآن في قوله تعالى : {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } [الحج: 40]

 

قال العلامة السعدي تعليقا على هذه الآية : (ودل ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين وببركتهم، دفع الله عنها الكافرين). [3]

 

لقد كانت المساجد هي البيوت التي يتربى فيها المجاهدون، ومنها إلى ساحات الجهاد ينطلقون ، فيدكون معاقل الشرك والوثنية ويقتلون ويقتلون.

 

وكان المجاهد الذي تربى في المساجد يشعر بحرمتها ومنزلتها العظيمة وتثور ثائرته وهو يرى أعداء الله يدنسونها وينتهكون حرماتها بإغلاقها في وجه المصلين أو بمنع الوعظ والإرشاد فيها، أو باعتقال المصلين أو رميهم بمسيلات الدموع ..

 

أما اليوم فقد ظهر قوم ينسبون أنفسهم إلى الجهاد وهم لا يقيمون وزنا لبيوت الله ولا يرعون لها حرمة ،ولا يجدون حرجا في هدمها وتخريبها بدلا من حمايتها وتشييدها !

 

وهم لا يستهدفون المصلين بالاعتقال أو بمسيلات الدموع كما يفعل الكثير من جند الطاغوت ، بل يستهدفونهم بالقتل والإبادة !

 

ولا يستهدفون المساجد بالإغلاق أو منع النشاط الدعوي فيها ، بل يستهدفونها بالنسف والتفجير!

 

كأنهم غرباء على المساجد لم يعرفوها ولم يألفوها !

أو كأن بينهم وبينها ثأرا قديما !

 

إنه لمن عمى البصيرة أن يلتبس على بعض الناس ما تجب محاربته من أماكن الشرك والتنديد بما يجب تعظيمه وحراسته من أماكن العبادة والتوحيد !

 

ومما يدعوك للدهشة أن ترى بعض الحكام المبدلين لشرع الله يقرون بوجوب تعظيم المساجد وتوقيرها ويحاولون دائما أن يظهروا بمظهر الحامي لها والمدافع عنها.. وفي الوقت نفسه ترى بعض من ينسب نفسه إلى الجهاد يتخذها غرضا لأهدافه ، ولا يقيم لها حرمة ولا يرعى لها منزلة !

أليس من العجب أن يظهر الحكام المبدلون لشرع الله أكثر حرصا على تعظيم شعائر الله من بعض المنتسبين إلى الجهاد؟

 

***

 

إن هؤلاء الذين خيل إليهم أن تفجير المساجد قربة وطاعة لله، وجهاد في سبيل الله ، لم يتأملوا قول الله تعالى :{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [البقرة: 114]

 

فظاهر هذه الآية بين في أن السعي في تخريب المساجد من أعظم الذنوب وأشنعها ،وأنه لا أحد أظلم ولا أشد جرما، من الساعي في خراب المساجد .

 

وقد بين أهل العلم أن الخراب المذكور منه ما هو حسي كالهدم، ومنه ما هو معنوي كمنعها من أداء وظيفتها.

 

قال الإمام القرطبي في تفسيره : " خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بختنصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل : اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي - فقتلوا وسبوا ، وحرقوا التوراة ، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه. وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإِسلام فيها خراب لها ". [4]

 

ولا شك أن الخراب الحسي أعظم جرما من الخراب المعنوي لأنه يتناوله ويشمله .

 

وهذا الوعيد المذكور في الآية عام في كل من اتصف بهذه الصفة وتجرأ على بيوت الله وسعى في خرابها.

 

بل إن تخريب المساجد لا يلجأ إليه عادة إلا الطواغيت الذين يريدون محاربة الإسلام والقضاء عليه .. فمن أساليبهم المعهودة في حربهم على الإسلام : هدم المساجد ومنع بنائها أو عرقلة تراخيصه أو إغلاقها ، أو منعها من أداء وظيفتها ..فاستهداف المساجد يعني استهداف الإسلام بالأساس.

 

- ومن أمثلة ذلك ما فعله عدو الله أنور خوجه عندما استولى على الحكم في ألبانيا في الحقبة الشيوعية من الفترة 14/12/1336هـ وحتى 18/9/ 1412 هـ ، حيث أعلن الإلحاد رسمياً، وحارب الدين، وهدم المساجد ،فلم يبق من مجموع 1700 مسجد كانت موجودة في ألبانيا سوى 50 مسجداً حولت إلى متاحف وورش للنجارة والحدادة.

 

- وفي بلغاريا أثناء فترة الحكم الشيوعي أغلقت المساجد (وكان عددها 1200) وهدم بعضها.

***

 

إن تفجير المساجد محاربة لله عز وجل لأنه من أشد ما يكون من التخريب لبيوته التي شرفها وعظمها فأضافها إلى نفسه ..

فالمساجد بيوت الله عز وجل ، وليست بيوت أحدٍ من الأحياء أو الأموات أو الملوك أو الأجناد أو الدول أو الأنظمة ..

ليست المساجد لأحد سوى الله..

ولا يجوز أن تنسب لغير الله ..

قال تعالى : { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً } [ الجن : 18 ] .

فقد أضافها الله سبحانه وتعالى إلى ذاته بلام الاختصاص - مع أن جميع الأماكن وما فيها ملك لله عز وجل -، للتنبيه على شرفها وعظمها، ولبيان أنها لا يجوز أن تنسب –اختصاصا- لغير الله تعالى .

 

ومن أراد الاعتداء عليها أو حاول أن ينالها بسوء فهو قاصد للنيل من حرمات الله عازم على محاربة الله ..

كما أن استهداف المصلين في المساجد يعني بالدرجة الأولى محاربة الصلاة ..

فالمكان المستهدف يحدد دوافع الاستهداف والغرض منه ..

من أراد محاربة الزنى سوف يستهدف أماكن الرذيلة ..

ومن أراد محاربة الربا سوف يستهدف البنوك ..

وهؤلاء الذين جاءوا إلى المسجد تجمعهم صفة واحدة هي صفة "المصلين" ..فاستهدافهم بشكل جماعي في مكان الصلاة يعني في النهاية استهداف الصلاة ..

 

وكأن هذا المفجر للمسجد يعاقبهم على الصلاة بالخصوص لا على جرم آخر !!

فهو ينهى عن الصلاة بفعله وإن لم ينه عنها بقوله ، وفي مثله يرد قوله تعالى : { أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9، 10]

 

قد يستدل البعض على مشروعية تخريب المسجد لوجود بعض المسوغات قياسا على مسجد الضرار..

وهذا الاستدلال مردود على صاحبه بأن مسجد الضرار لم يشرع بناؤه ابتداء لأنه لم يبن من أجل ذكر الله تعالى بل بني ضرارا للمسلمين ومشاقة لهم كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } [التوبة:107].

 

فالمسجد الذي بني لغرض شرعي صحيح لا ينبغي أن يقاس على مسجد الضرار.

 

***

 

إن المساجد والمعابد هي موضع اللجأ إلى الله والخشوع له وخشيته ، ولا يتأتى أن يكون القلب خاشعا لله وجلا منه مع وجود المكدر والمشوش من مخافة الأعداء ومطارق البأساء ..

 

فلا بد للعابد من الشعور بالسكينة والطمأنينة ..

 

ولهذا كان من مقاصد الجهاد أن تكون دور العبادة التي يذكر فيها اسم الله –بغض النظر عن الديانة- مكانا آمنا للمتعبدين، و موضع سكن للخاشعين .. قال تعالى : {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } [الحج: 40]

 

قال ابن جرير الطبري : (معنى ذلك : لهدمت صوامع الرهبان ، وبيع النصارى ، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم ، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا). [5]

 

وقال القرطبي : ( أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء ، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات ، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة). [6]

 

وقال ابن خويز منداد : (تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم).

 

ولعل ما ذكرناه يدخل أيضا في المقصود مما جرت به السنة من ترك التعرض للرهبان المنقطعين للعبادة وعدم قتالهم.

 

عن بن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا بعث جيوشه قال : "اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع". [7]

 

وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد :ان أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع من تلك الأرباع فقال له : "انك ستجد قوما زعموا انهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا انهم حبسوا أنفسهم له" .

 

إن قتل المصلين أيا كانوا لا يختلف أبدا عن قتل الرهبان ، والحكمة التي منع من أجلها قتل الرهبان تقتضي من باب الأحرى المنع من قتل كل مصل وراكع وساجد .

 

لأن النهي عن قتل من حبس نفسه على العبادة يدل بالأحرى على النهي عن قتل المتلبس بالعبادة.

 

إن قتل المصلين الركع السجود ليس فضيلة ولا شجاعة، بل هو قمة الجبن والغدر و الدناءة ..!

 

إِن الشجاعَ هو الجبانُ عن الأذى *** وأرى الجريئ على الشرورِ جبانا

 

ولهذا عندما أراد عمرو بن سالم الخزاعي أن يصور للنبي بشاعة غدر قريش وحلفائها بقومه قال في أبياته المشهورة :

إن قريشًا أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا *** وقتلونا ركعا وسجدا !!

 

إن هؤلاء الذين يفجرون المساجد ويقتلون المصلين لا يقتدون بفعل النبي ولا بفعل الصحابة الكرام ، بل يقتدون بفعل عدو الله "باروخ جولد شتاين" الذي قتل 29 مصليا في "المسجد الإبراهيمي" وهم سجود في صلاة الفجر في شهر رمضان عام 1414هـ !!

 

ويقتدون بفعل عتاة قريش الذين كانوا يأتون إلى النبي وهو يصلي فيضعون على ظهره وهو ساجد سلى الجزور !

 

ويقتدون بأبي لؤلؤة المجوسي الذي قتل الخليفة الفاروق في أول عملية اغتيال شهدها أهل الإسلام في المساجد في صلاة الفجر فالقتل في المساجد سنة مجوسية لا اسلامية !

 

***

 

إن توفير الأمن في أماكن العبادة وبث الطمأنينة والسكينة في نفوس المتعبدين أمر مقصود لدى الشارع أشار إليه قوله تعالى : {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } [آل عمران: 97] ، وقوله : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ} [البقرة: 191].

 

وبيّنه النبي يوم فتح مكة بقوله : "ومن دخل المسجد فهو آمن".

 

ولتحقيق هذا القصد يجب تحييد المساجد وإبعادها عن كل صراع أو فتنة ، ولا يجوز بأي حال ان تكون المبررات لقتال أي طرف أو جهة مبررا لقتاله داخل المسجد، فمشروعية قتال أي شخص لا تعني بالضرورة مشروعية قتاله في المسجد.

 

ولهذا استنكر الذهبي على عبد الله ابن الزبير دخوله إلى المسجد الحرام وتحصنه فيه لأنه كان سببا في انتهاك الحجاج لحرمة الكعبة .

 

قال الذهبي: (ما إخال أولئك العسكر إلا لو شاؤوا لأتلفوه بسهامهم، ولكن حرصوا على أن يمسكوه عنوة، فما تهيأ لهم. فليته كف عن القتال لما رأى الغلبة، بل ليته لا التجأ إلى البيت، ولا أحوج أولئك الظلمة والحجاج - لا بارك الله فيه - إلى انتهاك حرمة بيت الله وأمنه. فنعوذ بالله من الفتنة الصماء). [8]

 

ثم إن حرمة المسجد ليست مشروطة بأن يكون المصلون فيه على الخير والتمام ، أو على أحسن ما يرام ، بل حرمته محفوظة وصيانته واجبة بغض النظر عن طبيعة رواده من المصلين .

 

فالمسجد اكتسب مكانته ومنزلته العظيمة من نسبته إلى الله عز وجل لا من صلاح رواده ..

والمسجد مكان عام يرده كل الناس على اختلاف درجاتهم : الظالم لنفسه ، والمقتصد ، والسابق بالخيرات..

 

ولا يجوز استباحة الدماء المعصومة في المسجد بزعم وجود بعض الدماء غير المعصومة ..

 

فيا من تريد محاربة نظام أو دولة أو عدو : دونك ما تريد ..فتوجه إليه في أماكنه وبارزه في مواقعه ، ولا تجعل بيوت الله غرضا سهلا تغطي به عجزك وجبنك عن المواجهة !

وأي جبن أعظم من العجز عن مواجهة العدو في غير الصلاة !

 

إن المساجد بنيت لعبادة الله عز وجل وتعظيمه والتقرب له ، ولم تبن لكي تكون ساحة للقتال وتصفية الحساب مع الخصوم والأعداء، ولا يشرع دخولها إلا بنية التعبد والتقرب لله عز وجل والخضوع له والخشوع بين يديه..

 

قال تعالى : {أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ} [البقرة: 114]

 

قال أبو حيان : (والظاهر أن المعنى : أولئك ما ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلا وهم خائفون من اللّه وجلون من عقابه. فكيف لهم أن يلتبسوا بمنعها من ذكر اللّه والسعي في تخريبها ، إذ هي بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ؟ وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم بذكر اللّه فيه ، ويسعى في عمارته ، ولا يدخله الإنسان إلا وجلا خائفا ، إذ هو بيت اللّه أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة). [9]

 

وقال أبو السعود : (أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوعٍ فضلاً عن الاجتراء على تخريبها). [10]

 

وقال سيد قطب : (.. أي أنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلا في خوف من اللّه وخشوع لجلالته في بيوته. فهذا هو الأدب اللائق ببيوت اللّه ، المناسب لمهابته وجلاله العظيم ..). [11]

 

***

 

إن الذي يرضى أن يكون وقودا لعملية تفجير في مسجد ينتج عنها تناثر أشلاء المصلين وتطاير المصاحف واختلاطها بالدماء وبث الرعب في أماكن الأمن والسكينة، و يستحسن هذا الصنيع ويفرح به ،هو شخص ميت الضمير منتكس الفطرة لا يقيم للدين حرمة ولا للمقدسات منزلة ..!

 

وما المرءُ إِلا حيث يجعلُ نفسَه  *** ففي صالح الأعمالِ نفسَكَ فاجعلِ

 

ويحك يا مفجر المساجد !

كم من عبادة أفسدتها ؟

وكم من قلوب خاشعة مطمئنة أفزعتها ؟

وكم من منارة يرفع فيها ذكر الله هدمتها !

أيسرك أن تتعطل العبادة في بيوت الله ؟

أيسرك أن يتوقف الناس عن الركوع والسجود بين يدي الله ؟

 

فدعْ عنكَ سوءاتِ الأمورِ فإِنها *** حرامٌ على نفسِ التقى ارتكابُها

 

ما ذا جنيت يا مفجر المسجد ؟

قدمت إلى الله تعالى وقد أسكت صوتا كان ينادي كل يوم خمس مرات بتكبير الله وتوحيده !

قدمت إلى الله تعالى وقد هدمت منارة كان يرفع فيها ذكر الله !

أتريد النكاية في أعداء الله ..أم تريد النكاية في حرمات الله ؟

أما وجدت نكاية في أعدائك بغير تدمير أحب البقاع إلى الله ؟

 

- يامن زعمت بأن تفجيرك للمساجد قربة وطاعة أما سمعت بتحريض النبي على بناء المساجد وقوله : (من بنى لله مسجداً ولو كمَفحَص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة). [12]

أيحرض النبي على بنائها وتحرض أنت على هدمها وتفجيرها ؟

أيؤجر غيرك على بنائها وتؤجر أنت على هدمها ؟ !!

 

- ألا تعلم يا مفجر المساجد أن رسول الله قال للأعرابي الذي بال في المسجد : (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن).[13]

أو تراها لا تصلح للبول والقذر وتصلح للقتل والتفجير ؟

 

- أنسيت يا مفجر المسجد أن النبي قال: (البزاق في المسجد خطيئة). [14]

أيكون البزاق فيه ممنوعا ،ويكون تمزيق الأشلاء فيه وإراقة الدماء مشروعا ؟ !!

 

- أنسيت يا مفجر المسجد أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد ؟

ألا تعلم أن الحائض أطهر ممن جاء يريد تفجير المسجد ؟ !!

 

- أنسيت يا مفجر المسجد أن النبي قال :(من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلْنا، أو ليعتزلْ مسجدَنا)[15].

أيمنع تدنيس المسجد برائحة الثوم والبصل ،ويشرع تدنيسه برائحة الدخان واللهب والمتفجرات ؟ !!

 

- ألا تعلم يا مفجر المسجد أن الملائكة حاضرة في المسجد ، وأن النبي قال : (إن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم). [16]

 

- ألا تعلم يا مفجر المسجد أن النبي قال للمصلين : (ألا إن كلكم مناج ربَّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة). [17]

أيمنع في المسجد التشويش على المصلين برفع الصوت بالقرآن ويشرع التشويش عليهم بالمتفجرات ؟ !!

 

- ألا تعلم يا مفجر المسجد أن النبي قال :(إذا مرّ أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها ). [18]

أيأمرك النبي بإمساك نصال النبل في المسجد فتقوم بتفجيره بالأحزمة الناسفة ؟ !!

 

- ألا تعلم يا مفجر المسجد أن النبي كان يمتنع عن الإغارة على أي موضع يؤذن فيه وتقام فيه الصلاة ..حيث « كان يستمع الأذان فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار ». [19]

فانظر يا مفجر المسجد كيف عكست الأمر وجعلت موضع الصلاة أفضل مكان للقتل والإغارة !!

ألا تعلم يا مفجر المسجد أن العلماء أجمعوا على منع دخول المجذوم إلى المسجد كما نقل ذلك القاضي عياض ؟

أو تظن ضررك على المصلين في المسجد أخف من ضرر المجذوم ؟ !!

 

- ألا تعلم يا مفجر المسجد أن من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله : "رجل قلبه معلق بالمساجد" ، ألا تخشى أن تصادف في تفجيرك هذا الرجل فتلقى الله بدمه يوم القيامة ؟

يا من تجرأت على تفجير المساجد وزعمت أن ذلك قربة عند الله عز وجل : هل أفتاك بمشروعية هذا العمل عالم واحد من علماء الأمة ..؟

أم أنك تخبط في الدين خبط عشواء !!

 

فسائلْ إِن منيتَ بأمرِ شكٍ   ***  فإِن الشكِّ يقتلهُ اليقينُ

 

واعلم بأن من يأمرونك بتفجير المساجد ويزينونه لك جماعة مفسدة خداعة لا يجوز لك أن تدين لهم بالسمع والطاعة :

 

كيفَ الرشادُ إِذا ما كنتَ في نفرٍ  ***  لهم عن الرشدِ أغلالٌ وأقيادُ
أعطَوا غًواتهم جهلاً مقادتهمْ  ***  فكلهم في حِبالِ الغَيِّ منقادُ



ألا فلتتب إلى الله يا مفجر المسجد ..فإنك في ضلال بعيد وخطر شديد ..!

وابحث لنفسك عن جهاد نظيف شريف لا شبهة فيه ولا مخالفة ..

 

ولست أرى لك رادعا نافعا إن لم يردعك قوله تعالى في الوعيد لمن سعى في خراب المساجد : { لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [البقرة: 114].

 

وليس عتاب المرء للمرء نافعا إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه .

 

فإن أبيت إلا المضي في هذا الطريق ، فلا أظنك إلا ممن قال الله تعالى فيهم :

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [الكهف: 103، 104].

 

نسأل الله حسن المئاب ، ونعوذ به من سوء المنقلب في الدنيا والآخرة .

 

كتبه :

أبو المنذر الشنقيطي

 

____________

[1] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 81).

[2] البحر الرائق (4/ 178).

[3] تفسير السعدي (ص: 539)

[4] تفسير القرطبي(2/ 77).

[5] تفسير الطبري (16/ 586).

[6] تفسير القرطبي (12/ 70)

[7] رواه أحمد والطبراني في الكبير والبزار وابن أبي شيبة وغيرهم وهو حسن لغيره.

[8] سير أعلام النبلاء (3/378).

[9] البحر المحيط(1/ 575).

[10] تفسير أبي السعود (1/ 187).

[11] فى ظلال القرآن (1/ 105)

[12] رواه ابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وابن حبان.

[13] رواه مسلم.

[14] رواه الشيخان.

[15] رواه البخاري.

[16] رواه مسلم.

[17] رواه أبو داود وأحمد وابن خزيمة.

[18] رواه الشيخان.

[19] رواه الشيخان.


ZXPt2b.gif


Created: 04/10/2015
Views: 1735
Online: 0