إلى حماس تعالو إلى كلمة سواء

بقلم: عبد العزيز الطريفي

الحمد لله كما ينبغي أن يكون الحمد من الكمال، وأشكره كما ينبغي أن يكون الشكر من الجلال والجمال وبعد:

لم تواجه الأمة الإسلامية – فيما أظن - منذ عصر الخلفاء الراشدين وإلى يومنا هذا خطراً أشد ولا أنكى مما تواجهه اليوم، فلم يُستهدف الإسلام كما استهدف اليوم، فالحرب الصليبية اليهودية التي نشهدها اليوم وتقودها أمريكا في هذا العصر - بأقنعتها المتنوعة - ليست حرباً عسكرية ولا اقتصادية فحسب، بل هي حرب عقدية، وفكرية، وحضارية، وأخلاقية، ويخطئ ويغلط من يظن أن الهدف منها هو القضاء على الإرهاب.قال الله تعالى: ((وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)) (البقرة : 120) هذه حقيقة يجب أن لا تغيب عنا بحال .

ثم إن التمكين في الأرض من المنن والمنح العظيمة، التي يجب على المُمكّن أن يرعاها، حق الرعاية، فلا يكون ذلك في حقه استدراجاً يهوي به في مهاوي الهلكات.
قال تعالى : ((الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)) (الحج : 41). وفاء بالواجب لذلك التمكين.
والتمكين من أعلى الدرجات في الأرض لأنه لا يتحقق للمؤمن إلا بعد محنة. وقد سأل عبد القاهر بن عبد العزيز الشافعي: أيما أفضل الصبر أو المحنة أو التمكين ؟، فقال الشافعي رحمه الله : التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر وإذا صبر مكن؛ ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه، وامتحن موسى عليه السلام ثم مكنه، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكنه، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكاً، والتمكين أفضل الدرجات، قال الله عز وجل "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض" وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مكن، قال الله تعالى: ((وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )) (الأنبياء : 34) .وشرط التمكين الحق هو ما تقدم في الآية السابقة .

وعلى العقلاء من أمتنا أن لا يغتروا بالشعارات البراقة والألوية البيضاء، دون البحث عن حقيقة العمل تحت ذلك الشعار وتلك الراية، فكم خُدعت أمتنا وشعوبنا بتلك الشعارات التي تناقض الحق قولاً وفعلاً .لقد جثت الأمة على الركب من الهُزال والهوان والضعف، وتكففت موائد اللئام، والخديعة الكبرى والتدليس العظيم هو أن يُدّعى الحق في الظاهر، وفي الباطن الزيف، وهذا هو النفاق، والحمل على ذلك هو استغلال عواطف الأمة المسلمة، التي ربما يجهل كثير من أبنائها حقيقة الأصول والفروع في الإسلام.

يجب على الأمة أن تتفحص نفسها وتطابق عملها وقولها مع حكم الله وحكم نبيه صلى الله عليه وسلم، ولتعلم أن الله يبتلي الأمة بالسراء والضراء ليميز الخبيث من الطيب، وأن التمكين في الأرض ليس من مصادفات الدهر، وموافقات الكون، والحنكة والقدرة والقوّة كما يقول فرعون في ملكة، بل هو حكمة إلاهية بالغة، وهذا حق مسلم غني عن التوضيح . إن النزول عند حكم الله وعدله من أعظم الواجبات، وأجل المتحتمات، والتسليم لحكم الله حال العلم به، أصل من أصول الدين، بل لا يتحقق الإيمان إلا به، قال تعالى: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)) (النساء : 56) .

وقد سر كثير من المسلمين التمكين لـ (حماس)، وتوليها أمر الحكم في فلسطين، وذلك أنها تعلن رفع راية الجهاد، والحمية للإسلام، وقد تابعت مستجدات أحداثها، عل الله أن يرفع بها عن فلسطين نظاماً وشعباً الظلم بنوعيه :
* ظلم النفس : وهو التفريط في حدود الله وأحكامه، وتطبيق شرعه.
* ظلم الغير : وهو التفريط في إنصاف الناس، والعدل فيما بينهم، وحفظ حقهم العام في المال والأرض.

حتى اطلعت على (بنود برنامج حكومة حماس) والمنشور منها في الصحف يوم الثلاثاء 21/ صفر/ 1427 للهجرة. وقد قرأتها كاملة فلم أر فيها شيئاً يشير إلى التحاكم لشرع الله، ولو في جانب من جوانب الحياة، بل كلها تدور بين (القانون) (والديمقراطية) وأمثالها . ولهذا من الواجب على أهل العلم البيان والتوضيح ، وإنزال بنود حكومة حماس على شرع الله، والواجب على قادة (حركة المقاومة الإسلامية حماس) النزول لحكم الله، والتحاكم لشرعه، وسأورد ما ناقضت فيه الحركة حكم الله أصولاً وفروعاً :

أولاً : جاء في (بنود برنامج الحكومة الحمساوية) في مواضع عديدة التركيز على ترسيخ (الديمقراطية) والعمل عليها، ولم أر في البرنامج إشارة للإسلام وتحكيمه، ولا في موضع واحد، ففيها جاء : (تحقيقاً لمبدأ الديمقراطية) و(بناء مؤسساتنا الوطنية المختلفة على أسس .. ديمقراطية) و(حماية الديمقراطية ) ..
الديمقراطية هي الأخذ بعمل الأكثرية، من غير نظر لحق ولا باطل، موافقة الكتاب والسنة أو مخالفتهما، وهي بأشكالها (الاتفاقية) أو "التعاقدية" أو (الطائفية) أو (الليبرالية) أو (غير المسيسة) مباينة في أكثرها لحكم الله في التشريع، فلا مقام للحلال والحرام معها، بل المرد رغبة الناس فقط .وأما ما تركه الله للناس من تنظيم حياة ومعاش، فلا مانع من أخذ رأي الناس فيه، والخضوع لرغباتهم، سواء سمي ديمقراطية أم لم يسم . وهذه الفكرة (الديمقراطية) نظام قديم عمل بها ودعى إليها الفلاسفة كـ (أرسطو) في أنواع الحكم الثلاثة و (أفلاطون) وغيرهما، وقد تبنتها كثير من السياسات الآن دون تمييز أو نظر، وقد كثرت الدعوة إليها من غير معرفة لأصلها، ومنشأها، وما نشأت إلا بعد ذوبان (الماسونية) و(الاشتراكية) وبعد صد الشعوب عنها، وإن كان قد أقبل عليها بعض المسلمين رغبة في التجديد وتحكيم العقل، والجهل أو التجاهل لحكم الله ووجوب العمل به، وبعد أن رأوا حقيقةً أنها لا تصلح للإصلاح، ولا مسلكاً للنجاح، نزعوها، ونبذوها وعدوها تخلفاً ورجعية، بعد إن كان المنادي بها والعامل بها رموزاً إصلاحية تجديدية، ولما حلت الهزيمة النفسية في الشرق نبذ أكثره قيم شرعه، وأصول دينه، منادياً دون وعي بكل دعوة تُسمع، وهكذا سيأتي كل جيل يلعن من سبقه ويرميه بكل موبقة وتخلف، وهاهي الديمقراطية التي دعا بها الغرب وجدت كذلك من يتبناها ويدعو للتحاكم إليها في كل نزاع !

فمتى تعي الأمة حقاً أن لديها كتاباً منزلاً وشريعة سماوية من خالق الخلق والعالم بشئونهم ؟! فالواجب أن يعلم أن لا يصلح معاش الناس ودينهم إلا حكم الله وشرعه، فالله فرض ذلك ونفى الإيمان عمن تحاكم إلى غيره، فقال تعالى: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)) (النساء : 56) .
وكل من زعم الإيمان بقوله مع مخالفة عمله قوله، في الحكم بغير حكم الله، فقد كذب في دعواه قال تعالى : ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً)) (النساء: 61,60) . والحكم والتحاكم من العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله، وقد سماها الله عبادة قال تعالى : ((إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)) (يوسف : 40) . ومن تحاكم لغير الله فقد جعل شيئاً من حقوق الله في العبودية لغيره، كما فعل أهل الكتاب، قال تعالى : (( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة : 31). أخرج أحمد والترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ )) قال: فقلت إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم)) . التحاكم عبادة كالركوع والسجود، فهؤلاء لم يركعوا ويسجدوا لهم وإنما أطاعوهم في تغيير أحكام الله، بتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال، فذلك من عبادتهم؛ وهو من الشرك الأكبر، لقوله تعالى‏:‏ ‏(( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ‏)) (الشورى : 21). قال الله ‏:‏ ‏(( ‏وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (التوبة : 31) . قال حذيفة رضي الله عنه: ( إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم لكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه و إذا حرّموا عليهم شيئاً أحله الله لهم حرّموه فتلك كانت ربوبيتهم ).
وقال أبو العالية: ( قالوا ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا وما نهوا عنه فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ) . وعلى القواعد الديمقراطية إن رغب شعب ينتمي للإسلام تحريم الحلال أو العكس، فهل ستعمل به (حماس) ؟! إن كان من برنامجها العمل بهذا فهو الحكم الطاغوتي والضلال المبين، وإن لم تعمل به، فقد خرمت تلك الدعوى التي تزعم تطبيقها .

ثانياً : دعت إلى التحاكم إلى ما يسمى بـ (القانون) فقالت في برنامجها: (تعزيز سيادة القانون)، فأي قانون يكون له السيادة، فلم أر في بنود البرنامج الـ (39) بنداً ذكر لفظ الجلالة (الله) فأي حكم وقانون تريده "حماس" ؟! ولم أر في بنود حكمها ما يشير إلى أن الحكم يخضع لحكم الله بوجه من الوجوه، بل لم أر لكلمة (الإسلام) موضعاً في بنود حكمها، سوى عندما ذكر (الوقف) ربما لتعلقه بالمال والمصلحة الدنيوية الظاهرة .

ثالثاً : قال رئيس رابطة علماء المسلمين في فلسطين (البيتاوي) في لقاء في صحيفة (الغد) بتاريخ 20 / 2 / 2006 قال فيه ما نصه : (إن حركة حماس لا تفكر أبداً في إقامة دولة إسلامية، أو تطبيق الشريعة حالياً). وقال رئيس المجلس التشريعي الجديد عزيز الدويك كما في (صحيفة القدس) : ( إن الحكومة الفلسطينية الجديدة تحت قيادة حماس لن تجبر الفلسطينيين على تبني مباديء الشريعة الإسلامية في حياتهم اليومية، ولن تعمل على إغلاق دور العرض السينمائي والمطاعم التي تقدم المشروبات الروحية). فماهي الدولة التي تريد إقامتها "حماس" إن لم تكن إسلامية؟!، ولو كان الوعد بالتدرج في الإصلاح وإقامة الشرع الحكيم شيئاً فشيئاً لاحتمل ذلك، عند من يحمل القول على محامله الحسنة وإن ضاقت به السبل . ويكفي في هذا نقضاً لحدود الله، ومنابذة لشرعه، ثم أي "إسلامية" تحملها الحركة في شعارها (حركة المقاومة الإسلامية حماس) .

رابعاً : قال رئيس رابطة علماء المسلمين في فلسطين ( البيتاوي ) في لقاء في (صحيفة الغد) بتاريخ 20 / 2 / 2006 . قال فيه ما نصه : ( أما مخاوف البعض من الرجعية وفرض الحجاب وتقييد الحريات ومنها حرية المرأة مخاوف غير حقيقية) .
إن الأخذ ببعض الإسلام وإغفال بعض في التشريع، والإيمان ببعض وترك بعض ليست طريقة أهل الإيمان، قال تعالى: ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) (البقرة : 85) . الإسلام جاء لإصلاح الأمة، شعوباً وحكومات، وما حلت النكبات في الأمة إلا حينما جعلت شرائعه محل أخذ ورد، وقبول ورفض، والانقياد للدعوات والأفكار الغربية والاغترار بها دون ثقة في إرث الأمة هو عين الهزيمة والضعف والهوان .

خامساً : قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأستاذ خالد مشعل أثناء زيارته لإيران كما نشرته صحيفة (NEHRNEWS) بتاريخ 15/ 3 / 2006 ما نصه : (حماس الابن الروحي للإمام الخميني) .
وحقيقة الخميني غير خافية على كل أحد، ممن طالع كتبه وعرف قوله وفعله، وهو من جمع نواقض الإسلام كلها. وقد طعن في النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة، يقول كما في (الحكومة الإسلامية) ص 52: ( إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) . وقال في خطاب ألقاه بمناسبة مولد المهدي في الخامس عشر من شهر شعبان عام 1400: ( جاء الأنبياء جميعاً من أجل إرساء قواعد العدالة لكنهم لم ينجحوا حتى النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية، لم ينجح في ذلك أحد). وإن لم يكن هذا القول كفر، فلا يوجد في الدنيا كفر مطلقاً . ثم ليُنظر من وجه آخر ما حل بأمتنا من هُزال ونكبات من قبل الخميني، فإن كان المطمع في قول ذلك كسب قوّة والتكثر بالركون إلى الذين ظلموا فالعاقبة سيئة شرعاً وعقلاً قال تعالى: ((وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)) (هود ك 113) . والتكثر بأمثال هؤلاء استجارة من الرمضاء بالنار، فما عُرف أحد من أهل الولايات الإسلامية ركن لأمة غير مسلمة وأعلن تركه لشرع الله فأفلح .

وقد غفلت وتغافلت عن الكثير، ومدار ما تركت على ما ذكرت، وعلى ذلك أقول :

أولاً : على الأخوة في حركة حماس الرجوع إلى حكم الله وشرعه، فهو الحكم وهو الفيصل عند النزاع، فلا استقرار إلا به، وليس بيننا وبينكم إلا "الكتاب" و "السنة" فلا حجة في قول أحد أياً كان قدره ومقامه في الإسلام قال تعالى: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)) (يوسف : 40) .
ثانياً : إن التمكين في الأرض من المهام العظام، والمسئوليات الجسام، التي يجب رعايتها، بالوفاء بشروطها كما قال تعالى: ((الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)) (الحج : 41) .
ثالثاً : العزم على الإصلاح والتدرج بتحكيم الشرع شيء، والبراءة من إقامة دولة إسلامية وتحكيم الشريعة شيء آخر، والتماس رضا الغرب وتقديمه على رضا الله، يورث الذل والمهانة والضعف، لا يورث قوة وتمكيناً .
رابعاً : الشعب الفلسطيني سبق أن عاش عقوداً في غياب عن التفقه في شريعة الله أصولاً وفروعاً، وهذا من أعظم المهمات لمن مكن الله له في الأرض قال تعالى: ((فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) (التوبة : 122).
وأعظم ما يعلم الناس توحيد الله، والحذر من الشرك .
خامساً : أن الدولة الفلسطينية في موقف ضعف وخذلان، وهذا غير مسوّغ لنبذ الإسلام والتخلي عنه، والركون إلى الذين كفروا، وثمة مسألتان يجب التفريق بينهما: وهما مسألة إظهار العداوة للكفار ومسألة وجود العداوة، فإظهار العداوة يعذَر به مع عدم القدرة وحال الضعف والعجز والخوف، قال تعالى: ((لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ)) (آل عمران : 28) .
ووجود العداوة القلبية لا بدّ منه، بكل حال.
وموالاة الله وموالاة عدوة متنافيان شرعاً وعقلاً، قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) (المائدة : 51).
قال حذيفة رضي الله عنه ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر لهذه الآية ).
ويقول الشاعر العتابيّ:
تَودُّ عدوِّي ثم تَـزْعُـم أنـنـي ** صديقُك إنّ الرَّأي عنك لعازِبُ ومما ينسب لعلي رضي الله عنه :
صَديقُ عَدُوِّي داخلٌ في عَدَاوَاتي ** وإنِّي لمَن وَدَّ الـصّـديقَ وَدودُ فلا تَقْرَباً منّي وأنت صَـديقُـه ** فإنّ الذي بين القُلـوب بـعـيدُ سادساً : أعظم ذنب عصي الله به على هذه البسيطة هو الشرك، فنبذه والحذر من وسائله أعظم الواجبات على الإطلاق، فلا يقدم غيره عليه، قال تعالى: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ))(النساء : 48) .
وقال: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) (لقمان : 13) .
وأسأل الله تعالى أن يوفق الأخوة في "حماس" لإدراك هذه الواجبات المهمات.

https://wp.me/pa3dXv-2Ko