نديم بالوش

"مقتل كعب بن الأشرف"

من سلسلة الدروس الأمنيّة في السيرة النبوية

سلسلة الدروس الأمنية بالسيرة النبوية (51)

كتاب المغــــــــازي (37) :

عملية مقتل كعب بن الاشرف كما لم تسمعها من قبل ..

...

دروس مستفادة :

1- كانت أول عملية ..
للوحدة الخاصّة بالاغتيالات للجهاز الاستخباراتي النبوي !

والتي وإن كان زعيمها بلا منافس : محمد بن مسلمة الأنصاري !
إلّا أنها كانت تحوي عباقرة ومخطّطين للأسف لانعرفهم في زماننا !
ولعلّهم أهم من محمّد بن مسلمة نفسه !

_ فلو سألت الان كل شبابنا :
مَن صاحب كعب بن الأشرف سيقولون لك : محمد بن مسلمة !

بينما ستجد في القصّة أن صاحبه الحقيقي ومُوقِعه ..
وعبقري ّهذه العملية شخصٌ آخر لم يسمع به أحدٌ منّا من قبل :
(كسليط بن النعمان بالدرس السابق)

وإسمه : سِلكان بن سلامة (أبو نائلة) .

..

وكونها أول عملية لهذه الوحدة فإنّك ستجد فيها بعض السلبيات ..
والتي تمّ استدراكها فيما بعدها !

وهذه السلبيات التي لاتُذكر ..
مقارنةً بعبقريّة تخطيطها الذي كان من 1450 عام !!!!
حيث كان العقل البشري لم يخترع تواليت بعد !!

ومع ذلك سترى أنّ مبادئها مازالت تدرّس إلى الان في زماننا !

_ هذه السلبيات تدلّك على أن النبي صلى الله عليه وسلم ..
ما انتصر بملائكة وبهالة تقديسية !

بل انتصر بأبي هو وأمّي بالدرجة الأولى بعد توفيق الله له :
بعمل حثيث وجهد مضنٍ واجتهاد متواصل وتدارك للأخطاء وتعلُّم منها !

...

2- تدلّك القصّة على أن كعب بن الأشرف كان رجلاً عظيماً ..
ويصعب قتله .. يبدو أنه كان ضخماً جدّاً أو كان مدرّباً !

فإنّك ستجد بالقصة هذين الخبرين :

_ (فقال له محمّد بن مسملة أنا لك به يا رسول الله ..
فقال له النبي : افعل إن قدرت على ذلك ..
ثم إن محمداً بن مسلمة لم يذق طعاماً ولا شراباً لثلاثة أيام ..
إلا مايُعلق نفسه ..
فذُكر هذا لرسول الله فدعاه فقال له لم تركت الطعام والشراب ؟!!
فقال يارسول الله : قلت لك قولاً لاأدري أأفي به أملا ..
فقال إنما عليك الجهد !)

_ (ثم قال : اضربوا عدوّ الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغنِ شيئاً !)

فمن هذين الخبرين تجد أنهم كان يبدو عليهم الخوف والحذر ..
وشدّة التحسّب له وشدّة التخطيط للتمكّن منه ..

فهذا يدلّك على عظم قوّته وصعوبة قتله والسيطرة عليه !
وهذا يدلّك على أنها كانت عملية صعبة جدّاً !

(أشبه برأيي بعملية اغتيال لشخصية كبيرة في يهود زماننا)

...

3- تخطيط العملية كان قمّة في الدهاء والمكر ..
ستُذهلك ولو قرأت القصّة من قبل ألف مرّة !!

_ واعتمد التخطيط .. على عدة محاور !
هي الى الان تشكّل مبادئ رئيسية لعمليات الاغتيال ..
وللعمليات الأمنية داخل العمق :

أولاً : جعل الخصم يشعر بالأمان ..
وعدم إحساسه بما يُبيَّت له أبداً .. حتى ولو نُبِّه لذلك !!

ويتجلى بعدة نقاط :

أ. اختيار أفضل الأشخاص للعمليات الأمنية داخل العمق :

فأهم الشروط هنا أن يكون الشخص من أبناء المنطقة ..
ومن ثمّ يكون مأمون الجانب نظيف من الناحية الأمنية ..
لانشاط له ظاهر سابق ..
ويحسبه الخصم وديعاً مسالماً لايفكّر ولايخطّط :
(يعني مواطن صالح : لايرى ولايسمع ولايتكلّم)..

_ انظر لقوله لزوجته التي شعرت بأنهم يريدون شرّاً :
هذا أبو نائلة .. لو وجدني نائماً ما أيقظني !!!
(أبو نائلة : الشخص الذي أختارته الوحدة الخاصّة ..
ليُلقي الطعم لابن الاشرف وليُوقعه بالكمين :
قال "ابن اسحاق" : فقدّموا بين أيديهم إلى كعب .. أخوه أبا نائلة) .

_ هذا عدى عن أن أبا نائلة .. كان أخا كعبٍ بالرضاعة !

..

ب. ومن جعل العدوّ يشعر بالأمان :
أن أبا نائلة لم يعرض عليه خطّته فوراً !
بل جعلها ضمن حديث عابر على أساس !!

_ وهذا مازال يستعمل إلى الان في زماننا ..
بأحدث أجهزة الاستخبارات أثناء التحقيق وبالاستدراج ..

حيث يكلّمك المحقق في عدة مواضيع ..
لايهمه فيها إلا موضوع واحد وذلك حتى لايُشعرك بما يريد هو ..
وليضيّع الموضوع المهم له فلا تنتبه له !

فأبو نائلة لما أتاه فاتحه أولاً بالشعر ..
وكانا من قبل يفعلان ذلك وكان أبو نائلة يقول الشعر .

_ ومن ثم قال له على أساس أنّه متذمّراً يبثّ له همّه ..

وانظر إلى أنّه اختار له هموماً (مزعومة) ..
كان كعب نفسه يحذّره منها !
فورد بسياق الكلام أنه قال له :
(أما والله كنت أخبرك يابن سلامة أنّ الأمر سيصير على ما أقول !)

_ وللتوثيق أكثر وللثقة أكثر قال له أبو نائلة : أكتم عنّي ‏‎ !!

(وهذه نقطة مهمّة لمن يجرّب العمل الأمني داخل العمق ..
والاختلاط بأعداءه على أساس أنّه منهم ..
فبثّ الهموم وتأمين الخصم عليها "على أساس" ..
من أهم الأمور التي تقويّ أواصر العلاقات مع خصمك :
"الذي لايعرف عداوتك له" ..
وتُشعر خصمك أنك تحبّه وأنه قريب منك !)

_ فقال له عن محمّد وكم أثقل عليهم وكم ملّوا منه .. !!!
و كم تَسبّبَ لهم ببلاء و ... !!
(وسنتحدّث عن هذه النقطة فيما سيأتي إن شاء الله .. انظر : ثامناً !) .

..

ج. ومن جعله يشعر بالأمان : الخطّة المحكمة ..
التي وضعها هذا العبقري : سِلكانُ بن سلامة (أبو نائلة) .

أنّه برّر وجود الأسلحة مع من سيأتي لقتله بطريقة ذكيّة جدّاً ..

_ لكن الأهمّ والذي يجعلك تقف مذهولاً !!!
جعله هو من ينطق بهذا المبرّر .. لإكمال شعوره بالأمان !!
(الذي تجلّى بعد ذلك بنزوله رغم تحذير زوجته له أنهم سيقتلوه !!!)

..

سأوضّح لكم :
كانت خطة العبقري أبو نائلة تقوم على عدم فزع كعب
(الذي كما قلنا يبدو أنه رجل غير عادي أبداً) ..
من رؤية السلاح مع من سيأتي لقتله .

فاستعمل أبو نائلة قصةَ تذمّرهم من محمّد ..
وماتسبب لهم من بلاء وضيق بالعيش ..
ليدخل إلى أنه يريد طعاماً وشراباً من كعب !

وهو يعلم انّ كعباً سيستغلّ الفرصة كعادة يهود ..
ليعطيهم طعام وشراب ليزيد بكرههم للنبيّ (المزعوم) ..

لكنه لن يعطيهم إلا برَهْنٍ .. كما كانت عادة العرب وقتها !

_ وهذا هو المدخل ..
حيث أراد أن يتفق معه على رهن السلاح (على أساس) ..
وبذلك لاينكر وجوده معهم ؟!!!

لكن الأهم والأخطر بالقصّة التي لاينتبه لها إلا ..
من لديه خبرة عملية بالعمليات الأمنية داخل العمق :
فبالتالي سيعيش القصّة بتفاصيلها كأنه معهم ..

أنّه لم يقترح عليه هذا الأمر فوراً بل جعله هو من يقترح حلول ..
وهو يرفض بطريقة تدلّك على ذكاءه العجيب وسرعة بديهته ..
وحسن تعامله مع أي مستجدّ (هذه نقطة (د) .

فكان أو وصلوا لحلّ جميعاً : وهو أن يرهنهم السلاح !!

فقال له كعب : ارهنوني نسائكم فقال كيف وأنت أجمل العرب !! !!
(انفشوا انفشوا وشوف .... الخ) .
فقال له طيب ارهنوني أبناءكم : فقال ستعيّرنا العرب !

فقال له بمعنى أنه ليس عندنا سوى السلاح !!

هـ. انظر إلى أنه قد شمّ رأسه (بعد تفويشه برائحة الطيب خاصته)
أكثر من مرّة قبل التنفيذ وهذا أيضاً لإشعاره بالأمان ..
ومع ذلك لم يلاحظ عدوّ الله !

((وهذا ذكّرني بالخبيث عدو الله رياض الأحمد عندما أخذناه :
قعد بالسيّارة بين شخصين ضخمين وهو بالنصف ولم يحذر من شيء !
وذلك بتوفيق الله أولاً ..
ثم بعمل عليه لإشعاره بالأمان لشهرين ..
وطبعاً كان أخذه ولله الحمد غاية في الدقّة والحرفية كتنفيذ ..

لكن أنا أهملت بعض الأمور الجانبية ..
لعدم تخيّلي أنهم سيضّخمون القصّة بهذا الحجم الهائل أولاً :
(طبعاً هم اتخذوها حجّة وشمّاعة ليقضوا على وجودي في الجبل ..
وعملي هناك ومشروعي .. عن طريقها !
الذي قطع كل طريق لخطط الغرب وكلابه وكلاب أجهزة المخابرات ..
بإذن الله)
ولضيق ذات اليد ثانياً ..
ولأننا كنا نريد أن ننفّذ وكان هذا آخر خيار لنا لم يبق لي غيره ثالثاً !!
انظر لقاءي على يويتوب بذلك .))

...

ثانياً :
اعتمد رضي الله عنه على تفويشه كثيراً :
أنت أجمل العرب .. ماهذا الطيب الذي لم أشمّ مثله .... الخ !

_ وطبيعي .. !
فلتسوق أمة أو شخصاً كالنعاج ..
فإن أسهل طريقة هي تفويشه !!! (حال أمتي اليوم) .

....

ثالثاً :

تلاحظ من القصة هذه الجملة :
(فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره ..
ثم أمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه ..
فاجتمعوا عند رسول الله ثم مشى معهم إلى الغرقد ودعى لهم)

يدلّك على أنّ النبي كان مطلّع على تفاصيل العملية كلّها ..
ولا أعجب إن كانت من تخطيطه كلّها ..
فمثل ذكاءه لم تر قطّ عيني والله !

....

رابعاً :
لاحظ قول زوجته له وهذا يدلّك على عقلها ..
وعلى أن رأي المرأة قد يصيب أحياناً أكثر من رأي الرجل ولاضير ..
قالت له :
أنت امرؤٌ مُحارَب وإنّ أصحاب الحرب لاينزلون في هذه السّاعة !

- وأن إحساس المرأة الفطنة يصيب في كثير من الأحيان :
قولها : (إني لأشعر في صوته الشرّ) !

_ فهذا يدلّك على أنه كان يتوقع قتله ..
ومع ذلك لم يستمع لزوجته لدرجة إشعار العبقري أبو نائلة له بالأمان !

ووقتها قال لها : هذا أبو نائلة لو وجدني نائماً ما أيقظني !

....

خامساً :
لاحظ أني لم أذكر لك قوله (الذي اشتهر بعد ذلك) :
إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب !

والذي يذكره أصحاب السير فتظنّ أنه يعلم أنهم سيقتلوه ونزل !!!

_ طيب على هذا لماذا قال لها إذاً :
هذا أبو نائلة لو وجدني نائماً ما أيقظني ؟!!!!

_ فبرأيي أنه قال هذا من باب الغرور والشوفوني ..
وإلا لو علم 0.1% أنهم سيُقتلوه مانزل أبداً !!!

....

سادساً :
لاحظ حبّهم لنبيّهم .. كم كان أبو نائلة صديقاً لكعب ؟!!!
لكنّه لما تجرأ على رسول الله جعل كل الصداقة تحت قدمه :
وقال لما أمكن منه : اضربوا عدوّ الله !!
سبحان الله .. هذا وربي هو الولاء والبراء !

....

سابعاً (وهي الأهـــــــــمّ على الإطلاق !!) :
قوله : (وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله ..
فليس بها يهودي إلا وهو خائفٌ على نفسه !!!)

_ هذه الجملة تختصرّ لك كل هدف العملية .. ... .... !!

..

وكل عملية لاتحقّق مثل هذا الهدف لدولة ناشئة ..
برأيي ستضرها أكثر مماتنفعها بكثير .. ولايجب أن تفعلها أبداً !!

_ على الأقل أن كعباً ظلّ يهجو النبي ..
ويقع في أعراض المسلمات سبعة أشهر بعد بدر ..
فلماذا لم يقتله إلا وقتها ؟!!! :

السبب يا سادة أن هذه العملية حقّقت هذا الهدف :
(وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله ..
فليس بها يهودي إلا وهو خائفٌ على نفسه !!!)

لأنها أتت بعد بدر والانتصار الرهيب فيها ..
ومابعدها من فرض هيبة النبي على الدول المجاورة له ..
ثم عمليته الاستخباراتية الناجحة على عير قريش رغم تغيير طريقها !!
(الدرس السابق) .

..

ولولا تحقيقها لهذا الهدف :
(وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله ..
فليس بها يهودي إلا وهو خائفٌ على نفسه !!!)

لما فعلها برأيي بهذا الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلّم !!

..

فهذه العملية بطريقتها الاستخباراتية المُتقنة ..
والتي جاءت بعد عمل استخباراتي رهيب بعير قريش ..
هو من حقّق هذا الهدف (بإذن الله) ..

_ الهدف الذي لولاه لما فعلها النبي في ذلك الوقت .

_ فما فَرْضُ الهيبة وجَعْلُ كلَّ يهوديٍّ خائفٌ على نفسه ..
إلا لشعورهم بقوّة وتمكّن الجهاز الاستخباراتي الأمني لرسول الله ..
وبيده الطولى !

_ وأنه قادر على الوصول إلى كل شخص فيهم ..
زحتى إلى قريش وقوافلها أينما ذهبوا ..

..

السؤال هنا : ؟!!
هل حقّقت شارلي إيبدو هذا ؟!!! ‏‎ !!!

أعرفتم لماذا قلت لكم :
أخذنا الرسم والشكل وتركنا المضمون !!!!
(فريق) .

_ أو ما أخذنا من ديننا إلا أنه دين المحبّة والكلمة الطيبة ..
واليهودي والزبالة ولو ضربك كفّ على خدّ أعطه خدّك الثاني !!!
(الفريق الآخر) .

_ وما تتعلمه هنا هي حقيقة هذا الدين يحقّه ..
الذي لن يفقهه والله ولن تقوم الأمة إلا ..
أن يتعمّقوا بالسيرة بحقّها .. ويدرسوا هذه الدروس فيها !!

....

ثامناً :

يدلّك على درجة أهمية العمليات الأمنية ..
أنه يُسمح لك حتى بالكلام على النبي والتذمّر منه ..
ولاحقاً ستجد السماح بوصفه بتهم قبيحة : فتّان ... الخ !

وهذا كفر عظيــــــــــــم !!
يستحق صاحبه القتل دون الرجوع للوالي حتى !!

_ ومع ذلك أُبيح لمثل هكذا عمليات !!!!!
ولاتعليق .. !!

....

تاسعاً :
لمن يستهين بالعمليات الأمنية داخل العمق !!
هل تعلم أن الصحابة كانوا ينشدونها بأشعارهم ..
ويصفونها ويبيّنون أهميّتها !!

وهذا حسّان شاعر النبي يقول :

للّه درُّ عِصابةٍ لاقيتهمْ .. يا ابن الحُقَيقِ وأنت يا ابن الأشرفِ .
يسرونَ بالبيضِ الرقاقِ إليكمُ .. مرحاً كأسدٍ في عرينٍ مغرفِ .
(هذا يدلّك على اختراقهم ووصولهم بالحنكة والعقل لعقر دار العدوّ)
حتى أتوكمْ في محلّ بلادكمْ(داخل العمق)فسَقُوكُمُ حَتفاً ببِيضٍ قَرْقَفِ .
مُستَبْصِرين لنصر دين نَبِيِّهِمْ .. مُستَصغِرينَ لكلّ أمرٍ مُجحِفِ .

...

كتبــ العبد الغريب ـــبه

16\1\2015