سنن الحق في السنة والبدعة في النمو والبقاء

الحمد لله رب االعالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

اللهم اجعلنا من الذين اهتدوا فتزيدهم هدى، وجنبنا البدعة وأهلها ولا تفتنا بعد أن هديتنا، أنت مولانا وولينا وعلى كل شيء قدير.

قلت لشيخنا العلامة أبي قتادة : إني أحاول أن أضع نفسي مكان أهل البدع كي أفهم كيف يفكرون وكيف عقولهم يستخدمون، فأجد نفسي مجنونا أو عقلي مخبولا. فسألته عن أسباب قوة انتشار البدعة ومسارعة الناس إليها، وما هو تفسير ذلك ؟؟؟


فأجاب شيخنا حفظه الله:
البدع تنشر في الابتداء....
ثم تؤول إلى الانتهاء.....
والحق يبدأ قليلا ثم ينمو...
انظر إلى طائفة الجهاد كيف تنمو وسط الأعاصير قليلا قليلا  إلى الأرض المقدسة بلطف غريب مع الفتن. تظن أنها ستهلك في كل عاصفة، كخامة الزرع كما وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَثلُ المؤمنِ كمَثلِ الخامَةِ مِنَ الزَّرعِ ، من حيثُ أتَتها الرِّيحُ كفَأتها ، فإذا اعتدلت تَكفَّأُ بالبلاءِ . والفاجِرُ كالأَرْزَةِ ، صمَّاءَ معتدلةً ، حتَّى يقصِمَها اللَّهُ إذا شاءَ"، وأخرج مسلم في صحيحه عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثلُ المؤمِنِ كمثلِ الخامةِ منَ الزَّرعِ . تُفيئُها الرِّيحُ . تصرعُها مرَّةً وتعدِلُها أخرى . حتَّى تَهيجَ . ومثَلُ الكافرِ كمَثلِ الأرزَةِ المُجذيةِ على أصلِها . لا يُفيئُها شيءٌ . حتَّى يَكونَ انجِعافُها مرَّةً واحدةً". لكنها تنمو رويدا رويدا. هذه يد الله سبحانه وتعالى.

والفرق بين الحالين أن البدعة والشر تستهوي الصغار والأطفال وأصحاب الأهواء وهم الأصل في البشر كما يقرر القرآن ذلك، قال الله تعالى: "أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ "(هود 17) وقال تعالى: " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (يوسف 40) وقال تعالى: "المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ "(الرعد 1)،وقال تعالى: " فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين" (القصص 50). فإذا قامت البدعة والشر طاروا إليها بلا تفكر ولا نظر، وأما الحق فثقيل، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن ما من أحد دعاه وإلا وكان له توقف في الاستجابة ، إلا أبو بكر رضي الله عنه، فقد روى ابن اسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة و تردد و نظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته، و لا تردد فيه "، ولذلك الحق يسري رويدا بين الناس، ثم لو قام في أول الدعوة لما علم الناس يد الله تعالى، ولما كان في ذلك حكم الابتلاء، ولما وقع الحق موافقا للقدر الذي يلائمه من النصر وهو ما يسمى بالظرف السنني للبقاء والنمو والارتفاع.
والفرق يلاحظه المرء في طريق الأنبياء وسنن نصرهم وظفرهم بمرادهم، كما أنه يستطيع ملاحظته في بناء أهل البدع كيف تقوم متسارعة كالثور الأهوج ثم تبدأ بالإنحسار ، ولو تفكرت لرأيت أن هذا فيه ابتلاء الله للناس، لإنها بإقبالها أي البدع على هذا الوجه من التدفق والثوران فتنة لأهل العلم والناس، فالعالم لا تضره ولا تفتنه حتى وهي في أوج قوتها ، وأما الناس فيتساءلون ويقعون في الشك، والذين يريد الله إبعادهم يسقطون.
وهذا المعنى كذلك في الحق، حيث لا يقبل عليه في الابتداء إلا أهل العلم والنظر ومن أراد الله لهم الخير
فيحصل لهم السبق الذي يحقق أعظم الرضى الإلهي.
ولو طبقت هذا على واقعنا لرأيت أن طائفة الجهاد كانت دوما تقوم على الصفوة، ولم ينضم إليها إلا من استطاع الخروج عن سطوة من سموا بالعلماء من أصحاب الاسماء الكبيرة، وتحملوا أعظم المشاق، وقدموا أعظم التضحيات، في زمن كانوا هم القلة، وفي كل فترة كان البلاء عظيما، وفي كل مرحلة تظن أنهم قد ذهبوا وانتهوا ، ولكنهم مع ذلك ينمون ويتكاثرون وينتشرون ويلحق بهم الناس.
البدعة تبدأكبيرة يهرب الناس إليها، ويكون فيها الهوى والشهوة والشهرة والبريق الذي يخطف أعين الاطفال، لكنها بعد ذلك تبدأ بالإنحسار والذهاب.
ولقد تعجبت كثيرا من انتشار الإسلام خلال الحروب الصليبية حتى دخل أوروبا، أليس هذه سمة الحق يتقدم وينمو حتى وهو مستهدف مدافع.
ولو راقبت طائفة الجهاد لرأيتها على هذا المعنى ، وحين التحق الناس بها قامت البدعة لتصفي الصف وتنقيه، وليلقى معنى البلاء حتى وهي تنمو، وهذه سمة الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
فهو ينمو ويبتلى وينمو مع البلاء.
ولو تفكرت في حال المنافقين زمن النبي صلى الله عليه وسلم لعجبت كيف يرون كل هذه الانتصارات ولا يؤمنون!!!
والجواب هو هذا: إنهم في كل وقت وفي كل ابتلاء يظنون أن هذه نهاية الإسلام، حتى بعد فتح مكة.
والكثير من أحبتي يتحيرون في كلامي عندما أقول لهم إنني أرى فتح بيت المقدس قريبا.
فيقولون : أين أنت من الفتن ؟؟؟
وكيف ترى هذا مع كل هذا البلاء ؟؟؟
فأقول لهم ما قلته اليوم: لا نصر بلا ابتلاء يصاحبه، فهذه سمة هذا الدين وخصوصيته، ووالله أني في بعض لحظاتي لأعجب كيف يجاهد إخواننا في بلاد الشام مع كل هذا البلاء والفتن من كل حدب، داخلية وخارجية ، فلا أجد جوابا إلا أن الله يريد نصر هذا الدين وقد جاء أوانه إن شاء الله تعالى.

فالبدع تبدأ كبيرة ثم تموت والحق يبدأ قليلا ثم ينمو ليقع قوله تعالى: " وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " (الأنفال 26).

وجزاكم الله خيرا شيخنا العلامة وحفظك وأطال في عمرك وأحسن عملك وخاتمتك.

 

أبو محمود الفلسطيني