الخلاصة في مناقشة إعلان الخلافة

 

 

[الكاتب : محمد بن صالح المهاجر]
print.gif

مقدمة منبر التوحيد والجهاد


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

وبعد ..

فهذا مبحث علمي مفيد من إخوان لنا في جزيرة العرب في مناقشة إعلان الخلافة، الذي ألزم معلنوه المسلمين في بقاع الأرض إقراره والدخول في بيعته، بل أبطلوا الجماعات الجهادية والدعوية العاملة ودعوا أتباعها إلى تركها وبيعتهم، وأثموا من لم يهاجر إليهم ويبايع خليفتهم ..

وكل هذه وغيرها آثار ومقتضيات رتبوها على الإعلان الذي أعلنوه متجاوزين مسألة هل لإعلانهم وجه من الشرعية والصحة في طرق الاستخلاف التي قررها علماء المسلمين، فصاروا إلى المقتضيات قبل تقرير الأصل، وأعملوا مباضعهم في النقش قبل أن يثبتوا العرش، وألزموا المسلمين بالثمرات من جهة الواجبات دون أن يلزموا أنفسهم أو يستطيعوا أداء الثمرات من جهة حقوق المسلمين في بقاع الأرض التي عمموا عليها سلطانهم بإعلان الخلافة ..

وهو أمر لم يسلم لهم شرعا ولا عقلا .. كما بينه أخونا فضيلة الشيخ محمد بن صالح المهاجر حفظه الله تعالى في هذه الرسالة العلمية المختصرة النافعة .

نسأل الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء وأن ينفع بما كتبه المسلمين وأن يرد للمسلمين خلافتهم وتمكينهم وأن يؤلف بين المجاهدين ويحقن دماءهم .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

منبر التوحيد والجهاد 
غرة ذي القعدة 1435هـ. 

***


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد:

فمعلوم ما جرى من إعلان للخلافة من قبل الإخوة في (الدولة الإسلامية في العراق والشام) وما تلا ذلك من بلبة وتخبط وعدم أخذٍ للموضوع من منطلق شرعي بحت بلا تعصب يعمي عن الحق ويفرِّق الصفوف ومعلوم أن هذا موضوع شرعي ليس للعواطف والأهواء والآراء الشخصية فيه مكان فالواجب على كل من ليس عنده من العلم ما يخوله ويؤهله لمعرفة الحق أن يكف عن التعصب فيما يجهل فالبعض لو سئل عن أبجديات أمور الخلافة مثل طريقة قيامها الشرعية وحقوق الإمام على الرعية وحقوق الرعية على الإمام ونحو ذلك لما علم من ذلك من شيء ومع ذلك تجده يتحدث ويقرر في مسألة كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجمع المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح ليأخذ رأيهم في مسائل هي أصغر منها بمائة مرة، فليعلم كل مسلم أنه سوف يُسأل عن كل كلمة لم يتق الله فيها وكل حكم لم يتجرد فيه للحق وليعلم أن العاطفة والحماسة ليست دليلاً يبيح له أن يؤيد أو يعارض هذا الإعلان ولذا عليه أن يتق الله وأن يجتهد في معرفة الحق بدليله دون أن تؤثر عليه عاطفته وخلفياته وأحكامه السابقة أو ليترك هذه المسائل لأهلها ويتبع علماء الأمة الصادقين الذين يثق بدينهم وصدقهم وعلمهم والذين كان يَعتبر برأيهم قبل حصول ما حصل وليس بأن يخدع أحدنا نفسه فيبحث عمن يوافق هواه ثم يقول أنا اعتبرت برأي فلان مع أنه لم يكن ينظر إليه ولا يعتبر به من قبل وليعلم أنه سوف يُسأل يوم القيامة لِم لَم تتبع الحق ولن يسأل لِم لَم تتبع عاطفتك وهواك وما تحب بل سوف يسأل إن لم يتبع الحق: لم أتبعت هواك وتركت الحق؟ وليحرص كل مسلم في الدعاء للمجاهدين خاصة وللمسلمين عامة بالهداية والتوفيق وليكثر من قول: « اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » .

ونحن إن شاء الله سنجتهد في عرض هذا الإعلان بشكل موضوعي بلا تعصب إلا للدليل إن شاء الله سائلين المولى التوفيق والسداد .

فنقول: أولاً؛ إنه من المعلوم عند أهل السنة والجماعة أن الإمامة تنعقد بطريقين شرعيين لا ثالث لهما هما الاختيار والاستخلاف وثالث غير شرعي وهو القهر والغلبة وحتى نعرف هل صح انعقاد الخلافة بهذا الإعلان أم لا علينا أن نسأل أو نتسأل: عن أي هذه الطرق انعقدت هذه الخلافة؟!

وقبل تأمل الإجابة على هذا السؤال ومناقشتها سوف ننقل إن شاء الله الأقوال في كيفية انعقاد الخلافة من ناحية القدر المتمم من أهل الحل والعقد لانعقادها ثم نذكر القول الراجح وهو قول جمهور أهل السنة والجماعة في ذلك ثم نطبق واقع هذا الإعلان عليه إن شاء الله فنقول مستعينين بالله:

انقسم الناس في ذلك إلى ثلاثة مذاهب:

أولاً: قوم اشترطوا الإجماع التام على الخليفة المختار ولم يحددوه بعدد معين ..

وانقسموا إلى قسمين:

1 - قوم اشترطوا الإجماع التام من قبل الأمة على الخليفة المختار الذي يختاره أهل الحل والعقد . وقد عزا الأشعري هذا القول إلى الأصم من المعتزلة .

2- وقوم اشترطوا إجماع أهل الحل والعقد، ومال إلى هذا أبو يعلى في كتابه (المعتمد في أصول الدين).
وعند النظر في هذا المذهب نجده مردودًا بشطريه:

الأول: وهو اشتراط إجماع الدهماء فلا يلتفت إليه، ذلك لأنه مرفوض شرعاً وعقلاً، شرعاً لأنه لم يرد عليه دليل ولأنه من واقع الصحابة يعرف عدم اعتبار ذلك ولأنه كما يقول ابن حزم رحمه الله : (تكليف ما لا يطاق وما ليس في الوسع وما هو أعظم الحرج، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. قال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وعقلاً لأن طبقة الدهماء لابدّ أن تكون مقلدة لفئة فيها، تؤثر عليها بالدعاية والضجيج، فلا تستطيع أن تحكم في أناة وتعقُّل لتختار الإمام العادل فيختل بذلك أمر مهم وهو اختيار الإمام الذي تتوفر فيه الشروط الشرعية الثابتة، ومن ثم فإن أهل الحل والعقد وهم : الطليعة الواعية والفئة المختارة من أهل الاجتهاد من الأمة هم الجديرون باختيار الإمام، لأنهم سيحتملون وزره إذا لم يتحروا في اختياره الصواب، وسيكونون شركاءه في مآثمه ومظالمه.

أما الشطر الثاني فهو مدفوع أيضًا بما حصل في عصر الصحابة مثل بيعة أبي بكر الصديق فلم يجمع عليها كل أهل الحل والعقد فقد تخلف مثل سعد بن عبادة رضي الله عنه ومع هذا انعقدت البيعة فهذا دليل على عدم اشتراط الإجماع وكذلك فيه من المشقة والعنت ما فيه.

المذهب الثاني:

وهم من حدد لأهل الحل والعقد عدد معين وأغلب من قال به هم أهل الكلام كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله 

واختلفوا في هذا التحديد إلى عدة آراء هي :

قوم قالوا: (إن أقل ما تنعقد به أربعون لا دونهم، لأن عقد الإمامة فوق عقد الجمعة ولا تنعقد بأقل من أربعين)

وذهب آخرون إلى : القول بأن أقل ما تنعقد به خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، واحتجوا لذلك بأن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة، ولأن عمر قد جعلها شورى في ستة). ونُسب هذا القول إلى شيوخ المعتزلة الجبائين والقاضي عبد الجبار.

وذهب آخرون إلى انعقادها بأربعة قياسًا على أكثر نصاب الشهود.

وذهب الفريق الآخر إلى اشتراط أن يكونوا ثلاثة، لأنهم جماعة لا تجوز مخالفتهم.

وذهب آخرون إلى انعقادها برضا اثنين للثالث، لأن الاثنين أقلّ الجمع وليكونا حاكمًا وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين. وعزا الماوردي هذا القول إلى علماء من الكوفة . ونسبه البغدادي إلى سليمان بن جرير الزيدي وطائفة من المعتزلة.

وقالت طائفة تنعقد بواحد، واستدلوا على ذلك بأن العباس قال لعلي رضي الله تعالى عنهما : ( امدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان ). ولأن عمر لما بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنهما تبعه الصحابة على ذلك ووافقوه . ولأنه حُكْمٌ، وحكم واحد نافذ . وممن قال بذلك الأشاعرة وهو مذهب الزيدية.

وذهب جمهور الشافعية إلى أنها تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة في ذلك الموضع من العلماء والرؤساء ووجهاء الناس المتصفين بصفات الشهود، حتى لو تعلق الحل والعقد بواحد كفى . 

وعند النظر في هذه الأقوال والآراء نجدها مرفوضة لما يلي :

1- قياس عدد أهل الحل والعقد على عدد من تصح بهم الجمعة أو الشهود، أو النكاح أو غيرها غير مسلم به، لأنه قياس مع الفارق، ولا يصح انفراد عدد قليل بالبتِّ في أمر يهم الأمة كلها، اللهم إلا إذا قلَّ أفراد جماعة أهل الحل والعقد- وهذا بعيد حدوثه إن لم يكن مستحيل- فحينئذ تكون الضرورة هي الملجئة إلى القول بانعقاد الإمامة بالعدد القليل. ( ولأنه ليس قول من قال: تنعقد باثنين بأولى من قول من قال: تنعقد بأربعة، ولا قول من قال: تنعقد بأربعة بأولى من قول: من قال : تنعقد بالجماعة ... ) .

2- أما الاحتجاج ببيعة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فلا يصح، لأن بيعة أبي بكر لم تنعقد ببيعة الخمسة الذين ذكروهم فقط، وإنما تمت بمبايعة كبار المهاجرين والأنصار كما جاء في حديث السقيفة، قال ابن تيمية عند قول الرافضي : إنهم يقولون : الإمام بعد رسول الله أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة قال: فيقال له: (ليس هذا قول أئمة السنة وإن كان بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة كما قال بعضهم : تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة). إلى أن قال: (ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه - أي أبا بكر - وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة ) .أ.هـ .

3- وكذلك فعل عمر في حصر الخلافة في الستة الذين اختارهم فنقول أولاً: عمر إنما اختار من اختار لأن الصحابة أنفسهم الذين هم أهل الحل والعقد قد طلبوا منه أن يختار لهم فهو أولاً مخول من الصحابة أنفسهم فاختياره راجع إلى طلبهم، ثانياً: هذا ليس حصرًا لعدد أهل الحل والعقد الذين يختارون ويعتبر برأيهم في الموافقة على الاختيار، وإنما لمن يُختار منهم، فهم جميعًا مرشحون للخلافة ويُختار أحدهم، قال ابن تيمية: (عثمان لم يصر إمامًا باختيار بعضهم - أي بعض الستة - بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان لم يتخلف عن بيعته أحد ) . وقد ذكر ذلك الإمام أحمد أيضاً أي أن بيعة عثمان انعقدت بالإجماع. يدلّ على ذلك أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بقي ثلاثًا لا تغتمض عينه بكثير نوم وهو يشاور كبار المهاجرين والأنصار يستشير الناس فيهما- أي عثمان وعلي- ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأخيارهم جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى ومجتمعين فلم يجد أحدًا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه .

4- أما الاستدلال على صحة بيعة الواحد بمبادرة عمر في بيعة أبي بكر ثم تبعه الصحابة ووافقوه على ذلك فلا يصح، لأن سبب إتباعهم له هو رضاهم بما ذهب إليه، لا أنه قد ألزمتهم مبايعته إتباعه، وإلا لو فرض أنه لم يبايع غير عمر لما ثبتت إمامة أبي بكر خصوصًا وهو القائل : (من بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايع تَغِرَّة أن يقتلا ). أما كون عمر هو السابق إلى البيعة ففي كل بيعة لا بد من سابق، كما قال ابن تيمية .

5- أما الاستدلال على صحة بيعة الواحد بأن العباس قال لعلي بن أبي طالب بعد موت النبي : امدد يدك أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه ... إلخ فلا يصح لأمور منها :

أ- الحاجة إلى إثبات نسبة هذا القول إلى العباس رضي الله تعالى عنه وهذا متعذر، لأن القائل لم يذكر السند ولا حتى المصدر ولم أعثر أنا على سند له.

ب- ولو فرض صحته فإنه لم يتم ولم يفعله.

جـ - ولو فعله فلا يكون ذلك إلا تحبيبًا وتشجيعًا لغيره في المبايعة وهذا واضح من قوله: فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه، وتكون مبادرة منه لعلهم يتابعونه على ذلك.

6- وأما ما ذهب إليه جمهور الشافعية من انعقاد الإمامة بالواحد إذا انحصر فيه أهل الحل والعقد فكما قال د.محمد رأفت عثمان: ( لم يحصل في عصر من العصور انحصار الحل والعقد في واحد، ويندر أن يحصل ذلك ) . والنادر لا حكم له .

ومما يدل على ضعف هذه الآراء عموماً ما سيأتي في القول الراجح وما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي أنه قال: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد » وقال عمر رضي الله عنه: (...فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّهَ أن يقتلا) .

المذهب الثالث : وهو الراجح من مذهب أهل السنة والجماعة:

ذهب أصحاب المذهب الثالث إلى الاعتدال في تحديد أهل الحل والعقد، فلم يشترطوا الإجماع كما قال أصحاب المذهب الأول، ولم يشترطوا عددًا معينًا كما قال أصحاب المذهب الثاني، وإنما اشترطوا جمهور أهل الحل والعقد والأغلبية الذين هم أهل الشوكة، والذين بمبايعتهم واختيارهم للإمام يحصل مقصود الإمامة وطبقًا لهذا الاتجاه لا يؤدي تخلف بعضهم إلى الطعن في صحة الاختيار، كما لا يؤدي موافقة القلة أن تعطي للخليفة السند الشرعي للسلطة، لأن تخلف القلة لا يؤثر في مقصود الولاية، وموافقة القلة ليس من شأنه أن يحققها، وإنما العبرة بموافقة الأغلبية (الجمهور) لأنه بموافقتهم يتحقق المقصود من السلطة العامة الممثلة في الخليفة .

وقال الماوردي :(قالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضا به عامًا والتسليم لإمامته إجماعًا). وممن ذهب إلى هذا القول أبو يعلى في الأحكام السلطانية فقال :(أما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل والعقد عليه كلهم يقول هذا إمام) ، قال -أي أبو يعلى-: وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم).

وبين ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال في منهاج السنة النبوية عند قول الرافضي: إنهم يقولون : الإمام بعد رسول الله ؟ أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة قال : فيقال له: (ليس هذا قول أئمة السنة وإن كان بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة كما قال بعضهم : تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم : تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة). وقال: (ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه - أي أبا بكر- وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعته جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك، فمن قال يصير إمامًا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط) وقال كذلك عن بيعة عثمان: (وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد .. فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماماً وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماماً..) قال عمر رضي الله عنه وهو على فراش الموت : (أمهلوا، فإن حدث بي حدث فليصل بالناس صهيب مولى بني جدعان ثلاث ليال، ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس ،وأمراء الأجناد فأمِّروا أحدكم - للستة- فمن تأمر من غير مشورة فاضربوا عنقه ).وقال ابن تيمية كذلك: (فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماما، ولهذا قال أئمة السنّة؛ من صار له قدرة وسلطان يفعل بها مقصود الولاية فهو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، إلاّ أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم...) وقال الجويني: (لا بد في الخلع-أي خلع الإمام عند الحاجة- والعقد-أي تولية الإمام- من اعتبار الشوكة) . قال الصّاوي: (المختار من ذلك ما ذهب إليه أبو يعلي وابن تيمية ومن تابعهما، من انعقادها بجمهور أهل الحلّ والعقد الذين تدلّ بيعتهم على رضا جمهور المسلمين بهذه الإمامة، وهم في الوقت نفسه أصحاب الشوكة والغلبة التي لا تتمّ مقاصد الإمامة إلاّ بها، إذ لا يخفى أنّ في اشتراط الإجماع عنّات، وفي الاكتفاء بالواحد تفريط).

فعلى هذا يجب توفر أمرين في البيعة الشرعية للإمام والخليفة هما:

1- موافقة جمهور أهل الحل والعقد عليها الذين تدل بيعتهم على رضا جمهور المسلمين كما جاء في البخاري أنَّ عمر رضي الله عنه قال: ( ...فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّهَ أن يقتلا) وقوله لأصحاب الشورى الستة : (.. فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْر مَشُورَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقه ) رواه ابن سعد بسند صحيح كما قاله ابن حجر في الفتح في موضعين. وروى المعرور بن سويد عن عمر كذلك أنه قال: (من دعا إلى إمرة من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه).

2- كونهم هم أهل الشوكة والغلبة التي لا تتم مقاصد الإمامة إلا بهم.

وبعد هذا العرض نقول لو تأملنا الإعلان وعرضناه على ما سبق توضيحه لوجدناه يفتقد لكلا الأمرين الذين بهما تنعقد الإمامة: 

فمن ناحية فهم -أي معلني الخلافة- لم يشاوروا جمهور أهل الحل والعقد من الأمة بل لم يستشيروا غيرهم من أهل الحل والعقد من أمراء الجهاد الذين هم من أولى من يدخل في أهل الحل والعقد سواءاً في خراسان أو في باكستان أو في اليمن أو الصومال أو الجزائر أو القوقاز أو مالي أو تونس أو سيناء أو فلسطين وغيرهم من المجاهدين فضلاً أن يكونوا استشاروا جمهور أهل الحل والعقد من الأمة، وليعلم أننا حينما نقول أهل الحل والعقد من الأمة لا نقصد به علماء الطواغيت أو العملاء للغرب وأذنابهم بشتى أنواعهم أو المنحرفين بشهوات أو بشبهات وإنما نعني به من توفرت فيهم صفات أهل الحل والعقد التي ذكرها أهل العلم من عقيدة صحيحة وعلم وعدالة وعقل ورأي وحكمة وشوكة وغير ذلك ونحسب أنه لا يخلو قطر من أقطار المسلمين منهم ولله الحمد وخاصة ساحات الجهاد التي ذكرناها فكم فيها من أمراء وعلماء ومشايخ وقادة لهم من العقيدة والعلم والرأي والشوكة في أماكنهم الشيء الكثير - منهم من هم معروفون مشهورون ومنهم غير ذلك ولا يعني عدم شهرتهم هضم حقهم - ولهم من العمل في الجهاد والدفاع عن الأمة عشرات السنين جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء فهم كما قلنا من أولى من يدخل في أهل الحل والعقد ولا أظن أنه يشك في ذلك عاقل منصف.

ومن ناحية أخرى فهم -أي معلني الخلافة- ليس لديهم من القدرة والشوكة ما يوفروا به الحماية للمسلمين ويخضعوا به من هو خارج الأجزاء المسيطرين عليها في العراق والشام مما يحصل به مقصود الخلافة وحتى تكون الصورة واضحة جلية نقول إن حكم الدولة في الأجزاء المسيطرة عليها في العراق والشام هو نفس حكم طالبان في أفغانستان سواءاً ما قبل غزو أفغانستان - وطالبان وقتها كانت تمتلك كل مقومات الدولة ومستلزمات المُلك التي يتطلبها هذا الوقت بمعنى الكلمة مثل وجود وزارات ومؤسسات دولة حقيقية على أرض الواقع لها تواجد لا يشوبه نقص ولها عملة خاصة بها وغير ذلك - أو الآن فمعلوم أنها تسيطر الآن على مناطق شاسعة من أفغانستان وكذلك حركة طالبان باكستان لها سيطرة على مناطق في وزيرستان حتى كادت تصل العاصمة في عام 2008، وكذلك نفس حكم حركة الشباب في الصومال، ونفس حكم أنصار الشريعة في اليمن لما سيطروا على أبين وشبوة، وكذلك نفس حكم أنصار الدين لما سيطرت في مالي فلا يحق لواحد من هؤلاء أن يعلن الخلافة دون استشارة باقي المسلمين لأنه يكون بإعلانه هذا فاقد لأمرين الأول هو عقد الإمامة بمشورة من المسلمين والثاني لأنه لا شوكة له إلا في ما يسيطر عليه فقط هذا إذا سلمنا أن كل مقومات الملك موجودة في ما يسيطرون عليه ولا شوكة له في غيره من المناطق .

وهنا نعود للتأمل في إجابات السؤال الذي طُرِح في البداية حتى نزيد الصورة وضوحاً:

فنقول إن الإجابة عليه لن تخرج عن أحد الطرق التي ذكرها أهل السنة وهي الاختيار أو الاستخلاف أو الطريق الغير شرعي ولكنه يعتبر به للضرورة مع كونه غير جائز وهو القهر والغلبة.

فإن قيل إن الخلافة انعقدت عن طريق الاختيار فنقول هذا غير صحيح لما مضى ذكره والدولة نفسها قالت أنها لم تشاور أحداً وأنَّ من اختار الخليفة هم شورى الدولة نفسها فقط فنفس من عينهم الشيخ أبو بكر البغدادي في مجلس شوراه هم من قاموا بتعيينه خليفة على المسلمين! .

وإن قيل أنها انعقدت باستخلاف الشيخ أبوعمر رحمه الله لأبي بكر قلنا، أولاً الدولة نفسها لم تدعي أصلاً أن الشيخ أبا عمر رحمه الله خليفة حتى يكون قد استخلف ولو فُرض أنها ادعت ذلك - وهذا لم يحصل كما قلنا- لنوقشوا في دعواهم هذه كما نناقش نحن الآن هذا الإعلان فليتأمل، بل لو قدر أنه حقاً خليفة - أي أبوعمر- واستَخْلَف فإن من شرط الاستخلاف أن يوفق عليه أهل الحل والعقد كما استشار أبو بكر الصديق الصحابة حين استخلف عمر بل إنهم هم الذين طلبوا منه في البداية أن يستخلف ولذلك قال ابن تيمية: (وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما) فتأمل، فحقيقة أبو عمر تقبله الله أنه كان أميراً على ما سيطروا عليه في العراق آنذاك مثله مثل أبو الزبير في الصومال والملا محمد عمر في أفغانستان وغيرهم ممن سيطروا على مناطق في أماكنهم - وهنا ننبه إلى أن إقرار شيوخ الجهاد كالشيخين أسامة وأيمن للشيخ أبو عمر رحمه الله إنما هو للإمارة على العراق لا على كونه خليفة، والمتأمل يعلم ذلك بداهة، وتسميته أميراً للمؤمنين لم يقصد بها الخلافة للمسلمين جميعاً مثله في ذلك مثل الملا محمد عمر حفظه الله فهو يسمى أمير المؤمنين من قبله ومع هذا فهو ليس بخليفة ولم يدعي ذلك وإنما لقبٌ تلقبا به والعبرة دائماً بالحقائق والمعاني لا بالمسميات والمباني-.

وإن قيل إن الخلافة انعقدت بالطريق الثالث الغير شرعي وهو الغلبة والقهر قيل هذا غير صحيح وغير حاصل، وكما قلنا، كل عاقل يعلم يقيناً أنه لا غلبة له على خراسان ولا على الصومال ولا على غيرهما من بلاد المسلمين كما أن أمراء أهل هذه البلاد لا غلبة لهم ولا قهر في أماكن سيطرت الدولة في العراق والشام فله من الغلبة والقهر مثل ما لأبو الزبير في الصومال وأمير طالبان في خراسان وكل أمير في موطنه - وليعلم أننا نذكر مثل هذا الكلام في سياق توضيح المسألة من ناحية شرعية وإلا فإننا نجلهم جميعاً بأن يكون همهم الملك والولاية بل همهم كما نحسبهم والله حسيبهم نصرة دين الله وإعلاء كلمته وإن أخطأ أحدٌ منهم بما أخطأ به- وهنا يتضح عدم صحة وجود غلبة وقهر تمكنه من القيام بمقام الخليفة للمسلمين جميعا.

وكذلك نحن هنا نسأل، هل بقدرة الذي أُعلن أنه خليفة أن يُسيِّر الجيوش لفك الآلاف من أُسارى المسلمين من الرجال والنساء الذين جعل نفسه إماماً وأميراً لهم في مشارق الأرض ومغاربها، سواءاً في قبضة المرتدين، أو في قبضة أمم الكفر كروسيا والصين وأمريكا وغيرهم، وهل باستطاعته الانتصار لشيخ هدم داره في فلسطين، أو رد مال مسلم أخذ ماله في موريتانيا مثلاً، فضلاً من أن نقول هل قام أو باستطاعته أن يقوم بتوفير كل ما يحتاجه المسلمون بمناطقهم من أمن وجلب طعام وتعبيد طرق، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في المدينة: "والله لو أن بغلة عثرت بسواد العراق لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعبد لها الطريق!؟".

وختاما .. أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يوحد كلمة المسلمين جميعاً على كلمة التوحيد وأن يقي المجاهدين شر نفوسهم وشر كيد الشيطان وأن يعيد لأمة الإسلام خلافتهم الراشدة الحاكمة بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ..

والحمد لله رب العالمين ,,, 

كتبه/محمد بن صالح المهاجر

 

 

 

 

_________________

 

 

●●رَبيبۃ السِّلَاح●●

@safaa159