سر القدر في القرآن الكريم(٦):

فضيلة الشيخ ابو قتاده الفلسطيني حفظه الله

قال تعالى:
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) البقرة
للنعم أقدارها، وسننها في البقاء والزوال، ويجب على العبد مراعاة ذلك، ليحفظ بقاء النعمة، أو يحقق قدومها إن غابت عنه، وهذه الأقدار تخالف أهواء الناس، والعاقل من لا يتابع هواه، ولا يضيع ما ينفعه من أجل شهوته.
النفس البشرية في فطرتها تحب التغيير، ويصيبها الملل مع جريان العادة، حتى لو كانت في النعيم، ولكن هذا له ضريبته وثمنه.
في هذه الآية بين سبحانه نعمه على بني اسرائيل، وذلك بنزول المن والسلوى عليهم، يأكلون ويتمتعون،ولكن تاقت نفوسهم لحال آخر، وطعام قديم قد ألفوه، مع أنه مرتبط هذا الطعام القديم بحال الذلة والهوان ،فبان للناظر أن هذا الشوق لما هو أدنى من الطعام هو رغبة بتغير الحال كذلك، وذلك لهوان هذه النفوس واستمرائها الذلة، فكان لهم ما طلبوا.
تطلبك لحال ما يرتبط بشهواتك يعني دفع الثمن من قيمتك في الحياة، ولا يعني هذا أن الحال الآخر هو خير لك في نفسه، بل قد يكون أدنى وأسفل.
ما هو مطلوب هو الصبر، فعلة مطلب بني اسرائيل:( لن نصبر).
البحث عن حال آخر له ارتباط في المقام، وله تعلق بقيمة المرء في الدارين ليس سيئا، بل هو أمر مرغوب به شرعاً، ولكن الحديث هنا عن اللذة، ( الطعام)، وهذا يسيطر على أصحاب الأهواء، حتى يكون مطلب بطونهم أهم من كونهم أذلة أو أعزة، وهذا هو الخبث المنهي عنه شرعاً.
القدر مخبوء وراء اختيارك، وسره مرتبط بقلبك، أحساناً بإحسان، وشراً بشر، فمن طلب شهوة بطنه دفع ثمنها ذلة وهواناً ، ومن طلب مطلب قلبه تعب ولكن أصاب عزة ومقاماً.
ارتباط القدر بالمعاني سر مجهول لدى الخلق، فالأكثرون ينتبهون لارتباط العمل الموصل للنتيجة، فمن جد وجد، ومن طلب الشئ من خلال سننه وصل إليه، لكن يجهلون ارتباط المعاني بما في نفوسهم.
واحد يطلب المال، فيعمل له، فيصل إليه، ولكن هل يفهم سر القدر في حاله ومقامه بعد الحصول على المال.
القرآن قال لبني اسرائيل(فإن لكم ما سألتم)، فما أردته ستأخذه، (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)ولكن هناك حيث يتحقق له ما سأل شئ آخر(وضربت عليهم الذلة والمسكنة).
لا تغفل النظر إلى الغني، ولا تغفل النظر لصاحب الجاه، أن لهم من هذه الأحوال حين سعوا إليها بوسائل الشر.
وحين نقول: طلبها بوسائل الشر، لا يقصد بذلك العمل ونوعه فقط، ولكن مع ذلك، وهو مهم جداً، يكون معاني القلوب.
معاني القلوب لها دور عظيم في اختيار نوع الحال الذي تكونه بعد الوصول لمطلوبك.
لقد تأملت هذا في أقدار العاملين للإسلام، فوجدت أن صلاح النية له أكبر حظ في إصابة المراد، حتى وهذا المراد يغيب في لحظته الأولى، لسنن تتتداخل على المطلوب، وَمِمَّا لا شك فيه أننا نتحدث هنا عما هو من باب الرأي، وما هو الحسن والآحسن.
اشتغال الناس بالسنن الظاهرة لا يعيب، وليس من الخطأ، فبه يقترب المرء من معرفة المآلات، وبها يقع تصويب الفعل وطلبه واختياره، ولكن يجب التنبيه على عامل النية والقصد( إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم)وهذا وهم في الأسر والقيد لقوله تعالى( يا أيها النبي قل لمن في آيديكم من الأسرى).
النية تصوب الفعل، وتهدئه إلى التوفيق الإلهي، ولذلك يعجز البعض عن رؤية الخير المنبثق من الشر، كما قال سبحانه وتعالى( إن الذين جاؤوا بالأفك عصبة منكم، لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم).
وهنا يبرز حديث: هل يأتي الخير بالشر؟وهو حديث جليل، لا بد من تدارسه وفهمه، ويبقى السؤال: هل يأتي الشر بالخير.
كم من أقدار جاءت في بدايتها بالألم، وأصابتها بالتعب والشر والمصائب، ثم كانت كالنار التي تورث الكثير من سماد الأرض، وينبت منها الخير العظيم.
ما ضابط هذا؟
إنه نية الفاعل الصالحة.
وهذا مدخل لقضايا متعددة ، اللهم أعن على جلائها وبيانها.

نشر المقال بتصرف مع حفظ حقوق النشر كامله لفضيلة الشيخ ابو قتاده

غرفة الفجر الاسلاميه - موقع العلم والمعرفه www.ilmway.com



Created: 11/05/2018
Visits: 11
Online: 1