سر القدر في القرآن(٢)

فضيلة الشيخ ابو قتاده الفلسطيني حفظه الله

قال تعالى:
‎وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (
‎البقرة30)

هذا أول خبر الإنسان ، وفيه حكمة خلقه وإيجاده، وفيه بيان عجز الخلق من الملائكة في إدراك سر هذا الخلق، وقد تكرر هذا الخبر في سور كثيرة، منها ما ذكر في سورة الأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف ، وطه،وص، وفي كل موطن علم جديد، وتآسيس لخبر آخر، لكن هاهنا ذكر تفصيلي لما نحن بصدده، وهو خفاء السر الإلهي في باب القدر على أقرب الخلق إلى ربنا،وهم الملائكة.
وأقرب ما يقال هاهنا مما نحن فيه، أن الملائكة لم يكن في علمهم الذي علمهم الله إياه من أسمائه وصفاته إلا أنه يحب المدح والحمد والتنزيه، ولذلك قالوا: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وهم قائمون بما يحب الله ويفرحه ويرضيه، فلم الخلق الآخر، وهم من يغلب عليهم اقتراف ما يغضبه ويكرهه!.
الإنسان بالنسبة للملائكة قدر آخر، لم يفهموا حكمة وجوده، ولا تعلق هذا القدر بأسمائه وصفاته، ولذلك تساءلوا تعلماً، وليس اعتراضاً( أتجعل فيها...).
ومن المعلوم أن الملائكة يشهدون الكثير من التقدير، بسماعهم كلمات الله القدرية من الله، ويشهدون تنزلات هذه الأقدار، وبما جرى من خلق سابق،فققد علموا أن هذا الخلق الجديد( يفسد فيها ويسفك الدماء)، والله لا يحب هذا ولا يرضاه.
والقصة بعد هذا معلومة لكل مسلم، ولكن السر في هذا الباب قوله تعالى لهم: إني أعلم ما لا تعلمون.
في الابتداء يحب ربنا سبحانه أن يعظم، ومن تعظيمه الذي يليق بجلاله أن يختص بمدح لا يمدح به سواه، وأعظم المدح له أن يمدح نفسه( لا أحصي ثناءً عليك كما أثنيت على نفسك) ومن المدح الخاص أن يقول العبد: إن الله يقول: إني أعلم ما لا تعلمون.
وواجب هذا القول، وذلك حين العجز عن بلوغ مراد الله في الأقدار هو التسليم.
هكذا بدأت حكمة الله تعالى في تقدير خلق الإنسان، وذلك بسر لا يعلمه إلا الله، ويعجز أعظم العالمين به وهم الملائكة إدراك سر هذا التقدير، فوجب حينها التسليم.
قوله تعالى( إني أعلم ما لا تعلمون) يعني أن هذا المخلوق يحقق في وجوده غير ما تقولون من افساده وظلمه، بل يحقق معاني أخرى يحبها الله، والله جل في علاه لأنه الأعلم بنفسه، لا يجري الوجود إلا على معنى ما يحقق حبه ورضاه، ويحقق صفاته وأسمائه.
الله غفور:
هذا يعني وجود عبد يذنب، فيستغفر، فيغفر الله له.
والملائكة لا يحققون هذا الإسم الذي يحبه الله.
العبد حين يذنب يغضب الله، ولكن حين يستغفر يفرح الله فرحاً لا يتحقق من فرحه من تسبيح الملائكة الذي لا ينقطع، فهذا رضى آخر، وفرح آخر.
فسر القدر مستور في أمرين: أن يمدح الرب بأنه يعلم ما لا يعلمه أحد، وهذا يوجب التسليم، والتسليم يفرح الرب فرحاً يليق بكبريائه، ويليق بعزته، فالمتكبر والعزيز يفرحه بأن يكون الواحد الأحد.
والثاني:أن مآلات الأقدار تظهر آثار صفات الله في الوجود، وذلك بأن يغفر، ويعذب، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط.
في سورة يوسف ذكر الحكم الإلهي بنوعيه( كما في الكثير من القضايا القرآنية وتعدد أنواعها، تذكر في السورة الواحدة): ذكر الحكم الشرعي( إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، وذكر الحكم القدري( إن الحكم إلا لله، عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون).
الحكم الشرعي خوطب به الكافر ليفهم معنى العبودية، والحكم القدري خوطب به المؤمن ليفهم أعلى مقامات العبودية.
وهاهنا جرى ذكر الامتحان القدري للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون. ذكراً يوجب عليهم التسليم، ويعلم الناس أن أقدارهم مع الوجود فيها سر الخفاء الموجب للصبر والإحتساب والتسليم.

نشر المقال بتصرف مع حفظ حقوق النشر كامله لفضيلة الشيخ ابو قتاده

غرفة الفجر الاسلاميه - موقع العلم والمعرفه www.ilmway.com



Created: 11/05/2018
Visits: 29
Online: 1